كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 "أزمة النقد والجامعة" عبد الرحيم جيران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: "أزمة النقد والجامعة" عبد الرحيم جيران   الثلاثاء أكتوبر 13, 2015 12:15 pm

"أزمة النقد والجامعة"
عبد الرحيم جيران

قرأت مؤخرا في إحدى المجلات العربية ما يشبه ملفا حول أزمة النقد العربي، وتبين لي أن ما سُطر من خطرات فيه يُعَدُّ بدوره جزءً لا يتجزأ من هذه الأزمة، بل عنوانا إليها، لأن التشخيص ظل في حدود الإلماح إلى بعض الظواهر، ولم يمتد إلى لمس العلل والأسباب، وقد لا أكون مجانبا الصواب إذا قلت إن بعض الخطرات كانت تنم عن فقر في المتابعة والمواكبة، والوقوف عند بعض الأسماء التي شاء لها الحظ- لا العلم- أن تكون معروفة في الوطن العربي، مع العلم أن جل ما تنتجه هو نقل عن الغرب، واستنساخ لما دُبِّج في مناهج غربية من مبادئ على نحو أمين، من دون وجود إضافات نوعية. كما تبين لي أن المضمر الفكري عند كل من أدلى بدلوه في هذا الملف كان لا يخرج عن تصور مستهلك لمفهوم النقد نفسه وكأن هذا المفهوم ينحصر في مجرد اشتغال فردي يرتبط بذائقة فردية، وبحساسية شخصية مسنودة بمهارات مستقاة من التجربة. ولم يُفهم النقد بوصفه نتاج حركة داخل المجتمع النصيّ يرتهن بممارسة نابعة من اشتراطات تاريخية وسوسيو ثقافية.
وقبل الحديث عن التشخيص الدقيق لأزمة النقد أرى أن من الأنسب إحلال النقد في مكانه الخطابي الذي ينمو فيه عادة، ويستقي منه سلطته، وأسس فعالية تأثيره، وشروط نموه وازدهاره، وأيضا أسباب تدهوره، وأظن ان هذا المكان الخطابي لا يمكن أن يكون سوى الجامعة من حيث هي مكانه الطبيعي. وارتباط من هذا القبيل بمكان مخصوص يميز النقد عن الإبداع الذي يعد إنتاجه حرا، وتاما في أمكنة شخصية حميمة. ولعل أكبر النقاد العرب الذين ظهروا في القرن العشرين، وأثَّرُوا في الذائقة الأدبية وتوجيه النصوص الإبداعية كانوا نتاج الجامعة، ودرَّسوا بها، وجعلوا إنتاجهم النقدي عماد دروسهم، ومحاضراتهم، وقلما نجد ناقدا قد نما جهده النقدي خراج الجامعةـ إلا قلة قليلة، وحتى هذه القلة لم تكن تنتج ما تنتجه بمعزل عن صلات الحوار مع ما يُنتج في الجامعة، تأثرا، واستفادةً، ومتابعة. تُسلِّمنا هذه الملاحظة إلى خاصية هامة ألا وهي أن النقد- بوصفه ممارسة مستندة إلى ما هو معرفي- لا يمكن أن يزدهر، ويتطور، إلا في إطار مؤسساتي، ولا يمكن التعويل في هذا الأمر على المحاولات الفردية التي تظهر هنا أو هناك. فإذا كانت الأطر المؤسساتية التي تتكفَّل بهذه الممارسة قوية قوي معها النقد، وإذا كانت واهنة تسرب وهنها إليه. ولا تكون الجامعة قوية إلا بقوة المجتمع السياسي وصحته، وإيمانه بجدوى العلم والبحث.
إذن لا تنفصل مسألة أزمة النقد عن كونها شديدة الصلة بواقع معقد ومركب، لا يكفي في فهمه تجزيء القضايا والفصل بينها، ومعنى ذلك أنْ لا يصح فصل أزمة النقد عن باقي مظاهر الأزمة الشمولية في اتّصافها السياسي والتربوي والاجتماعي، والثقافي والإبداعي. ولعل ما يمكن عدُّه ذا أهمية في هذا الباب ارتباط الممارسة النقدية بصلتين حاسمتين: صلتها بانسداد أفق تطور الممارسة السياسية، وعدم الدفع بمسألة الحرية والديمقراطية نحو أن تكون محلولة على نحو واضح، وقد يتساءل البعض عن الجدوى من هذا الربط، وله الحق في ذلك، لكن ما لا يجب أن يعزب عن الذهن هو أن النقد مرتبط- بهذه الطريقة أو تلك- بالحوار، ومدى الإيمان به، ومدى نضجه، مع ما يعنيه ذلك من ترسيخ للأخلاق التي تُقام على أسس الاختلاف الإيجابي، فكلما نما الحوار والجدال بين الأفكار نمت حاسة النقد على نحو سليم. والصلة الثانية ارتباط النقد بنموذج الفكر السائد داخل المجتمع، فكلما كان هذا الفكر يدعو إلى العقلانية، والحداثة، والأخذ بسبل المثاقفة- بما تتأسس عليه من حوار مع المعارف المختلفة- نجم عن ذلك نزوع نحو استخدام ملكة النقد وتعزيزها على نحو صحي. ولعل ما يطغى اليوم هو سيادة فكر أصولي- سلفي يُنكر على العقل حريته المطلقة، ويُسفِّه كل نقد يتجاوز التطابق مع أطر الفكر الماضوي نصوصا، وأحكاما، وغايات. ولعل تحولا من هذا القبيل يوجه ذائقة الجامعة والمجتمع، كما يوجه معايير الحكم على النصوص، ومعالجتها، والتعامل معها. وقد تُحاجَج فكرة علاقة الحرية بالنقد بمسألة ازدهار النقد في مرحلة سابقة على الرغم من أن الأنظمة السياسية لم تكن ديمقراطية البتة، ونرُدُّ بأن هذا الأمر صحيح، لكن لم يكن الفكر المهيمن في الجامعة والمجتمع عامة ماضويا سلفيا، فقد كان الفكر النقدي المنتَج يدخل في مجابهة مع هذه الأنظمة، وفي مجابهته هاته كان يعمد إلى توظيف الأفكار التي تخالف قاعدتها الإيديولوجية والتي هي دينية أصولية. إن السجال كان أرضية خصبة لنشوء نقد متقدم مؤسس على وجود أفكار متصارعة، وإيديولوجيات محتلفة تتنافس حول انتزاع المشروعية داخل المجتمع. هذا السجال لم يكن مرتبطا بطبيعة الحال بمجتمع ديمقراطي، ولكن بسؤال: ما نوع المعرفة الصالحة لكي تتحقق النهضة، وتتحول الأنظمة السياسية من طبيعتها التقليدانية نحو طبيعة حداثية. لم يعد هذا السجال ممكنا اليوم في ضوء معطيين: ضمور السرديات الكبرى، وهيمنة فكر تقليدي على الجامعة والمجتمع. فالسرديات الكبرى كانت ملهمة في إنتاج أطر نظرية، وهياكل نقدية، سواء أفي اتجاه التحيز داخل سردية ما، أم خارجها بنقدها، وتجاوزها. ولربما كان تمثل هذه السرديات نقديا- في نظري- يمثُل في مقولات مركزية: سردية الفرد (علم النفس)، وسردية التاريخ والمجتمع (سوسيولوجية الأدب)، وسردية النسق المستقل (البنيوية)، وسردية الدال (التفكيكية). كل هذه المقولات تعرف اليوم نوعا من الضمور بفعل سيادة فكر يؤمن بسردية أزلية كل شيء فيها معطى على نحو نهائي، ومن ثمة صار العماء هو دليلنا إلى العالم والوجود، ونجمت عنه ظواهر معيبة من قبيل الادعاء، وتوظيف المعرفة في أفق غير أفقها الطبيعي.
أمام ضعف الأطر السردية الكبرى، وفقدان البوصلة أمام مدٍّ أصولي، سيظهر في الجامعة- وأنا أتحدث هنا عن واقع خبرته جيدا ألا وهو الجامعة المغربية- نزوع نحو محاربة المناهج في مختلف توجهاتها النظرية والإجرائية، بدعوى أنها تُميت النص الأدبي، وتسلبه جوهره الجمالي، وأظن أن دعوة من هذا القبيل تتجاهل أن النقد خطاب تجريدي قائم على المفاهيم، ومن دون تأصيل المفاهيم، ومراعاة السياق المعرفي الذي ظهرت فيه لا تقوم للمعرفة الأدبية قائمة، ولا يتوفر للنقد ما يتأسس به صلبا قويا. كما لا يمكن الحديث عن النقد من دون استضمار جيد لنظرياته المختلفة، وأسسها الابستمولوجية. ولعل هذا التوجه أسهم على نحو لا غبار عليه في تدني المستوى المعرفي لدى الطلاب، وأدى إلى نفورهم من كل نقد يستند إلى ما هو معرفي صلب مبني على توجه نظري، ومن ثمة وجد النقد الدقيق المستند إلى المحاكمة المعللة نفسه محشورا في زاوية ضيقة، بل في خصام مع محيطه الطبيعي إلا وهو الجامعة. ربما كانت نية الكثير من الزملاء الذين تبنوا تصورا مضادا للمناهج حسنة، ونابعة من تجربة خاصة، لكن لم يتنبهوا إلى أن بفعلهم هذا قد أسهموا في القضاء على صيرورة نقدية كانت تعد بتطور إيجابي في مجال النقد، بل أسهموا في تدني الدرس النقدي على الوجه الذي نشكو منه الآن.
وإذا كانت الجامعة هي المكان الخطابي المناسب للنقد فإن ضعفها من حيث بنيات البحث، والتوجهات في بناء المقررات، والتحكم في تداخل المعارف، وتفاعلها أسهم بدوره في تفريخ طلاب لا يتملكون لا الأداة ولا الزاد. ويمكن لنا أن نلم بهذا الأمر من زاويتين: تتمثل الزاوية الأولى في أن بنيات البحث لا تتوفر على التمويل اللازم، وفي كون التقليد العلمي الذي يُغلِّب العمل الجماعي غائب، بل منعدم وبخاصة في الكليات التي تهتم بالعلوم الإنسانية، وإذا ما وُجدت هذه البنيات فهي شكلية يكاد يقتصر عملها على تنظيم أنشطة في هيئة تجمعات، أو شبه ندوات، لا تتجاوز حدود اللغو. ولعل بنيات بحثية موصوفة بهذا الضعف لا تسمح بإنتاج معرفة نقدية متطورة تتأسس على التراكم، والتجاوز، والإضافة. وتتمثل الزاوية الثانية في كون المعارف المدرسة لا رابط بينها، بحيث لا يؤدي بعضها إلى بعض، كما أن المعارف المساعدة التي لا بد منها في إنماء المحاكمة العقلية التي يحتاج إليها النقد لا تدرس لطلبة الأدب، وإذا ما دُرست فبطريقة لا تخلو من نظرة استصغار، وكأنها سقط المتاع الذي لا يُجدي نفعا. وأقصد بهذه المعارف المنطق، والابستمولوجيا، والفلسفة، وتاريخ الأفكار. وأظن مدارسة النص الأدبي تحتاج إلى الإلمام بهذه المعارف لأنها تساعد الطالب الذي هو الناقد المستقبلي على بناء المفاهيم وضبطها والحفر في أصولها، كما تساعده على فهم الخلفيات الفكرية والفلسفية التي تكمن خلف الأعمال الأدبية، فلا يمكن للناقد أن يتحدث عن علاقة الشخصية بالعالم والوجود، وتأويل هذه العلاقة على نحو دقيق من دون توافر الفهم الفلسفي لهذين المفهومين، كما لا يمكن للطالب إدراك الفروق بين المناهج وخلفياتها المعرفية من دون سند من الابستمولوجيا، كما لا يمكنه فهم بعض المناهج النقدية مثل السيميائيات من دون إلمام بالمنطق في توجهاته العادية على الأقل. فكيف لطالبنا الناقد المستقبلي أن يضيف إلى النقد ويتجاوز ما به من ثغرات من دون تسلحه بما يؤهله لذلك.
لا تظهر سلبيات ضعف الجامعة بوصفها المكان الأمثل لنشوء توجهات نقدية صلبة، في ما أشرنا إليه أعلاه، بل تظهر في نمط النقد الذي أُنتج إلى يومنا هذا، حتى ذلك النقد الذي نُظر إليه بوصفه نقدا جيدا لم يكن غير محاولات تطبيقية لا أقل ولا أكثر، باستثناء محاولات محدودة في الزمان والمكان، والمقصود بذلك أن نقدنا العربي لم يكن سوى إعادة إنتاج لما عُمِّد في الغرب على أنه مؤسّس نظريا، إذ لم يَعْدُ ما أنتجه بعض نقادنا حدود تطبيق ترسيمات أو توجهات أُرسيت دعائمها في الجامعات الغربية، وعلى نحو مشوه أحيانا، لا على مستوى استيحاء النظريات، ولا على مستوى توظيف المفاهيم، بل أحيانا تأخذنا الشفقة على بعض هذه المحاولات من جراء ترجمتها المصطلح الأجنبي والتصرف فيه من دون تقيد بسياقه النظري، واقتضاءاته الإجرائية. فإذا كان لا بد لنا من أن نأخذ من الغير- لأن المعرفة إنسانية لا حدود لها- فلا يعني ذلك الاتكاء كليا عليه، ولا عدم المساهمة في بناء الأسئلة الخاصة، ومحاولة التفكير- من داخل متاح المعرفة الإنسانية- في الإشكالات التي تخصنا وتؤرقنا، وإلا ما الفائدة من النقد المستند إلى البحث إذا كان لا يحمل في طياته التجاوز والإضافة.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: إشكالية الزمن والسرد وفق مراحل التخييل الثلاث( 2-1) - See more at: http://www.azamn.com/?p=299441#sthash.alk20vVh.dpuf   الأربعاء أكتوبر 28, 2015 11:08 am

admin كتب:
د.عبدالرحيم جيران*
لقد غلب المظهر التقنيُّ على الدراسة الأدبيّة التي تُعالج مسألة الزمن في السرد؛ حيث لا يُتعدَّى في توصيفه ذكر أنماطه، وطرائق اشتغاله في النص؛ مما لا يسمح بتبيّن الإشكالات الأعمق التي لها صلة بالمعنى الروائيّ. ولم تحظ الدراسات التي تستقي أسسها من منظور مُختلف بالأهمية ذاتها، وبخاصّة ما أرسته الظاهراتية والوجودية في هذا الصدد،. فالزمن ليس وعاء يستوعب الموضوع أو الظاهرة فحسب، بل هو أيضا بعد تكوينيّ لهما، ونتاجٌ لعلاقة الذات به، ولا يُهمّ ما إذا كان قياسه الموضوعيّ ممكنا، أو ذا ماصدق ملموس (ريكور)، بقدر ما يُهمّ ارتباط وجوده بالظاهرة أو الموضوع وانبساطهما في تواشج مع امتداد المادة (ديكارت). فهو مرتبط – إذن- في بعده التكويني هذا بالمُدرَك بوصفه تجربةَ وعيٍ، بما يجعل من قلب السؤال “ما الزمن؟” إلى “ّمن الزمن؟” مشروعا (هايدجر)؛ بيد أنّ هذه التجربة مُدرَكة بدورها في إطار علاقات خلافيّة، ومن ثمّة يكون الزمن بوصفه بعدا تكوينيًّا نتاجَ ما يُكوّنه من تضادّ على مستوى الوعي بين المُستقِرّ والمُنقلِب، بحيث تَكُون سيولته (برجسون ) تجديلًا بين المُستقِرّ المُتواصِل (الذي هو تكرار يُؤسِّس المُماثِل) والمُنقلِب الانعطافيِّ (الذي يُؤسِّس المُختلِف)، بما يعنيه ذلك من أوضاع يكون الإنسان مُتعيِّنا داخلها، بما يفيده ذلك من إبطاء (كأن ننتظر المُفرح، أو ننتظر زوال المُؤلم)، ومن إسراع (كأن نعيش لحظة سعادة).
يكتسي الزمن- بالمعنى الذي ذكرنا- في الأدب خصائصَ مُميِّزة، ومن ضمن ذلك أنّ فعلَ الكتابة نفسَه زمنيٌّ، لكنّ زمنيته هاته تُعَدُّ نتاج تحوّلات خلافيّة مردُّها إلى اختلاف نَوَياتِ التمثيل المُختلفة الخاصّة بالأجناس الأدبيّة، وإلى اختلاف التخييل من حقبة إلى أخرى؛ذلك أنّ تجربة الزمن لا تمسّ – في الأدب – الأُنطولوجيَ الصرف الذي تحفل به الحياة فحسب، بل تتعدّى هذا إلى عدم تناسبه مع الفعل الساعي إلى تجاوز النقص (و/ أو عدم الكفاية) الذي يتَّصف العالمُ به؛ فالزمن منظورٌ إليه- في الأدب- من زاوية إدراكٍ لا يكتفي بالواقع كما هو، لأنّه لا يقتنع به، ومن ضمن هذا عدمُ كفاية التجربة الزمنيّة الواقعيّة نفسها، ولهذا يتعدى الزمن الأدبي الواقع والتجربة الزمنية الواقعية المرتبطة به، من طريق مُجاوزتهما، ولا يتحقّق هذا الأمر إلّا بتخييل صيرورة سرديّة (حبكة) تكون قادرة على فحص نقص العالم في ضوء تخيّل يأخذ على عاتقه مهمّة القبض على سرّ الزمن ذاته؛ أي ما يجعله مُدمِّرا للوجود، ويُوضع في قلب ذلك مُغالبة الموت ومُواجهته. وقد تؤدّي هذه المواجهة إلى الاحتفال بالموت واستباق فعله بوساطة وضع حدّ للحياة كما هو الأمر في رواية “الدرس الأخير” لنوي شاتلي، الصادرة عن سوي. فمواجهة الزمن تُشخَّص في السرد بوساطة الآخر أو الغير المُختلف الذي يمثل التهديد أو الفناء أو الزوال أو مرآة النقص، والمقصود بذلك أن الزمن يظهر بوصفه قوة مدمّرة من خلال أفعال الآخرين أو حضورهم، كما الحال بالنسبة إلى الجنيّ في الحكي العريق الذي يعدّ تعلة لاستدعاء حكايات قوى التدمير (العفريت والصياد في ألف ليلة وليلة)، أو الحال بالنسبة إلى الأب وجايار والزوجة والأولاد في رواية “إنّني أتعافى” لـِ “فوينكينوس”. فالزمن يُعَدُّ في السرد سؤالًا ذا صلة وثيقة بالفناء، والمحاولات اليائسة لتأبيد الوجود، بيد أنّه يتعلّق أيضا بفهم المجيء إلى العالم بوصفه إدراكا عصيًّا على التشكّل، ويُستعاضُ عنه بالبحث عن ولادة رمزيّة تتمثّل في التطلّع نحو العثور على صدى للتصوّر (الأفكار والرغبات) في الواقع، أو لدى الآخرين. لكن ينبغي التنبّه في الزمن السرديّ إلى التضادّ- من جهة- بين البيولوجي والثقافي؛ فهذا الأخير يمنع الأوّل من تفتّحه وفق منطقه الخاصّ، ومن جهة ثانية التضادّ بين محدودية البيولوجي وعدم محدودية التطلّع (الإرادة: بول ريكور). إنّ ثنائية القوّة والضعف (العجز) واردةٌ- هنا- بكلّ تأكيد؛ فالتجهيز البيولوجي (الجسد) يُوضع محلّ اختبار بجعله يتجاوز عدم كفايته، وعدم كفاية العالم أيضا، وتنجم عن هاته الثنائية خاصيتان للزمن: ا- التحدّي (الحكي العريق) الذي يُراهن على القوّة الجاهزة الفوق- زمنيّة، ب – وعدم الرضا (الحكي الحديث) الذي يشغل نفسه بفهم تقهقر القوّة من خلال الارتداد بالزمن نحو أصل غامض (الطفولة). وتنبغي الرؤيةُ إلى التضادّ المشار إليه آنفا في ضوء ما يُظهره من تنافر بين الوسائل والغايات؛ فالجسد بوصفه وسيلة بيولوجيّة يُختبَر زمنيا في محدودية قدراته مقابل إمكانات العالم غير المحدودة، وغير المتملّكة. وينشآ عن ذلك اختلاف في فهم الزمن من حيث هو نتاجٌ، وفق هذا التعارض بين المحدود (البيولوجي والإرادة) وغير المحدود )الذي تتفرّق إمكاناته على الكائنات المُختلفة)، حيث يرتبط الزمن الأبديّ المتكرِّر- في الحكي العريق- بالإلهي- أو السحري؛ فالقدرة على مُجاوزة عدم الكفاية التي تتّصف بها محدودية الجسد تتأتّى بوساطة لا محدودية يُوفرها تجهيزٌ للذات مضاعِفٌ قبليٌّ (العون الإلهيّ الذي تُجهَّز به الذات قبل الفعل) أو تجهيزٌ مُضاعِف بعديٌّ (العون السحريّ الذي تجهَّز به الذات في أثناء الفعل)، ويرتبط الزمن النسبي- في الحكي الحديث- بالمعرفي؛ حيث يظهر التطلّع نحو مجاوزة محدودية الذات (لا بوصفها جسدا فحسب) بوساطة لا محدودية يُوفّرها التصوّر (الأفكار) من دون مضاعفة قبليّة أو بعديّة، لكن الزمن يصير هنا من دون مركز (أي غير أحادي ولا صلة له بالأبدي)، ويتعدّد إلى أزمنة تتقاطع، ويصير مُحدّدًا بالمسافة التي تتّسع بين زمن التصوّر ذي الصبغة الذهنيّة الممتدّة وزمن التحقّق ذي الصبغة التجريبيّة.

*ناقد وأكاديمي مغربي
- See more at: http://www.azamn.com/?p=299441#sthash.alk20vVh.dpuf.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: 2   الخميس أكتوبر 29, 2015 7:52 am

admin كتب:
admin كتب:
د.عبدالرحيم جيران

يتولّد عن التنافر بين الزمن الذهنيّ المُمتدّ- في الحكي الحديث- والزمن التجريبيّ زمنٌ داخليٌّ- نفسيٌّ لا يتطابق بالضرورة مع الزمن الموضوعيّ الجاري؛ وهو زمن أُنطولوجيٌّ- طَفْريٌّ يحدث بموجبه تعويمُ اللحظات الثلاث (الماضي والحاضر والمستقبل)؛ حيث يكون التراوح (الذهاب والإياب) بينها غيرَ خاضع لمنطق الأسبقية أو الترتيب. مثل هذا الزمن الأنطولوجيّ لا يَرِدُ في الحكي العريق، لأنّ لا مفكّر فيه (تصوّر) يسبق الفعل، وإنما يسبقه تجهيزٌ كلِّيٌّ لا بدّ من تأكيد فعاليته، وهذا التجهيزُ ماثلٌ في كون الذات يتوافر في طبيعتها ما يُؤهّلها للفعل؛ ومن ثمّة يكون الزمن نتاج تماهٍ بين هذا التجهيز والتحقّق؛ حيث لا مجال لانشطاره إلى ماض واعد وحاضر مخيِّب بفعل انعدام التفاوت بين الغاية والوسيلة.
إن زمن الحكي العريق (الزمن البطوليّ- فوق البشريّ) وسط بين الزمن الأسطوريّ (الزمن الإلهيّ) وزمن الحكي الحديث (الزمن البشريّ)؛ ولا بدّ- لفهم تحوّلات تخييل الزمن سرديا- من المقارنة بين هذه الأزمنة. فالزمن الأسطوريّ كونيّ دوريٌّ يُمثِّل ترتيبا لحقب أربع (الذهبية، فالفضية، فالنحاسية ، فالحديدية: كتاب التحوّلات لأوفيد- وميشال زيرافا “الرواية والأسطورة”)، وتراتبا لها. وتُعَدُّ الحقبة الأخيرة (الحديدية) الأردأ، لكنَّ ما يكتسي خاصّية مُكوِّنة للزمن الأسطوريّ يمثُل في كون الزمنِ الأرضيِّ محكومًا فيه بالزمن السماويّ، فهو غير أفقي، بل عمودي، ولا يتعلّق الأمر فيه بتنفيذ مهامّ، وإنّما بمراعاة نظام أزليّ والامتثال له، وقياسِ الفعل على مدى مطابقته أم لا، ومن ثمّة فهو زمن التنافس على جلب الرضا، أو تلافي الغضب (العقاب). لكن ما هو مميّز أكثر في هذه الزمن أنّه كلِّيّ، وطبيعته هاته ناجمة عن انمحاء الحدود بين السماوي والأرضي، فكلّ شيء قابل لأن يتبادل خصائصه مع غيره، ومن ثمّة لا حدود فاصلة بين آناء الزمن. سيحدث الانتقال من الزمن الأسطوريّ إلى الزمن البطوليّ ما أن رُسِمَتْ الحدود بين الكيانات، واستقل السماوي بمجاله والأرضي كذلك، ونشأ التوسّط بينهما بفعل تولّد الرمزي بوصفه قاعدة – قانونا، وبفعل تولّد الفصل بين الذات والموضوع. هكذا سيتحوّل الزمن في الحكي العريق (بخاصّة العجيبَ منه) إلى زمن مهامّ يُختبر في ضوئها المصير المحفور في النظام الاجتماعيّ، فهو زمن أفقيّ لا رجوع فيه للوراء، لأن الفعل مهيَّأٌ لأن يكون مُجازفا، وتمثيلا لمشيئة اجتماعيّة بوصفها نظاما رمزيّا يُحدِّد طبيعة الأفعال النموذجيّة وفق ثنائية (الخير/ الشرّ)، ومن ثمّة لم يَعُدِ الزمن كُلِّيا، بل آناءَ مُمَفْصَلة بفعل تولّد الحدود، وتولّد التخلّق بوصفه منظومة رمزيّة تُنمِّط السلوك، لكنّ آناء الزمن هاته تُمفْصَل وفق امتدادٍ بين لحظتين: لحظةُ خلل تُربك صيرورة الحياة النمطيّة، ولحظةُ إصلاح الخلل بإعادة جريان الحياة إلى طبيعتها المألوفة. وسيحدث الانتقال من الزمن البطوليّ إلى الزمن البشريّ في الحكي الحديث بفعل حدوث تحوّل هامّ في بنية الفكر إبان عصر النهضة؛ حيث لم يَعُدِ الأرض مركزا للكون، وظهرت النسبية في تقليب أوجه الحقيقة، وصار العقل معيارا للحكم على صحّة الأشياء أو عدم صحّتها، وحدث الانتقال من المعرفة التي تعتمد على الحقائق الميتافيزيقيّة أو الغيبيّة إلى اعتماد التجربة استجابة لهيمنة الفكر الوضعيّ. ولم يكن هذا التحوّل في بنية الفكر وحده مُنتِجا الزمنَ البشريّ، بل كان إلى جانبه ردّ الفعل القويّ تُجاه هيمنة المؤسَّسة الاجتماعيّة بوصفها هيئة مُجرّدة غير ملموسة مع ظهور التدبير البورجوازيّ للفضاء الاجتماعيّ، والذي أدى إلى تعارض حادّ بين التخلّقي والخلقي، وبين القيم الاستعماليّة والقيم التبادليّة (غولدمان). إن موضوع الزمن البشريّ لم يعد ماثلا في الخارق (ما فوق البشري)، وإنّما فب مغالبة العناء، والمقصود بهذا الأخير المعاناة من ضمور الأنا الفردانيّ تُجاه هيمنة المؤسساتي المجرّد (لا الاجتماعي الملموس)، وما نجم عن هذا الأمر من مُفارقة (و/ أو تناقض غير محلول) بين دعوة البورجوازية إلى القيم الفرديّة وإقصاء الفرداني بوصفه موطنَ الضمير الخلقيّ. وكان من شأن هذا التغيّر أن يُفضي إلى تحوّل في بنية الذات السرديّة التي لم تَعُدْ وحدتها الزمنيّة موحدّة بفعل فقدانها القدرةَ على بناء نفسها وفق حماس المهامّ الموكولة إليها، وبفعل انشطار في بنيتها جعل من ذاتها في هيئة تعارض مع أناها. وهذا التعارض ماثل في كون موضوعها الذي تتجه نحوه (الذات) لا يُرضي أناها الصميم، أو كونِ أناها لا تجد صدى لها في الموضوع الذي تستهدفه (الذات)؛ ومن ثمّة يفقد الزمن وضوحه بفعل ميوعة الذات، وبفعل عدم تجلّي الأنا. وينشأ عن هذا الأمر اتّصاف الزمن البشريِّ- في الحكي الحديث- بكونه تجريبيًّا يُقيم في المسافة بين الداخليِّ- النفسيِّ والموضوعيِّ الجاري الذي يسم الواقع، وهذه الإقامة مُحدَّدة بالتعارض بين المُفكَّر فيه (التصوّر) من جهة ومعطياتِ التجربة الموضوعيّة، وبينه والوسائل المُتاحة أمام الذات من جهة أخرى. وهكذا يتّصف هذا الزمن بطابعه الأُنطولوجيِّ- الطَفْريِّ الذي تتحطّم فيه الحدود بين آناء الزمن.
تُعَدُّ الرواية جنسا أدبيّا مُمثِّلا للزمن البشريّ، وهي في ذلك تكاد تُقام على أُنطولوجيا نفسيّة عامّة مع تنويع على مفاصلها الكبرى. وهذه الأُنطولوجيا مُؤسَّسة على تعارض بنيويّ عامّ بين زمنين: زمن عدم التعيّن وزمن التعيّن. فالأوّل ماثلٌ في ما قبل المفصلةl’articulation؛ أي ما قبل اللغة أساسا، وما قبل القاعدة التخلُّقيّة؛ وما قبل التاريخ الشخصيّ الذي يبدأ مع الذاكرة في توازٍ مع تشكّل الروادع (الأنا الأعلى)؛ إنّه زمن الرضيع الذي كنّاه، والذي كان كلّ شيء فيه مباحا غير ممنوع، وغير مؤسّس وفق الرمز- القاعدة، ولم تنفصل فيه الرغبة بعد عن البيولوجيا لتصير أمرا تخلّقيّا. ويشرع زمن التعيّن في التجلِّي ايتداء من حدوث المفصلة بفعل تشكّل الرمز، والحدود، وتشكّل الأنا والذات في تعارضهما الجذريّ، بما يُحيلان إليه من داخل خاصّ خفيّ وظاهر اجتماعيّ عامّ. يتخّذ الزمن الروائيّ خاصّيّاته انطلاقا من التعارض بين هذين الزمنين. وفي مقدّمة هاته الخاصّيات أن السرد يكتسي شرعية انتسابه الروائيّ من جعل الزمن محكيا إلى جانب الفعل، وهو ما لم يكن واردا في السرود العتيقة، بما فيها السرد الأسطوريّ، فالروائي لا يُسَرِّد صيرورة حدثية فحسب، بل أيضا صيرورة زمنية تتقاطع معها ومع فعل السرد؛ ومن ثمّة يكتسي الزمن خاصّية أحفور يُعاد بناؤه، أو ترميمه، أو هيئة فوت يُستعاد من أجل إعادة المراعاة إليه، أو بغية أعادة إحيائه بإعادة موضعة فعل الذات تُجاهه، ومن ثمّة إعطاؤه هباتِ وعيِ الحاضر، فيصير هو الذات نفسها (هايدجر)؛ بحيث تُعَدُّ إعادةُ بنائه إعادةَ بناء لها؛ كما هو الحال بالنسبة إلى الأنا في رواية “إنني أتعافى”، والتي تستعيد الماضي، لا بغاية ترميمه، بل بغاية تلافي النقص الذي كان يطبع أفعالها فيه، وتجاوز سلبيتها، ولم يكن ليحدث هذا لولا أن الزمن لم يكن عطبا (الداء: ألم الظهر) يمتدّ إلى الحاضر، فيكون محتوى الزمن بمثابة فعل إصلاح. هكذا يكون الزمن في ترميمه- إصلاحه مُحدِّدا الهويةَ السرديّة أيضا، لا بوصفه سيولة تُؤسِّس استمرار هذه الأخيرة، وإنّما بوصفه تراكمًا لنقص في الفعل يتفاقم له نقص العالم، ويتضاعف عدمُ كفايته. فالتقدّم نحو الآتي الغامض غير المحدَّد (الطلاق- استقلال الولدين بحياتهم- الطرد من العمل) لا يُتصوَّر من دون توسّط الزمن الماضي بوصفه تجربة، بل لا يعاش الحاضر إلّا بفعل هذا التوسّط.
- See more at: http://www.azamn.com/?p=300008#sthash.an14g4Xu.dpuf

*ناقد وأكاديمي مغربي
- See more at: http://www.azamn.com/?p=299441#sthash.alk20vVh.dpuf.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
"أزمة النقد والجامعة" عبد الرحيم جيران
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: