كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 "حكايات مستدركة بهوامش الحلم" للسقال: "امتلاء" جسد الحكاية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: "حكايات مستدركة بهوامش الحلم" للسقال: "امتلاء" جسد الحكاية   الخميس سبتمبر 24, 2015 3:05 pm

"حكايات مستدركة بهوامش الحلم" للسقال: "امتلاء" جسد الحكاية
نشره webmaster في 03/30/2015

   عرض كتاب
حسام الدين نوالي*

ما الذي يوقف تدفق الحكاية؟
وهل يكمن داخل أي عمل سردي تواطؤ أو تعاقد مضمر لإيقاف النص عند نقطة محدّدة؟ أم أن الكاتب -مثل القارئ تماما- يعمد لتعذيب النص تمديدا وتقليصا وفق تسلطٍ محدد سلفا ،أو مُحدَثٍ لاحقا يشبه فِراش بروكست في الأسطورة؟ ثم كيف يشكل السارد خواتم الحكي؟ أين يقف النص حين يفترق القارئ والراوي، ومن منهما يَلزم فيصاحبه؟.
***
يندرج جسد الحكاية ضمن البناء السردي للمادة الحكائية من جهة، وضمن البناء اللغوي للنص من جهة ثانية، دون النظر إلى تكسير الخط الزمني المنطقي . فإذا كانت الحكاية تتشكل من اربعة أجزاء حكائية مثلا، فإن ترتيبها وفق المنطق الزمني "أ، ب، ج، د" أو وفق التقديم والتأخير، والاسترجاع والاستشراف، وليكن مثلا "أ، ج، ب، د" أو غيره، ونحن في الحالتين معا سنعتبر جسد الحكاية محددا. وبالمقابل فإن الحكاية المفتوحة، ولنعتبرها تتكون من العناصر "أ، ب، ج." فقط فإننا نعتبر جسدها مفتوحا غير مكتمل،  فيما يشكل امتداد اسئلة المتلقي لما بعد الحكاية، امتدادا افتراضيا لجسم الحكاية مستقلا عن الحد اللغوي الذي ترسمه كتابة النص، بينما قد يمتد البناء اللغوي لما بعد الحكاية إلى "أ ب ج د + ه"  كما في النصوص التعليمية حيث بنيتها على شكل  :"الحكاية + العبرة..
  وتمثل "حكايات مستدركة بهوامش الحلم" (١) مثالا جيدا لدراسة جسد الحكاية في النص السردي، من خلال مستوييْ التضخيم والتنحيل على محوريْ اللغة والدلالة معا. فتقدِّم من خلال أربعين نصا سلسلة من الشخصيات المؤسلَبة  " المكرهة على الثبات السالب لمعنى الكينونة" تتفاعل ضمن أحداث متمايزة من حيث الكثافة والبساطة، وباشتغال على الحكاية يحكمه المعنى ويقوده، فيصير البناء السردي في نسيجه الحكائي واللغوي والأصوات والحوارات، صدًى وظلاًّ للتصور الأولي للنص والمبني على الفكرة أو الرؤية . وهو اختيار يعمد الكاتب إلى التصريح به في المقدمة  في تعاقد  يؤكد من خلاله أن انشغاله "ظَلّ انشغالا حادا بالمعنى، لدرجة تناسي المبنى في أكثر من نص" (ص5).
 ولكون الكاتب أحد المشتغلين بالنقد السردي في المغرب، فإننا ننطلق من فرضية اعتبار الوعي الفني في بناء النصوص يحكمه مستويان (فني ونقدي) دون احتساب هيمنةٍ ما لأحدهما على الآخر من جهة، والتركيز على المعنى الذي تشغله الحكاية في المجموعة من خلال التدفق والتوقف من جهة ثانية اعتمادا على "القفل" تحديدا.
ولنسجل أن عالم النص السردي يمثّل فضاءً تؤطره وتحدّه المادة الحكائية، وتنمّيه وتخلق يقينيتَه ومادّتَه الاقناعيةَ الدراما الداخليةُ والبناء المحكم للعلاقات العامة للفواعل والأحداث والصراع، فيما يمثل القفل بابا مشرعا نحو الخارج، ونحو العوالم العامة للقضايا والانشغالات الانسانية الفكرية والاجتماعية وغيرها، وبقدر تفوق النص، وتوفّق الكاتب في نسج القفل بقدر ما يكون الانتقال من الفني إلى الفكري، ومن الحكاية إلى العالم متيسّرا بحيث تكاد تنتفي المراحل وبحيث يصير آخر حرف عتبة نحو انفساح فكري وامتداد أكبر، بالتالي يغدو النص والحكاية منفذا للعبور لا ينتهي عندهما القارئ.
ولمعابر النصوص داخل مجموعة "حكايات مستدركة بهوامش الحلم" أربع تنويعات أو تجليات يرتبها الكاتب وفق رؤية سردية لخلق النهايات والأقفال، وهي جميعها امتداد وخلق الامتلاء، امتلاءٌ يتوزع على محوري اللغة والدلالة التي أسست اشتغال الكاتب وتعاقده الأول.
١-  الاشراق:
يستند نص "امرأة من زجاج" (ص 25) إلى حكاية مكتملة لرجل غير مكتمل، يحضّر للخروج إلى حفل دون مرافقة زوجته، فيما "يتمنى ألا تطلب رجوع السائق ليأخذها كالعادة إلى بيت العائلة، تُذكره ابتسامته الماكرة في وجهه كل صباح بعجزه عن الانتقام لشرفه كلّما فاتحها في التخلص من هذا العبد الأجلف". .
وسيصير ما لم تقله الحكاية والاضاءات المبثوثة بعناية داخل النص والكنايات- ستصير آلة يشتغل عليها القفل في خلق المساحة  وفي انفساح النص ولانهائية الحكاية، اي في تغذية هذه الأخيرة لتمديدها وتضخيم جسدها داخل ذهن القارئ. فالنص يبدأ بخلق دائرتين متقابلتين لكلّ من الزوجين: دائرة المحور السلبي الذي مثّلته الزوجة بأفعال منحدرة للأسفل ( آسفة، عينين نائمتين، انسحبتْ..)؛ ودائرة المحور الإيجابي التي مثّلها الزوج بأفعال متجهة للأعلى: (فاجأها، عقّب، يداري، ..)، وهي ببساطة نسخة حكائية للمجتمع الرجولي العربي الذي يصنف العناصر على سلّم الفحولة، وهو تصنيف هش مرتبك مهيّأ للانهيار إذ الأنثى ستعلن "سخريتها" في أول حوار، فيما هو بالمقابل "لن ينتصب خلفها أمام المرآة"، بل سيتمنى (والتمني بشكل من الأشكال نفيٌ للفعل وإرجاء له) ألا تطلب رجوع السائق. وهنا  سيخط الكاتب دائرتين من جديد تتأسسان على الفعل، إذ من جهة سنكتشف فجأة أن الزوج عضو في حزب حاكم يقود البلاد مثخنا في فضائحه مع القاصرين، وستتكرر الخيانة في نص "البكر" (ص30)، وسيتكرر انتفاء الفعل أو السلبية في نص "(لعنة الحكومة"(ص36)،  فيما هذا الذي أسماه "العبد الأجلف" سائقٌ، سيعيد ترتيب المعادلة مع السؤال: مَن الأحق بالقيادة، أهذا السائق الموفق في كل مرة في الإيصال والعودة بسلام في علاقاته المهنيّة مع الزوجين البالغين، أم هذا الحزب المتعثر في علاقاته المُهينة مع غير البالغين؟ ثم أليس من يقودهم حزبٌ فضائحي، أشبه بقاصرين يمارس رجولته عليهم في التوجيه والفعل والاختيار؟ أليس هذا البيت بيتنا جميعا حيث الحاكم العربي مع الرعية أشبه بزوج وامرأة باردة من زجاج؟ وهل من يقود مجتمعاتنا سواء أكان حزبا أو مثقفا أو إعلاما أو تعليما أو غيرها يحمينا ويحمي هويتنا وتراثنا ويحصننا أم أنه ينخرط في دوامات الفراغ والعبث والتفاهة ويحتاج لمن يحميه أصلا؟...
إن الاشراق الذي يفتحه القفل هنا هو مسافة الابتعاد عن المادة الحكائية، وعتبة الانخراط في ما هو أبعد وأوسع في قضايا الوطن والقيادة والفكر والرهانات القادمة من أجل مجتمع سليم، وهو توليد لأسئلة لا نهائية يشعلها ما تبقى من النص، بحيث يصير الكاتب مولِّع فتائل الفكر فينا، وبحيث يصير القفل نهاية متعة الحكاية وبداية قلق السؤال اللانهائي كما في نص "الذبابة والملك" ونص "الغريب" . وهو امتداد لجسد الحكاية بعيدا عن المحور اللغوي للنص، امتداد افتراضي وتشاركي حيث ينتهي عمل الكاتب وينطلق اشتغال المتلقي، فتتعدد الحكاية بتعدد القراء، ويعاد الإنتاج اللانهائي للنصوص غير اللغوية استنادا للنص اللغوي الأول.
-  الإشباع:
يمعن الكاتب محمد المهدي السقال في الاشتغال على اللغة بشكل ملفت. ولنسجّل أنه يكاد  لا يخلو نص من جمل مفرطة الطول مكدّسة كما لو يحمّل الجمل أكثر مما تطيق، مثلما في قفل "المأساة الإلهية" (ص47): "سأعود لهذه الرؤيا كي أنقحها وأنسج منها قصة قصيرة جدا متى حملَتْني على بساطِ دخّان أخضرَ أحلامُ الصحو مع حلول المساء" ، ثم لنعد للمقدمة حيث يعلن الكاتب أنه : " لم يحضر سؤال التجنيس قبليا لنوع مخصوص في السرد، لأن هاجس التفكير في انتماء فني محدد بقوالب وهمية إنما يشوش على المعنى ويفسد العبارة."(ص5).
كما تنبغي العودة أيضا إلى لوحة غلاف المجموعة حيث صورةٌ لرجل مُطرق خلف قضبان، ولنسجل أن أغلب نصوص المجموعة هي قصص عن الحصار والتضييق واعتقال الفعل والارادة والاختيار، وهي نصوص تنزع للقِصَر، كما لو أن الكاتب في مزاوجته بين الجمل الطويلة والنصوص القصيرة يعمد لاعتقال فائض الدلالة في كبسولة، تماما حيث يصير الشكل معادلا فنيا للمادة الحكائية، وحيث يصير بالتالي اختيار الكاتب للجمل الطويلة المكدّسة اختيارا بالمقابل لتقزيم حجم النص، إذ أن تفكيك الجملة المشار إليها مثلا في القفل السالف ستغدو أربع جمل، أي أن مساحة النص وسواده سيمتدان وسيطول النص،  وبالتالي فاختيار الكاتب لتقزيم النصوص عبر تكثيف الجمل هو اختيار واعٍ "لنوع مخصوص في السرد"، أمعن الكاتب في تجاوزه وطمسه بالعنوان الفرعي: "نصوص سردية".
إن الافراط في الاشتغال على اللغة في هذه المجموعة هو اشتغال ذكيّ على القول وعلى الإحجام في الوقت نفسه ، كما في نص "البكر"(ص30)، فيما تخلق مساحة السرد ومساحة الجمل صراعا لمد وجزر الأقفال، بحيث سنجد مقابل قفلةِ الاشراق قفلَةَ التمديد أو الاشباع كما في نص "افتضاح" و " حكاية حماد" و "النفق" إذ يغدو القفل  شرحا أو تمطيطا لما أضاءه النص أو فتحا لزاوية جديدة في الحكاية، وهو في كل الحالات تعذيب للنص بالزيادة والتسمين.
قصة "افتضاح" التي تحكي انهيار الفعل والقدرة في انهيار رجولة  شخصية الحكاية، هي قصة تتصادى مع نص " امرأة من زجاج" إذ نقرأ القوة الموهومة في شخصيتيْ النصين معا، إلى جوار السلطة والقيادة "مرشّح في جماعة قروية مقابل عضو في حزب"، مع حضور المرأة والمرآة/ الزجاج، مع غواية الأنثى في شكل اقتراح نفسها للحضور، فيما حكاية العجز هي نفسها في النصين،  على أنه في نص "افتضاح" ستثير السكرتيرة "الحسرة على ضياع الشباب"، وبعدها مباشرة: " قرّبت (الزوجة) صحن الحمَام مخلوطا بالزبيب والبصل البلدي، ثم تراجعت وهي تمسك بضفيرتيها المسدلتين حتى النهدين."، وهنا يبدو أن رسالة النص وصلت، إذ كل الاغراء الانثوي في الطبخة المحلّاة بالزبيب، والتركيز على الضفيرتين والنهدين هو مجموع الاشارات الذكية والبسيطة في آن واحد التي يحتاجها القارئ؛ بينما تصير العبارة الأخيرة تمطيطا "للحسرة على ضياع الشباب" وإعادة لها بصيغة ثانية إذ "قرأتْ في عينيه خجلا من توالي الليالي بيضاء منذ عام" (ص16). وهي حسرة على ضياع الشباب بصيغة ثانية.
هنا يكون القفل امتدادا ماديا، قبل أن يصير امتدادا للسؤال والعوالم الخارج نصية، ويصير النص مُشبَعا وموجِّها، فالنص عند الحديث عن "الحسرة " يكون قد أوصل القارئ لقراءة الخجل في عيني الرجل من بياض الليالي منذ زمن، وبالتالي تنتفي الحاجة لقراءة الزوجة لعيني الزوج من جديد.
التوجيه الصارم هنا لكاميرا السارد نحو مواطن بعينها -ربما لا حاجة لنا بها- هو معادل فني لقضايا الحصار  التي تتناولها الحكايات؛ حيث يصير القارئ نفسه محاصرا، منزوع الحق في الاختيار، يقوده راوٍ صلب وقاس نحو وصف أو مَشاهد بذاتها،  فإذا أضفنا إليها كون الحوارات داخل النص تبدو صوتا واحدا للبناء اللغوي والتركيبي نفسه لصوت الراوي فإننا نكون مرة أخرى إزاء الهيمنة و التسلط ونفي الاختلاف. بل إن جسد الحكاية هنا يتقلص على المستوى الدلالي ليمتد على المستوى اللغوي عكس النموذج السابق. ويظهر أنهما مستويان يتبادلان المواقع جذبا حيث امتداد احدهما هو تقلص للآخر، وحيث كلما استأثر الراوي بالبناء اللغوي، كلما صار النص لصيقا به، وكأنما تصير نهاية التركيب هي نهاية النص نفسه.
٣-  القطع:
إذا كان الاشباع يمثل تمديدا لغويا يتجاوز المادة الحكائية، فإن القطع يقف على النقيض إذ يقدم نهاية قسرية على المستوى الفعلي الكتابيّ، فيما قد يكون للحكاية امتداد افتراضي في التلقي وقد لا يكون، أي أن "الإشراق" قد يشمل النصوص المقطوعة تبعا لاختيار توقيت التوقف وتبعا لتقنيات استثارة ذهن المتلقي لإنتاج امتداد الحكاية.
ويقدم نصان داخل المجموعة تنويعَ القطع في القفل وبالتالي أشكال الامتداد في كل نوع، فإذا كان  نص "الغريب" (ص11) يقطع الحكاية عند نقطة متوهجة دراميا، وباستئذان جميل، فإنه يقود المتلقي للانخراط في تأثيث البياض واللامقول.. فالمرأة التي اعتُقل زوجها في قضية إرهاب، ستتزوج المحامي الذي راودها وستنجب منه، وستمر السنوات العشر لتكون في لحظة حضور الزوج "سافرة بين الغريبين تسبقها ضفيرتان.". وعند قمة الصراع هذه حيث لا صوت للشخصيات، وحيث يتجمد كل شيء في رهبة وانتظار ردة فعل من أي كان، هنا تنتصب العبارة:
"ولم يُضف الراوي شيئا للحكاية".
وهو قطع قسري للنص، قطع يوقف التدفق اللغوي فجأة، لكن بمهارة، حيث الحكاية في افتراضها مستمرة وفي نصّيتها متوقفة، وحيث لابد من امتدادها في القارئ في سلسلة احتمالات لا تنتهي.
بالمقابل فنص " جنازة رجل" (ص20)  يصف فيه الراوي صلاة جنازة، ويرصد المشيعين داخل الأسوار، وترقُّب الناس لطلعة العربة من القصر، ثم سيقف النادل بين الراوي والتلفاز فيحجب الرؤية " منشغلا كعادته بحساب ما تبقى من طلبات الرواد بين لاعب نرد وقارئ جريدة". .
فإذا كان نص الغريب يوقف تدفق الحكاية عند ذروة الصراع والدراما، فإن نص "جنازة رجل" الذي يسير إيقاع الحكاية فيه رتيبا بسبب الوصف، يتوقف في لحظة تبدو تعذيبا للنص تقزيما أو خنقا،  وإذ لا يكاد المتلقي ينخرط في النص حتى يجد نفسه خارج الحكاية، فإنه لا يستند لما يحفّز آلة امتداد الحكاية فيها تأويلا وتنويعا واستمرارا، وبالمقابل يستطيع نص "الغريب" توريط المتلقي بحيث يتعذر فكاكه في أغلب الحالات. ذلك أن اختيار توقيت القطع كاشتغال فني - وليس دلاليا فقط-  يعد فاعلا في الحكاية نفسها، ويفترض الكثير من الحذر.

٤- التكثيف.
" لاوجود لنص أدبي طويل، تلك فقط هرطقة أدبية".
ينبغي الاتفاق أن كل نص أدبي هو عمل يستند الى كثافة، وإلى  تراكُب، وإذ يصير "مدوّنة ثخينة" فإنه لا يمكن الحديث فيه عن البساطة وعن التسطيح كما في التواصل العادي، وبالتالي فكل نص أدبي هو عمل بالغ القِصر تبعا للرؤية الفنية والأدبية. فيما ينجم عن القِصر والكثافة  تعتيم جمالي وفني ورمزي وإيحائي يتأرجح بين "الغموض" و "الإبهام" كحالتين في أقصى قطب التكثيف مقابلتين للبسيط، واليومي، والمسطح في القطب الآخر.
وتمثل قصة "العزاء" (ص48) مثالا لنص ثخين نصل فيه إلى قفلة مغلقة بفعل تكثيف الرمز والنص الغائب والإحالات بحيث يلزم التوقف كثيرا للتفكيك والفهم، فالحكاية هنا متراكمة، تتضاعف إلى ما لا نهاية، إذ كلما "تأوي الشمس إلى حضن الأفق، ترانا نرقب تجدد الحكاية"، وليس حضن الأفق غير نهاية الرؤية في غبش المساء وغياب الضوء،  ثم بداية الرؤيا في انفرادنا بأنفسنا، تماما كما في أية حكاية حيث صحبة الراوي وإضاءاته مثل شمس، وحيث الغبش والكثافة في أفق القفل حين يتوقف الراوي عن مرافقتنا، فننطلق في انفرادنا  بالرؤيا التي يزرعها النص فينا وتجدُّدَ الحكاية.
ولنتأمل.. :
جُثّة يلفظها الموج، ونواح، وخيمة، وعويل نساء..، ثم جدّة "بصيرة" تنتظر العزاء وتحكي عن طرد رعاة ماعزها قبل مائتيْ عام.
هنا إضاءة جميلة، فعبارة "قبل مائتي عام"، تستضمر حكاية أخرى، ونصا غائبا لابد ان تقاطعات النصين معا إذا تعددت تبتعد عن الصدفة والاعتباط.
يقول السارد: "يعلو تنادي الأهل بنعي جثة يلفظها الموج"، والتنادي اختلاط أصوات وحركة، وعلوّه زيادة في إيقاع التموّج إشارة للكثرة، فيما اختيار "الموج" بدل "البحر" للفظ الجثة يقودني  مع إشارة الكثرة والاختلاط السابقين لاستحضار النص القرآني: " وتركنا بعضهم يموج في بعض" (الكهف 99)، وهي  آخر آية في حكاية ذات دلالة في هذا المقام هي حكاية الاسكندر ذي القرنين، فيما على المستوى اللغوي البسيط، ليست المئتي عام التي تحدثت عنها الجدة غير "قرنين" ، وبالتالي يزيد اتصال النص بالنص الغائب من خلال إشارة لغوية ذكية.
فالجدة البصيرة التي لا نستطيع الجزم في حالها من حيث الرؤية أو العمى،  إذ البصير هو الأعمى، والبصير هو الأكثر بصرا في آن واحد، فإننا نرجح الاحتمال الثاني أي صيغة المبالغة للتكثير والتقوية،  لتقِف في الطرف المقابل لِ "قوم لا يكادون يفقهون قولا"   الذين وجدهم ذو القرنين عند السدّين، بحيث أن الجدة ضمن قوم يصف السارد مكانهم بـ " نقتعد حافة الصخر، وتأوي الشمس إلى حضن الأفق عند مغربها، وبحيث أن ذي القرنين سار " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما" (الكهف 86)، فكأنما هم قوم السارد والجدة على حافة الصخر حيث تأوي الشمس ، وحيث "ترانا نرقب تجدد الحكاية".
فأية حكاية تتجدد في هذا المقام ؟
  القوم الذين وجدهم ذو القرنين عند مغرب الشمس لم يطلبوا منه  بناء حاجز بينهم وبين "عالم آخر" ، كما فعل قوم آخرون لا يكادون يفقهون قولا وجدهم بين السدّين وبنى لهم حاجزا يتعسر نقبه أو تجاوزه، وهذا العالم الآخر عند قوم "مغرب الشمس" هو العين الحمئة عند الأولين و "الفنارات التي تلمع فوق بساط أزرق" عند قوم الجدة والسارد، وهؤلاء لا يسعون أبدا لبناء السد من زُبر الحديد والقطر، لذا  فإن سبل الاتصال بالرؤية والوصول المادي ما يزال مستمرا بين السارد وأهله من جهة وبين الضفة الأخرى حيث الفنارات تلمع، وحيث الرعاة يصِلون وتتحدث عنهم الجدة بعد مائتي عام وهي تنتظرالعَزاء داخل خيمة.
و"في الصباح تفتح الخيمات عيونها الذابلة خوفا من ظهور الحورية الشقراء، تسحب للبحر أزهار الصَّبَّار من القرية".
هنا تتوقف الحكاية عن منح نفسها للقارئ بيسر، وهنا كثافة بالغة حدّ الإبهام، وقفل موغل في الرمز وثخين بحيث يتسع قلق التلقي والفهم فيه، إذ كيف دخلت الحورية إلى الحكاية فجأة في آخر النص؟ وما أزهار الصَّبار التي ستسحبها؟ ولماذا؟ ثم إذا كانت ثمة حورية تسيئ للقرية وأهلها فلماذا لا يرحلون وهم أصلا أهل خيمات غير ثابتة؟ كيف ولماذا يقيمون داخل الخيمات أصلا منذ مائتي عام؟..
قفل لا يمنح إجابات بقدر ما يثير زوبعة التساؤلات في الذهن، واشتغال لغوي على المفردات ذات الازدواج اللغوي يجعل الاختيار في قراءة سريعة أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. فكما الشأن في كلمة "البصيرة"، فإن إمعان الكاتب في تشكيل كلمة "الصَّبّار" بفتح الصاد، إمعانٌ في رسالة ما أو إضاءة حكائية ضمن اشتغال فني خاص، إذ "الصُّبار" - معجميا- لا تعني غير النبات الشوكي المعروف، فيما لِـ "الصَّبار" معنى النبات الشوكي ذاته، ومعنى المبالغ في الصبر. وهنا حضور المبالغة والكثرة من جديد، كما في المبالغة في البصر عند الجدة، والكثرة في تنادي الأهل والبعض الذي يموج في بعض.
في النص القرآني ارتبطت كلمة "الصّبّار" دوما بالبحر والرحيل:
"أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ" -لقمان 31-،
"إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ" -الشورى 33-
وفي سورة ابراهيم -5- ارتبطت بالرحيل من الظلمات إلى النور، فيما اربطت في سورة سبأ - 19- بالأسفار.
فهل هي مصادفة مطلقة أن ينبت الصبار فجأة في حكاية عن البحر والموج ومغرب الشمس؟ ثم ما الذي يدعو حورية البحر لسحْب أزهار الصبار من قرية؟.
إن ما يرجح فرضية "الصَّبار" - التي هي صيغة مبالغة الصبر- بدل النبات الشوكي في قفل النص هو تقابلات الحكاية إضافة للنصوص الغائبة، فالسارد يمعن في وصف الخيمة وأنسنتها في "تفتح الخيمات عيونها الذابلة"، وهو فعلُ مقاومةٍ للاغلاق، وفعل انتصار للفتح و للانفتاح والاستيقاظ، وصبر كثير وجَلَد.
ولنعد قليلا، إن فعل "نقتعد حافة الصخر" الذي يجعل صيغة الجمع عند التخم والحافة والحدِّ من جهة، ويستضمر الاستمرار من جهة ثانية في صيغة المضارعة، إضافة إلى تجدد الحكاية التي يرقبها السارد، هي مؤشرات لديمومة، وهذه الديمومة المرتبطة بالخيام هي فعل إصرار، وصبر، ومقاومة، مثل اعتصام وحركة مناهضة ومطالَبة للعودة إلى جزيرة ليلى التي كانت في زمن ما جزيرة أهل الجدّة  ورعاة ماعزهم، فيما الجثة التي لفظها البحر هي منهم بدليل أنهم ينتظرون العزاء، وهي جثة رجل اختار خوض البحر للسفر والرحيل سواء على فُلك جوارٍ في البحر كالأعلام أو رحيل من الظلمات إلى النور حيث "فنارات تلمع" وتضيء وهو دافع سكتت عنه النص.
إن عيون الخيمات التي تحرس أزهار الصبّار، هي رقابة الأهل والبلد لقيم الهوية وممانعتها ضد الوافد الأشقر الجميل والبالغ الاغراء، تلك الحضارة المقابِلة والمهيمِنة على الجزيرة،  وبالتالي فإن هؤلاء القوم الذين مايزالون متشبثين بحضارتهم من خلال الخيمات والتجمّع والتحلق حول الجدة وحكايتها هم نفسهم القوم الذي لم يجعلوا بينهم و بين الضفة الأخرى سدا، بل حرصوا على اقتعاد الصخر كل يوم والنظر إلى الضوء القادم من هناك، في انفتاح على الآخر،  فيما يمثل الغرقى الذين سحبتهم حورية البحر الشقراء استثناء داخل دائرة الممانعة الحضارية الكبرى، وأعطابا يحزن عليها الأهل ويرتفع نواحهم ويتنادون بالنعي.
هنا رسالة النص قد وصلت. وهنا احتمال ضمن احتمالات متعددة لقراءات أخرى ممكنة، وهنا لابد أن يدخل النص من جديد داخل إشراق، لكن بعد عسر وتوقف. فقفل النص لا يمنح نفسه ببساطة، ولابد من اشتغال قرائي وربط علاقات ورصد إضاءات من أجل التواصل مع النص، لكن لا بد أنها خطوات غير متيسرة في الكثير من الحالات. فالقفل الكثيف هو قفل مغلق، والرهان على متعة النص أولا هو رهان في المحك داخل هذا الاختيار الفني، لكننا ندرجه أيضا ضمن نصوص الاشراق عند افتراض كشف العلاقات، وندرجه ضمن نصوص الاغلاق عند تعسرها.
إن جسد الحكاية بدلالة القفل يغدو اختيارا فنيا في اشتغال الكاتب قبل الاشتغال القرائي أو تلقي النص، ذلك أن كل نص لا يتجاوز المادة الحكائية يغدو نصا منتهي الصلاحية بأمد القراءة، وبالتالي فإن الأقفال التي لا تفتح عوالم أخرى داخل ذهن المتلقي هي قتل للنص، وقطع وإيقاف لنبضه في حياة ثانية خارج حدود الورق وسواد الحبر. وتمثل نصوص "حكايات مستدركة بهوامش الحلم" نماذج جيدة لدراسة جسد الحكاية في امتداداتها لاشتغالها بشكل واسع على الترميز واللغة والتكثيف الاشاري، بحيث يصير حصار الدولة وقمع السلط والعرف والعادات وأعطاب المجتمع والفكر التي تناولتها النصوص، مقابلا لانفتاح الحكاية واتساعا يخلقه الكاتب بذكاء كبدائل مقابل الحصار والضيق ، ومتعة التلقي مقابل ألم الأعطاب.

1- محمد المهدي السقال- حكايات مستدركة بهوامش الحلم- دار الوطن- ط 1- 2014.

* أديب من المغرب.


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
"حكايات مستدركة بهوامش الحلم" للسقال: "امتلاء" جسد الحكاية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: