كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إدانة الادب جيران

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: إدانة الادب جيران    الخميس ديسمبر 24, 2015 4:37 am

البيان النقدي ضد تودورف في «إدانة الأدب» لعبد الرحيم جيران

عبد السلام دخان*
December 22, 2014

رسم أرسطو في كتاباته مهمة التعبير الفني الجميل، واضطلعت التراجيديا بمهمة تنقية الأحاسيس، لكن ما هي حدود الأدب، وهل له الحق في الحديث عن جميع المواضيع بما في ذلك المواضيع التي لها علاقة بالدين، نستحضر في هذا الصدد ما كتبه نيكوس كازانتزاكي «المسيح مصلوب مرة أخرى»، وتشيخوف في «علاقة المسيح مع مادلين المجدلية». ولقد كتب كونتغراس سيرة ذاتية اعترف فيها بأنه كان عميلا للمخابرات النازية، فلقي معارضة شديدة. إننا إذن أمام ازدواجية الغرب في التعامل مع ذاته ومع الآخرين. لكن ما هو مثير أن يتنكر الأدب لتاريخه، ومن قبل من أسهم في هذا التاريخ، ويجب أن نتأكد من أن التاريخ تراكم لحلقات، فما أنتج من أدب، ولغة واصفة تخصه، هو حلقات يفضي بعضها إلى بعض، قد نتجاوز بعضها، لكن هذا الذي نتجاوزه هو ما مهد للاحق المتجاوِز. مناسبة هذا القول صدور كتاب تودوروف «الأدب في خطر» الذي يتنكر فيه لتاريخ نقدي هو من أحد صناعه، وصدور كتاب «إدانة الأدب» لعبد الرحيم جيران، الذي يعد ردا سجاليا عليه.

1- «الأدب في خطر» ولوغوس النقد:

يقدم كتاب «إدانة الأدب» لعبد الرحيم جيران مقترحاته انطلاقا من وعي نقدي يفصح عنه صاحبه في بداية الكتاب بقوله» «إن حسن النوايا قد ينتج نقدا بائسا، وحتى لا نحشر كتاب تودوروف ضمن هذا النوع من النقد نكتفي بالقول: «إنه مشروع يثير الكثير من الأسئلة التي تدعو إلى المراجعة وإمعان النظر، ولاشك أن شيئا أكثر من حسن النية هو الذي يتخفى وراء هذا العمل الذي يقف في المنزلة بين المنزلتين: منزلة التقرير، ومنزلة الوصايا».
إن السؤال حول الأدب وجدواه سؤال قديم، ولعل البحث عن أصول هذا السؤال يدفعنا صوب البحث عن أصل الأصل، وبالتالي الدخول في لعبة مرآوية، لكن سارتر يسعفنا في العثور على بداية حديثة لهذا السؤال عبر مؤلفه» ما الأدب». ولا شك أن هذا السؤال يثاراليوم أمام واقع يعرف مأساة الفقر، وانتشار الفيروسات القاتلة المعدلة مختبرياً، وحروبا دموية ونكوص القيم الإنسانية، وبالتالي فما هو دور الأدب والأديب في رصد ومواجهة هذه الاختلالات؟
لقد تساءل أفلاطون عن دور الفيلسوف في المدينة، وأقصى الشعراء من جمهوريته إحساساً منه بالتهديد النابع مما سماه بالأخيلة المضللة، والتهديد نفسه ينبع اليوم من أخيلة جديدة مرتبطة بالفضاء الرقمي وخطر الصورة التي تعمل على تسطيح الوعي. إن الأدب اليوم مهدد حسب صرخة تودوروف الناقد وعالم اللسانيات البلغاري الذي قدر له أن يولد في مدينة صوفيا البلغارية سنة1931. ويعيش في فرنسا منذ سنة 1963 ليكتب عن النظرية الأدبية، وتاريخ الفكر، ونظرية الثقافة. وهو الباحث الذي بدأ حياته شكلانيا وترجم كتاب نظرية الأدب للشكلانيين الروس، وانظم للبنيويين إلى جانب رولان بارث وجوليا كريستيفا، وكان من المؤسسين لمجلة التواصل ومدير collection poétique في دار النشر seuil إلى جوار جيرار جينيت. وكان تودوروف المهووس بتحليل الخطاب الأدبي والبلاغي الغربي يغير اهتماماته دائماً، فاهتم بالتشكيل، ثم بعلاقة اللغة بالواقع، وعلاقة النقد بالكتابة الإبداعية. وهو ما تترجمه كتبه: من «نحن والآخرون»، مروراً بـ»أخلاق التّاريخ»، و»الحياة المشتركة»، و»الفوضى العالمية الجديدة»، و»الأدب في خطر»، وانتهاءً بـ «روح الأنوار».
ولقد أثار صدور كتابه La Littérature en péril اهتمام الأدباء والنقاد على حد سواء، خاصة بعد الترجمة التي قدمها عبد الكريم الشرقاوي والصادرة عن دار توبقال للنشر المغربية تحت عنوان «الأدب في خطر»، التي عمد صاحب كتاب إدانة الأدب إلى تعديلها بـ: « الأدب مهدد» لأن فعل الترجمة برأيه يجب أن يرتبط بالسياق وليس بالكلمة أو الجملة فحسب. والأدب مهدد من الشكلانية التي ترى أن دور الأدب هو التركيز على التقنية بكافة وسائلها، والعدمية التي ترى استحالة تغيير الواقع والعالم، والأنانة أي القول بأن «الأنا الذاتي» هو الكائن الوحيد الموجود. وكتاب «إدانة الأدب» لعبد الرحيم جيران يشير إلى الفجوات التي تركها تودوروف لأن الأدب ينفلت دوما من كل التصنيفات والأحكام الجاهزة.

2- تودوروف والمأزق الإبستومولوجي:

يكشف كتاب إدانة الأدب لعبدالرحيم جيران استراتيجية النقاش وفق قضايا محددة مثل الجمع بين هدفين مختلفين في كتاب تودوروف «الأدب في خطر»؛ ذلك أن تدريس الأدب له شروطه الخاصة، والتنظير الأدبي له سياقاته الخاصة؛ إذ كيف يمكن مقاربة الأدب إبان لحظة تدريسه من دون التوفر منهجيا على حلول عملية تكشف لنا الطريقة التي ستكفل النجاح لما يطرحه تودوروف من مهام، فضلا عن قضايا أخرى يثيرها الباحث من قبيل تكرار تودوروف لما هو معروف من حجج على مستوى علم الجمال، وعلاقة الذات المعرفية بالقضية، وموضعة الذات المعرفية نفسها قياسا إلى موضوعها، وجمع ما لا يجمع من خلال محاولة الجمع بين المقاربات المختلفة في دراسة النص الأدبي، والإلحاح على السير الذاتي، على الرغم ممّا يطرحه هذا الأمر من احراجات ابستمولوجية. ذلك ان تعليل وظيفة الأدب لا يرتبط بالعواطف ولا بالرأي، وإنما بخبرة مؤسسة معرفيا وعلى نحو علمي. ويعيد عبد الرحيم جيران طرح أسئلة مقلقة من قبيل مَنْ مِنَ التلاميذ يتوجه إلى الدراسة الأدبية، وما هي تحدراتهم الاجتماعية؟
ويستحضر صاحب «سراب النظرية» كتاب «البويطيقا» لأرسطو لأدراك أن التنظير الأدبي لا يقل خلودا عن النصوص نفسها، مشيرا في الوقت نفسه إلى إشكالية ابستمولوجية ترتبط بالمتصل والمنفصل في العلوم الإنسانية، عادًّا كتاب تودوروف نوعا من الاختزال في النظر إلى مفهوم الأدب وقضاياه، بحصر معضلاته في شؤون تدريسه. «لو كان المراد في الأدب توصيل معنى ما لهان الأمر، ولوجد المرء في اللغة التي يستعملها كل يوم الوسيلة الناجعة، ولكن الأدب يقول شيئا آخر غير المعنى، شيئا يجد علته في ما ينقص المعنى ذاته من معنى، وفي قول عجز اللغة، وهي تقول نقص العالم في إظهار علته وحقيقته. ويقول كيف يمكن لم شتات العالم»..
يذهب كتاب إدانة الأدب إلى تأزيم نص تودوروف انطلاقا من الكشف عن تهافت المقدمات التي بنى عليها نقده للممارسة النقد في علاقته بالتدريس منبها إلى الانزياح الذي أقدم عليه تودوروف، إذ كيف يثبت أن الأدب مسؤول عن الوضع الإنساني الحالي، والحديث عن نهاية تاريخ الأفكار والإيديولوجيات، وعزلة التفكير، وغياب المعيارية، والانفتاح على النسق الكلي للأدب واستثماره لصالح الذات، من دون تبين أن الأدب هو صيرورة غير مكتملة. ومن ثمة يقيم كتاب «إدانة الأدب» صرحه على الدعوة إلى أن يأخذ الأدب استحقاقه الشامل، وهو برهان على أصالة الأدب بوصفه محايثا للوجود الإنساني.
ولقد رصد عبد الرحيم جيران في كتابه الفجوات والتمفصلات التي تركها كتاب «الأدب في خطر»، وإلى المأزق الابستمولوجي لتودوروف، خاصة أثناء حديثه عن المتصل والمنفصل في تاريخ الأدب وفكر الأنوار. ويسعفنا – هنا والآن – فريديريك نيتشه في خلخلة ثنائية الظاهر والخفي، وفي أركيولوجية الأدب. إن تودوروف وهو يحاول تعجيز الأدب، ولعب دور الضحية عن طريق توسيط مظاهر الخلل عبر ما سماه بإعادة اللحمة بين الأدب والحياة، وجعل الأدب وكأنه نهاية للمصير الإنساني لصالح دعاوى مطبوعة بالذاتية، حيث يناقش تودوروف ما سماه بنشوء علم الجمال الحديث، منتهياً إلى أن الأدب ليس مرتبطاً بعلاقة ذات دلالة مع العالم، وبالتالي فالحكم عليه ليس له أن يأخذ في الحسبان ما يقوله لنا عن ذلك العالم.
إن ولع تودوروف بتاريخ الأفكار الذي يدعو إليه في كتابه جعله يتعقب مسألة الأدب في التاريخ؛ إذ يناقشها – تبعا لرؤيته هذه ابتداء من أرسطو «المحاكاة» مرورا بكل من هوراس «المتعة والفائدة» و»بوالو» لا شيء أجمل من الحق والحق وحده معشوق»، ثم أوغسطين الذي نقل المقولات الأفلاطونية إلى علم الجمال، فالألماني باومجارتن الذي ابتدع مصطلح علم الجمال سنة 1750، وعرج فيما بعد على جماليات عصر الأنوار، وعلم الجمال الرومانسي، والحركات الطليعية التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر (سلينغ، نوفاليس)، والتركيز على بودلير ليصل في الأخير إلى القرنين العشرين والواحد والعشرين؛ حيث يهيمن الثالوث: الشكلانية والعدمية والأنانية.
وهذا التصنيف الذي يقدمه تودوروف الاختزالي لتاريخ الأدب المتعدد والمتنوع يؤشر إلى المأزق الإبستمولوجي الذي سقط فيه، وهو يشيد فخاخه للنقاد عبر السؤال عن مآل الأدب، ومآل المستقبل، وهو في الأصل محاولة للبحث عن النموذج. وتودوروف يدعونا إلى تقبل نموذجه، ونسيان أن الأدب ممارسة منظورية، لا يكفي فيها تغليب وجهة نظر منهجية واحدة، وأنه ليس تجديلا بين المعاين الواقعي وما يتجاوزه، ويتمثل في إعادة إنتاجه تخييلا. والمعول عليه فيه هو هذه المجاوزة، وبأي وسائل تتم، وطرائق، فمخصوصية الأدب تكمن في الطريقة التي يقوم بها نقص العالم، لا في ما يقوله، لأن مثل هذه الوظيفة الأخيرة يمكن لخطابات صريحة أن تقوم به على نحو فعال. ولأن الواقع ملتبس، ومعناه يكمن في نقصه، يحتاج الإنسان إلى الأدب ليقوم بطريقته العالم.
وكتاب «إدانة الأدب» شروع فعلي في إعادة فهم مهمة الأديب والأدب عبر التنبيه إلى الأحكام التي يتضمنها «الأدب مهدد» لتودوروف. فهذه المهمة لا تتمثل في سرد انتصارات الأدب، بل التنبيه إلى شيء خطير يجب الحذر من السقوط في مغالطاته، فالدعوة إلى استدارة الأديب استدارة كاملة نحو الحياة أو الواقع الأشمل ستكون محكومة بنزعتها الميتافيزيقية. فالدعوة يجب أن تتوجه صوب الحضور بدل الذوبان في واقع متوهم يضاعف الغياب، وهي شبيهة بدعوة مارتن هيدغر لمواجهة الموت المتقدم. فالأدب هو أصل الفعل الإنساني لأنه مواجهة دائمة ومستمرة مع الزمن في الداخل والخارج. إنها الإجابة التي عجز عنها جلجاميش في محاولته الانتصار على الموت؛ ذلك أن الكتابة هي الانتصار الفعلي على العدم، لأنها تأكيد للكينونة وللوجود هنا والآن.

3 – البيان النقدي

يتسم كتاب «إدانة الأدب» لعبد الرحيم جيران بطابعه السجالي، وبرؤيته الابستمولوجية المخصوصة الواعية للشرط التاريخي للأدب، ولمنعطفاته الحاسمة. وهو كتاب ينطلق من قناعة مفادها أن الأدب إشكالي؛ مما يتوجب معه عدم النظر إلى الموضوع من زاوية نظر شخصية مسبقة تؤطر الموضوع والنقاش حوله، بل النظر إليه من كونه ذا طبيعة إشكالية تحتم على الباحث فحصه بدءا من تعدد معضلاته، وليس الأدب ممارسة أحادية الفعل أو افتقادا للجوهر.
إن تودوروف وهو يكتب «الأدب مهدد» كان يشارك في تفخيخ الأدب عبر خلخلة شبكة علاقاته: الذات- الآخر- التاريخ- المعنى- النص- القواعد – الفكر- الكينونة – المحايثة – المعرفة. ولعل دعوته لأن نترك للأديب مهمة تدبير شؤون الأدب نابعة من رؤية ايديولوجية واضحة تستند لتصور ميكانيكي لا يصمد أمام تطور الدرس الأدبي والنقدي، خاصة أن تودوروف نفسه ساهم في تطوره المرحلي نحو بناء أسئلة شائكة تتعلق بفهم كيف ينتج. فالمعول عليه في الأدب، ليس وظيفته فحسب، وهذه هي المقدمة الأساس التي بنى عليها تودروف كتابه، وإنما أيضا كيف ينتج، ويصوغ عوالمه، وكيف يضع نفسه في هيئة مشروع منفتح على الزمن والكينونة، وحتى ما انتقده على مستوى البعد الشكلاني في الكتابة، فهو يبدو رجعيا محافظا، يحاول أن يفرمل حركة التجديد، وينسى كما يثبت ذلك كتاب إدانة الأدب أن الطريقة الشكلانية تقول الواقع بطريقتها الخاصة، ولربما كانت هذه الطريقة أكثر نفاذا إلى العالم من النسخ المطابقة له. فتودوروف أفلاطوني النزعة في هذا الجانب، وبارمبنيدي (ثبات النموذج)، لا هرقليطي (تغير النموذج).
وتكمن خلف كتاب «الأدب في خطر» أسطورة النهاية، وصدى الدعوة لتسريع تاريخ الأدب بوصفه ميتافيزيقا عاجزة عن التحقق. لكن الأدب سيظل ممارسة مبنية على تجديد صورته، وفعاليته، وحضوره في الزمن، فهو صوت للاختلاف على حد تعبير عبد الرحيم جيران، كما أن يوتوبيا ملاصقة الأدب للواقع، والبحث عن صداه فيه تعد استعادة لنقاش قديم ناجم عن الخوف الذي تستشعره الدوكسا الرسمية من آفة الالتباس. ويأتي كتاب «إدانة الأدب» ليمنح الأدب حقه في الاعتزاز بمنجزاته، وبتاريخه الخاص. وفي انتظار ما يحدث فإن العماء الشامل الذي يهددنا به تودوروف ليس إلا صرخة في واد تناقض الأمل الذي هو خصيصة فكر الأنوار الذي يتخذه تودوروف منطلقا، إن محاربة المناهج- خاصة في منطقتنا العربية- يعد دعوة إلى محاربة ما هو عقلاني، وما هو عقلاني يعد حجر الأساس في فكر الأنوار.

*كاتب مغربي

عبد السلام دخان

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رمزية المحو في ديوان «سيرة شرفة» للمغربي عبد الرحيم جيران ليندا نصّار May 12, 2016   الأحد يونيو 19, 2016 6:13 pm

admin كتب:


رمزية المحو في ديوان «سيرة شرفة» للمغربي عبد الرحيم جيران
ليندا نصّار
May 12, 2016

في ديوان الأديب المغربي عبد الرحيم جيران «سيرة شرفة» الصّادر عن دار النّهضة العربية 2016، تنعكس ذاته في مرايا المكان؛ يبدو هذا الأمر جليًّا من خلال الحوار الّذي يدور بين الشّاعر والشّرفة، وللمكان تأثير كبير في الإيحاء بالشّعر، وليس المكان في نهاية المطاف غير ما يؤثثه، ويصير رمزا يشير إليه؛ أي المرأة التي تطل من الشرفة، والتي تصبح مدينة الدّار البيضاء مرئية من خلالها باعتبارها المدينة المشتهاة الّتي تمنّى الشاعر العودة إليها يوما، من دون أن تتحقق؛ حيث يظل أثرها وحده الممكن المحفور في نفسه.
في صمته، يبدو الشّاعر غارقًا في الحالة الشّعريّة، فيطلق قصائد محكمة الرّموز جمعها طوال سنوات حياته. إنّ اللّقاء مع الشّرفة هو لقاء الذّات مع المكان خارج الزّمن الحاضر، فنجده في تآلف مع زمن مضى حصّل فيه خبرته، ومعرفته بالنّاس، والحياة والعالم.
إنّ أزمة العودة إلى الأصل متجذّرة في القصائد؛ فالأمس يتمثّل في مفردات الشّوق والحنين. ويظهر هذا التّأمّل الوجوديّ في لحظات القصيدة الممتدة، من خلال تنويع في الأساليب والصيغ؛ وهذا التنويع هو نتاج تجارب الشاعر السرديّة التي مكنته من أن يشرّع باب الشّعر على الحاضر والمستقبل، وهنا نلحظ تجديدًا يتمثّل في انفتاح الشّعر على كافّة الأجناس الأدبيّة.
إنّ الحواريّة العالية في الدّيوان كشفت عن الحالات الإبداعيّة وعمق تجربة الكاتب، فبدا لنا هذا الدّيوان حكمة وجود، ونصيحة الزّاهد المتأمّل، الّذي يرتقي بالشّعر عن انحطاط العالم. ويظهر هذا الحس التأملي الوجودي في الحلم بالدار البيضاء، لكنّه يطرحه بطريقة فلسفيّة عن طريق التّرميز، الّذي حمّله أبعادا جديدة وهذا ما يميّز تجربته؛ فهناك عبقريّة شعريّة تتبدّى من خلال توظيف الشّاعر رؤياه في الدّيوان فتتسرّب إلى المتلقّي لتسكنه الحالة نفسها.
«رقمها في سجل الولادة رقم 12، واسمها له نكهة إسبانية، ومشتق من الثلج، هي امرأة، من حيث اللفظ، لكنها من حيث الكيان هي مأوى لتاريخ لم يعرف كيف أن يكون تاريخا».
في تصدير الدّيوان يشير الشّاعر إلى الدّار البيضاء، وكأنّه يدعو القارئ إلى التّفكير في اسمها، فتأتي المعرفة على شكل حزّورة، ولكنّها من نوع آخر؛ فهي ترتدي أبهى الصّفات: هي مأوى التّاريخ… فالرقم 12 في سجّلّ الولادة هو مجموع حروف المدينة، وهو السنة الدالة على الفصول الأربعة في تقلباتها. كما يدل الرقم 12على اكتمال المدينة في تخييل الشّاعر، إنّه المكان الّذي يتّخذ قيمة المرأة ويحلّ محلّها، ما يدل على علاقة عشق بين الذّات الّتي تتّوحد فيها».
كيف أعود إلى جنتها/ التي ضاعت مني ذات نهار في لحظة سهو…». في هذه الكلمات، عبّر الشّاعر عن ضياعه على الرّغم من خبرته المختمرة، إلّا أنّه يتحوّل إلى آدم الّذي طرد من الجنّة وسهوًا فقدها. هنا يبدأ التّرميز يتّخذ مكانة عالية في الدّيوان وسنلاحظ ذلك تباعًا من خلال القبض على حروفه في ما بعد. في مكان آخر يرتدي الشّاعر زيّ الحكيم الزّاهد في حياة يملؤها أشخاص كأنّهم شرّدوا معنى الشّعر، فغيّروه وجرّدوا الشّاعر من تاجه، أنزلوه بكلّ قسوة عن عرشه وجلسوا مكانه، فمتى يعاد إليه اسمه ومن يرجعه إلى مكانه. «ينبغي أَنْ نجدَ أسماء للقسوة/ للحقد/ للكراهية/ للشعر الذي يحمل أسماءَه الأغبياءُ»؛ هذه الذّات الشّاعرة أو الأنا المتفتّتة في المكان (المدينة) ترجوه- أي ترجو الشّرفة- أن تكون على حذر، يدعوها إلى النّظر والتّحديق في الأنانيّة القابضة على الوجود… لن يقولوا حقيقة الدّار البيضاء، سيرسمون الصّورة الّتي أرادوها لها تماما كما هو مجتمعنا اليوم مبنيّ على الذّاتيّة والأنانيّة بعيدًا عن الموضوعيّة. «إذا مرُّوا ذاتَ مساءٍ يتيم/ تحت شرفتِكِ/ في ثوبِ الملائكة/ لن يلتقطوا لَكِ الصورةَ التي تحبِّين/ ما زلتُ طفلًا يحلم قرب ظلّ القمر/ بكلّ الأوهام القديمة».
نرى تباعًا من خلال الأسطر اللاحقة أنّ الشّاعر يلقي عنه ذنب خروجه من هذه الجنّة؛ إذ وجد نفسه فجأة منتزعًا منها، لم تكن الأمور في يده ولو كانت لعاد إليها رغمًا عن الجميع: «لم تَكُنْ لي يدٌ في ما جرى../ أفقتُ ذات لحظة/ فوجدتُني منزوعًا منكِ/ مثلَ أيّ ورقة عبث بها/ اترُكي الشرفة/ لا تنتظري عودةَ أشرعة لَمْ تُبحرْ أبدًا، فَكَمْ بيني ونفسي من حروب/ وبيني واللاشيء/ من مسافة». في الأسطر الشعرية يعبر الشاعر عن الحلم باعتباره فقدانا يشير إلى تحولات جارفة أصابت المكان، ولم يكن هو السبب في ما حدث، بل كان مصابا أيضًا بألم الإقصاء من جراء قوى الهدم. لكن الأصعب هو انشطار الذات التي تتحارب أجزاؤها في ما بينها، وانحفار الهوة بينها وبين الفراغ (اللاشيء). الشاعر يتمرد على كل شيء على أبوة العالم، وعلى الأصل، وعلى التاريخ الذي ترمز إليه الحكاية. إنه يمحو كل شيء بعد أن يشير إليه «ولدتُ من غير حبل سرّة/ وحين كبرتُ كان العالمُ أبًا عقيمًا/ فلِمَ تُصرِّين على البحث في سلَّة الأسماء/ عن جذر تربيعيٍّ لأَصْلِي.. كلُّ الحكايةِ/ أنّني من دون حكايةٍ». ويظهر هذا بأن الشاعر يمحو الحلم بعد أن يثبته، ومن خلال ذلك ينكر حتى نفسه، ومهارته في أن يكون مثل الناس يتذكرون أحلامهم: أنا مجرَّدُ حالمٍ/ لا يعرفُ الاحتفاظَ بصور الليل/ ما زلتُ أذكرُ الطفلَ الذي كان يدفعُ حياتَه أمامه/ كان حلمُه لا يتعدّى العودةَ بظلِّه سالمًا/ من قسوة الكبار../ قليلًا من الصبر/ هذا ما تبقّى لي/ الأوراق ُالتي راهنتُ عليها/ كانت أكثرَ من خاسرةٍ/ إلا ورقتَكِ/ لأنّني لم ألعبْها/ وحين قرّرْتُ أن أُقامرَ بها/ اكتشفتُ أنّ تاريخَ صلاحيتها انتهى.».. حين يمارس الشاعر المحو متمردا على كل شيء بما في ذلك الذات نفسها لا يبقى أمامه سوى ورقة المكان؛ والورقة هنا هي التذكر واستعادة ذاكرة الشرفة، فلا مكان من دون ذاكرة، غير أنه لا يلبث أن يمحو حتى هاته الورقة؛ لأن كل شيء صار مستحيلا بفعل فقدان الزمن الذي كان يمكن أن يحدث فيه. فلم تعد للذاكرة صلاحيتها بفعل فقدان الزمن الذي يكون صالحا لأن تشتغل فيه. وينهي الشّاعر ديوانه بهذه الدفقة الشعورية:» اتركي الشرفةَ..!».
موجها الخطاب إلى المدينة- المكان- الحلم- المرأة، وهي دعوة أخيرة للاقتناع بأن ما جرى هو أكبر من أي محاولة لإعادة المحاولة من جديد. فالمكان صار مملوءا بكل أشكال التشوهات والمسوخ.

٭ كاتبة لبنانية



ليندا نصّار
***
Abderrahim Jairane
28 juin 2012 ·

إلّا أنت يا أميرة!
عبد الرحيم جيران

لم تكوني الأولى
عرفت كثيراتٍ قبلكْ
لكنّك كنت الأخيره
في كلّ دربٍ
لي ألف عشيقه
لكنّك أنت الأثيره،
كلّهنّ حرّاتٌ
لا أقفو أثرًا خلفهنّ
بيد أنّك كنت بقلبي أسيره،
ما اقترفت ذنوبا
في حياتي
لكنْ حين عرفتك
أدركت طعم الجريره،
هنّ اليمُّ غرّارُ الموج
أنتِ فيه مرفأٌ راسٍ
على شطّ جزيره،
هنّ شبه ذكريات
كما وشم قديم
وأنتِ اتّقاد السريره،
كلّ نساء العالم يكبرن
إلّا أنتِ
تظلّين مراهقةً
تلهو صغيره،
فإذا ما أنكرالكلّ جنوني
كنتِ وحدك لي
نعم النصيره،
فإذن أنتِ لست سوى
نفسي قد كانت
بأناها قريره،
فأنا طفلك الموعود
كما تشتهين ولادته
يا أميره.

**

Mohamed Mehdi Sikal
المقاطع التي قرأتها منفصلة تشي بتجربة شعرية يسندها حضور الرؤيا التي صار غيابها فيما يتداول من إبداع باسم الشعر علامة محلية بامتياز إلا عند من رحمه الشعر بعدما استرحمه، لن أضيف شيئا لهذا الانطباع الأولي، قبل القراءة الكلية للديوان ومساءلة تلك الرؤيا دلاليا وفنيا.استاذنا Abderrahim Jairane
J’aime · Répondre · 20 juin, 00:46 · Modifié


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: اختراع الأدب عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:21 pm

admin كتب:

اختراع الأدب
عبد الرحيم جيران
Sep 23, 2016

يعني التساؤل عن مفهوم الأدب أوّلًا مُواجهة ماهية مُلتبسة، وتمييزه من غيره من أشكال الإنتاج الفنيّ والرمزيّ، بما يفترضه من إيجاد معيارية مُنمِّطة له (جوناثان كيللر). ويطرح هذا السؤال الثاني مسألة اكتمال دائرة خاصّياته، لكنّ ما يبقى أكثر إشكالًا هو التسمية نفسها، دلالتها، تاريخ ظهورها، واستعمالها والحاجة إليها. وحين تُطرح التسمية يُطرح معها المفهوم الذي تتضمّنه، وإلى جانبه الموضوع الأنطولوجيّ الذي تُشير إليه؛ أي ما صدقها.
لا أحد يُنكر البتّة أنّ لفظة الأدب littérature اللاتينيّة ظهرت قبل القرن التاسع عشر. فقد كانت تُستعمل في إنكلترا إبّان القرن السابق عليه للدلالة على المعرفة، خاصّة ما يتّصل منها باللاتينيّة، كما استعملت للدلالة على أمور تتعلّق بالمُقارنة بين الكتابة كما هي واردة في الكتاب المُقدّس (الإنجيل) والكتابة غير الدينيّة التي كانت تُوصف بالوثنيّة (رينيه وليك: مفاهيم نقدية)، واستعملت أحيانًا للدلالة على كلّ ما له صفات الكتابة، ثمّ ضاق مجالها لتقتصر على ما يتّصف بالإبداع التامّ باللفظ. ومن ثمّة ترسَّخت عادةُ إطلاق اصطلاح الأدب على كلّ إنتاج تخييليّ من دون التنبّه- من جهة- إلى حصرية مفهومه التي لها صلة بظهوره بوصفه تسمية، ومن جهة ثانية إلى أنّ التخييل خاصّية كونيّة لازمت الإنسان منذ أن اكتشف أهمّية الرمز في إفادته في العيش على وجه الأرض.
وهناك من يجعل الأدب مفهومًا عامًّا يطال كلّ ما هو سابق على ظهور تسميته، كما هو الحال بالنسبة إلى روبير إسكاربي؛ حيث يربط بينه وبين اللفظة اليونانية «ﯕراماتيكي» التي تعني المعرفة بفنّ كتابة الحروف. غير أنّ الاصطلاح شديدُ الاتّصال بعصر النهضة، ولا صلة له باللفظ اليونانيّ، ولا يُمْكِن قبول افتراض وجود الأدب- من حيث هو مُمارسة- منذ القدم، وأنّ ما وقع هو مُجرَّد تحوّل في مفهومه فحسب. والحال أنّ ما دعا إلى نحت لفظة الأدب هو الحاجة إلى اصطلاح بإمكانه الإشارة إلى واقع جديد في الكتابة التخييليّة. ولعلّ في إشارة إسكاربي إلى أنّ الأدب ارتبط بظهور الرواية (آن موريل)، وتمييزه عن الفنون الجميلة ما يدلّ على كون الأدب مُمارسة كتابيّة جديدة لها ملامحها الخاصّة، وتنأى عمّا سبقها اصطلاحًا ومفهومًا. ويُواجِه جوناثان كيللر المأزقَ ذاته؛ حيث يُقرِّر أنّ ظهور الأعمال الأدبيّة يعود إلى ما يقرب خمسة وعشرين قرنًا، بينما يعود ظهور فكرة المُعاصرة في الأدب إلى ما قبل قرنيْن. ويُعيد ظهور هذه الفكرة إلى لسينغ (جوناثان كيللر). ونستنتج ممّا سبق أنّ هناك طرحيْن: طرح يحصر الأدب اصطلاحًا ومفهومًا في العصر الحديث، وطرح يُعيد ظهوره إلى العصر اليونانيّ مع الحرص على تحوّل مفهومه في العصر الحديث ابتداء من القرن الثامن عشر ليدلّ على تجربة تخييليّة مُعاصرة. ولا يسع المرء أمام هذين الطرحيْن سوى أن يقرّ بأنّ تحديد مفهوم الأدب إشكاليّ، لكنّ هذا لا يمنع من النظر إليه من زاوية أنّه مُمارسة جديدة في الكتابة تشير إلى تحوّل في بنية التخييل.
ويزداد الخلط عندنا في المنطقة العربيّة بين الأدب وما سبقه من كتابة جميلة لسببين: أّوّلهما يعود إلى ما صاحب النقد الغربيّ من التباس في هذا المجال، ومن تمييز الأدب العامّ من الأدب الخاصّ، وثانيهما إلى أنّ ترجمة اللفظة الأجنبيّة Littérature بلفظة الأدب غير مُوفَّقة؛ الشيء الذي جعل من المضامين التي صاحبت هذه الأخيرة عبر تاريخ استعمالها في التراث العربيّ تنزلق إلى توظيفها من دون النظر إلى اللفظة اللاتينيّة في ضوء الحاجة إليها في سياقها النقديّ. فالاصطلاح مأخوذ من الجذر اللاتينيّ Littera الذي يعني النصوص المكتوبة من أجل الحفظ، واسْتُعمل لأوّل مرّة من قِبَل مدام دو ستايل سنة 1800 (بيير ماشري)، وقد عنت به واقعًا جديدًا في الإنتاج التخييليّ.
يُعَدُّ اصطلاح الأدب- إذن- بالمفهوم الغربيّ الحديث دالًّا على تحوّل في الإنتاج التخييليّ مُتّصف بخاصّيات جماليّة مُميِّزة (فولتير: آن موريل) تُغاير جذريًّا مُواصفات التخييل السابق على عصر النهضة. وإذا كان بيير ماشيري يربط هذا التحوّل بأواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، فإنّ إرهاصاته الحديثة تعود إلى ما قبْل ذلك بكثير، إلى ما شهده القرن السادس عشر من تحوّل في الإنتاج التخييليّ، وبالضبط مع ظهور رواية «دون كيخوتة» لميغيل سرفانتس التي رسمت ملامح المُنعطف الذي ستستقرّ عنده مُمارسة الأدب في القرن التاسع عشر. ومن جملة هذه الملامح تدشين ميلاد فنٍّ سرديٍّ لم يكن معروفًا من قَبْل، بما يعنيه هذا من تمرّد على الأشكال التخييليّة السرديّة المُعمَّدة عبر التاريخ، ومن مُلامسة تخوم الأجناس الخطابيّة الشفهيّة (باختين)، ومن احتفاء بالدنيويّ بكلّ مظاهره المُتنوِّعة بوساطة تمثيل الحياة اليوميّة الجارية. لكنّ أهمّ ملمح هو ما يتّصل بتمثيل الذات من طريق تظهير بعدها المعرفيّ المُحايث لواقع غير مُكتمل، وغير قابل للقبض عليه من خلال المُتعاليات التي ميَّزت الثقافات القديمة. ويتجلّى هذا الملمح في إدخال مفهوم التجربة في تمثيل الذات السرديّة؛ بحيث صار اختبار قدراتها شيئا لا بدّ منه، بعدما كانت السرود القديمة لا ترى في هذا الاختبار ضرورة فنيّة لها. وقد تعرّض مفهوم البطل المُميِّز للسرد القديم- نتيجة لهذا التحوّل- إلى التفسّخ، وتهدّم كُلّه التكوينيّ الذي كان يتأسَّس وفق عناصره الأسس (الشجاعة- القوّة- الجمال- الذكاء). ونتج عن هذا التدمير أن فُسِح المجال أمام السرد لكي يُمثِّل الجانب العاديّ في الذات (الشخصية)، وإظهار كلّ العناصر المُحتملة التي يزخر بها تنوّع النمط الإنسانيّ، وهذا ما تُظهر تمثيلَه رواية «دون كيخوتة» عبر اللباس الغريب، والقوام النحيل، والمظهر المُثير للسخرية.
كيف نتعامل- إذن- مع الإنتاج التخييليّ الذي سبق الأدب إذا كان هذا الأخير نتاج العصر الحديث؟ تقتضي الإجابة طرح سؤال آخر يتعلّق بمعرفة ما إذا كانت الثقافات السابقة على عصر النهضة معنية بإطلاق تسمية جامعة تضمّ كلّ أصناف الإنتاج التخييليّ التي تعتمد على اللغة وسيلةً في بناء عوالمها، أم أنّها كانت تكتفي بالإشارة إلى كلّ صنف تخييليّ بالتسمية التي تُناسبه بوصفه فنًّا مُستقلًّا. ثم ما هي الحاجة الداعية إلى تسمية جامعة؟ هذا ما سنسعى إلى تبيينه في المقال المُقبل.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الجنس الأدبي بين الذاكرة والتركة عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:23 pm

admin كتب:

الجنس الأدبي بين الذاكرة والتركة
عبد الرحيم جيران
Sep 16, 2016

ينبغي التمييز بين الذاكرة والتركة؛ فالأولى فردية على الرغم من كونها خاصية كونية حيوية، يُستنَد في تأكيد موضوعها أو نفيه إلى الفرد المُستذكِر، وهي غير قابلة للتداول إلا في الجانب الذي يكُون فيه موضوعُها مُتقاسَما في أثناء حدوثه مع آخرين، بما يفيده هذا الأمر من أسرار وخفايا وتوهمات وتحويرات.
بينما تُعَد التركة ما تنتقل ملكيتُه (و/ أو المسؤولية عنه) من يد إلى يد، ومن ثمة لا تتصف بكونها فردانية، وهي علنية، ولا بد أن تكُون كذلك حتى تكتسب شرعيتها. وتُعَد التركةُ الموطنَ الذي يتقاسمُ الحضورَ فيه كل من التاريخ والذاكرة الجماعية والجنس الأدبي؛ كما أنها تُعَد موضوعا للذاكرة. ومن الأكيد أن هذا الاختلاف ينسحب على طبيعة علاقة الجنس الأدبي بالتركة، ومن ثمة لا يُمْكِن إجراء قياس- في هذا الجانب- لاشتغال الذاكرة في الأدب على اشتغالها النفسي في حياة الأفراد؛ إذ تتمثل فاعلية التركة الأدبية في فعل الاستحضار بما يُفيده من مَظْهَريْن مُمَيزيْن: ا- مظهر استدعاء الغائب (التركة: الجنس الأدبي) وفق أسس ثلاثة: التمثيل (الشكل أو الإطار الذي يتكون من خاصيات عامة) والتمثل (الصورة المُختزنة بوصفها فهما ثقافيا أو سجلا: فنا راقيا أو مُنحطا، بورجوزايا أو شعبيا، جديا أو هزليا، مُفيدا أو غير مُفيد…الخ ) والنسق الثقافي (الذي يسمح بتأويل العالم: الالتباس، الوضوح، العبث، المسؤولية، التنسيب، اللانهائي، الميتافيزيقي، الرفض، القبول، التصالح…الخ).
ب- مظهر رد الفعل: التطابق مع التركة (الجنس الأدبي) أو عدمه. ويتمثل فعل الاستحضار في هذا المظهر الثاني بقوة، وربما كان هو ما يُميز التركة من الذاكرة؛ فإذا كانت الأولى تنتهي إلى الكاتب من أسلافه في هيئة نصوص، وتعليمات، وقواعد، فإن المطلوب منه ليس فقط استعادتها فحسب، بل أيضا التعامل معها قبولا أو رفضا، مع ما يعنيه ذلك من استبدال أو تغيير. بينما لا تَرِدُ هذه الاتصافات في مجال الذاكرة المحضة؛ فليس واردا فيها أن يقبل المرء مُحتويات الماضي أو يرفضها أو يستبدلها، ما وقع في الماضي قد وقع وانتهى، وكل ما يُستطاع هو إخفاء الأمر أو تحويره؛ وما يحدث في حالة التحوير ليس التذكر أو الاستذكار، وإنما تخيل ما لم يقع أو توهمه؛ ومن ثمة يتمثل فعل استدعاء الماضي- في هذه الحالة – في عملية إنكاره. ويتعين الموضع الذي ينبغي أن يوضع فيه فعل الاستحضار الأدبي في الوسط، في المسافة التي تفصل التركة (النصوص السابقة والأوفاق والقواعد والسنن…الخ) عن المُنتَج الراهن (النص المُفْرَد). هكذا يكُون الاستحضار الأدبي تاما وفق حالات ثلاث: إما أن يكُون تذكرا غيرَ واعٍ من قِبَل الكاتب أو استذكارا واعيا، وإما استذكارا واعيا من جهة المُنظر. فالأديب قد يستذكر في أثناء كتابته- على نحو واعٍ – إجراءات فنية مُعينة، أو نصا، أو مجموعة من النصوص على مُستوى الأداء (الكتابة) فيميل إلى استعادتها في ثنايا مُنتَجه، وقد لا يستذكِر الإجراءات والنصوص السابقة، فتتسلل إلى نصه على نَحْوٍ غير واعٍ؛ فيكُون نتيجة هذا مظهر التناص بوصفه دليلا ملموسا على اشتغال التركة (جوليا كريستيفا)، واستعادتها، ولا يخلو عددٌ من الكتابات التي تناولت التناص من الإشارة إلى الربط بينه وبين الذاكرة، بيد أن من الأفضل ألا يُؤخذ الربطُ الآلي بينهما على محمل الجد، نظرا للمُلاحظات التي أشرنا إليها أعلاه، خاصة حين يحصل الإدراك بكون الحدث النصي يقبل إعادة الإنتاج، ويقبل التحوير، وهاتان الخاصيتان تُقوضان الذاكرة، وتجعلان من الفعل الذي يطولها مُندرِجا في مجال التخيل والتوهم. كما لا يُمْكِن غض الطرف – في مجال الترابط بين هوية الجنس الأدبي وتعرفه داخل مجال التداول- عن طقسية فعل الاستحضار الأدبي؛ فيكُون هذا الأخير شبيها بما تتصف به طقوس الجماعات وتقاليدها من إحياء لرموزها التاريخية والثقافية وتخليدها حتى تضمن لها التعرف إلى نفسها، وتأكيد هويتها، والحفاظ عليها مُستمِرة في الزمان.
هكذا تكُون استعادة التركة في الأدب نوعا من ضمان تعرفه إلى نفسه، وتأكيد هويته بغية الاستمرار في الزمان. بيد أن مُشكلة نظرية أكثر منها إجرائية تُواجهنا في هذا السياق: كيف يستحضر النص الأدبي تركته (الجنس الأدبي)، ويستذكرها ليضمن انتماءه إلى هوية مُحددة تُسهل مأمورية تعرفه إلى نفسه، وتعرفه من قِبَل القراء، إذا كانت الخاصية التي تُميز الأدب ماثلة في مُغايرتِه ما سبقه من نصوص ونماذج؟ لا خيار لنا أمام مُشكلة من هذا الصنف سوى حليْن لا ثالث لهما: إما أن نَعُد التخييل الأدبي ضد كل تركة، وكل فاعلية استحضار هوياتية مُؤسسة على الاستمرار والتطابق، فيصير كل النقاش الذي أجريناه لا قيمة له، وإما أن نَعُده مُمارسة قائمة على استهداف مُتنامٍ مُرتبط بالزمان والمكان، وبعوامل التكيف، بما يعنيه ذلك من ترسب وتجديد بالمعنى الذي طرحهما به بول ريكور في كتابه «من النص إلى العمل». ربما كان الحل الثاني الأنسب، لا رغبة في إنقاذ ما سلف من القول، بل تأكيدا للمنظور التجديلي الذي لا مجال فيه للقطائع الجذرية. ومن ثمة فالأدب قائمٌ على التجديل بين فعلي الاستحضار والنسيان، والانحياز إلى أحد الفعلين يُحدد علاقة الإنتاج الأدبي بالتركة والتقاليد؛ فالمُكتَتِبُ والكاتب رولان بارت: نقد وحقيقة، هما صورتان لهذا الانحياز؛ إذ يتطابق الأول مع المعايير المُلزمة لجنس أدبي مُعين، ويتم فعل إنتاجه وفق استحضار التركة ومُراعاتها، ولا تهم درجة قوة هذا الاستحضار، بينما يصعب الحديث عن الاستحضار بهذا المعنى بالنسبة إلى الثاني (الكاتب)؛ إذ تُقام مُمارسة الإنتاج الأدبي لديه على تدمير مفهوم الجنس الأدبي (التركة)، وعلى رفض كل أشكال التواصل المُؤسسة على التبادل، كما هو الحال بالنسبة إلى جماعة تيل كيل كتاب «نظرية المجموعة»، وقبلها المُنظر الإيطالي بندتو كروتشه. ولا يستقيم هذا النقاش إلا في ضوء نزع الأوهام المُتصلة بنشأة الأدب، وظهور إشكالية الجنس الأدبي. وهاتان مُهمتان سنُخصص لهما المقاليْن المُقبِليْن.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: ل للرواية ذاكرة إجناسية؟ عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:24 pm

admin كتب:
هل للرواية ذاكرة إجناسية؟
عبد الرحيم جيران
Sep 09, 2016

غالبًا ما يُطرح سؤال الذاكرة كلّما أُثيرت مسألةُ إِجْناسية الرواية نظرا وإجراء. ونُواجه- هنا- مسألتيْن لهما صلةٌ بالموضوع:
أ- معرفة ما إذا كانت الذاكرة مُكوِّنًا من بين المُكوِّنات المركزيّة التي لا مناصّ من استحضارها في تفكّر الجنس الروائيّ.
ب- معرفة ما إذا كانت الرواية تمتلك مثل بقية الأجناس الأدبيّة الأخرى ذاكرة. وتَرِد المسألتان معا عند إيزابيل دوني في مقال لها يتعلّق بـِ»الذاكرة المُتفرِّدة للرواية». وتُثير هذه المسألة الأخيرة أكثر من إشكال لسببين؛ يتمثَّل أوَّلُهما في كون جلّ الأدبيات التي تناولت مسألة الجنس الأدبيّ، وضمنها الرواية، تكاد تَنظر إليه من زاوية عدّه مُمْتلِكًا ذاكرة. لا يتعلّق الأمر- هنا- بتعبير مجازيّ؛ حيث يُشبَّه الجنس الأدبيّ بالذاكرة الفيزيولوجيّة للإنسان، بل بمدى وجود عناصر ذاكريّة في الجنس الأدبيّ تستمرّ في التاريخ مُعانِدةً الزمانَ، ويُستطاع بفضل تكرارها تعرُّفُ الجنس الأدبيّ. وتُطرح في صلب هذا التعرّف مسألة هويته التي تتّصل بهذه المُكوِّنات التي تتكرَّر في الزمان. ويُحبَّذ قبل ملامسة هذه الإشكالات عرض الكيفية التي عالجت بها إيزابيل دوني علاقة الرواية بذاكرتها. ونقترح بعد هذا العرض بعض الخيارات القمينة بتطوير النقاش في هذا الجانب، لا حسمه.
تنطلق إيزابيل- في هذا النطاق- من ارتباط الذاكرة الإجناسيّة بالهوية التي تُقام بوساطة استمرار عناصر شكليّة مُعيَّنة في الزمان، واستقرارها بغاية ضمان الهوية التي تتأسّس بمُوجبها ذاكرة الجنس الأدبيّ. وتظنّ الباحثة وفق منطلقها هذا أنّ الفنون الأدبيّة- باستثناء الرواية- تتميَّز باستقرار أشكالها؛ ما يجعلها مُتمتِّعة بذاكرة يُمْكِن الرجوع إليها. وتُشكِّل هذه الذاكرة المُكوَّنة من تراكم الشكل المُستقِرّ تاريخَ هذه الفنون. بينما تفتقر الرواية إلى هذا التاريخ نتيجة عدم استقرار شكلها، واضطراب هويتها. ولا تكتفي إيزابيل بمسألة استقرار الشكل، بل تتساءل إلى جانب ذلك عمّا يُمْكِن أن نحتفظ به من قراءة رواية ما، وما الذي يُقاوم فيها النسيان؟ وتُجيب عن هذا بكون القارئ يحتفظ من قراءة الرواية بما هو غير نمطيّ. وحتّى تُثبت هذا الحكم تجعل من التكرار معيارا في الفنون الأخرى لنقل ميراثها، على عكس الرواية التي هي فنٌّ يتّصف بالتفرّد؛ فلا شيء فيها يتكررّ كما الحال في الفنون الأخرى.
تضع إيزابيل مبدأَ التحوّل- في تحديد علاقة الرواية بالشكل- محلَّ التكرار الذي يُميِّز بقية الفنون الأخرى؛ فالرواية تقبض على التحوّلات في العالم من حولها؛ من دون أن يعني هذا عدم تذكّرها ما كان موجودًا ولم يَعُدْ كذلك. ولا يُمْكِن للرواية إلّا أن تمتلك حرية مُوازية تُتيح لها تجاوز الإرغامات التي تحدّ من بحثها عن الشكل الأنسب لاستيعاب هذه التحوّلات. يقود هذا المُعطى إيزابيل إلى التساؤل عمّا هي الذاكرة التي ترسم بها الرواية خطّها المُتواصِل في تاريخ الفنّ؟ ولكي تحلّ المُشكلة تطرح فرضية معكوسة: إذا كانت الرواية تتّصف بالشكل الأكثر تغيُّرا، وبلسان نثر الأيّام، والاتّصال بموضوعات الواقع المُباشر فهي تتطلّب- إذن- نمطًا ذاكريًّا يُخالف النمط المُميِّز للفنون الأخرى والقائم على التكرار. ولكي تُظهر هذا الاختلاف ترى بأنّ هذه الفنون هي نتاج لذاكرتها؛ أي أنّها تتطوّر بفضل ما لهذه الذاكرة من صيغ تسمح باستمرارها عابرةً القرون. وتذكر إيزابيل دوني من ضمن هذه الصيغ على سبيل التمثيل لا الحصر: أ- الإيقاع والقافية بالنسبة إلى الشعر، وتَعُدُّه نتاجًا لهما. ب- الوعي غير الزمنيّ بالنسبة إلى النماذج الكبرى التي عملت على تمثيل النفسي الإنسانيّ، كما هو الحال بالنسبة إلى الحكايات الشعبيّة والمآثر. ولكي تُجيب إيزابيل عن سؤال الذاكرة الروائيّة المُغايرة تلجأ إلى علاقة القارئ بالنصّ الروائيّ، وترى أنّ ما يُشكِّلها هو انطباع الحسرة الذي يشعر به القارئ تُجاه ما لا يُمْكِن مُصادفته مرة أخرى في نصّ آخر؛ فللرواية نسخة وحيدة لا تتكرَّر، ويتمثَّل ما لا يُنسى من قراءة عمل روائيّ في الجانب المُلْغِز منه.
ما تُقرِّره إيزابيل من إجابة يتّصل بذاكرة القراءة، وهي غير ذاكرة الجنس الأدبيّ؛ فهذه الأخيرة تتّصل بإشكال المعيارية والهوية. وينبغي أن نُفكِّر في حلٍّ آخر أكثر مقبولية؛ فإذا كانت الذاكرة الروائيّة هويةً فلا بدّ من تحديد المُكوِّن المُستمِرّ فيها. وينبغي لضبط موضع هذا الأخير التمييز بين ثلاثة مُستويات: البنية التمثيليّة، والشكل الداخليّ، والشكل الخارجيّ.
تقوم البنية التمثيليّة على عناصر ثلاثة: أـ المُتناهي وموضوعه الحياة الجارية. ب-تمثيل اليوتوبيِّ (بول ريكور: كتاب «الأيديولوجيا واليوتوبيا»). ج- الفردانيّ غير المُتطابق مع الرؤية الكلّيّة التي تمتلكها الجماعة أو المجتمع، واتّصاله بالشرخ الحادث بين الحياة الداخليّة والخارجيّة بما يعنيه من فقدان للمعنى (جورج لوكاتش: «نظرية الرواية»). وقد نُضيف إلى هذا الشكلَ المعماريَّ كما حدَّده ميخائيل باختين في الوقف الفكري والأخلاقي (الموضوع الجماليّ). ويقوم الشكل الداخليّ (كارل فـيوتر) على الحبكة أو منطق الحدوث (تماسكا أو تفكّكا)، بينما يُقام الشكل الخارجيّ على الجانب المادّيّ المُتمثِّل في التشكيل الكتابيٌّ (الشكل التأليفيّ عند باختين). تسمح لنا المستويات السابقة بضبط الطريقة التي تشتغل بوساطتها الثنائية (التكرار/ التفرّد) في تحديد الذاكرة الروائيّة؛ حيث يُمْكِن عدّ البنية التمثيليّة المكوّن المُستمرّ (المُتكرِّر) الذي يضمن تحديد الهوية الإجناسيّة للرواية؛ وهي تاريخيّة؛ إذ تختلف عن بنية التمثيل الملحميّ الذي يستند إلى مبدأ الكلِّية، كما أنّها إجناسيّة فوق نصّيّة، لا نوعيّة نصّيّة. أمّا الشكل الداخليّ فيتّصل بالعناصر التي لها صلة بالنوع؛ حيث تختلف أشكال ترتيب الحدوث وفق الأنواع، وما تحت نوعيّ. وتعمل عناصر الشكل الداخليّ على تحديد الهوية النوعيّة، وتُسهم في تأسيس ذاكرتها. بينما يظلّ الشكل الخارجيّ (النصّيّ) مجال التفرّد الذي يطول الكتابة (التجسيم، والتشخيص اللسانيّ، والترتيب الموضعي للعناصر الشكلية)، ويُمْكِن- هنا، وهنا فقط – الحديث عن الأثر المُتميِّز الذي يُخصّص النصّ الروائيّ دون غيره. ولا بدّ من الإشارة في النهاية إلى تاريخية الرواية التي تتوسّط بين النصّ والنوع؛ حيث يُعَدُّ التراكم التاريخيُّ مُستودعَ أساليب يُؤثِّر في تعرّف الهوية الروائيّة، لكنّ الُمشكلة تظلّ- مع ذلك- واردة في ما يخصّ التمييز بين الذاكرة الإجناسيّة وفعل الذاكرة الفرديّة الفيزيولوجيّة. وهذا ما سنُعالجه في المقال المُقبل.
أديب وأكاديمي مغربي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: إشكالية الجنس الأدبي: المعيارية والأساس المعرفي عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:26 pm

admin كتب:

إشكالية الجنس الأدبي: المعيارية والأساس المعرفي
عبد الرحيم جيران
Sep 02, 2016

لقد طال التجاوزُ التفكيرَ في الجنس الأدبي من منظور وجوده أو عدمه؛ فإشكاليته أعمق بكثير من الدفاع عن مشروعيته الأَنطولوجية. والقول بهذا نابعٌ من سببيْن:
أ- انتهاء السياق التاريخي الذي أنتج ظهوره بوصفه إشكالا تاريخيا، لا بوصفه اصطلاحا.
ب- لا يُمْكِن التفكير في هذا الإشكال- حتى لو تحيزنا داخل هذا المنظور أو ذاك- إلا من زاوية تاريخيته، والأنساقِ المعرفية التي كانت تعمل خلفه.
أما في ما يخص الأفق فلا ينبغي التفكير في هذا الإشكال إلا من خلال الإضافة التي تفتح التنظير على زوايا لم يتنبه إليها. لكن مهمتنا في هذا المقال غير مُحددة في صياغة هذا الأفق، بقدر ما هي نزوعٌ نحو توضيح ما يتخفى من أساس معرفي وراء التعارض بين المُناداة بضرورة التنظير للجنس الروائي (وبالطبع الأنواع المُنضوية تحته) انطلاقا من المعيارية، ورفض تقويضها (بما يعنيه هذا من توتر بين النص الفرداني وشبكة المعايير، لا بين النوع والجنس) والمُناداة بكون الرواية جنسا أدبيا مفتوحا لم يكتمل؛ أي أنها لم تكتمل بعد، بحكم كونها تنتمي إلى الخطابات الأدبية- لا الأقوال الجميلة- التي شكلت السياق الذي نشأ فيه كل من مفهوم الأدب بعد القرن السادس عشر (بيير ما شيري: فيم يُفكر الأدب؟)، وإشكالُ الجنس الأدبي في اتصال بتحول اللغات القومية الشفهية إلى لغات رسمية (سنُخصص مقالا لتوضيح هذه المسألة وحل التباسات كثيرة واردة حتى في الفكر الأدبي الغربي). نحن- إذن- أمام منظوريْن مُختلفيْن في فهم الرواية وإشكال المعيارية، لا أمام منظور واحد، ولا يُمْكِن لمُنظر الرواية (حتى المُبتدئ) أن يقفز عليهما، حتى لو كان يُريد التعبير عن رأيه الخاص، فلا بد له من تأطير هذا الرأي في سياقه الإشكالي، وإلا عُد عمله غيرَ مُكتمل، أو من باب العمل بفضيلة الحكمة المُهيمِنة على الذهنية العربية حتى في مجال العلم «كم حاجة قضيناها بتركها».
ما المنظوران المعرفيان اللذان يكمنان خلف هذا التعارض في النظر إلى الرواية على مُستوى المعيارية: ضرورتها أو نفيها؟ أظن أن بعض الإشارات المُفيدة- في هذا النطاق- موجودة عند روبرت مارتس في كتابه «أصول الرواية ورواية الأصول»، وعند جوليا كرستيفا في كتابها الشهير «نص الرواية». ومن الأكيد أن الأمر يتعلق بالمبدأ التكويني الذي يُؤسس توجهات الفكر الغربي في النظر إلى الكون وفهمه، والماثل في التراوح بين طرفي الثنائية (الثبات/ التغير). ويُمْكِن- في هذا الإطار- ربطُ التوجه الفلسفي والنقدي الذي يُنظر للإجناس الأدبي (وضمنه الرواية) انطلاقا من الحرص على مبدأ المعيارية برؤية إلى الكون تتصف بكونها مُتجانسة وتضع في صلب تفكيرها وحدته، بما يعنيه هذا الأمر من تماهٍ وتكرار وتسوير هوياتي كلي وكوني. وإذا ما عانى هذا المنظور من التغير الذي يُلاحظه من حوله أرجعه إلى وحدة مُتعالية خفية تُلجم حركة التاريخ.
كما يُمْكِن ربط التوجه الفلسفي والنقدي الذي يُجهز على معيارية الجنس الأدبي أو على الأقل يجعلها قابلة للتقويض، وربط التوجه القائل بعدم معيارية الرواية (ميخائيل باختين: «جمالية الرواية ونظريتها»)، برؤية إلى الكون قائمة على تغليب نزعة التغير والتعدد، وما يرتبط بهما من هجانة، وانفتاح غير محدود على كل الخطابات الأدبية ونصف الأدبية. ويتضح من هذا التوصيف النظري أن التوجه الأول يتصل بفلسفة الثبات، بينما يتصل التوجه الثاني بفلسفة التغير. لكن ينبغي التنبه إلى ما أسسه باختين في كتابه الرائع «أعمال فرنسوا رابلي والثقافة الشعبية» من جدلية بين الموت والحياة في الكرنفال الذي يُعَد الإنتاجَ الرمزي المُعبر عن الثقافة الشعبية. لماذا؟ لأن هذا الأخير يُعَد- حسب ميخائيل باختين- أحدَ الأصول الرئيسة التي تُكون الشكل الروائي، وتُوجه حياته في الزمن؛ ومن ثمة فهو شكلٌ يحمل في بنيته تلك الجدلية بين الموت والحياة، لا بوصفهما حديْن يتعاقبان أو يتراتبان، الواحد بعد الآخر، لكن بِعَدهما يعملان في الآن نفسه ويتداخلان في عملهما. وإذا كان باختين يربط هذه الجدلية بين الموت والحياة بتجدد عناصر الكون فالشكل الروائي يعمل بمُوجب المنطق نفسه؛ إذ هو صيرورة مُنفتِحة على التجدد، وعلى التجديل بين ما استنفد مهامه (الموت) وما يلوح في الأفق في هيئة إمكان جدة (الولادة).
يمكن افتراض صيرورة من التجديل أخرى بين الثبات والتغير إلى جانب الجدلية الباختينية المذكورة أعلاه، لا بغاية إقامة نوع من التسوية بينهما، وإنما بقصد الرؤية إلى مُمْكِن كل طرف منهما من مُمْكِن الطرف الآخر. ولا بد لنا في هذا النطاق- وكما أشرنا في إحدى مقالاتنا السابقة – وجود بنية من التمثيل خاصة بكل جنس على حدة، وتتصل هذه البنية من جهة بصيغ إمكانية مُهيكِلة للتعبير الإنساني (لايبنتز)، ومن جهة ثانية بالتمثيل في بعديه: أ- الميتافيزيقي (استهداف غير المتناهي في الشعر). ب- الملموس- الحسي (استهداف المتناهي كما هو الحال في الحكي، لا السرد الذي لا يُعَد مقولة إجناسية). ويُضاف إلى هذيْن البُعْدَيْن بُعْدٌ ثالث يتمثل في التجديل بينهما (كما هو الحال في الدراما). ويُمْكِن عَد النوع الروائي (استنادا لمفهوم النوع عند أرسطو في علاقته بالهوية؛ حيث يُعَد وسطا بين المادة والجنس، أو وظيفةَ شكل) بمثابة تنويع تاريخي على بنية التمثيل، بينما يعد النص مجال تراكم التغير أو التحول حيث البعد المادي واردٌ بكل تأكيد.
تظل المُشكلة قائمة مع ذلك، خاصة حين نُفكر في كيف تُتعرف الهوية الإجناسية للإنتاج الأدبي ونوعيته. ما الذي يجعل الكاتب الذي لا يتوافر له الاطلاع على مُشكلات الأدب الإجناسية، والقارئ أيضا، يتعرفان هوية هذا النص أو ذاك بوصفه ينتمي إلى هذا الجنس، أو إلى هذا النوع؟ وتزداد المُشكلة حدة حين يتعلق الأمر بالرواية؛ فلا شك أن سؤال الذاكرة الأدبية واردٌ هنا بكل تأكيد، ولا ينبغي أن ننسى أن عددا ممن نظر إلى الجنس الأدبي عده ذاكرة، أو مُماثِلا لها. والنقاش مطروح في هذا الاتجاه، سواء اتفقنا أم اختلفنا. ويُتخذ من تكرار الخاصيات الجمالية معيارا أساسا في صياغة الأسئلة المُتعلقة بهذا الجانب كما هو واردٌ عند إيزابيل دوني. وسنُخصص المقال المُقبل لمُناقشة هذا الطرح.
أديب وأكاديمي مغربي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: ماذا حدث في تاريخ الفكر العربي؟ عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:27 pm

admin كتب:
ماذا حدث في تاريخ الفكر العربي؟
عبد الرحيم جيران
Aug 19, 2016

ما هو سائدٌ في التفكير، الذي يكتسي صبغة منطقية، أن كل حضارة تنشأ لا بد لها من أن تقوم على مشروع فكري له هيئة برنامج مُستقبلي. وهذا ما يكاد يُشكل ديْدن المُؤرخين والمُفكرين في محاولتهم توصيفَ الحضارات، ومن ضمنها الحضارةُ الإسلامية العربية.
لكن لا يوجد ما يمنع من حدوث الاستثناء، كأن تعلن حضارةٌ ما عن مشروعها الفكري الأساس في لحظة أفولها. وهذا ما أشرنا إليه في نهاية المقال السابق. قد يُقال إن الحضارة الإسلامية العربية كانت تمتلك مشروعها الذي أتاح لها إمكان اكتساح العالم؛ وهذا أمر لا يخلو من الصحة، لكن هذا المشروع ديني بالأساس، وليس مشروعا فكريا. ولهذا كان الاعتماد على الحضارات الأخرى في التنظيم الإداري والسياسي ضرورةً لا غنى عنها، وكان الجهد منصبا على تكييف المشروع الديني مع مُعطيات الواقع الثقافي للحضارات الأخرى، ومع البناء السياسي للدولة الإسلامية العربية. ويأتي في هذا السياق الانفتاحُ على الفكر اليوناني، ومُحاولة نقله عن طريق ترجمته.
لم يكن بيت الحكمة إلا تنبهًا إلى الخصاصة في مجال الفكر، وإلى كون الدولة لم تكن تمتلك مشروعًا فكريا. وربما يُعَد هذا- إلى جانب نمطها الاقتصادي- سببًا في زوال قوتها السريع وهيمنتها. إن ما كان يغلب على الفكر توجهان رئيسان: الإعدادُ لرحلة غير دنيوية (الدين)، والبحث في القوى التي تكمن خلف ظاهر العالم المادي وتُنظمه (الفلسفة). وينبغي ربط هذه الخصاصة الفكرية – التي بإمكانها أن تُميز الدولة – بنظام اقتصادي قوامه الاعتماد على الأرض؛ حيث كان الإلجاء المُنظمَ للحياة الاقتصادية بوصفه نظامًا إقطاعيا، لم يكن الإقطاع الأوروبي إلا صورةً مشوهة منه. ولم يكن هذا النظام الاقتصادي يحتاج إلى قوة الفكر لكي يستمر، فقد كان يضع في صلب بنية استمراره القوة العسكرية التي تعتمد على العدد وقوة الأبدان قبل قوة العقل التي تستند إلى علم الحيل في تفكر إمكان قوة أخرى أكثرَ اقتصادًا وفتكًا. وربما كان هذا سببًا ثانيًا من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية العربية بفعل انخراط هذه القوة (الجيش) في الاستفادة من نظام الإلجاء الاقتصادي، ما أدى إلى انشغال القيادات بتطوير تراكم الأموال، والحصول على الإقطاعيات، بدلًا من التفكير في تطوير الجيش القوة الضاربة للدولة. بيد أن كل نظام اقتصادي لا بد له من أن يُفرز داخله ضده، ولهذا ظهرت إلى جانب النظام الإقطاعي فئاتٌ اجتماعية مُهمة تتمثل في التجار والحرفين، والتي بدأت تتطور من دون أن تستطيع فرض قوتها بفعل تبعية أنشطتها لسلطة الجيش وقوته، وتقديم الولاءات للحكام. لكن هذه الفئات كانت قد بدأت تفرض نزوعها الثقافي بمُوجب أفقها المُنفتِح على زاويتين: ا- الحياة اليومية التي تتصل بثقافة التبادل والأعمال. ب- الغير الذي يتمثل في الأقوام التي تقام معها التجارة. وتبعًا لهذا كان من المفروض أن تظهر بوادرُ مشروع فكري جنيني يخدم مصالح هذه الفئات؛ أي تجارتها التي تقوم على ركيزتين: صناعة البضائع اليدوية المرتبطة بالحاجات اليومية للناس، والتجارة التي تستورد البضائع من الشرق. لكن لم يكن لهذا المشروع الجنيني أن يظهر إلى الوجود لولا الضعف الذي بدأ يدب في جسد النظام الاقتصادي المُهيمِن بفعل وصول فاعليه (الجيش) إلى الوهن في ضمان استمرار قوته. فما هي ملامح هذا المشروع الجنيني؟ لم يظهر هذا المشروع الجنيني في حضن المَجاليْن: الفلسفي والديني؛ لأن هذين كانا يدوران في فلك القوة الاقتصادية المُهيمِنة، ومُحاولة نهج فكر الاختلاف من داخل مُتاح رؤيتها إلى العالم، وإنما ظهر في مجاليْن آخريْن، هما: التخييل والعلم، وهما مجالان يبدو أنهما لا يتماهيان- في الظاهر- مع بعضهما، أو يتقاطعان. ويُمْكِن افتراضُ أسبقية الأول على الثاني، والتمهيد له، مع استمراره في مصاحبته واستكمال فرز خاصياته المُميزة. ونُقسم هذا التخييل المُمهد للعلم إلى قسميْن: قسمٌ تخييلي جنيني كان يُحضر نفسه في مرحلة الذروة الحضارية التي كانت تتضمن داخلها أيضًا بذور انهيارها. وأقصد- هنا- نصيْن أساسيْن، هما: «البخلاء» للجاحظ و»ألف ليلة وليلة». فالنص الأول كان يُعلن عن دخول ثقافة اليومي والملموس إلى التخييل النثري، وكان النص الثاني يُركز على أبعاد ثلاثة مُهمة: الانفتاح على الحياة الجارية والتجارة والسفر. ولا تُعَد هذه الأبعاد موضوعاتٍ بقدر ما تُعبر عن توجه للفكر نحو ما ظل ملغيا؛ أي الدنيوي. وهذا الأخير سوف يُشكل التوجه العام فيما بَعْدُ للتخييل النثري والعلم مع بداية الانهيار الحضاري وخلاله. ويتمثل القسم الثاني التخييلي في الظهور المُتزامِن لنموذجيْن مهميْن مُتعارضيْن: نموذج «رسالة الغفران» (أبو العلاء المعري 973- 1057)، ونموذج المقامات أثناء القرنيْن الميلادييْن: العاشر (بديع الزمان الهمذاني : 969- 1007) والحادي عشر (الحريري 1054-1112). ويختزل هذان النموذجان مفصلة تاريخية مُهمة تجمع بين الموت والولادة، بين موتٍ له طبيعةُ احتضار مُستشعر ومخاضِ ميلادٍ لا أحدَ كان يعرف ما سيسفر عنه مُستقبلًا؛ ففي النموذج الأول «رسالة الغفران» يظهر توجه فني تخييلي يُعبر عن استبدال عالم ما بعد الحياة بالدنيوي الذي بدأ ينهار، أو يدب فيه الضعف، بما يعنيه هذا من عياءٍ لنظام اقتصادي قائم على الإلجاء، ومن ضعف لقواه. لقد ظل التخييل يبحث – على الرغم من هذا الموت المُعبر عنه مجازًا- عن كل ما يضمن انسجامه، ومُتشبثًا بتماسك في الأسلوب ووحدته. بينما يُعبر النموذج الثاني (المقامات) عن ميلاد توجه فني تخييلي آخرَ يحتفي بالحياة في جريانها العادي، وفتح التعبير على التفكك، والهجانة الإجناسية، وتعدد الأساليب والصنعة الزخرفية والسخرية. وتتصل هذه الخاصيات الفنية بطبيعة فئات الحرفيين (الزخرفة)، وبثقافة السوق (السخرية). وفي هذا الإطار وحده يُمْكِن فهمُ لماذا ظهرت هذه النصوص الاستثنائية، وسنفهم لماذا لم تتراكم وتتطور لتصل إلى مرحلة تأسيس نوع تخييلي مكتمل البنية.
ولم يتخلف الحقل العلمي عن الإعلان عن هذا المشروع الجنيني عما حدث في التخييل؛ فقد عرف القرنان الأخيران من الحضارة الإسلامية العربية (الحادي عشر والثاني عشر) ازدهارًا للعلوم التي نحت بدورها صوب التجريب، والملموس، مثل الصيدلة (ابو الريحان البيروني)، وعلم النبات (ابن البيطار)، وعلم الحيل والأعمال الحرفية (الجزري)، والطب والفيزيولوجيا (ابن النفيس)، وعلم الجغرافيا (الإدريسي). لقد نبه بعض مُفكرينا المُعاصرين إلى مسألة الفكر التجريبي العربي، وما يقوم عليه من بُعْدٍ استقرائي، لكنهم لم يضعوه في صلب حركة التاريخ؛ أي في علاقته بالمفصلة التي أشرنا إليها: احتضار طبقة، ونشوء أخرى لم تصل إلى مرحلة التكون النهائي لتستولي على حركة التاريخ بوساطة الاستيلاء على الدولة. لقد كان يعلن – إذن- عن هذا الفكر الجنيني في لحظة كانت تحتضر فيها الدولة الإسلامية العربية. ومن الطبيعي ألا ينشأ نمطٌ اقتصادي جديد في المكان ذاته الذي ينهار فيه النظام القديم، ولا بد له من أن يظهر في منطقة أخرى تُعَد هامشًا له. ولهذا لم يكن من المُمْكِن أن تتطور فئات الحرفيين في المنطقة العربية، فيتشكل معها فكرُها في نسق واضح المعالم. ولهذا كان الهامش هو المُؤهل لاستئناف المشروع الجنيني الذي ظهر في المركز (المنطقة العربية)، ولم يكن هذا الهامش سوى ذاك الذي كان في اتصال مُستمِر مع المركز، أي أوروبا. ونقف هنا عند استخلاص نتيجتين مُهمتين نصوغهما في هيئة سؤالين: ما طبيعة التخييل العربي الذي لم يكتمل، وهل مات بموت الحضارة العربية الإسلامية؟ وما الذي أخذه الغرب واستأنفه، وأدى إلى تقدمه؟
لا بد من أن نُشير- قبل أن نُجيب عن السؤال الأول- إلى أن عدم اكتمال التخييل الذي بدأ في التشكل على مُستوى النثر ناجمٌ عن انهيار الفئات التي تُمثله، أو عن انحسار تطورها؛ والمقصود بهذا ضعف قوة فئات الحرفيين والتجار بفعل ضعف الدولة، وعدم قدرتها على أن تكون البديل الاقتصادي والاجتماعي للسبب الذي أوضحناه من قَبْلُ في صدد نشوء الأنظمة الاقتصادية. وهكذا عملت الفئات الجديدة في أوروبا المُنشِئة لنظام اقتصادي جنيني جديد (البورجوازية) على استئناف ما بدأ عند العرب على مُستوى التخييل، خاصة مع بداية النهضة الأوروبية. وسيتمثل هذا الاستئناف في ما سيُسمى في بداية القرن التاسع عشر بالأدب، الذي جاء ليحل محل الأقوال الجميلة، وسيُقام هذا التخييل المُستأنِف على أربعة ركائز رئيسة، وهي: الحياة الجارية، والفردانية، والمُغايرة، واختلاق الموضوع. وهذه الخاصيات نجدها على نحو جنيني في «ألف ليلة وليلة»، و»البخلاء»، والمقامات.
أما في ما يخص السؤال الثاني، فينبغي الكف عن عد ابن رشد والعقلانية حجري الزاوية في ما أخده الغرب من العرب، واستأنفه فأدى إلى تقدمه. ربما كان لهذا الظن أهميته، لكن هذه الأهمية لا تصل إلى مُستوى الأهمية التي يُشكلها أخذُهم عن الحضارة الإسلامية العربية مشروعها الفكري الجنيني الذي ظهر مع احتضارها، والذي استمر لأزيد من قرنين، قبل أن يحكم عليها التتار بالموت القاسي (سقوط بغداد على يد هولاكو 1258). وما هذا المشروع غير ما أشرنا إليه ألا وهو الفكر التجريبي الذي ينصرف إلى فحص الملموس، ومُحاولة فهم طبيعته المادية، خاصة على مُستوى: التحليل إلى مُكونات، والوصف الدقيق لتكوين الأشياء، والجانب الفيزيولوجي للجسد، أما الرياضيات والهندسة، وإن كانا من العلوم الأسس، فهما ليسا بالجديدين على الفكر الغربي؛ فالتراث اليوناني زاخرٌ بما هو مُفيد منهما، لكن هذا لم يمنع من استئناف ما طوره العرب في مجال الرياضيات بالخصوص. بيد أن ما يُهِم هو هذا التلازم الغريب بين التوجه نحو الملموس في الأدب، والملموس في العلم؛ الشيء الذي يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من المُسلمات التي ما زالت مُؤثرة حتى في عصرنا هذا.
لا أريد أن أُنهي هذا المقال من دون الإشارة إلى تلازم غريب آخر، ألا وهو التلازم بين انهيار الحضارة الإسلامية العربية في الأندلس بعد معركة العقاب 1248 ونص شهير في الرحلة لابن بطوطة المغربي (1304- 1360). وهي رحلة فردية غايتها التعرف إلى الغير، بينما كان الغرب يُجهز نفسه لاكتشاف طرق تجارية جديدة ستقلب على نحو نهائي مسير التاريخ، وتُؤدي إلى ظهور عالم جديد، لقد استأنفوا إرادة السندباد.
أديب وأكاديمي مغربي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: "التجريب في الأدب" عبد الرحيم جيران   الأربعاء سبتمبر 28, 2016 5:29 pm

admin كتب:
Abderrahim Jairane
13 août 2012 ·

"التجريب في الأدب"
عبد الرحيم جيران

لا يمكن فصل مسألة التجريب في الأدب عن سؤال الحداثة، فهو يعد من أحد عناوينها الرئيسة؛ بل هناك من يذهب إلى جعله محتوى لها. بيد أننا نعده نتاجا لأحد إمكاناتها الثاوية في ممارستها، فإذا كان من خاصيات الحداثة في الأدب تفكيره في ذاته بوصفه موضوعا لنفسه إلى جانب الموضوع الجمالي، والتوجه باستمرار نحو مغايرة أشكاله، فإن من الطبيعي أن تترتب على ذلك نزعة التجريب بوصفها صياغة متقدمة لهاتين الخاصيتين، أو لنقل بعدّها تركيبا لهما يستهدف تحويل الإبداع إلى فن يستجيب لما هو مستقبلي في الكتابة، ذلك أن التجريب لا يمكن فصله عن مفهوم الزمن في تلقي النصوص. فلم يعد مطروحا بموجبه استيعاب ضرورات الحاضر فيه فحسب، بل صار من الضروري أيضا توجيه الإبداع نحو خاصية الاستشراف، بما تحيل عليه من صناعة لمتلقٍّ مستقبلي. أمر من هذا القبيل تترتب عليه تبعات في الرؤية الجمالية من ضمنها تحويل التركيز في الإنتاج الأدبي من محور القارئ المتماهي مع الأطر الأدبية التي تُكوِّن السموت التي تُتلقى بها النصوص إلى محور القارئ المُنتج الذي يشارك في إنتاج سموت مقترحة غير مسننة على نحو مسبق. ومعنى ذلك أن التجريب يستهدف خلق قارئه الخاص الذي يقبل التخلي عن العادات والتقاليد التي ألفها في تلقي النصوص.
إن التجريب يفترض- إذن- وفق ما قيل أعلاه عدم الارتهان إلى قوالب جاهزة في الكتابة تكون ملزمة للكاتب، ومن ثمة فلا بد من أن تكون الحرية في ما ينتجه ملمحا أساسا؛ بحيث يصير الكاتب مسؤولا عن إنتاج الشكل الخاص به، وعن تأسيس شبكة الأوفاق التي يمكن بواسطتها استضمار طريقته الخاصة في الكتابة. أمر من هذا القبيل يتضمن على نحو مباشر إمكان مغايرة الهياكل السائدة في الأجناس الأدبية المكرسة، وجل أشكال التنميط المتعارف عليها في إنتاج النصوص، بما بعينيه ذلك من قابليةٍ لتكسير الحدود في ما بينها بحثا عن شكل أكثر قدرة على إتاحة الحرية أمام الكاتب في التعبير الفني. إن هذه النزعة في تهديم سلطة الجنس الأدبي ليست بالجديدة، فهي قديمة قدم التعبير الفني، ويكفي النظر في ما فعله شكسبير في صدد قواعد كتابة المسرحية لندرك ذلك، فقد حاول جاهدا الخروج عما وضعه أرسطو من قوانين ملزمة في صياغة الدراما. بيد أن نزعة التجريب لا تقف عند حدود تدمير القواعد في الكتابة من داخل متاح الجنس الأدبي فحسب، بل عملت- في كثير من مظاهرها- أيضا على تحرير الكتابة من التنميط أساسا؛ أي الكتابة خارج مدار الجنس الأدبي. ومن ثمة يجب إلا نخلط بين مفهوم التجريب ومفهوم التجديد؛ ذلك أن هذا الأخير يفيد الإضافة في إطار النمط، من دون سعي إلى هدمه، بينما يفيد المفهوم الأول الخروج عنه على نحو جذري.
ولربما تعد تجربة "تيل كيل" أكثر تمثيلا لنزوع التجريب. فقد استبدلت مفهوم النص بمفهوم الجنس الأدبي، وأطلقت بذلك يد الكاتب في أن يكتب نصوصا غير منمطة متحرِّرة من كل ارتهان بأوفاق متعارف عليها. وتسمح لنا هذه التجربة بفهم الاعتبارات التي تحكمت في التجريب عموما، وأظن أن أهمها يكمن في بناء المعنى في علاقته بالتداول. فلم يعد مطلوبا في النص استهداف التواصل، بل على العكس من ذلك التوجه نحو الإنتاج. والمقصود بذلك أن ليس المطلوب من النص توصيل معنى صافٍ قابل للتعرف، وإنما معنى قابل للتأويل، وقابل لأن تُعاد صياغته من قبل المتلقي، بحيث يتحول إلى منتج أيضا. بطبيعة الحال يتخفى وراء هذا الفهم التصور الماركسي لمفهوم القيمة؛ إذ نظر إلى المعنى الصافي على أنه يصدر عن قيم تبادلية استهلاكية، بينما المعنى الذي يستحثّ القارئ على إنتاجه يصدر عن القيم الاستعمالية. هذا التصور في إنتاج المعنى الأدبي قاد إلى تحطيم أطره الفنية التي كان ينتج بها. ومن ثمة استدعت ضرورة الخروج عن الأوفاق السائدة في الكتابة- في ارتباطها بالمعنى الصافي- رفع شعار الحرية في الكتابة بما تقود إليه من تجريب.
نستنتج من كل هذا أن التجريب، لم يكن أبدا توجها مدرسيا قائما بذاته؛ أي أنه ممارسة في الكتابة لم تتخذ طابعا تقنينيا مؤسسا على مجموعة من المعايير التنميطية التي يجب ترسمها، كما كان يحدث في المدارس الأدبية المعروفة من رومانسية، وواقعية، وبرناسية، وسوريالية...الخ، وإنما اتخذت طابعا استراتيجيا من دون انتساب إلى جماعة ما. وهذا البعد الاستراتيجي اتصف بكونه يحدد مبادئ عامة، من دون التفصيل في طرق إنجازها، تاركا الأمر في ذلك إلى حرية المبدعين الأفراد، ورؤياتهم الخاصة. لكن لم يكن الأمر يتم دوما على هذا النحو، فيتبين من حركة التجريب في الرواية في فرنسا مع تيار الرواية الجديدة أن هذا المفهوم قد صيغ في هيئة مدرسية قائمة على الانتساب، وتحول إلى نوع من التنميط في الكتابة، بحيث ترسخت مجموعة من الخصائص في الكتابة الروائية، والتي تحولت إلى ملامح يُشار بها إلى كل من يكتب من داخل حيزها. وقبل ذلك الدادائية التي اتصفت بتطرف قوي في التجريب؛ حيث آل الأمر بالكتابة إلى درجة لم يعد معها للمعنى أي دور، وصار الشكل وحده الغاية التي لا تعلوها غاية أخرى، ومن ثمة فتح الباب عريضا أمام تشغيل حاستين في الكتابة هما: البصر، والسمع. ومن ثمة صارت النصوص تحتفي بما هو غرافي في تشكيل ذاتها، وبالفضاء بوصفه عنصرا تكوينيا في الكتابة، هذا إلى جانب احتفاء الكتابة بالطريقة التي ترصف بها الحروف والكلمات وفق إيقاعات موسيقية يبتدعها الشاعر.
ولا يمكن الحديث عن التجريب في الأدب من دون فصله عن نزعتي التمرد والثورة اللتين قويتا في القرن العشرين على نحو لم يسبق له أن حدث في التاريخ، نتيجة عوامل سياسية وإيديولوجية ومعرفية. ففيما يخص السياسي منها، فإن ما تعاقب على أوروبا والعالم من حروب مدمرة أدخل نوعا من الشك في ميراث الغرب الإنساني؛ مما أفضى إلى الرغبة في تجاوزه بما في ذلك ما هو فني منمط. وفي ما يخص الإيديولوجي فإن ظهور الماركسية والوجودية عمقا في الفرد الإحساس بالثورة على ميرات البورجوازية الفني، ومحاولة مجاوزته إلى آفاق التحرر من القواعد والسنن. أما في ما يخص المعرفي فإن ظهور علم النفس وتجذره بوصفه معرفة تكشف عن حقيقة الكائن الإنساني أدى إلى الرغبة أيضا في التحرر من وصاية الأب، وكل ما هو بطرياركي، وإلى الإعلاء مما هو رغبوي متحرر من كل ما هو قمعي، وفي مقدمة ذلك القواعد. ولربما عملت هذه العوامل مجتمعة في إنضاج حركة التجريب في الأدب. وهذا ما نلمسه في كثير من النصوص التي كتبت تحت شعار الطليعة الذي قيم على التحرر والتمرد.
هل كانت لدينا حركة تجريب في الأدب العربي؟ وإذا ما كان ذلك ورادا فما هي ملامحها؟ وهل هناك ضرورات استدعتها؟ وهل استطاعت أن تجد لها صدى لدى المتلقي؟ وهل ما زال السياق الراهن يتقبل فعاليتها؟
ما كان للأدب العربي أن يظل بمنأى عما يحدث في ما حوله من حركات أدبية تتحين في العالم، وبخاصة في زمن قويت فيه وسائل الاتصال، وصلات المثاقفة؛ ولذلك كان لا بد أن يعرف العالم العربي حركة تجريب خاصة به. ويكفي الرجوع إلى ما أُنتج على مستوى الأجناس الأدبية المختلفة لإثبات ذلك. وأظن أن حركة التجريب في الأدب العربي، لم تتشكل بوصفها حاجة ضرورية داخلية مبنية وفق تصورات واضحة، ووفق دفتر تحملات مؤسس وفق بنود معلومة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الكاتب في العالم العربي، لا يتجه في الكتابة إلا منصاعا إلى الاستجابة لما يحدث في العالم الغربي من تحولات، أي أنه يقيس حركة إنتاجه النصوص الأدبية على نموذجية النصوص التجريبية في الغرب. وهذا أمر مسلم به. وما يشكل وجه الغرابة في هذا الجانب أن السياقات المحلية التي كانت تستدعي تحول الشكل التعبيري، وبخاصة أزمة 1967، كانت ذات منحى سياسي محض، ولها صلة بالبنيات التقليدية في الحكم، وما ترتب عليها من إخفاقات، ولم تكن ذات صلة بمأزق الحداثة أو العقل، كما هو الحال في الغرب، ومعنى ذلك أن ضرورات التجريب التي كانت وراء التجريب في الغرب لم تكن هي هي عندنا. ومن ثمة نقلت أشكال التجريب الغربية إلى حضن الأدب العربي مقطوعة عن بواعثها، لتعبر عن بواعث مناقضة لها تماما. وتصرف من هذا القبيل، لا بد أن تكون له تبعات على صعيدين: أولا على صعيد ملامح حركة التجريب ذاتها، ونوعية النصوص التي أنتجتها، وثانيا على صعيد التقبل العام لها من قبل المتلقي العربي.
سنعمل إذن على معالجة حركة التجريب على هذين الصعيدين لمعرفة ملامحها، ومدى تثبيت نفسها في تربة الإبداع الأدبي. ففي ما يخص النقطة الأولى، يمكن لنا أن نحدد ملامح التجريب في العناصر الآتية:1- يتبين أن حركة التجريب في الأدب العربي استهدفت الشكل الإبداعي، تماما كما هو الحال في الغرب، لكن ذلك لم يحدث خارج خاصية التقليد؛ أي تقليد أشكال منتجة في الغرب، وجعلها عنوانا لمجابهة أشكال أخرى مكرسة في الشعر والرواية والقصة القصيرة. 2- تترتب عن النقطة الأولى خاصية أخرى تتمثل في عدم استيعاب حركة التجريب العربية لما كانت تقلده؛ أي فهم أسس المقلَّد وضروراته، الشيء الذي ترتب عليه عدم مطارحة مسألة ملاءمة الأشكال المقلّدة للواقع المعبر عنه، والمقصود بذلك قدرة الشكل المجرّب- في تحوله- على تجسيم بُعْدَي الواقع الفكري والاجتماعي. 3- لم يكن التحول النوعي في الشكل مبرَّرا ومُقنعا، ولم يتجاوز حدود التقليعة من دون التوفر على ما يظهر خصوصيته، وأبعاده الاستراتيجية، أي أنه لم يكن مبنيا على أسئلة واضحة ومقنعة، بقدر ما كان مبنيا على أسئلة محضرة في سياقات مختلفة غير سياقات المجتمع العربي الذي ما زال يرزح تحت هيمنة الفكر الخرافي والإطلاقي، ولم يلج بعد العقلانية من أبوابها الواسعة؛ فلم يحمل الأدب في تجريبيته القدرة على تمجيد العقل ونسبية الحقيقة، بقدر ما انصرف نحو تمجيد الغريزي في أبعاده المختلفة بما في ذلك وضع اللغة موضع التساؤل من حيث هي مجال لتفجير طاقة اللبيدو. 4ـ الإخفاق حتى في تقليد المقلَّد، فلم يكن التجريب سوى نوع من قياس للإبداع على نماذج محددة، من دون الوعي بالتفكير في الشكل الخاص والمتفرد، وهذا ما أفضى في الرواية مثلا- وهي تُقِّلد تيار الوعي- إلى إنتاج نصوص تتميز بالهذيان، من دون تحكم في بنية الهذيان وفهم أسسها الفنية، كما أدى بها وهي تحاول تقليد انثناء النص على نفسه إلى إنشاء نصوص مضطربة لا يتوازن فيها ما هو تفكير في النص وضرورات النص؛ ولذلك نلاحظ أحيانا طغيان المعرفي على السردي، فلم يستضمر على نحو ذكي ما أبدعه في هذا المجال كل من جايمس جويس وسراماغو وأمبرتو إيكو. 5- أدى التجريب إلى ظهور ملمح كان له تأثير سلبي قوي على الكتابة الإبداعية، إذ صار قناعا يُرتدى من قبل العديد من "الكتّاب" لإخفاء عجزهم الإبداعي وضعفهم، ومن ثمة صارت الكتابة التي لا تتوفر على عناصر القوة تدعي أنها تنتمي إلى الكتابة التجريبية، وترفع شعار الكتابة المستقبلية عنوانا لها؛ فتنقلب المسألة فيها من كونها رداءة بينة في الكتابة التجريبية إلى ادعاء بعدم فهم المتلقي لها، وبعدم إدراك تجاوزها زمنّها. 6- تحول التجريب إلى نمطية في الكتابة مسومة بالتكرار المملّ، ذلك أن التجريب يقتضي أن يتخذ الكاتب من كل نص ينتجه مجالا للبحث عما يجعل الشكل الأدبي يتطور في اتجاه إمكانات أخرى للكتابة لا تتصف بالمعاودة أو التكرار، بينما التجريب الذي مارسه الكاتب العربي لا يتميز بمراكمته أسئلةَ التحول في اتجاه البحث عن إمكانات مختلفة، بقدر ما تميز بإعادة إنتاج ممكنات نمط واحد ميّز ظهور نصه الأول. ومن ثمة يصير المبدع أسير تكرار نفسه، عبر تكرار نصه الأول، ولنا في الرواية نماذج كثيرة؛ حيث تعد نصوص الكاتب تكرارا لنص واحد ووحيد، وأمر من هذا القبيل مضاد كلية لمبادئ الكتابة التجريبية، ولا حاجة لنا بذكر الأسماء، فلا يعدم القارئ العربي القدرة على الاهتداء إليها. 7 - لقد أُنتج التجريب بالعالم العربي أيضا- وفق سؤال مجاوزة النمطية داخل الجنس الأدبي- انطلاقا من حركة تقليد مركبة، والمقصود بذلك تقليد نزعة الشكل كما هي محضَّرة بالغرب، وبخاصة على مستوى الرواية، من خلال تقليد مضاعف يتمثل في البحث عن تدعيم تحوّل الشكل باعتماد رؤية تراثية تغترف من الأسلوب البلاغي العربي القديم أو من مادته التاريخية، وأحيانا باعتماد رؤية صوفية غير ملائمة لتطلبات الجنس الروائي، أو رؤية توثيقية مفرطة في أسلبة تطابقية. وحين نشير إلى هذا الملمح، لا نريد شجب كل استخدام للتراث، بل شجب الطريقة التي يستخدم بها، والرؤية المعتمدة في هذا الاستخدام، في علاقة كل ذلك بحركة تجريب يكون من مهامها تجاوز كل ما هو قائم أو تعبير أسلوبي إطلاقي غير نسبي.
إذا كانت هذه هي ملامح التجريب كما مورس في الكتابة الأدبية بالعالم العربي، فما هي مجال علاقتها بالواقع من جهة وعلاقتها بالمتلقي العربي؟ لا نريد بالسؤال الأول معرفة مدى مناسبة حركة التجريب الأدبي للواقع العربي في خصوصيته الاجتماعية والسياسية والفكرية فحسب، وإنما نريد به أيضا طرح إشكال مساوق يتعلق بتاريخية الكتابة، وأقصد بذلك السؤال الآتي: إذا كان التجريب نتاج الحداثة بالغرب، وتجاوز لها، فهل يمكن أن يكون الحديث عن التجريب في الكتابة في مجتمع لم يعرف بعد طريقه إلى الحداثة حديثا مشروعا، وله من الصلاحية ما يشكل ضرورة ملحة؟ لا أظن أن الإجابة ستكون بالسلب، لأن المثاقفة تطرح ذاتها على الكاتب العربي، ولا بد له أن ينتج في السياق الإنساني العام، ومن ثمة يصير التجريب ضرورة مزدوجة إذا ما تبين لنا ما نوع المهام المطروحة عليه، ويمكن أن تحدد هذه المهام في نقطتين هما: أولا لا بد من أن يجيب التجريب في العالم العربي عن تفاعله مع سياق الثقافات المختلفة مراعاة في ذلك لمسألة الحضور في العصر، لكن هذا الأمر يظل رهينا بالقدرة على تمثل هذا التفاعل في إطار الحاجات المحلية الخاصة. ثانيا لا يمكن للتجريب أن يكون ذا مصداقية إلا إذا أخذ على عاتقه الاستجابة إلى تحولات في الشكل تراعي طبيعة الواقع العربي المعاصر في تعقيده، وإشكالاته السياسية والاجتماعية والفكرية، فلا يمكن أن نتبني أشكالا متطرفة تبني التجريب على أسئلة تستهدف منجزات الفكر البورجوازي الغربي، وخاصة التنوير، ونحن لم نخرج بعد من ليل قاتم عنوانه استمرار الظلام، ولم نعرف بعد الحداثة في تفاصيلها ومفاصلها الكبرى.
وفي ما يخص السؤال المتعلق بعلاقة المتلقي، فإن ما أُنتج بموجبه من نصوص، ظل مستبقا لحساسية ذوق لم تهيأ على نحو تام لاستقبال حركات في الكتابة تحتاج إلى استعداد فكري وذوقي لتقبلها. كما أن هذه النصوص لم ترفق في الأغلب بوعي نظري وتصوري يبين أهدافها وغاياتها، لأن الكاتب لا يملك أصلا تصورا واضحا بيّنا يستطيع بموجبه تبرير إبداعه في مغايرته على نحو مقنع. وإذا ما توفر مثل هذا الكاتب على نحو استثنائي، فإن جماع جهده في هذا الباب لا يتعدى تكرار أجوبة محضرة في كتابات نظرية غربية صرف، وتتعلق بتجارب نصية غربية. ولا يمكننا أن نتغاضى- ونحن نتحدث عن علاقة المتلقي بالتجريب- مسألة قدرة الكاتب العربي على أن يضمن نصوصه مؤشرات داخلية موجهة للقراءة، ونحن لا نريد بذلك الإشارة إلى التنظير من داخل النص، وإنما الإشارة إلى التعرية كما بلورها الشكلانيون الرووس، هذا إلى جانب تقاعس النقد عن مواكبة هذه التجارب في تجريب الكتابة، وإظهار حدود فعلها، ومدى قصورها أو تفوقها في مهامها.
إننا في أمس الحاجة إلى التجريب، لكن لا بد في هذا الأمر من مراعاة نوعية الأهداف الاستراتيجية منه، والتي لا بد لها أن تُحدد انطلاقا من الحاجة التاريخية في إنتاج الشكل الأدبي، ومدى ملاءمته لأسئلة العصر وقضاياه؛ فكل أدب لا بد أن تكون له علاقة بالسياسة، لكنه وهو يفعل ذلك يبني سياسته الخاصة التي لا تعدو كونها سياسة الأدب، وكل سياسة لا بد لها- بما في ذلك سياسة الأدب- من الانخراط في مجاوزة غيرها، داخل منطق من الصراع أو التنافس. ومن ثمة يعد التجريب في الشكل بناء سياسيا للأدب يتوخى من خلاله مجاوزة منطق ما في الحساسية يعد غير قادر على استيعاب اللحظة التاريخية نحو منطق آخر أكثر طواعية. وإذ يؤسس الأدب سياسته على هذا النحو فإنه يطمح إلى بعد تعليمي في علاقته بالمتلقي، وذلك بمحاولة تجديد حساسيته وذوقه من دون إلغاء وجوده بوصفه ضرورة لحياة كل نص إبداعي.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: كتاب «علبة السرد» لعبد الرحيم جيران: من المحاكاة إلى المحاورة   الأحد أكتوبر 02, 2016 3:42 pm

admin كتب:
كتاب «علبة السرد» لعبد الرحيم جيران: من المحاكاة إلى المحاورة
خالد البقالي القاسمي
Oct 03, 2016

كتاب «علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس « كتاب نقدي رصين لمؤلفه الأستاذ والباحث الجامعي في مدينة تطوان المغربية عبد الرحيم جيران، صدر في بيروت عن دار الكتاب الجديد المتحدة في طبعته الأولى شهر حزيران/يونيو سنة 2013، ويتشكل الكتاب من مئتين وست وثمانين صفحة، والكتاب في الأصل نسخة مستقلة تقريبا، ومغايرة نوعا ما للأطروحة التي تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتوراه في الآداب، وقد عمل المؤلف على بناء النظرية النقدية في كتابه انطلاقا من قضايا نظرية مستندة إلى أمثلة موضحة ومبينة لحقيقة المقصود من الإنتاج النظري النقدي الذي يتعدى فعل الإنتاج ذاته لكي يمتح من إمكانات حضور الذات في العصر عن طريق التعبير المستفيض عن المكنون والمتاح من خلال تجاوز التقليد إلى التجديد، عبر الانتقال من المحاكاة إلى المحاورة، سعيا نحو الوصول إلى تحقيق رد فعل عقلاني دقيق ومحسوب يلج مسلحا بكل القوة والعنفوان والمعرفة إلى مجال المساهمة في الإنتاج المعرفي النظري النقدي بعيدا عن التصنيفات الهوياتية المغلوطة التي تبخس الذات حقها، وتمنعها من القطع مع عادة الاستهلاك، والركون إلى الجاهز والمستورد والمفروض.
طموح الباحث عبد الرحيم جيران في كتابه هذا يتجاوز الفهم، إلى التحليل، ثم التأويل، ومن ثمة العمل على محاورة ومناقشة وتتبع النظريات الأدبية والفلسفية النقدية، من أجل بيان مواطن ضعفها وقصورها، قصد تقويمها وتعديلها، من أجل الوصول إلى الشروع في تأسيس معالم نظرية نقدية متكاملة، استنادا إلى الاستفادة من المتاح ضمن الفكر والتراث الإنسانيين، باعتبارهما ملكا للجميع، ولا يحق احتكارهما من طرف الأفراد أو الجماعات. ومن خلال تتبع معطيات الكتاب يتضح للقارئ المتمرس أن فصوله تحتاج من المهتم تخصصا وتكوينا متينا ومتعمقا للغاية في اللغة والفلسفة والأدب والنظرية النقدية بصفة عامة، من أجل الفهم الصحيح للقضايا المطروحة، ومن أجل فهم النظرية الجديدة التي عمل الباحث بكل جدارة على بنائها، وضبط مفرداتها ومجالها وجهازها المفاهيمي الموضح والمحدد للدلالات الثاوية وراء كل مفهوم أو معنى.
إن الأصل في الكتاب النقدي هو عمل الكاتب على توخي الإحاطة بمشكلات إنتاج الفعل السردي في تنويعاته المختلفة، انطلاقا من علاقته الأكيدة بالنصية، ومن أجل بلورة هذا العمل الجاد يقترح المؤلف منهجا جديدا وسمه بالمنهج «التجديلي التضافري»، والتجديل في الأصل من الجدل وشدة الفتل، وجدلت الحبل أجدلِه جدلا إذا شددت فتله، وفتلته فتلا محكما، ومنه قيل لزمام الناقة الجديل، ويظهر التجديل في حركة التسرد، وهو المعبر عن حركة الانتظام التي تعود للنص السردي من الدلالة، وفي حركة التسريد تعود إلى النص من التعبير، أما التضافر فيعني تعاون كل الجهود على اختلافها، بمعنى العمل معا من أجل التنسيق، والنظم، والنسج للنص السردي.
موضوع المعالجة بالنسبة للمنهج التجديلي التضافري هو أسئلة السرد، واصطناع اختيار منهجي تتوافر له وحدة النظرية وانسجامها، ويركز المنهج على الملفوظ السردي من حيث كيفية تحول هذا الملفوظ من الصيغة الطبيعية إلى الصيغة السردية، خصوصا عندما يثيرنا سؤال: كيف نفكر في نشوء الملفوظ السردي؟ وتبرز مشروعية هذا التساؤل بدقة عندما يقترن بالنص بوصفه إظهارا قوليا متناميا ومنظما على نحو طوبولوجي لبيان مستويات النص التي تتنوع إلى التعبير والدلالة.
يتعامل المؤلف مع النص باعتباره وجودا ماهويا مغيبا وغير تام في وضوحه وبداهته ونشوئه، تنبع ميتافيزيقا النص هاته حتما من وجوده الاصطناعي، و من ماهيته التي وقع اختلاف كبير في ملامستها، ويستحق النص كل هذا التقدير والاهتمام من زاوية النظر إليه من مشكلة تحديده، وزاوية علاقته بمنتجه، وزاوية الذات المعرفية التي تطمح إلى ملامسته.
عمل المؤلف من أجل توضيح مسعاه على بناء ثنائيات متقابلة ومتضادة ومتصادمة، وهي في عمقها تشكل المبادئ المؤسسة التي على هديها تم بناء كل من مفهومي التضافر والتجديل، حيث نجد الثنائيات: الحرية / الضرورة، التقدم/ التقهقر، الوحدة / الكثرة، الاضطراب / الانتظام، الانفتاح /الانغلاق، تتميز هذه الثنائيات بتوفرها على وجود طوبولوجي ليس بالضرورة فيزيائيا، ولكنه نوع من الانتشار المشوب بالحركة، كل طرف من طرفي هذه المبادئ ينظر إلى نفسه انطلاقا من ممكن الآخر، وينتج عن هذا أن علاقات التضافر عبارة عن نسق أصلي، بينما علاقات التجديل عبارة عن نسق تابع لأن وحداته غير مستقلة بنفسها، علاقات التضافر تشير إلى ما يتكون به الملفوظ السردي على مستوى التسريد، وعلاقات التجديل تشير إلى التعالق بين المستويات، والتعالق بين النص السردي والذات المعرفية، بواسطة ما يسميه المؤلف بالنواة الصلبة التي تتكون من الذات والموضوع والعلاقة بينهما، وتفضي هذه النواة إلى تركيب الأطراف التي تشكل النواة السردية داخل نص محدد، حيث نحصل على نتاج مهم للغاية نسميه الملفوظ السردي.
إن الملفوظ السردي هو الذي كان قبل نشوئه ضمن ميتافيزيقاه عبارة عن ملفوظ عادي ينتمي إلى اللغة الطبيعية، وهو قابل للتحول إلى نواة سردية، قابلة بدورها للتحول إلى ملفوظ سردي، ثم نص سردي موسع استنادا إلى النواظم الرمزية التي هي عبارة عن ثنائيات ضمن حقل ثقافي مخصوص، ولا بد هنا من توفر ما يسمى بالمقولة الإدماجية البانية والمشيدة للأفعال السردية ضمن الحضور والغياب، والتي تشتغل وفق برمجة تنظم الكون الدلالي الفسيح وتسمح بتناميه من خلال تنوع الكتابة السردية التي تساهم في تفسير الضرورة التي تتخفى وراء تشكل هذا التنوع وفق توزيع حركي دقيق، مع الحرص على إعطاء كل مفهوم دلالته المضبوطة داخل العالم السردي حيث السارد يقوم بدور حاسم ودقيق، والسارد في الأصل يتموضع ضمن حدود الميتافيزيقا الغربية التي تميز في الوجود النهائي واللانهائي، والوجود كذات داخل العالم، وهنا في هذا المنظور الميتافيزيقي يصير السارد موازيا حتى في حالته الورقية لذات منخرطة في العالم، والحال أن السارد هو بنية تعبيرية ممكنة، وظيفتها نقل الغياب وإنتاجه في علاقته بالحقيقة داخل مجتمع نصي ما، وكذلك محفل لإنتاج انبساط التعبير، ينقل السارد الغياب، والظهور، والمقول من خلال قول العالم. وإذا كان السارد هو مركز النقل والتحويل، فإن المؤلف عبارة عن مبدأ لتجميع النصوص السردية، ومحقق لدلالتها عبر تماسكها، بينما يظل الكاتب مبدعا، في خصام دائم لا ينقطع مع ذاته، ولا يفتر إزاء الذوات الأخرى المقابلة له، وفي الأخير ينتج نوعا من اللاتماثل بين عملية الإبداع وبين استعمال نظام لسني كيفما كان.
وهكذا نلاحظ أننا نحاول مع مؤلف كتاب «علبة السرد» الإمساك ما أمكن بعملية نشوء وتكون الملفوظات السردية من أجل تشييد المجتمع النصي انطلاقا من إرادة للمعرفة مرتبطة بإرادة الحقيقة المستندة إلى دعامة قانونية صلبة، الحقيقة منذ إرث أفلاطون الذي أرسى قواعد الصدق حتى لا يعمد الوعي إلى مغالطة ذاته ويوهمها بعكس المطلوب الثاوي في عمق الحقيقة. إن كتاب «علبة السرد» عبارة عن نص نظري دقيق، متخصص للغاية، ويحتاج إلى مجال أوسع لبسط مكونات النظرية النقدية التي شيدها الباحث عبد الرحيم جيران، وهي نظرية تتميز بالصلابة والتميز، ولها إمكانات وافرة في مقاربة وفهم تكون ونشوء النصوص السردية المتنوعة، مع العلم أن ثراء الموضوع قد يكون أحيانا أبلغ وأقوى من النظرية.

٭ كاتب وناقد من المغرب

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
إدانة الادب جيران
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: