كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القصة القصيرة جداً عند عبد الرحيم التدلاوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: القصة القصيرة جداً عند عبد الرحيم التدلاوي   الجمعة أغسطس 21, 2015 6:31 am

رهان «الميتاحكي» في القصة القصيرة جداً عند عبد الرحيم التدلاوي

سعيد السوقايلي
August 13, 2015

كم هو شائك الحفر في جمالية النص الأدبي، بحثا عن بعض الظواهر الفنية والدلالية العصية، خاصة في جنس أدبي جديد كالقصة القصيرة جدا، بعدما ألفنا وجودها في أجناس أخرى لها تاريخ طويل نسبيا، سلك خلاله كتابها التفنن في كثير من ألاعيب السرد، مثلما فقه النقاد أيضا مقاربتها وتفكيكها؛ ولعلي أقصد هنا ظاهرة الميتاحكي كتقنية متعالية خبرها كتاب الرواية والقصة القصيرة، تسعفهم في ذلك المساحة السردية الكافية لخوض مغامرة التجريب تجديدا للمتن السردي، وتجاوزا للتقنيات المتقادمة؛ وفي الحالة هذه، يحضرنا سؤال نقدي وجيه، هل استطاعت القصة القصيرة جدا أن تتلبس ظاهرة الميتاحكي، في ظل كثافتها المحفوفة بمزالق الاختزال والحذف والإيماض؟
ثم كيف سيأخذ كاتبها بيد القارئ حتى يكشف بنفسه عن أشكال الميتاحكي ووظائفه الفنية والدلالية ليستشعر الحدود القصوى للتجريب، بل يمارس شخصيا قراءة نقدية ليس كتلك التي دللها له النقاد سابقا؟ إننا ندرك جيدا مدى صعوبة تشغيل الميتاحكي كتقنية جديدة على القصة القصيرة جدا، تروم أولا تحويل الواقع إلى محكي خيالي، ثم ثانيا وهو الأهم هو منح فرصة التملص من سلطة النقاد ووصايتهم في فضح مختلف ألاعيب السرد المعتادة، فبهذا يكون الميتاحكي حسب حميد لحمداني هو أشبه بممارسة نقدية لها قدرات تحليلية يمارسها السارد كما القارئ، موجَها كنوع من التماهي بين الإبداع والنقد والقراءة، بعيدا عن كشوفات النقاد، إنه نوع من الهروب إلى الأمام لجعل لغة النص بمثابة ميتالغة تتعالى على السرد المألوف… فرغم ندرة هذا الطرح، إلا أننا نعثر وسط هذا الركام النصي للقصة القصيرة جدا على عينات سردية جديرة بالدراسة راهن أصحابها، وعيا منهم أو بدونه، على خوض المغامرة، ولعل القاص المغربي عبد الرحيم التدلاوي واحد من هذه الكوكبة، فمن خلال مجاميعه الثلاثة :
1ـ «الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق» 2013
2 ـ «طنين الشك» 2013
3 ـ «تداعيات الدموع والبياض»2015، استطاع أن يبرهن على قدرته في تطويع تقنية الميتاحكي لقصته القصيرة جدا. وسوف نقارب تجربته من خلال شكليْ الميتاحكي الآتيين:
1ـ القصة داخل القصة: وقد اخترنا لهذا الشكل قصتين من مجموعته «الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق» هما «الدائرة المغلقة» و«سؤال نازف»، إذ ضمن كل واحدة منهما قصة دخيلة في علاقة تناص لتناقش وتحول دلالة القصة الرئيسة، بما يخدم استراتيجية الكاتب وفكرته الجديدة، فالقصة الأولى تستدعي حكاية شهريار بكل حمولته الدموية المتعطشة إلى المزيد من السفك، ويلبسها لبوس حاكم اليوم الطاغية الذي طفحت لذته بقطع الرؤوس، بيد أن السارد يشير إلى أن حالة الملل للارتواء التي يعاني منها شهريار لن تتأتى إلا بامتلاك قلب شهرزاد، في إحالة لاستمالة واحتواء كل مثقف حمال أفكار ومواقف كي تستقيم له الأمور، يقول: «في الليل.. كان شهريار، تحت سلطة النشوة والرحيق، يلهو بسيفه، يضرب الأعناق، يفصل الرؤوس عن الأجساد… ينتشي بنافورة الدم الفواحة.. في الصباح يستيقظ على عودتها مضاعفة… ظل تكاثرها يؤرقه… اعتقد أن الخطأ في السيف.. استبد له واكمل الالتذاذ.. وعادت دائرة النساء في تكاثرها تحيط به حد الاختناق… نهض صارخا مفزوعا.. فسر الحكيم: يجب البحث عن المفتاح..؟ – أين؟ – في قلب شهرزاد.»، فبتشغيل الميتاحكي استطاعت القصة الدخيلة أن تضيء أكثر القصة الرئيسة وتعمق من دلالتها تناصا واستحضارا للنزوع السلطوي الدائم في ثقافتنا العربية المجبولة على هكذا استبداد وقهر.
أما في قصة «سؤال نازف» فتنزف منه الأسئلة المحيرة حول علاقة الحاضر بالماضي، الخلف بالسلف، الابن بالأب… علاقة شابها ضمور الإعجاب، وفقدان الثقة والأمان، وانهيار المنعة والنصرة، وسقوط المثل الأعلى والقدوة الحسنة.. كل ذلك بعد انمساخ عظمة الأب في بعده الرمزي والروحي إلى كائن ضعيف مستكين، هكذا جعلنا السارد نستشف وصفه لعلاقة السارد بأبيه، ولحالة الأب بين ماضيه وحاضره، بعد أن ضمن القصة المحورية، تناصا، قصة «النمور في اليوم العاشر» الشهيرة لزكرياء تامر، حتى تكشف وتضيء حالة شخصية الأب التي غدت مثل ذلك النمر في القصة الدخيلة مغلوبا عليها ومدجنة ملء الجوع والقضبان، إنها ولا شك حالة الإنسان العربي المروض على الانبطاح والتبعية، يقول: «ما أعظم أبي! (رأيته بيمناه يرفعني إلى أعلى ثم يتلقفني بحضنه الذي يشعرني بالاطمئنان. رأيته قادرا على رفع العالم بيسراه… وإذا شاء سحقه في ثانية..!). ما بال أبي اليوم ..(يقف مبحلقا خلف قضبان عجزه كنمر في اليوم العاشر، بعيون جريحة، يتابع الأيدي الآثمة الجوعى تنهش لباسي، تطير قطعه إلى الأعلى بجنون».
2 ـ السارد يناقش البنية السردية: بمعزل عن درجة حضور السارد في القصة عبر زواياها الثلاثة المعروفة، نجده عند الكاتب يتدخل بذكاء ليبسط أمام القارئ أطروحته حول هول مأساة الإنسان العربي المقهور، الذي قامر بكل أحلامه ليجد في النهاية أن الحل النهائي هو الانتحار، وقد عمد السارد في إطار هذا الشكل من الميتاحكي إلى استدراج القارئ للتعاطف مع الشخصية في محنتها، وبعث الشفقة اتجاهها موظفا مفارقة ساخرة بعرض مواقف أخرى غير آدمية تستنكر وترفض مآل ومصير الإنسان البئيس، إنها العصافير التي تعشق الحرية والحياة غريزيا، فبهذا الشكل يبسط السارد فكرة كائنات أخرى كسند إنساني في غياب تعاطف الإنسان نفسه مع أخيه، هكذا يدفعنا السارد إلى تبني هذا الموقف كدرس من الطبيعة رفقا بالمصير الإنساني الذي أصبح رخيصا، درس أخلاقي مبطن نستشفه انطلاقا من أطروحة السارد حول مواقف وأفكار شخوصه، يقول في قصة «محاولة انتحار» من مجموعة «طنين الشك»: «حين ثبت الحبل بالغصن وأداره حول عنقه، طاردته العصافير». ويواصل السارد مناقشة مصائر شخوصه ومواقفها زاجا بالقارئ في غمرة التعاطف وتبني حكم يتعمد دسه طي الحكاية عبر المفارقة والسخرية، فيغدو اللص عنده نبيلا وذا حق وهو يبحث بطريقة ماكيافيللية مقبولة أخلاقيا عن شرطه الإنساني في العيش الكريم في عز الفقر وانعدام العدالة الاجتماعية، فبتشغيل هذا الميتاحكي استطاع السارد أن يجعل القارئ يتقبل كل موقف شاذ اجتماعيا وأخلاقيا، خاصة حين يطرح موقف كائنات غير بشرية/ كلاب تلك المعروفة بوفائها الأعمى لمطاردة اللصوص، فيحولها إلى شخوص، أرقى إنسانية من الإنسان نفسه، بالتعاطف مع اللص والتماس العذر له، وتلك سخرية تثوي درسا أخلاقيا وجب على القارئ/ الإنسان تبيانه وتبنيه، يقول في مجموعته «تداعيات الدموع والبياض» من خلال قصته «خزنة»: «وقبل أن تمتد يدي إلى مال الخزنة، سمعت الباب ينفتح على مصراعيه بقوة، شعرت بوجيب، فقفزت من النافذة، كان سقوطا مدويا جعلني أفقد وعيي. لم توقظني سوى كلاب المنزل، كانت تمسح الرعب عن وجهي بألسنتها الوديعة»؛ هي تقابلات شخوصية مختلفة الأفكار، لكننا نجد السارد يتعمد الانتصار، موقفا وفكرة، للحيوانات على حساب ولصالح الإنسان، ربما يريد منا التماس كل عبرة أخلاقية من الطبيعة وكائناتها، ما دام عالم الإنسان عمته الفوضى الأخلاقية والشرور، إنه نداء للطبيعة والفطرة والغريزة، نداء يعلو على عقل الإنسان الذي مسته العطالة، فإن ترتاع بعض الكائنات المعروفة بعدوانيتها وشرها من بؤس الإنسان، وأقصد الحية الرقطاء في قصة «حياة» من مجموعة «طنين الشك»، معناه أن درجة الإنسانية قد انتكصت إلى ما دون الصفر، فحتى هذه الحية تنازلت عن عدوانيتها التي تقابلت بها وجها لوجه أمام رجل، تلتف حول رقبته تحدق في عينيه، تتعاطف معه، فتلدغه رحمة ببؤسه إلا أنها تسقط ميتة جراء دماء الغضب والنقمة والسخط التي تجري في دمه.
في قصة أخرى لا تقل أهمية في توظيف هذا الشكل من الميتاحكي، ليتدخل السارد بالمفارقة والسخرية ذاتها لعرض أفكار ومواقف شخوص مختلفة حتى يستشف القارئ حجم الشطط الذي وصلت إليه الحرية المُمَتَل بها على يد الحكام الراغبين عنوة في الراحة والطمأنينة بمباركة من (حكمائهم)، يرتفع منسوب التمثيل بالحرية متى نودي بها، فالسارد في قصة «نتائج» من مجموعة «تداعيات الدموع والبياض» يقلب المعادلة رأسا على عقب، واصفا الهتاف بالحرية بسخرية ممضة وهي تُوسَم بتسفيه جلي لحقيقتها، ولا يقصد السارد مثلما استدرجنا وأوهمنا بكونها أصبحت ساقطة، ونافلة ومعرة وتعلة لسيادة الفوضى والفتنة بين الرعية، وإنما صور لنا حالتها كما يبتغيها الحكام، حتى نتبنى حكما صارما، أراده هو، وهو نصرة هذه الحرية التي فقدت شرفها مثل امرأة فاضلة نكل بها أشباه الرجال، بحيث يجعلك كقارئ تستنكر مرض الحكام، وفساد البطانة، وادعاءات حكمائها، هي حوارية بين مواقف الشخوص المتناقضة: السارد العاشق للحرية، الحرية المُمَثَل بها، الحكام الراسخون في التسلط، الحكماء خونة الرعية، القارئ الذي سيستنكر لا محالة، يقول السارد: «حين هتفت باسم الحرية، وقع التالي: سقط غطاؤها. سقط ثوبها. سقطت عزتها. سقط عنفوانها. سقط شرفها. سقط سقوطها. الحاكم المريض لا يحب الضوضاء. هكذا قال الحكماء».
إن توظيف القاص عبد الرحيم التدلاوي لهذين الشكلين من أشكال الميتاحكي، وهما توظيف قصة داخل قصة، ومناقشة بنية النص انطلاقا من توجيه مواقف وأفكار الشخوص.. قد حقق لنفسه وللمسرد المغربي جمالية نصية ضافية في القصة القصيرة جدا عبر تقنية الميتاحكي، بمظهريها الفني والدلالي اللذين سينأيان بها عن ضروب السرد التقليدي، قدما لسرد جديد قوامه التجريب والتملص من وصاية النقاد وكشافاتهم الفاضحة، بل تمكين كاتبها وساردها وقارئها من ممارسة جمالية نقدية داخل القصة نفسها، مثلما يحدث في الأجناس السردية الطويلة، إنها رؤية نقدية جادة يُراهَن عليها في ضخ دماء جديدة في نظرية الأدب، واحترام أفق المتلقي الجديد التي تفرزه التغيرات المستمرة للسياقات والأنساق لواقع راهن كهذا، وحساسية مقبلة.

كاتب مغربي

سعيد السوقايلي

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
القصة القصيرة جداً عند عبد الرحيم التدلاوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: