كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ساق الريح

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: ساق الريح   السبت أبريل 02, 2016 5:58 pm



نظرة عامة

كتاب " ساق الريح "، تأليف ليلى مهيدرة ، والذي صدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

بسبق الإصرار والترصد أقرر فتح الرسالة دون أدنى إحساس بتأنيب الضمير، فالرسالة قادمة من مجهول وموجهة لامرأة غيري، ومع ذلك اقتحمت خلوة حروفها بشغفٍ كبير وبانتظار أقل ما يقال عنه أنه شوق متخفّ في زي حب استطلاع، فهي ليست الرسالة الأولى التي تقتحم بريدي، فقد سبقتها أخريات، وبما أنني القاطنة في الطابق الأرضي، فأنا أول من تتوصل بالرسائل البريدية، ونظراً لكون العمارة السكنية شبه فارغة إلا من رجل عجوز أجنبي، وأسرة حديثة العهد بالزواج والإقامة، وأن باقي الشقق لم تعمر قط، فالبريد صار يوزع بشكل آلي، أَختار منه ما يخصني وأضع الباقي على عتبة السلم ليتسلمه الباقون، كنوع من التواصل غير المرئي وغير المباشر بين أناس جمعت بينهم وحدة المكان فقط لا غير.

في المرة الأولى بقيت الرسالة اليتيمة على السلم ليومين لأجدها في اليوم الثالث تحت عتبة بابي، ولا أدري أي يد تجرأت لتورطني بها؛ ربما لأني السيدة الوحيدة هنا، رغم أن الاسم كان مختلفاً تماماً.. أخذتها وقلبتها كثيراً، وربما تركتها على طاولتي لأيام وأنا متوجسة من فضها، رغم أن رائحتها وشكلها كثيراً ما كانا يغرياني؛ فهي تختلف جذرياً عن الرسائل البيضاء المستطيلة والشبه آلية التي تنبئني بتأخري عن دفع فاتورة ما أو بحساب متوقع لرصيدي البنكي، لكن لا أدري: متى وكيف وجدتُني أحملها بين يديّ وأقرأ حروفها المتسلسلة ربما لأبحث فيها عن دليل للجهة الموجهة إليها أو القادمة منها، لكنني لم أجد إلا كلمات يائسة لشخص يبحث عن ليلاه، ويستجديها للعودة ويعترف لها بما كان يتردد دوماً في البوح به.

حياتي شبه الجافة جعلتني أنـسى الرسالة أو ربما أتناساها، لكن وصول رسائل أخرى ورطني فيها، وكل واحدة تجعلني أجد مبرراً لفتحها عدا هذه الرابعة، فلا مبرر لي غير إدماني عليها وإحساسي بأني صرت عنـصراً فعالاً في قصة لا أعرف أصحابها، وربما شاهدة إثبات على وقعة الحب هذه واغتراب الطرفين عن بعضهما البعض؛ فالحروف حتى الآن ما زالت حبراً على ورق دون موعد على أرض الواقع، أو عنوان يشهد على أصحابه، ومع ذلك منحتني فرصة أكبر للتخيل والتوقع، والأهم أنها حررتني من حياة رتيبة أعيشها، وجعلت الأنثى بداخلي تنتفض وتعود لتتودد لمرآتها وتجدد علاقتها بأشياء تناستها منذ زمن، لأجدني في لحظة ما متشوقة لمقابلة المرأة التي تتغنى بها الرسائل، حتى وإن قضيت ساعات طويلة في نافذتي لعلها تكون قاطنة بالجوار.

*******
بالرجوع إلى شهرزاد التي اشترت حياتها بالحكي و السرد . نما حكي المرأة وبوحها حتي أصبح نوعاً من الشوق إلى الحياة ومتعتها .وكانسان له ذات وفكر , تطرح التساؤلات فتناقش وتجيب ثم تكتب , فلماذا تكتب ؟ وكيف ؟


هل تكتب شهرزاد حتى تحول شهريار إلى رجل يعاملها كما تود ؟ وبعيداً عن تاريخ القهر أن يعترف بها كجسد وروح له رغبات ورؤى في الحياة
-هل هو جموحها في التفوق عليه حتى تهزم المركزية التي يتبناها ,أم ماذا تكتب ؟ وما الموضوعات التي تؤرقها .
والإجابة هي أن المرأة لها دوافعها الهامة والملحة ومنها مقاومة خطاب الرجل السائد ومحاولة الإفلات من الثوابت والمحددات التي تعاني منها , كما أنها تتخذ الكتابة وسيلة لحل تناقضاتها مع الرجل وهي نوع من المقاومة ضد القهر الاجتماعي المتمثل في الأعراف والتقاليد التي تميز بين الذكر والأنثى . المرأة أصبحت تكتب لرغبتها في أن تكون. أن تستعيد حضورها وإنسانيتها في الحياة . وتذهب بها إلى أقصى حد من معارك كانت محبوسة في الروح , وانفرط عقد كلماتها على الورق , انفرط يدهشنا نحن بتلقي بوحها , ذلك البوح الذي يحمل على ظهره رواية متخفية . ووضع بائس تعيشه المرأة العربية باحثة طول حياتها عن الحياة التي تريدها , حالة صراع مع دواخلها كإنسانه وحالة صراع مع محيطها الذي بتسيده الرجل , هذا الأخر شريك الحياة والروح والمتنفس الوحيد لجعل الحياة جنه أو بؤس دائم , هو ذاته الجلاد والحارس والصانع لقضبان السجن الذي وضعها فيه .
ولأنها إنسان و روح , بدأت تتحرر, بالفن الذي يستهدف التعاسة على أمل أن يجد المتعوس تحررا , كبطلة روايتنا (ساق الريح) والتي تنشد العشق خلاصاً من حياتها التي تملأها الوحدة والرتابة وتلفها الأعراف والتقاليد التي تمنع النفس من حوائجها ومتعتها . فكان المتنفس لديها هي تلك الرسايل التي وضعت أمام بابها بالخطأ فجعلتها تراجع علاقتها بذاتها و تجدّد أسئلتها في الحياة و تغيّر حياتها وتعيش قصة حب وعشق في عالم الخيال والحلم .

ويتصاعد الخط العاطفي عند البطلة من خلال الرسائل التي تصلها بالخطأ لتعيشها في الخيال متغلبة بحلمها على الطابع الاجتماعي في الصراع الدائر بين رغباتها كأنثى وبين كرامتها كإنسانه وذكرياتها المتصادمة مع عالم الذكور ورغباتها لكل ما يمس وجودها المستقل والمحمل بالأثقال التي تجثم عليه . كل ذلك عبر تداعيات وتداخلات مع المونولوج النفسي الذي جعلها تفكر بإنسانيتها ووجودها ..
وتفكير في عالم يظل محكوماً دائما بالعقبات والعقد والضغوط المختلفة والذكريات المرّة فينتهي دائما الى الرفض والتمرد ..


النص الذي قدمته ليلى مهيدره في روايتها ساق الريح هو بمثابة الضوء الذي لمع من أخر السرداب ويتعين علينا تعقب السرداب لنعرف المداخل التي تشير إلى الملامح التي تريد الكاتبة أن توصلها في روايتها وهي
الأول - الماضي المستكن في أعماق البطلة , تعود إليه مستذكرة أو مستحضرة لتكشف به جذور الوعي الحاضر من خلال إنسان فرد أو شريحة .
الثاني – تكوين رؤيتها تبعاً لمحيطها النفسي , فهي امرأة يسكنها ذلك الهاجس حول الحرية والتي لم تستطع بطلة الرواية ان تعيشه إلا في الحلم والخيال , الخيال الذي يعتبر الحرية البديلة لكل شخص تتنازعة الأهواء والغرائز كطبيعة إنسانيه فتحاول النفس أن تعوض الحرمان والقصور بالأحلام والخيال والتمني .


الثالث – البعد الاجتماعي المتسع – واسميه العالم المجاور أو المحيط والذي يحكم قبضته على المرأة بعيدا عن البعد الإنساني غير آبه أنها روح تريد الحياة بكل نبض فيها .
الرابع – العامل الإنساني وهو إثبات الوجود كإنسان له احتياجاته و مسائلة نفسه و إعادة النظر في الأسئلة الحقيقية التي تتعلق بكينونة الإنسان: لماذا أعيش و كيف أعيش ؟ هذا السؤال الذي أرهق الفلاسفة و العلماء و شغل والأدباء , تعيد طرحه ليلى مهيدرة من زاويتها فغادرت الصورة النمطية للمرأة بما هي "ضحية مجتمع " لتجعل قضية المرأة هي قضية الإنسان وهويته في المطلق .
ونلاحظ ذلك عند بطلة الرواية من خلال رسائل الحب المجهولة تفتح لنفسها أسئلة الذات وتسمح لنفسها بمراجعة ذاتها بالنظر من جديد في حياتها و تنتبه لهذا الروتين القاتل، لهذا اليقين البارد الذي تعيشه ومن ثمّ تطرح أسئلة جديدة عن لماذا وكيف. وتحاول أن تجد أجوبة مختلفة تغيّر حياتها و نمط تفكيرها .


ويتجلى ذلك أيضا عندما تعمّدت الكاتبة أن تخفي ماضي البطلة فنحن لا نعرف شيئا عن طفولتها وكأن الروائية تهتم بالإنسان في لحظته الحالية فقط وتجرّده عن كل ماضيه كأنها تريد أن تقول أن الإنسان هو ابن اللحظة و لا قيمة لعمقه الاجتماعي أو الثقافي , وهذا بدوره يحيلنا إلى الفلسفة الوجودية أو العبثية ومؤسسيها سارتر ومن بعده وألبير كامو ..وهذا ما أكدته ليلى مهيدرة فتطرح مشكلة الهوية ولا تنتهي في روايتها ساق الريح " بإجابة محددة و كأنها تريد أن تنتهي أن السؤال أهمّ من الإجابة أو كأننا لا ننتهي الى إجابة محددة بل إلى أجوبة مختلفة باختلاف زوايا النظر ولذلك وردت الخاتمة غامضة تعج باستفسارات فالبطلة تدخل البحر في لقطة غامضة ومرة أخرى تؤكد الروائية ليلى المهيدرة تواصلها مع الفلسفة الوجودية التي تجعل من الانتحار مفهوم جديد يفتح على المطلق


الخامس – وهي الحالة الخاصة عند الكاتبة , وهو الهم الخفي في عالم المرأة فتوثبت الكاتبة لتلج في عالم التجريب الروائي وتحوله إلى عالم تأثيري أو تعبيري فيه من التأمل ما يجعل القارئ يناقش الموضوع المباشر حول المرأة وعالمها


ليلى مهيدره تقدم لنا من مخزون ثقافي ونفسي , وحياتي , يغتلي بالحرمان والوحدة وشعور التخلي والتسيب الإنساني . ترفده مآس قاتله من العادات والتقاليد والأعراف والتخلف , نصاً يفتح باب التساؤل على مصراعيه حول مكانة المرأة الناقصة شعوراً وإحساساً وحياة .
ليلى مهيدره بفنها ارتدت إلى بيئتها في صراع وحشي مستغرس ضد الأخطاء الإنسانية , محاولة إعادة صياغة الحاضر برؤية جديدة تهذب قيمه وتعدل موازينه . في بناء نزيه وعلاقات حضاريه عصريه وفي طموح جامح للإنهاض والبعث والتنوير ورؤى تقول: أنه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم ويشارك في مسيرة الحياة والكون ونصف قوته معطلة أو ناقصة وكيف يتقدم مجتمع نصفه مغيب أو مشلول ؟ وتحكمه في علاقاته الداخلية أوامر القهر والاستبداد الإنساني .
ساق الريح هي الرواية البكر للأستاذة ليلى مهيدره . كتبتها بلغة شاعرية هادئة تتعمق في النفس البشرية والاجتماعية فتشد القارئ في رحلة تساؤلات حول وجود الإنسان وحياته وما يريد منها وتدعوه للتأمل والتفكير .

**
دراســة "التنصُّص" و تناسخ المحافل في "ساق الريح" للكاتبة ليلى مهيدرة - الحبيب الدائم ربي
2015/05/10 الساعة 16:54 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


نحاول في هذه الورقة رصد آليات النص الذاتي أو التنصص Autotexte، في رواية الأستاذة ليلى مهيدرة "ساق الريح"، وفقما بسطه لوسيان دالينباخ وهو يشخص تمرّي (من المرآة) النص، حيث يبني "تعالقات مونولوجية تأملية مع ذاته أو مع جزء أو أجزاء من هذه الذات" عبر فعل انشطاري La mise en abyme باعتباره رهانا حواريا (مونولوجيا) يجريه النص ذاتيا، عبر التلخيص والتكرار والتضعيف والتعرية والتكثيف والاستباق والاسترداد" . . وتكمن قيمة هذه الظاهرة التناصية في كونها قابلة للقراءة على وجهين مجتمعين: محافظة التنصص " على دلالته النصية الخاصة، و"قيامه كذلك بدور تضعيفي ميتانصي". وهو وإن كان "مرتزقا نصيا" حسب توصيف داليباخ إلا أنه يساهم في تضفيرات نصية محايثة قد تمنح النص كثافة شعرية ودلالية.


في التباسات العنوان: ساق الريح


تنفتح رواية "ساق الريح " للكاتبة المغربية ليلى مهيدرة على عوالم متماوجة، مليئة بالدهشة والانتظار، بدءا من مناص العنوان الذي وإن كان يتناص، مع عناوين فنية مختلفة منها أغنية " ساق الريح"للمطرب الشعبي اليمني علي بن علي بن يحيى الآنسي المزداد بصنعاء سنة 1933، وهي من كلمات الشاعر سعيد الشحي،.وديوان الشاعرة المغربية نجاة الزباير " أقبض قدم الريح"(2007)،و رواية "ساق البامبو" للكاتب الكويتي سعيد السنعوسي (الفائزة بجائزة البوكر العربية برسم دورة 2013 )، إلا أنه، مع ذلك، يطرح سؤال إضافة الساق إلى الريح، التي هي "أَسْطَقِس" لم يثبت أن كانت له ساق، ولو على سبيل المجاز. هذا عدا استحضار مصطلح "ساق الريح"wind leg المتداول في مجال الطيران بالمدرجات حيث الإقلاع والهبوط بخلاف اتجاه الريح. وأيضا العبارة الفرنسية pied-de-vent (قدم الريح) التي تطلق على ظاهرة اختراق شلالات الأشعة للغيوم. والتي يقول بشأنها المأثور الكندي" حينما نرى "قدم الريح" فتلك تجليات نزول الله إلى الأرض". وإذا كان من السهل استيعاب أن تكون لأشجار البامبو سُوقٌ وجذوع فإنه يظل من الصعب تخمين طبيعة العلاقة بين ساقِ وريحٍ. ولو أن ذلك الترجيح قد يدخل، في الحالتين، ضمن الوجوه البلاغية التي ينزاح فيها الكلام عن معناه الحقيقي. علما بأن "الساق" المفترضة للريح قد لا تعني بالضرورة ذلك المقطع المعلوم من الأجساد الحية، أو كما يُجملها "لسان العرب" في الإنسان: ما بين الركبة والقدم، ومن الخيل والبغال والحمير والإبل: ما فوق الوَظِيف، ومن البقر والغنم والظباء: ما فوق الكُراع" ، لأن فهمنا لها ، على هذا الأساس سيظل مشوشا وغير مقبوض عليه بما يكفي من دقة، فيما المراد قد يكون، ربما، قريبا من كون الساق المعنية( وهي مؤنثة طبعا) ، وحسب المعاجم العربية أيضا ، هي "التنفس"و "النفـَس" إذ ورد عن علي بن أبي طالب أنه قال في حرب الشُّراة "لا بُدَّ لي من قتالهم ولو تَلِفَتْ ساقي" أي أنفاسي، ليس هذا وحسب، بل إن الساق الأقرب إلى منطق النص ، ودائما وفق المعنى المعجمي،هي " ذكـَـرُ الحَمام" أو فرخُه الحُرّ، هذا إذا ما استحضرنا العلاقة القديمة بين الحَمام الزاجل والرسائل، وبالنظر إلى كون الحكاية في الرواية تدور حول رسائل مجهولة، ولا يدري أحد أي ريح ساقتها(من السوْق والسياق)أو أي صُدفة قادتها على ساق الحمام (ككناية ) إلى صندوق بريد في عمارة تقطنها سيدة تعاني من عنوسة ووحدة قاسيتين. لهذا فإننا في هذه الرواية أمام عنوان يضع أفق انتظار القراءة أمام كافة الاحتمالات، كشأن الرسائل المريبة التي باتت ترِد على سيدة يفترض أن تكون قاطنة بعمارة أغلب شققها غير مأهول، " إلا من رَجُل عجوز أجنبي ، و من أسرة حديثة العهد بالزواج والإقامة".

ورغم أن الرسائل موجَّهة باسم سيدة لاوجود لها بالعمارة، وبما أن شخصية الرواية ،كما ذكرنا، كانت تقاسي "حياة جافة" فقد استبد بها فضول التلصص على فحوى هذه الرسائل. صحيح أنها قاومت نزوع حب الاستطلاع بوخز ضمير، وأجلت فتح الرسالة الأولى، والثانية والثالثة،إلا أنها لم تنجح في لجم فضولها مع ورود الرسالة الرابعة، ملتمسة لنفسها أعذارا منها كونُِ القدر اختارها لتكون "شاهدة" على قصة حب بين رجل وامرأة غير معلومين. بل أكثر من ذلك فإن ما تحويه الرسائل قد أيقظ فيها حس الأنوثة، و التي يبدو أنها فرّطت فيها منذ مدة غير قصيرة. تقول الساردة- البطلة:

" والأهم أنها حررتني من حياة رتيبة أعشيها، وجعلت الأنثى بداخلي تنتفض و تعود لتتودد لمرآتها وتجدد علاقتها بأشياء تناستها منذ زمن، لأجدني في لحظة ما متشوقة لمقابلة المرأة التي تتغنى بها الرسائل". ولئن كانت الرسائل الثلاث "مبهمة" ولا تكشف عن معطيات أو تفاصيل من شأنها إجلاء "حقيقة" حُب واقعي يسمي الأشياء والأفعال والصفات والأحوال، فإن الرسالة الرابعة فتحت أفقا لـ"تناص ذاتي أو "تنصص" ، وفقما حدده لوسيان دالينباخ، تتناسخ فيه المحافل والحكايات بشكل تضعيفي.


المحفل الأول: حين تختلق الحكاية مرجعها


لربما هي حكاية عادية بين رجل وامرأة، ومِثلها يقع كل يوم،من دون إثارة انتباه أحد. بيد أن تسريدها هو الذي منحها أبعادا قد تتجاوز حدود بساطتها. بمعنى أن المثير فيها ليس ما وقع، إنْ وقعَ فعلا، وإنما ما لم يقع. إنها حكاية بياضٍ يبحث عن سواده، وعن صمت يستفز الكلام. والمفارق في هذه الحكاية هو أنها بلا محددات مرجعية مفصولة عن روايتها، و من دون إحالة واقعية يُمكن الارتكازُ عليها. فالحكاية نسجتْ مراجعَها الخاصة من خلال بضع رسائل كتبها عاشق إلى معشوقته، فجنحت، بالخطإ، لجهة أخرى. لقد عملت علاقة ُ الحب المفترضة بين عاشقين مجهولين على تنشيط أفق التخييل، في الرواية، وفتحتْ كوىً لتضافر تساهم فيه أطراف مختلفة في إعادة تشكيل متن حكائي مفتوح بشكل حلزوني، انطلاقا من معطيات شحيحة قدمتها الرسائل الأربع الجانحة، وهي مجرد انطباعات عامة مليئة بالفجوات، سيما وأنها لا تكشف عن هوية الفواعل ولا الإحداثيات المرجعية من زمان ومكان ووقائع بالوسع الارتكاز عليها. ولعل هذا التقتير، هو الذي حرر الخيال ليحلّق عاليا بلا قيود تكبّل شطحه.و ليست حكاية ُ الحب إلا ما خلـّفه الأثرُ أو ما تفصح عنه الرسائل.


المحفل الثاني: الساردة البطلة.


كما بطلِ رواية "الريش" لسليم بركات الذي أجّل انتحاره إلى حين البت في أمر ريشة مريبة ظهرت، فجأة، في حقيبة ثيابه، فإن الساردة- البطلة في رواية "ساق الريح"، ومع ظهور الرسائل، بصندوق بريد العمارة، بل وفي عتبة شقتها، قررت تعليق تعاستِها حتى تتقصى أحوال "المغامرات" التي باتت ترويها الرسائل أو سترويها.. ولئن كان جنوحُ الرسائل عن وجهتها المطلوبة قد وضع حدا لحكاية "واقعية" من المحتمل أن تكون حادثا متحققا في الزمان والمكان أو لاتكون. فإنه بالمقابل دشن لدى الساردة مسارا حياتيا (حكائيا) جديدا ستستعيد بموجبه إنسانيها وحس"الأنثى" المهجورة بداخلها لزمن غير قصير.. لتجد نفسها كما لو "استيقظت من غفوة"، بحيث صارت أكثر إقبالا على العمل والحياة، وبدل أن تعمد إلى الدفع في اتجاه بلوغ الرسائل إلى وجهتها بالتماس " دليل للجهة الموجهة إليها أو القادمة منها"فإنها باتت تعتبر الرسائل غنيمة َ مصادفةٍ رحيمة، ما لم تكن هي المستهدفة بها. وعليه غدت متطلعة إلى مزيد من البوح في رسائل أخرى قادمة قد تجود بها أشواق العاشق الجسور، من خلف حجاب.


المحفل الثالث: الرواية في الرواية


لأن الساردة- البطلة وبحكم حيازتها لرسائل- ليست لها، وقعت في يدها- صارت متشبثة بحقها في الامتلاك. وتلافيا للمنازعة في هذا الامتلاك فإنها، وللاحتماء من تهمة الاستحواذ، راحت تتوغل في قصة العاشقين في التخييل لا في الواقع. وهكذا بحثت في مكتبتها الخاصة عن رواية قديمة لنجيب محفوظ(لم تسمّها) سبق لها أن قرأتها في عز شبابها وتماهت مع بطلتها، المسحورة بعاشق " شاب مكتمل الرجولة، فارس أحلام كل فتاة" أحبته وباتت تناجي "طيفه ممسكة بيديه مخترقة شوارع مدينتها، تشاركه تفاصيل حياته". هذه الشخصية الروائية التي فتنتها في مرحلةٍ من عُمْرها بدتْ لها، والحال هذه، ولكأن القدر قد ابتعثها لها من جديد، وها هو يبث إليها أشواقه عبر رسائل تصلها تباعا. في تماهٍ بوفاري(نسبة إلى إيما بوفاري بطلة رواية فلوبير الشهيرة) بين الواقعي والتخييلي. إلى حد أنها بادرتْ بالرد على الرسائل الأربع التي وصلتها بأربع رسائل جوابية تستعيد فيها "مغامراتها" السابقة(التي لم تتم) مع باعث الرسالة.. وبما أن الساردة لم تتلقَّ ردودا على رسائلها فقد خطرت ببالها قصة(قصة أخرى من مقروءاتها) قرأتها حول " امرأة توصلت برسالة بعد سنوات عدة من عزلتها مما أثار فضول الحي وساعي البريد حتى كانت حديث الشارع لأكثر من أسبوع" وفي الأخير انكشف سرُّها.

فقد كانت هي من بعث الرسالة إلى نفسها "لتوهم نفسها أن هناك أحدا ما في مكان ما يهتم لحالها وينقش لها حروفا من حبر ويرسلها لها". ويتكرر وهْم التقمص في كتاب "الكرسي الوهمي" الذي شكّل ذريعة للمحاورة بين الساردة وشخص قادم من تجربة ربما لم تعشها ولكنها تسعى إلى نسجها من استيهامات وأحلام.


المحفل الرابع: الساردة في المرآة


للمرآة في الواقع والحلم، لدى المبدعين والفلاسفة، دلالات رمزية كثيرة منها أنها تكشف الحقيقة وتعكس الخبايا. بل إنها أداة للتأمل في الدواخل والأسرار. وهكذا نلحظ في رواية الأستاذة مهيدرة، أنه كلما نما حس الساردة بأنوثتها، جراء الحفز الخارجي الذي أحدثته فيها الرسائل، غاصت أكثر في عمق ذاتها لتتأمل التغيرات التي طرأت على مظهرها ومخبرها جراء فترة أشبه بالبيات. من ثم كانت الحوارية التي تبادلتها مع المرآة بليغة ودالة. فبعد قطيعة عادت لتتأمل صورتها المنعكسة في عين المرآة. إنه حوار داخلي (مونولوج) حاولت من خلاله الساردة تبرير استعادتها لـ"الضوء الهارب" و "الزمن الضائع"، وترميم الصورة في مرآة الذات، في جو متسم بالجرأة المشوبة بالخجل، حيث البوح والعتاب.


المحفل الرابع: الساردة والبحر


لربما كان عنوان الرواية اثناء تخلقها هو "رسائل البحر" إلا أن تفريعات طارئة جعلت عاصفة الريح تهيمن على البحر من دون أن تلغيه من الخلفية مادام حضوره قائما في مجرى الوقائع بقوة. وبقدرما يشكل البحر ملاذا للبوح فإنه يوحي باللامتوقع والمجهول كما أنه يحرّك الأسئلة الملغزة والشجون، وهو بالتالي يسمح بتضعيف الأنا حين التأمل وحين الشكوى. لهذا وجدنا الساردة وهي تستعيد محطات من حياتها تخاطب البحر وتبثه لواعجها.


المحفل الخامس :الساردة وبطلتها


وهي ترسم سيرة عشق بطلتها ستجد الكاتبة - الساردة نفسها واقعة في تناقض ظاهري كما هو حال النحات اليوناني بيجماليون الذي أغواه تمثال امرأة أبدع نحتها. مما خلق لديها نوعا من الإعجاب والغيرة في آن. لأنها وإن كانت تعيش تجارب عشق ليس بمقدور الكاتبة- الساردة الانخراط فيها إلا أنها، مع ذلك، كانت "تحقق رغائبها" المسيجة بالقيود الاجتماعية. ومعناه أن الفن عموما ، والكتابة على وجه الخصوص، يمنحاننا إمكانية أن نحيا "حيوات متجاورة" ومتداخلة، و " جمالية اللحظات تقاس بإحساسنا بها لا ببكائنا على ضياعها". ذلك أن "الاختراع" الفني يضفي على "لواقع" أثرا من شأنه أن يثريه ويعمقه.


المحفل السادس أو المحفل الجامع: الكتابة والتلقي


لقد رأينا كيف أن موتيفا (حافزا) سرديا بسيطا: (رسائل إلى عنوان خاطئ)، ولّد مسارات كثيرة من الدوائر والأمواج على صعد مختلفة كلها كانت تصب في أفق الرهانات التي خاضتها الكاتبة وهي تبني عوالمها التخييلية. فتداخلت المحافل وتخارجت، تداوليا وسرديا وسيميائيا، لتورط المتلقي، أو تشركه على الأقل، في لعبة الكتابة،بما هي فعالية غائية، خاصة وأن الساردة- الكاتبة(وهي هنا محفل من محافل الكتابة) ألفت نفسها هي أيضا واقعة في شرك شخوصها، ضمن أطروحة ما انفكت الرواية تحيك خيوطها وفق السؤال الإشكالي التالي:" هل يمكن للصورة أن تنتصر على الحقيقة وأن تظل الحكايات فينا أقوى من كل الواقع الذي نعيشه؟" تقول الكاتبة الساردة "فالنار التي أشعلتها بعض حروف على ورقة شفافة قد لا ينطفئ إلا بحقيقة شفافة".


هكذا إذن تغدو حصاة صغيرة في بحر السرد دوائرَ مرآوية متناسلة لبناء متخيل جميل محلق في سماء الرواية على "ساق الريح".

**
رؤية الأنا في مرأة الذات في رواية المغربية ليلى مهيدرة (ساق الريح)
img
نصوص نقديّة 0 admin 20 يناير، 2016 الوسوم:المغربية, رؤية الأنا في مرأة الذات في, رواية, ساق الريح, ليلى مهيدرة
Share Button
[Email]
[Print]

intelligentsia.tnرؤية الأنا في مرأة الذات

في رواية المغربية ليلى مهيدرة (ساق الريح)

سامي البدري/ روائي وناقد

ثمة سلطتان تنطلق منهما ليلى مهيدرة، الروائية المغربية، في كتابة روايتها (ساق الريح)، هما التعري أمام مرآة الذات والتحديق فيها بصبر وأمانة، والثانية هي عدم الرهبة من غلاظة أدوات النقد، أثناء إرتكاب فعل الكتابة وبوعي كامل.

هي المرة الأولى التي أتعامل فيها (في حدود قراءاتي المتواضعة) مع نص نسوي (رغم عدم قبولي لهذه التسمية) وأقف أمام إمرأة تقبض بيد من حديد على أدواتها وتحمي نفسها من الإنسياق خلف مشاعرها وتحصر حدود كتابتها الروائية داخل حدود الحواس، وهو شرط من بين أهم شروط الكتابة الإبداعية المحكمة، رغم إعتمادها لتقانة الميتاسرد أو الكتابة النرجسية التي تتمحور حول الذات ووتمركز حول الذاتي في أضيق صوره، كما في الرواية التي بين أيدينا (ساق الريح)، والتي تجعل من الأنا مرآة للتحديق في الذات وتفحصها عن قرب.

ليلى مهيدرة في رواية (ساق الريح) والصادرة عن مؤسسة الرحاب في لبنان عام 2014 ) تنضو عن الكتابة النسوية رداء تأنيث فعل الكتابة النسوية لتطلقها في فضاء الإبداع الحر دون تجنيس، ودون إدعاء قفز على المالوفات، التي صارت ـ وبالتراكم ـ دمغة أو صفة لأغلب الأعمال الإبداعية التي تنتجها الأقلام النسوية، في حقل السرد على وجه التخصيص.. كما إنها تركز على عرض صراع أنا الأنثى مع الوجود عبر مواجهتها بمرآة الذات، كأنا مطلقة خارج حدود هويتها الجنسية، قبل أن تكون ضمن حدود تلك الهوية وخصوصيتها.

وطبعا تعد تقانة التشخيص الذاتي من بين أهم إشتغالات وحفريات الميتاسرد، وتستخدمها ليلى مهيدة بصيغة عين الكاميرا أو الإخراج، إذ تكون الذات الراوية راصدة لتحولات ولإنسلاخات وأوجه تمظهر أناها، التي تنجح في النهاية في الإنسلاخ عن ذات الراوية ـ البطلة لترسم مصيرها بنفسها ووفق رؤيتها الخاصة.

إنها عملية النظر في الذات وتحولاتها من أقرب نقطة موازية ومعادلة (الأنا) في صيغة تمظهرها النرجسي… ولكن ليس الانفعالي المغرور والمبني أو النابع من رؤية الأنثى لشخصها، عبر رؤية الذكر لها كوسيلة إشباع أو كذات موضوع متعة، بل عبر صيرورتها كذات فاعلة ترسم مصيرها بذاتها ولذاتها، كجزء من منظومة الحياة والفعل الإجتماعيين.

رواية ساق الريح رواية شخصيات وتحليل وليست رواية أحداث وأفعال؛ وبالإمكان إختصارها بجملتين: روائية تختلق بطلة وترسل لها رسائل غرامية عن طريق الخطأ وتراقب تصرفاتها؛ وعندما تكتشف البطلة الأمر تقرر ان تمسك بزمام الامور وتتحرر من الروائية وتلزمها ان تبقى الة تصوير لا اكثر، لتجرب بنفسها عملية رسم مصيرها… والذي ينتهي بتسليم ساقها للريح وإختفاء من على ساحل البحر أو غرقا فيه، بعد أن تحول إلى رفيق وأنيس وحيد لها.

روائية ورواية يذكرانا بالروائية البريطانية (فرجينيا وولف) في إلإشتغال بحرفية وصمت العمل على والحفر في جسد النص وله (العمل بعبودية، بتعبير فرجينيا وولف) وتتخذ من تموجات وتشوفات الأنا الأنثوية، في صراعها مع الوجود موضوعا لعرض ماهية الذات المجردة من وسائل الإتصال والتوصيل والإفصاح عن ذاتها وأوجه إقصاء وتهميش هذه الذات، وما عاد به أو أفضى إليه هذا الإقصاء والتهميش من إلتباس في الرؤية وطرق التعبير والتعامل والإفصاح لهذه الذات.. وكل هذا يأتي، مع ليلى مهيدرة، بإيقاع هادئ وغير منفعل ولا يتطلع لغير تأطير المشكلة وإضاءتها من أجل تحديد وتركيز الزاوية التي يجب أن ينظر من خلالها لهذه المشكلة.

ليلى مهيدرة تعتمد فكرة دأب النملة أو العمل بصمت وعبودية الإخلاص لما تشتغل عليه؛ ولهذا فإنها لا تسعى لتثوير منطقة إشتغالها بدراماتيكية أو ميلودرامية الحدث، بل ولا حتى بضخ الدراما، وإنما تعمد لتفكيك شخصية بطلة الرواية الوحيدة، وهي ذات الراوية التي تسلخها عن نفسها لتجعل منها مرآة لأناها، ومن ثم تحاول إضاءة جوانب إلتباس تلك الذات، بعد أن تعري تلك الجوانب أمام مرآتها.

المحفز الدرامي ـ وهو مدخل مسار حبكة الرواية ـ الوحيد الذي تعتمده ليلى مهيدرة، لإثارة رغبة المتلقي في نزال القراءة وسيرورة حبكة وثيمة الرواية، هو أربع رسائل حب ترسلها الراوية (البطلة) لأناها، بعد أن تفصلها عن ذاتها وتحاول أن تجعل منها مرأة لتلك الذات، قبل أن تتمرد تلك الأنا على الراوية وتسعى لرسم مصير آخر لنفسها، وعلى غير ما تشتهي البطلة / الذات، إذ كانت تحاول أن تحصرها ـ الأنا/الذات الجوانية ـ في أطر العادة أو المألوف الذي يحكمه المنطق ومنطق السيرورة المعيشة، وكما تؤكد الرواية هذا في الصفحة 53 (كم تمنيت أن تكون مجنونة ولو لمرة واحدة، أن تكسر كل القواعد وتتخطى كل الخطوط الحمراء، فنحن في زمن اللاحواجز، زمن نراهن فيه على اختراق كل الدوائر وتفجير الرغبات ولو على شوارع من ورق، وأزقة رسمت بحبر) وهذا هو الصراع الأزلي بين الأنثى وذاتها المكبوحة ومع المجتمع وإرثه الثقافي الذكوري الذي يمارس معها سلطة التهميش والإقصاء.

إن عملية فصل الذات أو نزعها وإحالتها إلى ذات مستقلة، من أجل محاورتها، ومن ثم محاكمتها ومحاولة قيادها بإتجاه المتمنى أو المرغوب وما يجب أن يكون، هي عملية الكشف عن وتشخيص سبب الخلل الذي مازال رابضا ويفرض سطوته؛ وهي أيضا طريقة إضاءة لموطن العجز الذي مازال يبحث عن وسائل إزاحته، في نفس الأنثى، ضد سلطة وسطوة ثقافة المجتمع ووسائل قهره للمرأة، وكما تصرح الراوية في حديث لنفسها في الصفحة 53 (كان الفنجان في يدها يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهي مغرقة في صمت مطبق حتى كدت لا أسمع أنفاسي… وكأنها هي الكاتبة وأنا بطلة الورق… كم تمنيت لو أتقمص شخصيتها (تقصد ذاتها المحررة من سلطتها) ولو للحظات فأمزق ورقة الأسف وأعلن تمردي على الشوارع، فأرتدي فستانا حريريا يحررني، وأنا على شاطئ مدينتي ورياحها العاتية، فأمارس لعبة التعري طبقا لقانونها، فأتمنع وأنا الراغبة، وأرتمي في حضن موج يجيد ملامسة الأنثى في داخلي).

الرواية تنتهي بتبدد أو إختفاء أو غرق تلك الأنا، وهي إشارة محكمة إلى المجهولية والغموض اللذان مازالا يكتنفان مصير الأنثى في مجتمعاتنا التي مازالت تصر على النظر للمرأة من موقع الدونية وعدم الأهلية، والروائية، التي قالت الكثير في أقل القليل (94 صفحة)، تضع نفسها وأناها قبل الجميع أمام حجم المأساة التي تعيشها المرأة العربية في كيانها الشخصي والإجتماعي وحريتها، دون اللجوء إلى أسلوب التوجع والتحسر الذي إنتهجته الكثير من الكاتبات العربيات، في حقل المسرود على وجه الخصوص، وهي بهذا تقرر أن من يجب أن يتولى عملية الدفاع عن المرأة وانتزاع وحقوقها إنما هي المرأة ذاتها، كذات وكيان وجودي وإجتماعي له وجوده الذي يجب أن يفرض على من يتعامى عن رؤيته أو يصر على تجاهله.

*



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: (ساق الريح) لليلى مهيدرة مستويات النص ودلالات القراءة   الثلاثاء أبريل 05, 2016 1:55 pm

admin كتب:


(ساق الريح) لليلى مهيدرة مستويات النص ودلالات القراءة


(ساق الريح) لليلى مهيدرة مستويات النص ودلالات القراءة

في آداب وفكر, رواية 9 ساعات مضت 0

المسبار – نيوز 5 إبريل 2016

الثلاثاء 5 إبريل 2016 –10:52

تقديم:

“أتراه نوعا من إقحامي في حكايتها حتى تكون حلمي وأكون حقيقتها”، بين الحقيقة والحلم عاشت ليلى مهيدرة فترات من الزمن متخطية المكان، شاءت أن تقوِّمَ حساباتها اليومية ابتداءً من التطبيع مع ذاتها عبر مرآة بطلتها، واختارت بطلتها أن تتحدى أسوار الكتابة لتخَلِّصَ نفسها من سراديب الكلمات، وتتولى أمر تركيب ذات المبدعة لتتمرد أيضا على واقعها، فتتوغل الكتابة لتصل سواحل البحر بهمومه وهواجسه وانفتاحه وتردده بين البداية والنهاية..

إنها الكتابة (الميتاسردية) التي أنجبت قرينا لها، واستطاعت أن تحرك دواليب الرؤية الشخصية للواقع الذي تعيشه المرأة العربية عامة والمغربية خاصة، لتتخلى عن قيود التقاليد، وتوطد العلاقة مع الدواخل التي تعيشها المرأة آملة الوصول إلى رغباتها بتثبيت شخصيتها أولا، وتمكين ذاتها من حرية السيطرة والهيمنة على واقعها ثانيا.

تنطلق الكتابة السردية من الشخصية أو الحدث، لكن حين يجمع المبدع بين الأساسين فإنه يخلق الصلة مع القارئ ليقدم صورة مفصلة عن التجربة الإبداعية، ولعل للرؤية النقدية أيضا دورا في تقديم التجربة بصورة واضحة ومعبرة.

نعود إلى صلب العمل، إلى رواية (ساق الريح) لليلى مهيدرة التي تستجيب لهذه القضية من خلال المستويات التالية:

1- المستوى التعبيري:

تعمد المؤلفة إلى تخصيص الحيز الوافر للتعبير عن تمردها على ذاتها من خلال الإهداء الذي رمزت له نكرة مخصصة وهي ذاتها الغائبة الحاضرة في الرواية:

“إهداء

لكِ أيتها العابثة بأفكاري..

المتمردة عليَّ حتى النهاية..”

ونقصد بالمستوى التعبيري اللغةَ التي تشكل النص، وتؤثثها لترخي ضلالها على النص،وتأخذ الملمح العام له. قراءتنا لرواية (ساق الريح) تضعنا أمام تعبير الذات عن الذات؛ لكن بصورة تعبيرية منزاحة انزياح المؤلفة عن واقعها الذي جعلها تعيش على هامش الحقيقة المضمرة في حياتها. إذ لا تتلذذ بها على طول الخط إلا إذا تمردت عليها (الحياة) وتناست وضعيتها.

فحين تختار ليلى مهيدرة الخوض في تلصص البطلة على الرسائل التي تصلها دون معرفة مرسِلها، فهي في الوقت ذاته تعمد إلى ترشيد المتلقى باعتماد ضمير المتكلم منذ البداية: “أقرر..”، كما أنها تقتحم ذات الآخر بتعبيرها الفصيح والمباشر عن موقفها المباشر من الرسائل المستوحاة من تجربتها الشخصية أولا ومن رغبة دفينة تسيطر على فكرها وعاطفتها: “فمنذ فضي لأول رسالة، وهدفي الوحيد أن أوجههما لبعضهما البعض المرسل والمرسل إليه، لكن الآن انتفى ذلك الإحساس وصار مجرد رغبة جامحة في أن يستمر شلال الرسائل هذا..”

كما تتخذ من المرآة اللوحة الموازية لواقعها، وتميط عنها أذى الأيام والليالي التي خاصمتها ولم تحرك فيها السكون..

أما البعد التعبيري الأكثر حضورا في الرواية، والأكثر قوة أيضا فهو النص الشعري الذي يستلهم من اللغة انزياحها، ومن الإيقاع سلطته للوقوف عند الصورة والذات.. وقد اختارت المبدعة الرسالة الأخيرة لتكون رسالة اعتذار من المرسِل، يقف فيها عند الخطإ الذي أذاب الجليد، ولم يستطع أن يضمر الخطأ المقصود الذي جعل الشخصيتين معا تعيشان صخب الحياة وفوضى الزمان والمكان.

وبعلاقة بالرسائل، تتحدد وظيفة العناوين الفرعية في تمثيل ذات المبدعة، وهي بذلك تضعنا دوما أمام تعبير يفضي إلى قصدية (الميتاسرد) التي تتحدد في تنوير القارئ واتخاذه الموقف المحدد من النص وصاحبه. لكن الملاحظ هنا أن الروائية لم تعمد إلى وضع فهرسة للفصول، وهذا دليل أيضا على قصدية مبيتة تجعل النص واحدا مكتملا، يعبر عن تجربة حياتية الغرض منها تأليف المختلف، وجمع المتشتت.

لذلك تجعل الخاتمة تعبيرا عن هذا الجمع الذي ارتضته منذ البداية، فكان لها أن عاشته وعاش معها القارئ يتتبع أطوار الأحداث السردية، ويتشدق ليصل إلى نهاية محسومة مسبقا، ما دامت الروائية الأولى (ليلى مهيدرة) تسبح في عوالم الروائية الثانية (البطلة) وتحقق التوافق أو المعادلة الموضوعية داخل النص الروائي: “مالي والحيرة وقد انتهى كل شيء، والرواية التي عشت زمنا أرص حروفها حررتها ريح عابثة وتركتني على جنباتها راوية لرواية لن تروى.” فتضعنا الكاتبة أمام نص مفتوح لا يتخطى فيه القارئ عتبة النهاية إلا لتتفتح أمامه مساحات تعبيرية جديدة.

رواية (ساق الريح) من جنس التشظي الذاتي الذي يتألم بتألم الآخر، ويصطدم بواقع يثبط عزيمته، فتختار المبدعة ليلى مهيدرة المرآة عاكسة روحها في حالة ثبات، وتجعل بطلتها عاكسة لرغباتها في حالة تحول، ويكون البحر مقصدا تلجأ إليه في آخر النص تعبيرا عن أفق مفتوح، ورؤية جديدة للموت الذي يعيشه الإنسان في كل لحظات حياته..

كما أن الكاتبة تقر في كثير من الأحيان سواء تقريرا أو تلميحا، أنها تتشابه وبطلتَها، غير أن الأخرى تمارس فوضاها وتتحرك بحرية عكسها التي تبقى قابعة وسط ركام الواقع المفروض، والحياة التقليدية بأسوارها ونمذجتها للعلاقات الإنسانية.

وتتجلى الرؤية النقدية للواقع بتجسيد صورة التحدي في إطارها التعبيري اللفظي، فما مورسَ عن طريق كتابة الرسائل لبطلة القصة لم يكن إلا انعكاسا لرغبة دفينة تتمثلها الكاتبة نفسها، وتعيشها المرأة التي تنتشي برغبة دفينة تتحقق أو لا تتحقق واقعيا، واستطاعت المبدعة أيضا أن تخترق الحواجز دون أن تكلف نفسها تجاوز الخطوط الحمراء التي يحددها الدين والمجتمع، لذلك كان هذا الأمر في حد ذاته نقطة إيجابية عكست مدى احترامها للقارئ، وعدم مخاطبة جسده؛ مما يثبت أن الرواية هي في كنهها رؤية لواقع متردٍ نبشت فيه الكاتبة لتخط بعض مواقفها، كما تسجل في الحين ذاتها نهايتها المفتوحة حين تختار البحر فضاء مكانيا وحيزا وجوديا تخترق به الحواجز وتستمر به مسطرة الحياة الداخلية في غياب الحوافز الخارجية التي تدعوه للاستمرار.

2- المستوى الدلالي:

يحيل النص السردي في الغالب على بنيات دلالية مرتبطة بأحداث معينة، لذلك يلجأ المبدع إلى تحليل قضايا في الرواية الحدثية، أو أبعاد حياتية معينة حين يكون أمام سيرة ذاتية أو غيرية تؤجل البث في نهاياتها إلى حين انتهائها واقعيا..

يمكن أن نتلمس الحقول الدلالية في رواية (ساق الريح) لليلى مهيدرة من خلال الرسائل التي توصلت بها، وقد استطاعت أن تعنونها بناء على الهواجس والفواجع التي كانت تعيشها واقعيا وتخييليا وافتراضيا أيضا. لذلك جعلت الرسالة الأولى اليتيمة التي بقيت عالقة على السلم تنتظر من يحملها، لتجد طريقها إلى باب البطلة، تتردد أيضا في فتحها وتنال منها أخيرا بضعا من اللهفة والفضول لتقرأها وتحس بفراغ روحها، وامتلاء أنوثتها من جديد. فالبطلة وإن باتت قريبة من المرسَل إليه في الرسالة، أضحت أيضا ملازمة لحقيقة الذات الكاتبة التي تملأ فراغها أسطر الرسائل المحمِّسة والدافعة إلى التربص بباقي الرسائل، فتأتي الثانية والثالثة إلا أن الرابعة فجرت المكنون وأزالت الكثير من الغموض.

تحمل الرسالة الرابعة مكنون المكان والزمان للقاء، فتتحرر البطلة/ الكاتبة من عنفوان (رجولتها)، لترتدي ملاءة الثوب الأحمر، القاني، الدافع للحب والغيرة والنرجسية.

بعيدا عن أحداث الرواية، ورواية الرواية في (ساق الريح)، نركن قليلا إلى بعض تفاصيل الحدث الذي تكوَّم انطلاقا من فحوى الخطاب الدلالي التي تنسجه خيوط لعبة الرسائل. لذا يمكن الوقوف عند ثلاث بنيات دلالية في الرواية، وهي:

دلالة الترقب والانتظار؛

دلالة الاحتواء والامتلاء؛

دلالة الانسلاخ والابتعاد.

أولا- دلالة الترقب والانتظار:

نقرأ في بداية الرواية قول الكاتبة: “فالرسالة قادمة من مجهول وموجهة لامرأة غيري، ومع ذلك اقتحَمْتُ خلوة حروفها بشغف كبير وبانتظار أقل ما يقال عنه أنه شوق متخفّ في زي حب استطلاع..”

فبين الانتظار وحب الاستطلاع يتربع موقف التردد، ومحاولة استقراء ما يجري، دون اللجوء إلى تأويلها مادام الأمر غير واضح، وغير مبين القصدُ منه أو فحواه.. لذلك تلجأ الكاتبة إلى بسط مضامين الرسائل الأربع ومحاولة تأسيس موقف جريء يجعلها قادرة على تلمس الطريق الصحيح، وهذا ما حدث فعليا حين لقائها بشخص يحمل بصمة الرسائل ويؤسس للعلاقة الكامنة بين الكلمات والحركات، وبين الذات الكاتبة/ البطلة والآخر/ الرجل ذي العقال الفلسطيني، أو القابع أمامها في الحافلة، أو المتحدث هاتفيا، أو الراحل دون عودة.

كما أن البطلة بترقبها لقاء الرجل، ترسم خريطة طريق موسعة الأطراف، تختار أن تنسج خيوطها برسم ملامح الوجه والشخصية: “كان بطل الرواية شابا مكتمل الرجولة، فارسا لأحلام كل فتاة في سني يوم قرأتها… تيمات الرواية كانت ترسم خيطا رفيعا بينها وبين الرسائل اليتيمة.”

وهي أيضا تقر أنها لن تنتظر عودته، لذلك تحرر رسائل أربع ردا على رسائل الآخر، أو بالأحرى الرسائل نفسها التي تروي الحكاية المضادة؛ وتجعل من الترقب موعدا غير منتظر من خلال العنوان المقترح (ما عاد مهما أن تعود..) وفي ثنايا آخر مقطع من الرسالة: “غريب أمرك وأنت تلبس القدر وتصبح أنت من يقرر.”

فتنتهي بذلك أول خطوة من ساق الريح، أو جناح الهروب إلى الذات المتربصة بالآخر، ويبدأ المسير المتحمس أكثر للآخر بتبني موقف المعادلة والمساواة، واختراقه دون وجل.



ثانيا- دلالة الامتلاء والاحتواء:

تتمثل هذه اللحظة الفاصلة في حياة البطلة ألما ذاتيا مزق حياتها وجعلها تخطو خطوات دون تردد، تحاول أن تثبت للقارئ أنها المحقة، وأن بطلتها رمز أنوثتها المؤجلة، ومن ثمة تحاول البحث عن الآخر المكنون بين ثنايا الرسائل، فتتقمص الكاتبة رمز البطلة وتخترق حواجزها لتفوز بقربان يوصلها للرجل/ المرسِل والباحث عن أنثاه: “تساؤلات ما فتئت تشغل بالي، حتى خلتني للحظة مستعدة لتزوير الوقائع ولأكون أنا هي ولو في الحلم، ولمَ لا في الواقع أيضا، فأنا أحق منها في أن أعيش هذه القصة، لأني أنا من اخترقَتْها كلماته، وأنا من استمتعت ببوحه واعترافاته.”

فتعكس الكاتبة صورة البطلة، وتتشابه معها في جملة من التفاصيل؛ لذلك تخترق حاجز الكتابة إلى التعامل الكلي معها في حدود ما يمكن أن تحقق به رغباتها، وتتلذذ بأشكال الرغبة: “أنا وبطلتي نتشابه كثيرا سوى أنها تعيش الوجه الذي لم أعشه. وأنا أحيا تحت حجاب من قماش ونقاب من عادات محاطة بأسوار من جمل..”

كما أن ليلى مهيدرة تتخذ موقف المعاينة والترقب لتستوحي منه لحظات الكشف والتوحد، وتستطيع من خلال الامتلاء احتواء البطلة، وتجسيد دور التوجيه الأولي للبطلة: “قرأَتِ الرسالة، تمعَّنت في حروفها… وقبل أن تغلق عينيها وتستسلم لنوم عميق لتتركني أعيد ترتيب الأوراق بداخلي مكتفية بالدور الذي رسمته لي بطلتي من أن أتتبع خطواتها وأصور كل تحركاتها..”

وهناك أشكال أخرى من الاحتواء الذي ساهم في خلق نوع من التشكل بين الكاتبة والبطلة في رواية (ساق الريح)، مما جعل الساق تلتف بالساق، وتتحول البطلة والكاتبة في مفترق الطرق إلى اصطدام عفوي يؤدي في غالب الأحيان إلى الخلط بينهما، أو عدم الفصل بين توجهاتهما.. وهو ما أدى بالكاتبة إلى محاولة الانسلاخ واتخاذ موقف الحياد غير المباشر.

ثالثا- دلالة الانسلاخ والابتعاد:

تنتقل الكاتبة في الرواية إلى نوع من المفارقة مع بطلتها، ولعل الدافع الأساس يعود إلى رغبة دفينة توجهها، وتجعلها غير راغبة في ما وصلت إليه بطلتها، فتنسلخ أولا عن الواقع لتطيح بكل الهواجس والنكسات، ويظهر ذلك أولا حين تجلس في مقعد الحافلة دافعة ذاكرتها وعواطفها إلى الابتعاد كليا عن كل ما يربطها بواقعها: “وأخيرا تنفتح أبواب الحافلة فأرمي بأمتعتي في جوفها وأعتلي مقعدي… لا يهمني الأمر، فلعبة الانسلاخ عن الواقع عادة أتقنها.”

فولد هذا الانسلاخ ابتعادا عن البطلة، ويظهر ذلك من خلال الرسائل التي توجهها للغائب الحاضر في ذاكرتها: “اليوم قررتُ أن أنهي كل شيء، وأن أفقد الذاكرة التي تحملك وتلدك في تفاصيل اليومية، بمخاض لا مخاض فيه إلا ألمي بتذكرك.” في الرسالة الثانية بعنوان (هواجس) التي تتحول إلى (رحيل الأسطورة) في الرسالة الثالثة، فتتحدى الواقع إلى الأسطورة وتنهل من بحر الأوهام صورة الابتعاد النهائي برزخا يحوِّلها إلى رمز الفناء: “اليوم قررت أن أكتبك بكل الخطوط والألوان، مستعدة أن أتحرر من كل علامات الترقيم لأجلك وحتى تكون صفحاتي بلا عقبات…”

فتتحول الرحلة إلى فوضى الزمان والمكان، فيحدث انسلاخا أيضا عن البطلة لأنها قررت الابتعاد عن الآخر، رمز الخلود والتضحية والكتابة الهيروغليفية التي لم يسبق لها أن تجاوبت مع غيرها بالدرجة ذاتها. فتجد البحر أنسا وأنيسا: “البحر وحده القادر على احتوائي، فهو المسموح له أن يخترق كل قلاعي، وأن أشكل منه ذلك الآخر الذي عشت زمنا أرسم ملامحه بعشق المراهقين…”فتكون الحرية النهائية، وتعترف الكاتبة أنها أرخت لرحلة التشظي مع الواقع، من خلال البطلة التي رسمن حدودها لكن القدر رمى بها إلى أقصى ما لم تكن تتوقعه. “كيف تتحرر بطلتي من نص روائي كتب خصيصا لها؟ والأدهى أنه كان لها وحدها. مليكة خاصة. قصرا من حرف، ومساحة بحجم الكون، وحرية لم أحلم بها حتى أنا القابعة وراء جهازي لأرصد تحركاتها. كيف لها أن تترك نصي الروائي خاليا وتنغرس في توحدها مع هذا الكائن المخيف الذي طالما أرَّقها وأرقني معها.”

فهو اعتراف صريح يؤرق ذاتها، وينصاع معه قلمها، فتتحرر من سلطة الكتابة، كما تنسلخ من واقعها، وتنسلخ بطلتها من قيد الآخر، فتبتعد المؤلفة عن ريح ساقها إلى ملا تتوق إليه، فكان الساق الذي لفظته أهواء الواقع، فتجلت الذات المبدعة عنصرا فاعلا ومفعولا، مؤثرا ومتأثرا، وغذت البطلة بؤرة تلتقي فيها الذات الكاتبة والمتلقي الذي يجد نفسه ايضا منسلخا عن رؤية ارتضاها في بداية الرحلة، فيتجاوب وصورة الابتعاد ملحمة بديلة للاحتواء..

تركيب:

إنها إذن رحلة الساق المنساقة وراء كيد الذات، والعاكسة لروح التلذذ بسلطة الفضول، ومحاولة اكتشاف الآخر، وإن لم يكن مقدرا له. فليلى مهيدرة محتارة ومختارة؛ محتارة بين واقعها وواقه بطلتها، كما أنها مختارة من واقع لم ينشئها كما كانت ترتضي، فحاولت أن تخلق واقعا جديدا يضعها رهن إشارة جرة قلم، فتتجرع مرارة البؤس، وتتقمص شرارة الحدس لتكون في الأخير روايتُها ريحا صرصرا لم تجد لها سبيلا إلا التحرر: “مالي والحيرة وقد انتهى كل شيء، والرواية التي عشت زمنا أرص حروفها حررتها ريح عابثة وتركتني على جنباتها راوية لرواية لن تروى”..

فتضع الروائية نهاية متمايلة مع ريح هي ساقها، وتتألم لبطلة لم تستجب لشهواتها، وتتعذب لرسائل لم تصب هدفها، فتثير الغبار في دواليب حياتها، فتنبجس منها أربع رسائل ما كانت تخلد لولا مخططاتها..

– ليلى مهيدرة: ساق الريح، مؤسسة الرحاب الحديثة، بيروت، لبنان، ط.1، 2014، ص. 84.

– ليلى مهيدرة: ساق الريح، ص. 5.[2]

– ليلى مهيدرة: ساق الريح، ص. 7.[3]

– ليلى مهيدرة: ساق الريح، ص. 13.[4]

– ليلى مهيدرة: ساق الريح، ص. 94.[5]

– ساق الريح، ص. 7.[6]

– ساق الريح، ص. 11.[7]

– ساق الريح، ص. 25.[8]

– ساق الريح، ص. 13[9]

– ساق الريح، ص. 88.[10]

– ساق الريح، ص. 63.[11]

– ساق الريح، ص. 72.[12]

– ساق الريح، ص. 27.[13]

– ساق الريح، ص. 29.[14]

– ساق الريح، ص. 90.[15]

– ساق الريح، ص. 92.[16]

– ساق الريح، ص. 94.[17]


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
ساق الريح
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: