كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أركون واسئلة النخبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:38 am

المؤرّخ الجزائري محمد أركون حول كتابه "تاريخ الإسلام والمسلمون في فرنسا"
محمد أركون: الوعي التاريخي مفقود في ثقافتنا العربية المعاصرة
لا شك في أن الكتاب الصادر حديثاً لدى دار "ألبان ميشال" الباريسية تحت عنوان "تاريخ الإسلام والمسلمون في فرنسا"، سيُشكّل، ولفترة طويلة، مرجعاً فريداً في ميدانه. فإلى جنب مساهمة أكثر من سبعين أخصائياً في تحريره، يعبر هذا البحث الذي يقع في نحو 1200 صفحة، ثلاثة عشر قرناً من التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي الصاخب بين ضفتي المتوسط، مفجّراً في طريقه أساطير كثيرة وخطيرة حول"الآخر"لا تزال فاعلة في مخيلة العرب والأوروبيين، ومؤمّناً بالتالي قراءاتٍ نقدية جديدة لأهم الأحداث التي عرفتها منطقة حوض المتوسط. أنطوان جوكي حاورت المؤرّخ الجزائري الكبير محمد أركون حول كتابه طبعاً وأبرز أفكاره الجريئة وانجازاته العلمية.

تدافع منذ فترة طويلة عن العلمنة كقيمة لعالمنا العربي، وتنتقد بشدة، في هذا السياق، حال المجتمع العربي بسبب مقاومته للتاريخ وتناقضاته الناتجة عن ذلك، ولكن أيضاً تاريخ العلمنة الذي لم يكن ناصع البياض أبداً...

محمد أركون: العلمنة ثقافة تم تشييدها في فرنسا على مدى قرون من التفكير والعمل على الذات. المجتمعات تتطور من خلال العمل على ذاتها. وفي هذا المجتمع بالذات الفرنسي، حصل لقاءٌ بين الكنيسة الكاثوليكية والإدارة الرومانية التي كانت إدارة قوية لأن الشرع الروماني هو أول شرع طبّق في شكلٍ منهجي فكرة الدولة كجمهورية. وكلمة Respublica اللاتينية تعني حرفياً الشأن العام، أي أن الدولة مسؤولة أولاً عن الشأن العام، الأمر الذي يختلف كلياً عن الدولة السلالية التي ينتقل فيها الحكم بواسطة رابط الدم أو النسب، وبالتالي يُشكّل هذا الموضوع شاغِلها الأول بدلاً من الشأن العام. بجب الانطلاق من هنا ومتابعة تطوّر الأشياء. ففي أوروبا، احتل الشرع الروماني موقعاً مركزياً، وعلى أساسه تشكّلت معظم دول هذه القارة، وبخاصة الدولة الفرنسية. فمنذ الحكم الملكي، كان الهاجس المتنامي في تدعيم سلطة الدولة الفرنسية عبر توسيع نفوذها على مجتمعٍ كان لا يزال مقسّماً إلى مقاطعات.

وقد تم تشييد هذا الحكم كمركز سياسي يهتم بشأن هذه المقاطعات. زد على ذلك أن الشرع الروماني منذ البداية كان علمانياً لا يرتكز على أي تعليم ديني، بل على التأمّل الفلسفي في الديموقراطية الموروث من اليونانيين. إذاً، تمنحنا ثقافة الديموقراطية في"جمهورية"أفلاطون والبنية القانونية الرومانية، الأداتين الأساسيتين لتشييد دولةٍ تسير في اتجاه شرع مستقل عن أي مرجع ديني. وستستخدم الكنسية الشرعين: الشرع الروماني كي تتكوّن كمؤسسة دولية وسياسية، وآخر من اللاهوت لتكوين العقيدة المسيحية. لكن الشرعان يتنافران كمصدر لسلطة الدولة والحكم.

إذاً، عرف المجتمع الفرنسي منذ بداياته ذلك التوتر بين الشريعة الإلهية الذي كانت تقود الملك في بداية عهده إلى كاتدرائية مدينة رانس لتنصيبه ونيل شرعيته، والشرع الروماني التي سيؤول في العصر الحديث إلى الشرع الحديث، أي إلى سلطةٍ منبثقة عن الشعب. وقد تتطلّب ذلك سيراً طويلاً. ولهذا، حين نتكلم في عالمنا العربي على العلمنة، نقع مباشرةً في المجادلة والخطاب الأيديولوجي، مهملين في شكلٍ كلي تاريخاً ضرورياً كي نعرف اليوم لماذا جميع المجتمعات العربية تسير بعكس التيار.

وأبرز دليلٍ على ظلاميّتنا ترجمة كلمة"بعلماني غير الدقيقة والمُضلّة. إذاً، حتى اللغة تخوننا! الخُطاب العربي والخُطاب الإسلامي المعاصران هما خطابان مناقضان للتاريخ ويقعان خارج المعطيات التاريخية في كل مستويات ممارستهما. الابتعاد عن التاريخ هو رفض للعمود الفقري الذي هو ماضينا. الوعي التاريخي مفقودٌ في ثقافتنا المعاصرة. كان موجوداً في مرحلة لم تعد تهمنا، ومقدمة ابن خلدون أفضل مثال على ذلك. لكن هذا المفكر توفي عام 1406، ومنذ تلك الفترة لم يسمع به أحد حتى منتصف القرن التاسع عشر. أشير هنا إلى عملية البتر الذاتي في مجتمعاتنا. فهذه الأخيرة لم تقم بأي عملٍ على ذاتها باستثناء مرحلة تشكيل الفكر الإسلامي، أي خلال القرون الخمسة الأولى.

العلمنة نتاج عصر"الأنوار"في أوروبا. لكن هذه"الأنوار"لم تبلغ الفكر العربي إلا في شكلٍ عابر وعارِض خلال"النهضة"العربية. وبعد عام 1940، توقف كل شيء. ولن يلبث طه حسين وبقية المثقفين"المنوّرين"، مثل أحمد أمين والمازني وعلي عبدالرازق...، أن يتحوّلوا في نظر العرب إلى صهاينة وملحدين وخونة، بينما هم في الحقيقة الذين جهدوا في إدخال بعض"الأنوار"إلى الفكر العربي والبحث التاريخي. لكن عزلتهم داخل محيطهم لم تمكّنهم من التأثير في الرأي العام العربي الذي كان خاضعاً للخطاب الإسلامي.

وتجدر الإشارة، في النهاية، إلى أن قيمة العلمنة تكمن في استيعابها ديناميكية"الأنوار"الأساسية والحية التي تقوم على فكرٍ يطرح ذاته دائماً موضع بحث. فأمام المشاكل التي طرحتها عليها ممارسات إسلامية أصولية ورجعية، بدأت العلمنة بسرعة مراجعة الإستراتيجية التي كانت تعتمدها في السابق لدمج طائفة غريبة من الناس داخل فضاء المواطنة الحديثة. لكن قُصر نظر الخطاب الأيديولوجي العربي والخطاب الأصولي هو الذي أدى إلى كل هذا الصخب حول الحِجاب وإلى اتهام العلمنة والفرنسيين بعدم احترام الحرية الدينية حين يتعلق الأمر بالإسلام، بينما الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. فمنذ 11 أيلول سبتمبر 2001، انطلق الفرنسيون في عملية إعادة نظر شاملة بالعلمنة لتوسيعها في اتجاه ثقافاتٍ أخرى ولمنح هذه الثقافات موقعها داخل إطار الجمهورية المُحرِّر. كل هذا لا نراه، نحن العرب، لأن عقيدة الحرب تفترسنا.

تربط غياب التقليد العلماني داخل الثقافة العربية بعلاقة هذه الأخيرة بالعقل والعلم والمقدَّس التي تميّزها عن الثقافة الغربية، بدلاً من شرح هذا الغياب بمعيار التطوّر أو التأخر...

- غياب العلمنة هو معطى بنيوي داخل الفكر العربي والإسلامي، لكنه ليس ميزة خاصة بمسار مجتمعاتنا. كل المجتمعات طوّرت البُعد المقدّس وشيّدت حقائقها عليه. المشكلة هي في درجة انغماس مجتمعاتنا فيه وفي السيرورات الاجتماعية التي ترتكز على تقديس ما هو غير مقدَّس، وأقصد بذلك جميع الطقوس التي طوّرتها مجتمعاتنا الحديثة وتناولت السلوك اليومي الأكثر دنيوية. وما يمكّننا من التمييز بين ما هو مقدَّسٌ في جوهره وما هو دنيوي، هو علم الانتروبولوجيا. لكن هذا العلم غائباً، حتى في الغرب، وفي شكلٍ خاص في الفكر العربي. وحين يغيب هذا العلم، يكتسح المقدَّس كل جوانب حياة المؤمن ويخلق تزويراً travestissement للخطاب الدنيوي ولأي سلوكٍ عادي ولأي بحثٍ عن معنى آخر داخل المجتمع. الكنيسة لم تسر نحو الحداثة إرادياً بل أجبرتها العلوم الاجتماعية على ذلك.

هل ان العبور إلى العلمنة يؤدي حتماً إلى إلغاء علم اللاهوت لمصلحة علم الانتروبولوجيا؟

- أبداً. العلمنة هي انفتاحٌ أوسع من أفكار عصر"الأنوار"خلال القرن الثامن عشر حول هذا الموضوع. ولكن على رغم اندفاع معظم المجتمعات البشرية في هذا الاتجاه الذي يقود إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من إنسانيتنا، ينشغل العرب بالتعبيرات الطقوسية المختلقة لديانتهم. من المحزن أن نرى شعوبنا العربية تسجّل نسبة نمو ديموغرافي مخيف بلا أي تثقيفٍ حقيقي يبيّن لها خطر العيش داخل روحانية لم يعد فيها الإنسان موجوداً إلا كفراد يُختصر دوره بالنزول إلى الشارع لصرع عدو أو لقلب نظامٍ. هذا كل ما نعرف القيام به.

حتى العلمنة في أوروبا لا تسلم من نقدك بسبب شوفينيتها خلال فترة طويلة...

بالفعل، تبعت العلمنة مفهوم"الدولة الأم"l"Etat-nation الذي ارتكز جهده على تمجيد الأمة ولم يكترث لتشييد حقيقة تاريخية. لكن الأوروبيين اليوم هم الوحيدون في العالم الذين قطعوا أشواطاً مهمة في عملية تخطي هذا المفهوم. فتشييد فضاء مواطنة أوروبي هو فكرة كبيرة وجديدة وثورة حقيقية في تاريخ المجتمعات والدول. تملك العلمنة ديناميكية تسمح لها بالخروج من إطار الدولة وبتشييد فضاءٍ جديدٍ تتحاور فيه الثقافات بحرية مثمرة وتخضع فيه كل منها لنقدّ موضوعي وبنّاء. فهل من المعقول قبول أي شيء؟ خطاب المسلمين في فرنسا وخارجها اليوم خاطئ إسلامياً وتاريخياً، فهل يمكن القبول به وبنتائجه داخل ثقافة الجمهورية؟ هذا ما يشرح التوتر الحالي. ثمة أشخاص في فرنسا يقولون:"حسناً، نحن منفتحون، لكن يُطلب منا اليوم أن نتراجع، كما في ما يتعلق بوضع المرأة". ففي حين أن النساء الفرنسيات سعيدات لدخولهن، للمرة الأولى، إلى دائرة المواطنة الكاملة، تنزل النساء المسلمات إلى الشارع وتختار ساحة"الجمهورية"كي تقول:"لا، لا. نريد أن نتحجّب"! إنه سيرٌ بعكس التاريخ! وهذا ما لا يمكن تحمّله.

> وضعتَ أسس اختصاص علمي جديد،"الإسلاميات التطبيقية"، يُدرّس منذ فترة في عدد من الجامعات الأوروبية والأميركية. ومع أن تسمية هذا الاختصاص تبدو علمية وحيادية، إلا أن أهدافه العلمية والتربوية ثورية على أقل تحديد...

- تماماً."الإسلاميات التطبيقية"هي ميدان بحثٍ علمي يتناول في تطبيقه أمراض مجتمعاتنا التي تطوّرت منذ الخمسينات والستينات. فإذا أخذنا كمثال مصر التي أنتجت عدداً كبيراً من الكتّاب والمفكرين والفنانين الملتزمين من دون عُقد في بحثهم عن الحداثة، والذين قاموا بعملٍ رائع، نلاحظ أن، لدى وصول عبدالناصر إلى سدة الحكم عام 1952، انخرطت هذه الدولة، ودول أخرى وراءها مثل الجزائر، في المغامرة الشيوعية تحت شعار الثورة العربية الاشتراكية. ولكن أين هي هذه الدول اليوم من الاشتراكية والحداثة؟ إنه انهيارٌ كامل. كتّاب"النهضة"ماتوا وقُبروا من جديد ولا أحد يتكلم عنهم اليوم. وعلى رغم خطورة الوضع، الشعوب تصفّق سعيدة لتحررها من الاستعمار. طبعاً كان هنالك استعمار، ولكن يجب دراسة التاريخ لمعرفة لماذا حصل الاستعمار. لو أن الفكر العربي لم يدخل في سبات عميق وطويل لما تمكّن الفرنسيون والإنكليز من الدخول إلى منطقتنا. ويحق لنا أن نفرح لتحررنا من الاستعمار، ولكن، مباشرة بعد الاستقلال، وقعت الدول العربية تحت رحمة أنظمتها الديكتاتورية التي علّقت الحريات والديموقراطية ولم تحترم شعوبها التي كافحت للتحرر من الاستعمار.

> لكن العرب تمكّنوا خلال القرون الوسطى من بلوغ فكر إنساني humaniste مبني على الفلسفة والأخلاق والدين. كيف وصلنا إلى هنا؟

-"الإسلاميات التطبيقية"تجيب عن هذا السؤال. أطروحتي في التاريخ تناولت القرن الرابع الهجري، وقد بيّنتُ فيها كيف كانت المدن العربية والإسلامية مندفعة داخل تجربة إنسانية يحتل العقل فيها مكانة مهمة ولا يلعب الدين فيها دوراً تعطيلياً. كان هنالك تمييز واضح بين العلوم العقلية والعلوم النقلية. لا أنكر حصول بعض التوترات، لكنها كانت خصبة. فعلماء اللاهوت كانوا يطرحون مسائل مهمة وضرورية لا يمكن إهمالها، والفلاسفة أيضاً، على طريقتهم. وذلك ضمن مواجهة مثمرة أفضل مثال عليها عمل ابن رشد على كتب الغزالي بعد 91 عاماً على وفاة هذا الأخير. باختصار، كان اللاهوت والفلسفة يتحاوران في شكلٍ حضاري. أما كيف وصلنا إلى هذه الكارثة التي نعيشها اليوم، فهو سؤالٌ حاولت الإجابة عنه في كتابي"النزعة الإنسانية والإسلام"، وهو موضوع طويل لا مجال الآن لخوضه. المهم هو أن ندرك أن، بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأوروبية، هوة عميقة لم يسبّبها الاستعمار، بل سبعة قرونٍ من التخلّف.

> حدّدتَ مثلثاً أنتروبولوجياً عنف ? مقدّس ? حقيقة يبيّن لنا كيف أن العنف ليس حكراً على الممارسات الدينية المتطرّفة، فثمة تطرّف سياسي وعلماني أيضاً.

- بالفعل، ثمة تطرّف يقدّس العنف داخل الحداثة. أثناء حرب العراق الأولى، استخدم الرئيسان ميتران وبوش الأب العبارة ذاتها:"حربٌ عادلة"، وهي مفهوم لاهوتي وضعه القديس أغسطينوس القرن الرابع. والنازية والشيوعية قدّستا أيضاً العنف الأكثر بشاعة. لهذا يجب التمتّع بنظرة أنتروبولوجية على المقدَّس. فحين نقدّس نظرية ما، نقدّس ممارسة سياسية أو دينية لا يعود المساس بها ممكناً. والإنسان دائماً في حالة خشوع أمام المقدَّس ويخشاه، الأمر الذي يلغي لديه أي علاقة نقدية ممكنة مع هذا الموضوع. وأنا أوسّع مفهوم المقدَّس وأربطه بركيزتين حاضرتين في كل تاريخ البشر: العنف والحقيقة، لأن كل مجموعة دينية تعتبر رسالتها"الديانة الحق"، وكل تيار فكري يعتقد أن فكره هو الصحيح. وذلك لا يمكن أن يقود إلا إلى العنف.

> امتنانك للفكر الفرنسي النقدي هو بقدر قسوتك وانتقادك للمتخيّل l"imaginaire الفرنسي بسبب الحجب الرسمي لصفحة الاستعمار في تاريخ فرنسا، وبسبب حجب التاريخ الحقيقي للشعوب المتوسّطية في المناهج التعليمية. ألا يندرج كتابك الأخير في سياق سد هذا الثقب الواسع في المتخيّل الفرنسي؟

- تماماً. هدفي هو محاربة الطابع الامبريالي لمتخيّل جميع المجتمعات. فلكل مجتمع متخيّل خاص به يُفبركه بأدوات وعناصر أيديولوجية مستخدماً مراجع دينية لإضفاء شرعية على ما لا شرعية له. الحروب التي عرفناها على التوالي منذ عام 1945 وحتى اليوم هي غير شرعية جذرياً، ومع ذلك، قمنا بتشريعها. استمعْ اليوم إلى كل ما يقال في فرنسا، في سياق المعركة الانتخابية، وانظرْ كيف ينبني خطاب المرشَّحين. المتملّك من علم الألسنية يلاحظ بسرعة الطابع الأيديولوجي الصافي لكل الخطب، الذي هدفه إثارة أو تحديد المتخيّلات في شكل مبالغ به. إنه مثالٌ آخر على مفهوم"الديانة الحق"ولكن في شكلٍ سياسي، علماني وديمقراطي. أنا أتألم حين أستمع إلى هذه الخُطب، كما أتألم حين أرى حالة الجزائر المذرية. فأنا فرنسي وجزائري معاً مؤمن بالعقل المنبثق من التجارب التاريخية التي نمر بها، أي العقل الذي يوَفّق في نشاطه بين شتى التضامن التاريخي. وأنا سعيدٌ بهذا الكتاب لقبول أهم المؤرّخين الفرنسيين المشاركة في تحريره، كل واحد في اختصاصه، وفقاً للنظرة التاريخية النقدية التي حددتها سلفاً. فهذا يُعتبر تتويجاً لنضالي الفكري والعلمي والتربوي.

خلال هذه النزهة التاريخية الطويلة التي يؤمّنها لنا هذا الكتاب، يتم تفكيك أساطير كثيرة لا تزال متجذرة في المتخيّل الغربي أو الشرقي، مثل معركة"بواتيي"التي تبيّن أنها كانت معركة صغيرة منسية حتى القرن العشرين، أو الحروب الصليبية التي يبدو أنها لم تكن حروباً ضد الإسلام...

كانت حرباً"عادلة"ضد حربٍ"عادلة". فالجهاد موجودٌ ليس فقط في الإسلام بل في المسيحية أيضاً حتى عام 1965. وكل حرب"عادلة"تخاض باسم"الديانة الحق". المخيف هو أن العقل البشري لم يطرح خلال قرون طويلة مسألة احتكار الحقيقة والعلاقات بالله من جانب كل مجموعة دينية. الأسطورة الثالثة تتعلق بحقبة الامبراطورية العثمانية التي لم يتبق منها سوى ذكريات سود، بينما الحقيقة التاريخية هي غير ذلك تماماً. أما الأساطير الأخرى فكثيرة، من بينها الطريقة التي نظرنا فيها إلى عصر"الأنوار"، والكتابات التي تناولت بونابرت خلال حملته على مصر، وصولاً إلى الأيديولوجيات الحديثة.

في الوقت الذي تتم فيه مقابلة الغرب والإسلام، يحدد كتابك، بمقاربته التاريخية النقدية، موقع الفكر العربي في تاريخ الفكر والثقافات في شكلٍ عام، وذلك ضمن فضاءٍ متوسّطي أعيد توحيد أوصاله...

هذا التركيز الأيديولوجي على مقابلة الغرب والإسلام هو جنونٌ صرف يُهين العقل من الجهتين. فداخل الفضاء التاريخي الذي أحدده، ثمة هوية متوسطية موحِّدة وغالباً مهمَلة. ويضم هذا الفضاء إيران ولكن أيضاً دول شمال أفريقيا حيث لا يزال الفلاحون يتبعون التقويم الروماني في عملهم. بقيت روما في هذه المنطقة لفترة ستة قرون! باختصار، يلقي الكتاب الضوء على أسس حضاراتنا، وكيف طمرت كل حضارة الحضارة التي سبقتها. ففي حال تمكنّا من تعليم تاريخ الفضاء المتوسّطي في كل مدارس العالم العربي والغربي، لربحنا الرهان ولبدت الحروب الماضية أو المقبلة عبثية.



أنطوان جوكي

حقوق النشر: الحياة 2007



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:39 am

admin كتب:
أطروحات الراحل محمد أركون الإصلاحية
محمد أركون...الناقد المزدوج
يتلخص الدرس الذي يقدمه لنا المفكر الراحل محمد أركون في ضرورة تفكيك خطابات الهيمنة بمختلف أشكالها، تلك الخطابات التي ما برحت تعطل خطى التاريخ وتقف حاجزا أمام بناء معرفة تاريخية وتحقيق انفتاح نقدي على الحاضر والماضي. رشيد بوطيب في عرض لأهم محاور أطروحات أركون الفكرية وإرثه النقدي.

​​ نكتشف في الثقافة العربية التراث، قبل أن نكتشف الذات أو"الأنا". بل وتبدو هذه "الأنا" صغيرة، مرذولة، أمام ذلك التراث "العظيم"، لا خيار بيدها، سوى أن تنحني أمامه وتجتر ذكراه وتقدم له القرابين، أو أن تعمد إلى بناء فكر مرتبط بعصرها ومنفتح على أسئلته، وما يترتب عن ذلك من مجابهة نقدية لتراث الآباء، وفق منطق الحاضر، لا منطق السلف. لكن هل تحقق ذلك فعلا داخل الثقافة العربية المعاصرة؟ وأعني هذا الارتباط النقدي وليس الإيديولوجي بفكر الحاضر وتراث الأنا؟ نتعرف في الفكر العربي المعاصر على محاولات أسست ومارست ما يسميه عبد الكبير الخطيبي بـ "النقد المزودج"، ومنها محاولة الخطيبي نفسه رغم شذريتها، والذي مضى في رأيي أبعد من الآخرين في هذا المجال وهو يفكك الخطاب الحمدلي واشتغاله داخل الجسد واختراقه للعلامات المختلفة، ومحاولة محمد أركون التي لا تقل عنها نقدية، في حين ارتهنت المحاولات الأخرى في أغلب الأحيان بالايدولوجيا، وطبعا، حيث تحكم الايدولوجيا، يموت النقد والنقد المزدوج.

لكن لماذا وما "النقد المزدوج"؟

يجيب الخطيبي: "ينصب ـ النقد المزوج ـ علينا كما ينصب على الغرب، ويأخذ طريقه بيننا وبينه، فيرمي إلى تفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم علينا، وهو يهدف إلى تقويض اللاهوت والقضاء على الإيديولوجية التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة. ويبدو لي أن مثل هذا السبيل هو الكفيل بأن يدعم إستراتيجيتنا: فيمكن البلدان التي تخضع لسيطرة الغرب ـ مهما كان شكل تلك السيطرة ـ من أن تدرك إدراكا أحسن أسس الهيمنة الغربية".
الخطيبي
"يهدف النقد المزوج إلى تقويض اللاهوت والقضاء على الإيديولوجية التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة"

​​ طبعا سنجد تعبيرات عن هذا "النقد المزوج" وأصداء له عند مفكرين آخرين، يندرجون في السياق النقدي للثقافة العربية المعاصرة، مثل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي لكن في شكل غير مقنع وملون أيديولوجيا.

بل يمكننا أن نقول بأن "النقد المزدوج"، بوصفه تأسيسا للاختلاف، يجب أن يتوجه أيضا ضد بعض أفكار وأطروحات هؤلاء المفكرين، وبعبارة أخرى، إنه موجه ضد تيار القطيعة التاريخية والابستيميائية الذي يمثله العروي خصوصا وتلميذه النجيب عزيز العظمة وتيار العقلنة من الداخل أو "الاستمرارية التاريخية" الذي يمثله الجابري وحسن وحنفي وآخرون.

وحتى نفهم "النقد المزودج" بشكل أوضح، ونتعرف على موقع محمد أركون، هذا الناقد المزدوج بامتياز، داخل الفكر العربي المعاصر، يجب أن نلقي نظرة على الأفكار الأساسية لتيار "القطيعة" وتيار "الاستمرارية"، وسأبدأ بعبد الله العروي، وخصوصا ببعض الأفكار التي طرحها في كتابه المهم:"العرب والفكر التاريخي"، والتي تتلخص في سؤاله المركزي:" هل اللجوء إلى منطق الماضي يقتصد الطريق، يقنع العامة، يدفع الناس إلى قبول الجديد، أم يخضع الحاضر المتجدد لمنطق الماضي الراكد، ويقوي بالتالي، رغم المكاسب الجزئية، دعاة الماضي، غير المقتنعين بضرورة الإصلاحات؟".

"التشبث بالهوية يتضمن تنكرا للواقع والمستقبل"

يدعونا العروي في لغة يعقوبية إلى الوقوف في وجه ممثل الثقافة الأصلية، وتجليات هذه الثقافة في الواقع والسلوك، مؤكدا بأن التشبث بالهوية من أجل مواجهة الامبريالية، يتضمن تنكرا للواقع والمستقبل. إن العروي ينظر إلى هذا التشبث المرضي بالهوية كنوع من الانفصام ويتنبأ لنا بنكسات قادمة ـ نعيش بعضها اليوم ـ مؤكدا بأن كل محاولة "إدخال أفكار جديدة مستترة في ثوب أفكار قديمة بدعوى اقتصاد الوقت ورسوخ التأثير، أو الوفاء للماضي وتدعيم الشخصية القومية، تركز التقليد وتحكم على نفسها بالتفاهة"، معتبرا أننا غير قادرين على التأثير بالعالم إذا استسلمنا لاجتهاد السلف، ومفرقا بين "الخصوصية" التي تستلهم ثقافة العصر، فهي "حركة متطورة"و"الأصالة" التي تؤبد الوضع القائم وهي في لغة العروي: "سكونية، متحجرة، ملتفتة إلى الماضي".
الجابري
"يلعب الخطاب الديني اليوم دورا أساسيا في إنتاج الأيديولجيات الرسمية"

​​ ويعمد العروي بعدها إلى الهجوم على أنصار تيار الاستمرارية التاريخية، ويندهش لأمر أولئك الذين يرفضون الأفكار المستوردة من الغرب، مؤكدا بأن علاقتنا بالتراث قد انقطعت، ودعاوي الاستمرارية الثقافية أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع، وهي رؤية تؤكد التخلف والانفصال عن هذا الواقع. ثم ما يلبت العروي أن يكشف عن الأصل النظري الذي يمتح منه أفكاره والذي متى توضح لنا، أدركنا بسهولة سر ذلك الهجوم على كل تعامل مع التراث، وأعني الماركسية، التي يعتبرها "مدرسة للفكر التاريخي"، وحصنا منيعا أمام السلفية والانتقائية.

أما تيار الاستمرارية التاريخية أو العقلنة من الداخل، فرغم تأكيده المتكرر بأنه في قراءته للماضي وعودته إليه، يطلب احتواء هذا الماضي لا العكس، إلا أنه يؤكد من حيث لا يشعر غلبة الماضي على الحاضر وتبعيتنا له، ويظهر ذلك واضحا وهو يحتمي به، رغم كل دعاوي الاستقلالية، في مواجهة تحديات الثقافة الغربية، وأضرب مثالا على ذلك بأطروحات الجابري عن العولمة والهوية الثقافية، حيث يمزج الجابري بين الثقافة والأصالة، دون أن يدرك بأن في هذا المزج رفض للتعدد ورفض للآخر وتأثيره وتناس للواقع وتغييراته.

كما يتبدى بوضوح بأن الجابري يريد أن يواجه العالم وتطوراته المرتبطة بالعولمة وانتشار النموذج الأمريكي بهوية ثقافية غير واضحة المعالم، وترتبط في جزءها الكبير بالماضي. فكيف نواجه الحاضر بالماضي؟ وألا يمثل التواصل التاريخي تخريبا للرؤية التاريخية؟ كما أن فكرته عن وجود عقل عربي، منتج للثقافة والفكر العربيين، تتناسى أن هذه الثقافة هي نتاج تفاعلها مع الثقافات الأخرى، وأن العقل ليس له حدود عرقية.

حسن حنفي: شطط مفاهيمي

إن حسن حنفي لا يبتعد كثيرا عن الجابري وفهمه للآخر وإدراكه للأنا وتراثها، رغم الفوارق المنهجية، إلا أنه يظل أقرب منه إلى الأيديولوجيا والشطط المفاهيمي، ويبدو ذلك واضحا في مقدمة كتابه:"مقدمة في علم الاستغراب"، إذ نلمس رغم دعاوي العلمية، أن مفهومه عن الاستغراب مسكون برغبة ملحة في تحويل الآخر إلى موضوع، وهو فهم شبيه بفهم المستشرقين للشرق، القائم على نزعة التفوق والسيطرة.
حنفي
"حسن حنفي لا يبتعد كثيرا عن الجابري وفهمه للآخر وإدراكه للأنا وتراثها، رغم الفوارق المنهجية، إلا أنه يظل أقرب منه إلى الأيديولوجيا والشطط المفاهيمي"

​​ كما أن حديثه عن الأنا والآخر يظل حديثا ملتبسا وأيديولوجيا رغم الانطباع الموضوعي الذي يمكن أن يوحي به لأول مرة، فلا وجود لأنا خالصة وواحدة ومنتهية ومطلقة، كما أنه لا وجود لآخر واحد وخالص، ولا تحقق للخصوصية إلا خارج التاريخ. وإذا عرجنا على فهم حنفي للتراث، فلا نملك إلا أن نتفق مع نصر حامد أبو زيد ونقده لليسار الإسلامي، كمشروع توفيقي، يمارس التقية، ويخضع الحاضر للماضي، ويغلب الأيديولوجي على الابستمولوجي، متجاهلا، في تعامله مع التراث كبناء شعوري، مثالي، السياق التاريخي والاجتماعي لهذا التراث.



أركون منتقدا للعقل الإسلامي

يتموقع "النقد المزدوج" كما يمارسه أركون ضد التيارين معا وليس بينهما، وكما يرفض مبدأ القطيعة التاريخية والابستيميائية، يرفض أيضا الهوية المنغلقة ودعاوي العقلانية من الداخل، مؤسسا لعلاقة نقدية، ورؤية تفكيكية للعقل الغربي والعقل الإسلامي معا، وهو ما نلمسه بوضوح في نقده للسياج الدوغمائي الذي يحكم الثقافة الإسلامية من جهة، وللاستشراف والعلمانية والمركزية الغربية من جهة ثانية. إن أركون يدعونا إلى كتابة تاريخ نقدي للعقل الإسلامي، وبعبارة أخرى، إلى النظر إلى ما هو أبعد من التاريخ الرسمي للثقافة الإسلامية، والذي يعتقد بوجود عقل ثابت ومفارق للزمن. وفي هذا السياق تندرج دعوته إلى إعادة قراءة علم أصول الدين وعلم أصول الفقه، من أجل تحقيق هدفين أساسيين. الهدف الأول يبغي تجاوز الرؤية التاريخية الخطية لكل علم من هذه العلوم، من أجل الإمساك بنظام الفكر الإسلامي "الذي يربط بين علم النحو وعلم الألفاظ والمعاني والتفسير والتأريخ وعلم الأصول والأدب الكلاسيكي للكلمة من جهة وبين العلوم المدعوة عقلية من جهة أخرى".

أما الهدف الثاني فهو "توضيح وتبيان تاريخية العقل الخاصة بتلك الحركة الثقافية التي أدت إلى نتيجة مفادها اعتبار الشريعة والنظر إليها وكأنها التعبير الموثوق عن وصايا الله وأوامره" ويعني بذلك مساهمة علم الأصول في الارتفاع بقوانين ارتبطت بسياق تاريخي محدد إلى مستوى المقدس والمتعالي، وهو ما يدعو أركون إلى تفكيكه، وبلغة أخرى، تفكيك هذا اللامفكر فيه داخل الفكر الإسلامي، والمتمثل في تاريخية العقل الذي بلور علم الأصول. ويرى أركون بأن الفكر الإسلامي المعاصر، المرتبط بإيديولوجيا الكفاح، غير قادر على الدخول في هذه القراءة النقدية ـ التاريخية للتراث، لأنه يعمد أكثر إلى استغلاله أيديولوجيا من أجل تجييش الجماهير. ويضرب أركون مثلا على ذلك بالثورة الإسلامية في إيران، التي، وإن رافقتها عودة لمظاهر وعلامات ثقافية "إسلامية"، إلا أنها تظل بعيدة عن كل دراسة علمية لهذا التراث الديني، إن لم تقف ضد تحقيق ذلك. إن أركون يطالب بمقاربة جديدة للحقيقة الدينية، تقوم على تحليل مستوياتها اللغوية والسيميائية والتاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والفلسفية، بهدف الخروج وتجاوز خطاب الاكتفاء الذاتي.

الإسلاميات التطبيقية في مقابل التعامل التبجيلي مع الإسلام

وفي هذا السياق يؤسس أركون لما يسميه بالإسلاميات التطبيقية في مقابل التعامل التبجيلي مع الإسلام، ومن أجل الانتقال من الاجتهاد التقليدي إلى مرحلة نقد العقل الإسلامي ، وفي تجاوز للاسلاميات الكلاسيكية التي تمثل الخطاب الغربي حول هذا الدين، والتي ركزت عملها على دراسة الثيولوجيا والفلسفة والقانون، أي انحصرت في دراسة الثقافة العالمة أو النصوص المكتوبة والرسمية من ناحية الموضوع، وفي بنيوية ضيقة من ناحية المنهج، متجاهلة الأنظمة السيميائية غير اللغوية التي تشكل الحقل الديني، ومغفلة بذلك، في مقاربتها للظاهرة الإسلامية، فتوحات علوم الإنسان، وواقع أن نقد العقل الإسلامي لا يمكن أن نبحث عنه في بنية النصوص، بل في العلاقات المتشابكة التي ينتجها المجتمع في تفاعله مع تلك النصوص. وهذا الفراغ هو ما تطلب الإسلاميات التطبيقية سده.


على خطى ابن رشد في الإصلاح والتنوير

​​ يقول أركون، موضحا البعد النقدي المزدوج لمشروعه:"ونظرا لتقدم البحث العلمي في العالم الغربي، فالمجتمعات الإسلامية تجد نفسها دائما تحت الهيمنة المنهجية والابستمولوجية للعلم الغربي. إن الإسلاميات التطبيقية تريد أن تنقض هذه الهيمنة. ذلك أن مهمتها لا تتلخص فقط في إنتاج الدراسات الموثقة والمحققة كما كان الاستشراف قد فعل سابقا، وإنما هي تريد أيضا أن تأخذ على عاتقها مهمة طرح المشاكل الفعلية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، ثم محاولة حلها والسيطرة عليها من قبل المسار العلمي والمنهجية العلمية. هذا هو الهدف المزدوج للاسلاميات التطبيقية".

إن "الخطاب الديني" يلعب اليوم دورا أساسيا في إنتاج الأيديولجيات الرسمية، كما يلاحظ أركون وغيره، ويساهم في الحفاظ على التوازنات النفسية والاجتماعية، وهو ما يحتم علينا إعادة قراءة الرسالة القرآنية قراءة جديدة، أو قراءة موضوعية، بعيدة عن الخطاب الأورثدوكسي الرسمي، الذي يرتكز على مسلمات معرفية، تمزج الأسطوري بالتاريخي. وهذا يعني أن الإسلاميات التطبيقية تريد دراسة "اللامفكر فيه" و"المحظور التفكير فيه" ضمن الفكر الإسلامي. وفي هذا السياق أيضا يندرج اهتمام أركون بتاريخ العقول المهمشة ـ تاريخ من لا تاريخ لهم ـ داخل الثقافة الإسلامية، مدافعا عن تحقق انسانوية عربية في التاريخ الإسلامي رغم أنه لا يمكن مقارنتها بالحركة الإنسية في أوروبا، لأنها حركة اصطدمت دمويا بالدين، في حين لم ير الإنسانويون العرب تضادا بين الحقيقتين الدينية والعقلية. وقد ندفع بالنتائج إلى حد أبعد من ذلك ونقول بأننا أحوج اليوم إلى تلك الإنسانوية العربية ـ أو ما يمكن أن نسميه بـ "الإنسانوية المزدوجة" ـ و إلى روحها المنفتحة التي عرفت كيف تزاوج بين الدين والعقل، منا إلى الإنسانوية الغربية التي انتصرت للعقل على الدين ولمركزية عقلية اتخذت في أحايين كثيرة وجوها عنيفة في رفض الآخر كما بين ذلك أقطاب "المدرسة الفرنسية" الذين تأثر بهم أركون، وعلى رأسهم ميشيل فوكو وجاك دريدا.

سؤال العلمانية

كان محمد أركون سباقا في دعوته إلى إعادة النظر بالمغامرة التاريخية التي كرست في الغرب نهاية النظام الديني، دون أن يبخس العلمانية دورها التاريخي، والتي جاءت لتضع حدا للحروب الدينية. إن أركون يفرق في صرامة، بين الفكر العلمانوي أو اليعقوبي المتطرف في رفضه للدين والفكر العلماني المنفتح على أقاليم التفكير الأخرى. وفي هذا السياق لا يسع قارئ أركون إلا أن يندهش لوصف رضوان السيد لأركون بالداعية العلماني المتشدد، وهو الذي وصف تجربة مصطفى كمال أتاتورك بالتطرف والكاريكاتورية، ولم يبرح يؤكد بأنه يتوجب على العلمانية أن لا تتحول إلى عقيدة، أو إلى ما أسماه بالعلمانوية المناضلة، التي أسست لها المدرسة الوضعية خصوصا، والتي رأت بأن المرحلة التيولوجية أو اللاهوتية هي في حكم الماضية والمتجاوزة.

إنه موقف تفاقم في الغرب، كما أشار أركون، بسبب انتشار الفلسفة الماركسية، ولكن ليس في الغرب فقط، إذ يكفي أن نعرج في هذا السياق على رؤية المفكر السوري عزيز العظمة للعلمانية في كتابه المعروف:"العلمانية من منظور مختلف"، لنمسك من جهة، بالوجه الحقيقي لهذه العلمانوية النضالية، المتطرفة، التي ينتقدها أركون، ومن جهة أخرى بحقيقة الموقف الأركوني من العلمانية، والتي لا يرى فيها أكثر من علمانية إجرائية، تسمح بحرية الفكر والتعبير واقتسام القناعات والحقائق.

إن الدرس الذي يقدمه لنا محمد أركون، يتلخص في ضرورة تفكيك خطابات الهيمنة بمختلف أشكالها. إنها تلك الخطابات التي ما برحت تعطل خطى التاريخ وتقف حاجزا أمام بناء معرفة تاريخية وتحقيق انفتاح نقدي على الحاضر والماضي. إنه درس يتلخص في تلك الكلمات البليغة لميشيل فوكو:"لعبة التاريخ الكبرى، تتمثل فيمن يفوز بالقواعد، ويسثأتر بها، ويستعملها في معنى مغاير، ويعكسها، لترتد إلى نحور الذين فرضوها".



رشيد بوطيب

مراجعة: لؤي المدهون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2010



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:40 am

admin كتب:
admin كتب:
المفكر الجزائري محمد أركون
ناقد معاصر للعقل الإسلامي
صدرت باللغة الألمانية أطروحة دكتوراه للباحثة الألمانية الشابة المتخصصة في الدراسات الإسلامية أرزولا غونتر تتناول فيها الأسس الفكرية والفلسفية للمفكر الجزائري المقيم في فرنسا محمد أركون. برهان شاوي يقدم عرضا لأهم محاور الكتاب.
محمد أركون، الصورة: د ب أ
محمد أركون

​​

لهذا الكتاب بعنوان "محمد أركون ناقد معاصر للعقل الإسلامي" أهمية استثنائية، ليس للمكتبة العربية فحسب باعتباره يقدم مفكرا إسلاميا معاصرا الى حقل الدراسات الإسلامية في اللغة الألمانية، وانما للمكتبة الألمانية، لأن الدراسات الاستشراقية للإسلام في ألمانيا لا زالت تجهل المفكر الكبير محمد أركون لأسباب مختلفة توقفت الباحثة عندها في مقدمتها النظرية للكتاب والتي بررت فيها سبب إختيارها لمحمد أركون كموضوع لدراستها، وهي بذلك قد قدمت نقدا خفيا وغير مباشر لمجمل الاستشراق الألماني وللدراسات الإسلامية منه بالتحديد.

أهمية الكتاب بالنسبة للدراسات الإسلامية في ألمانيا

حينما يتوجه الاستشراق الألماني نحو الإسلام والعالم الإسلامي فانه ييمم وجهه نحو مصر باعتبارها البلد العربي الأهم في واقع العرب اليوم، ولتأثيرها الثقافي والفني على مجمل الواقع الثقافي العربي. ومن هنا فإن معظم الدراسات تتجاهل المغرب العربي ودوره الاستثنائي والمهم في الجدل الفكري والثقافي في العالم العربي اليوم. لذا تم تجاهل الكثير من المفكرين المتميزيين من المغرب العربي.

إلى جانب أن الدراسات الإسلامية والاستشراقية في ألمانيا تهتم بالعنصر اللغوي بشكل خاص، ولكون المفكر محمد أركون يكتب باللغة الفرنسية، الى جانب كونه بربريا، فإن كتبه وطروحاته لم يتم الإلتفات إليها في ألمانيا.

كما يمكن يضاف الى هذه الاسباب في الجهل بمفكر كمحمد أركون هو أن الدراسات الإسلامية والاستشراقية في ألمانيا لا زالت كلاسيكية قياسا لعلوم الاستشراق والدراسات الإسلامية في العالمين الفرانكفوني والانكلو أميركي، لا سيما فيما يخص دراسات ما بعد الامبريالية، وفيما يخص جرأتها في اختراق التابوات الدينية.

والحقيقة تقال هنا ايضا، فإن العالم العربي نفسه يجهل هذا المفكر الفذ في الثقافة الإسلامية المعاصرة، ولولا الجهود الرائعة للباحث والمترجم هاشم صالح لظل محمد أركون مجهولا حتى عند النخب الثقافية العربية التي لا تقرأ الفرنسية، ناهيك عن الحواجز التي تقف في وجه أعماله وافكاره التنويرية المهمة.

أهمية محمد أركون

في مقدمتها النظرية بينت الباحثة أرزولا غونتر أهمية المفكر محمد أركون الذي ذكرته دائرة معارف اكسفورد للعالم الإسلامي الحديث باعتباره اهم مفكر إسلامي معاصر. فهو بالنسبة لها مفكر طليعي في مجال علوم الإسلام ودراساته، من حيث إنه يستخدم كل معارف ومناهج علوم الاجتماع والدراسات الانسانية ويوظفها في تحليل الإسلام. فقد وظف البنيوية والسيميائية والانتربولوجيا البنيوية ومناهج تحليل الخطاب أو مابعد البنيوية في تشكيل نظرته الخاصة للاسلام وللعقل الإسلامي.

بل إن الباحثة تنظر لمحمد أركون بحكم إقامته الطويلة في فرنسا، وبحكم كتابته باللغة الفرنسية، كجسر بين الغرب والشرق في هذا المجال، بل هو بحكم معرفته للطروحات الغربية والبحوث الأوربية في مجال الاستشراق وعلوم الإسلام، وكذلك متابعته للطروحات والدراسات الإسلامية و"الاستغراب" على صيغة المفكر المصري المعروف حسن حنفي، الأقدر على نقد الطرفين، وعدم الانجرار الى فيزياء الفعل ورد الفعل التي تتحكم في جل الدراسات والاطاريح الغربية والإسلامية.

ولقد أوضحت المؤلفة بأن اختيارها لعنوان الكتاب يعتمد على البؤرة المركزية في فكر أركون وهي نقد العقل الإسلامي والتي تجلت في كل كتبه وأحاديثه، وبالتحديد في كتابه الأهم "نقد العقل الإسلامي".

هيكل الكتاب

يتألف كتاب "محمد أركون ناقد معاصر للعقل الإسلامي" من خمسة أبواب مع خاتمة وملاحق وفهارس وكل باب يضم فصولا عديدة، وهي على التوالي:

الباب الأول يتناول سيرة حياة محمد أركون.

الباب الثاني يحمل عنوان: قضايا وتصورات نظرية، وهو في ستة فصول: مصطلحات ومقدمات، مقاربات أولية، مشروع لنقد العقل الإسلامي، الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية وتصور مجتمعات أم الكتاب، اللامفكر فيه والمستحيل التفكير فيه، تصور حول المتخيل.

ويشكل هذا الباب نواة البحث بأجمعه، من حيث انه يقدم التصميم الأساسي لمنظومة محمد أركون الفكرية ويتوقف عند أهم مصطلحاته الفكرية التي تشكل حجر الاساس لحقل علمي هو الأنتربولوجيا الدينية.

أما الباب الثالث فيحمل عنوان دوافع من أجل البحوث الإسلامية، ويضم أربعة فصول: نقد محمد أركون للبحوث والدراسات الشرقية للإسلام، نقد محمد أركون للبحوث والدراسات الغربية للإسلام، مشروع الدراسات الإسلامية التطبيقية، ثم خلاصة لباب البحث. وهذا الباب لا يتوقف عند نقد أركون لمضامين ومناهج البحوث، بل يقوم بوضع كل الدراسات الشرقية والغربية حول الإسلام في موضع السؤال، ومن هنا فهو يقوم بتأسيس وتطوير منهج الدراسات الإسلامية التطبيقية.

الباب الرابع يحمل عنوان أصوات لمحمد اركون، إذ تتوقف الباحثة فيه عند أصداء طروحات فكره في الأوساط الفكرية المغاربية والمهاجرة من اجيال الباحثين الجدد، وما انتجت هذه من بحوث اعتمد بالأساس على الطروحات المركزية لفكر أركون لا سيما فيما يخص الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية.

أما الباب الخامس والأخير فهو باب تعريفي وتحليلي في نفس الوقت. فهو يتوقف عند مؤلفات أركون الفكرية ومقالاته الأساسية والتي من خلالها قدم منظومته الفكرية الجريئة والصارمة.

وينتهي الكتاب بملحق للفهارس والمراجع، كما يضم ملحقا خاصا بالمصطلحات التي يستخدمها أركون مثل مفهوم الحدث القرآني والحدث الإسلامي أو بتسمية أخرى الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، ومصطلح مجتمعات أم الكتاب، العقل الإسلامي الأصولي، والمصحف والمدونة النصية الرسمية والمغلقة، وغير ذلك من المفاهيم التي تشكل بنيان أركون الفكري.

شيء من السيرة الذاتية

ولد محمد أركون في تاوريت ميميون في منطقة القبائل الكبرى بالجزائر في العام 1928 لعائلة بربرية. العائلة كما أوضح أركون في مراسلاته الشخصية مع الباحثة جاءت الى القرية باحثة عن الحماية عند بني ينني بعد أن تركت موطنها الأصلي في قسطنطينة. وفي هذه المنطقة دخل محمد أركون المدرسة الابتدائية لكنه غادر هذه المنطقة في سن التاسعة ليلتحق بأبيه الذي كان يملك دكانا في منطقة عين العرب، وهي قرية غنية يقطنها فرنسيون بالقرب من مدينة وهران. وكان عليه ان يتعلم صنعة الأب في البيع والشراء وفي نفس الوقت أن يواصل تعليمه الثانوي.

هذا الانتقال كان بالنسبة له "صدمة ثقافية". فهنا وعي بألم مسألة كونه بربري وينتمي لأقلية ليس لها من المكانة والحقوق مثلما للعرب، وانه خارج منطقة البربر لا يستطيع من الناحية اللغوية أن يعبر عن نفسه بوضوح. لذا كان عليه ان يتعلم العربية والفرنسية في وقت واحد.

لكن الفضل يعود لخاله في انقاذه من المصير الذي رسمه له والده، من حيث ان هذا الخال كان منتميا أو قريبا جدا من احدى الفرق الصوفية، لذلك ضمن له تعليما جيدا. بل ان تأثير خاله كان عميقا عليه. ومن هنا يفسر أركون عمق فهمه لتأثير الدين على الناس أو حتى بلورة مفهوم الدين الشعبي، وكذلك فهم التصوف، فقد كان يتعلم القرآن وأصول الدين من جهة، وكان يذهب مع خاله وابيه الى المجالس الدينية في القرية، والتي كانت جزءا من الحياة اليومية للقرية.

حالت الظروف الاقتصادية الصعبة العائلة من إرسال ابنها البكر الى العاصمة لمواصلة الدراسة الثانوية، مما اضطرها الى إرساله ما بين الاعوام 1941 – 1945 الى مدرسة ثانوية مسيحية اقامها بعض الرهبان في قرية مجاورة. هذه المرحلة يصفها أركون بأنها مرحلة اكتشاف الثقافة اللاتينية والأدب، والتعرف على آباء الكنيسة الأفريقية أغسطينوس، سوبريانوس وتورتوليان، الى جانب التعرف على القيم المسيحية لا سيما حب الآخر.

بعد ذلك دخل الجامعة في العاصمة لدراسة الأدب العربي ما بين الاعوام 1950-1954، وكان يعطي دروسا في إحدى الثانويات من أجل أن ينفق على تعليمه الجامعي. إلا ان الدرس الجامعي في الأدب لم يشف غليله، فانخرط في دراسة القانون والفلسفة والجغرافيا، ومن حينها ركز على الفلسفة العربية، لكنه وضع نصب عينيه الدراسة في باريس.

التحق أركون بالسوربون في منتصف الخمسينات. أجواء فرنسا مابين الاعوام 1950 – 1960 دفعته للتركيز على مصطلح "النهضة". وفي هذه الفترة انهمك أركون مثل بقية أبناء جيله بهموم العالم الثالث والبحث عن طريق ثالث وتنامي الوعي السياسي الذي تأثر بطروحات فرانس فانون. ثم جاء التحرير والفترة البومدينية، واخيرا النكسة، التي دفعت به الى مأزق نفسي عميق مثل بقية ابناء جيله.

وحتى في فرنسا، لم يكن الأمر سهلا عليه. فهو كبقية المثقفين المسلمين المتواجدين في أوروبا، والذين تمرسوا على مناهجه وأساليبه الفكرية في التحليل والاستنتاج، غير مرغوب به في أوروبا باعتباره مثقفا مسلما، لا يتقبل الحداثة الأوربية ومعاد لأوروبا، كما هو غير مرغوب فيه في بلاده باعتباره ممثل الغرب الإمبريالي وممثل الثقافة الأوربية ومناهجها وطروحاتها المتحررة والمعادية. وهذه الإشكالية لا زالت تواجه الكثير من المثقفين القادمين من بلاد العالم الثالث.

في العام 1971 أصبح أركون أستاذا في حقل تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة السوربون. ومنذ 1993 لم ينفك أركون كونه أستاذا زائرا في عدد من الجامعات والمعاهد العالمية، لا سيما معهد الدراسات الاسماعيلية في لندن. كما أسس في العام 1999 معهد للدراسات الإسلامية في فرنسا، والذي كان منذ العام 1970 قد اقترحه على الجهات الفرنسية المسؤولة.

نقد العقل الإسلامي

لقد سعى أركون من خلال نقد للعقل الإسلامي الى جعل "المستحيل التفكير فيه" أو "اللامفكر فيه"، وهما من مصطلحات أركون الأساس، شيئا يمكن التفكير فيه داخل ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.

ويقصد أركون ب"المستحيل التفكير فيه" و"اللامفكر فيه"، ضمن رؤيته، إلى كل ما حذفه الفكر الإسلامي من دائرة اهتماماته منذ القرن الثالث عشر على الأقل، بحيث أصبحت الأشياء التي يمكن التفكير فيها أقل بكثير من الأشياء التي يستحيل التفكير فيها. وهذا بحد ذاته دليل على تحجر هذا الفكر وانغلاقه في شرنقة من المعتقدات الجامدة والمغلقة، ومن هنا جاءت ضرورة النقد.

في كتابه المهم "نقد العقل الإسلامي"، والذي هو جوهر ونقطة ارتكاز إطروحة الباحثة أرزولا غونتر، حاول أركون زحزحة المشروعية الإسلامية وتفكيكها من خلال تفكيك مصادر وأسس القانون الشرعي، اي أصول الدين وأصول الفقه، التي اضطلع المفكرون المسلمون طيلة القرون الثلاثة الأولى على تشكيلها، والتي جسدت في حينها قدرة العقل الإسلامي على التحليل والتفسير والاستقراء والاستنباط، والتي اعتبرت فيما بعد، بمثابة القوانين المقدسة والمعصومة التي لا يمكن مناقشتها، رغم تغيير الظروف التاريخية والاجتماعية.

ومن الواضح ان نقد العقل الإسلامي يثير غضب الأصوليين الإسلامويين المعاصرين، من حيث أنهم يسعون إلى إعادة فرض القوانين الدينية التي بلورت في القرون السابقة. ولم ينس محمد أركون ذلك، بل انه سعى إلى تفكيك خطابهم المعاصر فوجد أن ثمة ضرورتان تاريخيتان ملحتان فرضتا هذا الموقف وهما:

التعويض عن النقص الإداري والتشريعي للدولة القومية التي نشأت بعد الاستقلال، والتي لم تعرف، حسب تعبير أركون، أن ترفق التزايد الديموغرافي للسكان بتزايد في الإبداعية السياسية أو القانونية الملائمة، والتي كانت من نتائجها البطالة والحرمان والفقر والتهميش الاجتماعي.

وكذلك وجود أنظمة الحزب الواحد التي لم تف بأي من الوعود التي هي شعاراتها الايديولوجية أساسا. لذا فحسب رأي اركون تلجأ الشعوب الى تراثها ودينها وتقاليدها بحثا عن الأمان. ناهيك أن الباحثين العرب والمسلمين لم ينفكوا من التغني ب"العصر الذهبي" للاسلام، ناسين أو متناسين عصور "الانحطاط" التي سبقت المرحلة المعاصرة، ومن هنا تم إلغاء أية امكانية نقدية، تكشف القصور العقلي والفقر المنهجي والكسل الذي هيمن على العقل الإسلامي منذ قرون.

ورغم كل هذا فإن "نقد العقل الإسلامي" يفرض نفسه بقوة أكثر من أي وقت مضى. فالمراجعة النقدية الصارمة عليها أن تتصدى لكل المعارف الخاطئة وكل الأساطير والشعارات والهلوسات، بشجاعة ودونما أي تنازل أو مساومة، رغم إدراك محمد أركون الى أن عملية التفكيك تسبق عملية التركيب، وان الفكر الإسلامي لم ينتج لحد الآن أي نظام تعويظي بديل، وبالتالي فإن نقد العقل الإسلامي مهمة ليست سهلة أبدا.

الظاهرة القرآنية و الظاهرة الإسلامية

من المصطلحات والمفاهيم الأخرى التي تتوقف عندها الباحثة هي الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية. وقد استخدم أركون هذين المصطلحين في العام 1970 تحت عنوان الحدث القرآني والحدث الإسلامي، لاسيما في كتابه "قراءات في القرآن".

ويؤكد أركون في أكثر من كتاب وحديث له بأن مصطلح "الظاهرة الإسلامية" يدل على حدث تاريخي واقعي يمكن حسابه وحصره بدقة، في حين ان مصطلح "الإسلام" هو مصطلح تجريدي، يكاد يكون غامضا، فوق الزمان واالمكان، وفوق التاريخ. أي أن إستخدام مصطلح الظاهرة الإسلامية يتيح للباحث استخدام المنهجية التاريخية والاجتماعية الصارمة، وبالتالي يتيح إمكانية إزالة كل الأوهام التي أحيطت بكلمة الإسلام.

وبؤكد أركون في الكثير من كتبه على ضرورة التمييز بين الظاهرة القرآنية أو الحدث القرآني وبين الظاهرة الإسلامية أو الحدث الإسلامي من حيث أن هناك مسافة بينهما. فالحدث القرآني كان في القرن السابع الميلادي، أما الحدث الإسلامي فرغم انه يبدأ مع الحدث القرآني لكنه لا يتفرع عنه بشكل كلي.

فقد أخذ مسارات أشد تعقيدا وغموضا، وبالتالي فأنه من العسير الكشف عنها دون استخدام المناهج التاريخية والسوسيولوجية والألسنية. والحقيقة ان هذين المصطلحين يرتبطان بشكل مباشر بمصطلحات أخرى نحتها محمد أركون مثل المصحف والمدونة النصية الرسمية المغلقة ومصطلح أم الكتاب.

فمصطلح المدونة النصية الرسمية والمغلقة أو "النهائية" للقرآن، يضيء مصطلح الظاهرة القرآنية أو الحدث القرآني، رغم ان أركون يقصد به أن جمع الآيات القرآنية وتدوينها في المصحف الذي نقرأه اليوم كان قد جرى في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهذا المصطلح يثير بدوره السؤال عن الوحي الذي توقف بموت النبي محمد.

وبالتالي فإن التنزيل قد توقف، بينما لم يتوقف الحدث الإسلامي أو الظاهرة الإسلامية، وبالتالي فإن من المهام التي يدعو أركون اليها إختراق العصور من أجل الوصول الى المعنى الأصلي للظاهرة القرآنية وللظاهرة الإسلامية.

أما مصطلح أم الكتاب فهو مصطلح معقد وغامض نحته محمد أركون وبلوره في عدد من دراساته، وهو مصطلح يرتبط بشكل غير مباشر بتطور مجمل المنظومة الفكرية لمحمد أركون، فهو يدعو الى دراسة المجتمعات التي برزت فيها ظاهرة الكتاب المقدس، من خلال التحليل المقارن، لكشف الدلالات بين هذه المجتمعات.

ومن هنا فإن تقديم تخطيطات ونماذج عن النظام الذي يشكل فضاء محمد أركون النظري لنقد العقل الإسلامي ليس بالأمر الهين أبدا، إلا ان الباحثة الألمانية أرزولا غونتر قامت بهذه المهمة بجدارة.

بقلم برهان شاوي، قنطرة 2004

محمد أركون، ناقد معاصر للعقل الإسلامي، بقلم أرزولا غونتر، دار النشر إيرغون 2004
ملفات متعلقة من موقع قنطرة



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:41 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
محمد أركون وتجديد الفكر الإسلامي
أركون...تأسيس لفكر إنسانوي عربي يحترم روحانية الدين
تكمن أهمية المفكر الجزائري محمد أركون في قراءته المختلفة للفكر الإسلامي وتاريخه، قراءة تختلف عن القراءة الفيلولوجية للاستشراق الكلاسيكي وتفكك هيمنة الأرثدوكسية السنية. ولعل هذا ما دفع أركون إلى تأسيس ما سماه بالإسلاميات التطبيقية والتي تتجاوز منهجية الإسلاميات الكلاسيكية الخاصة بالمستشرقين. رشيد بوطيب في عرض لأهم أطروحات محمد أركون التجديدية.

​​حتما إن المثقف جزء من اللعبة الحضارية في المجتمعات الغربية، وركيزة قامت عليها هذه الحضارة ومازالت. ولا أحد ينكر الدور الذي اضطلع به فلاسفة الأنوار في كل من فرنسا وانجلترا وهولندا وألمانيا في تفكيك الحقائق السكولائية والتبشير بعهد الإنسان والحداثة والعقل، بل وفي الإعداد للثورة الفرنسية التي أطلقت التاريخ من عقاله وغيرت الأفق الرمزي والفكري والسياسي والحضاري للبشرية.

كما لا أحد ينكر دور المثقف الغربي في تفنيد أوهام الحركات الفاشية كما حدث في ألمانيا مع كتاب مثل رائد العمل المسرحي برشت وتوماس مان وأعلام مدرسة فرانكفورت النقدية أو في ايطاليا مع الفيلسوف الكبير أنطونيو غرامشي بل وفي نقد السياسات الاستعمارية لحكوماتهم كما هو حال جان بول سارتر في فرنسا.

لكن المثقف العربي لم يتمكن من الاضطلاع بهذا الدور المركزي داخل المجال العربي ـ الاسلامي، ليس لأنه لم يكن عارفا أو مدركا لدوره التنويري ولكن لأن المجال العربي ـ الاسلامي محكوم بتراتبية متحجرة، لا مكان فيها للمثقف الدنيوي إلا كتكنوقراط أو خادم في بلاط الملك بل وكخادم من الدرجة الثانية، باعتبار أن دور المثقف في هذا المجال يلعبه الفقيه وتحتكره المؤسسة الدينية. ولهذا سيكون من الأجدى الحديث عن غياب المثقف داخل المجال العربي ـ الإسلامي، باعتباره مجالا محكوما .بحقائق ثابتة وسلطة مطلقة لا تؤبد غير الخضوع، ولا تفرخ لغير نموذج الشيخ والمريد، هذا على الأقل ما يؤكده المفكر الجزائري محمد أركون وكثير من المثقفين المعاصرين

"الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد"

في كتابه "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" يتحدث أركون عن تصوره عن المثقف ودوره ورسالته قائلا:"نقصد بالمثقف هنا ذلك الرجل الذي يتمتع بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط. ويمكننا هنا تسمية نماذج كبرى من المثقفين الذين مارسوا مثل هذا الموقف الحر والمستقل: فمثلا الجاحظ والتوحيدي يعتبران من أكثرهم جرأة و"حداثة". وهناك أيضا الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، لكيلا نستشهد إلا بالأسماء الكبرى للفلاسفة الذين مارسوا أيضا البحث الفلسفي الذي لا يحذف الفكر الديني وإنما يهضمه ويتمثله". ​​لكن هذا الموقف الفلسفي أو النقدي المستقل اختفى من داخل الثقافة الإسلامية بعد أن سادت الأورثدكسية كل مجالات التفكير والحياة، هذه الأرثدوكسية التي أنتجت نمطا معينا من المثقف هو الفقيه، الحارس الأمين والشرس للتراث أو بالأحرى لقراءة دوغمائية للتراث، والذي لا يفعل حسب محمد أركون سوى إعادة إنتاج الماضي وتأبيد وصاية الأموات على الأحياء.

هذا الطرح المنتشر خو ما ينعته أركون بالسياج الدوغمائي المغلق. فهو سياج وليس فضاء، ليس مدينة أو ساحة تقبل بتعدد الأصوات والأفكار وهو دوغمائي، لأنه يتكلس عند يقينيات ومبادئ فوق التاريخ لا يمسها التغير ومغلق لأنه يكفر كل محاولة للتجاوز أو للتسلل خارج مضارب النص أو الهوية. كان ابن تيمية بنظر أركون أبرز ممثلي هذا السياج الدوغمائي المغلق في الماضي، نموذج ما برح ينبعث من جديد يقول أركون ويتابع "ويحظى بكل آيات التقدير والتبجيل، وتترسخ مكانته بكل وظائفه التقليدية".

وطبعا فإن أركون يعني بذلك دور الإخوان المسلمين والحركات الإسلاموية المعاصرة في الانتصار للأرثدوكسية ورفض ومعاداة العلمانية والحداثة. إن السياج الدوغمائي المغلق هو الخطاب الديني الذي تمحور حول الله والحكم والجنس والذي احتكر ـ ومازال ـ لنفسه حق الحديث عن هذه الأقانيم الثلاثة، رافضا ومكفرا كل قراءة تتعارض ورؤيته التمامية.

ولاغرو بأن القاعدة الأساسية التي تقوم عليها هذه النظرة هي الطاعة، طاعة المؤمنين لله من جهة، وربط طاعتهم للسلطان بطاعتهم لله، إذ كما تقول قاعدة فقهية :"حاكم جائر خير من فتنة داخل الأمة". ثم إخضاع المرأة للرجل وتأبيد رؤية دينية ـ تقوم على مركزية قضيبية ـ للأسرة وللعلاقات بين الرجل والمرأة. ويسجل أركون بأن ظهور مثقفين عرب نقديين درسوا في الغرب لم يساهم في اختفاء هذه الرؤية الرجعية ولا في اختفاء رجال الدين من الساحة، الذين نافسوا المثقفين الليبراليين ونجحوا في التأثير عليهم، إذ لم يتوفر المثقفون النقديون على قاعدة شعبية يستندون إليها، وأصبحوا معزولين واختار أغلبهم الهجرة أو الصمت. يقول أركون:"ما بين لحظة الاستقلال وحتى اليوم، وجدنا أن أيا من المجتمعات الإسلامية أو العربية لم يسمح بظهور فئة من المثقفين المستقلين النقديين المؤثرين عن طريق ممارستهم للعمل الدؤوب والمستمر، إلى الحد الذي يتيح لهم تشكيل ذروة الهيبة الثقافية أو السيادة الفكرية العليا" وبلغة أخرى، إلى الحد الذي يتحولون فيه إلى مرجع فكري وروحي وأخلاقي للمجتمع، ولا يعود ذلك لأسباب سياسية بحتة وإلى التحالف القائم بين السياسة ورجال الدين وحسب، ولكن أيضا إلى طبيعة الرؤية الدينية نفسها كما يعتقد أركون والتي ترفض تنسيب الحقيقة واقتسامها مع آخرين وترفض استقلالية العقل مختزلة إياه إلى مجرد خادم للوحي، أو إلى حواش عقيمة على النص المؤسس.

لكن على الرغم من ذلك يرى أركون بأن سطوة السياج الدوغمائي المغلق لم تحل دون ظهور حركة إنسية عربية ومثقف عربي نقدي منفتح على الثقافات الأخرى ومقبل على التعلم منها وتوسيع آفاقها داخل المجال الثقافي العربي الإسلامي، بل إنه لم يتورع عن القول بأن الجاحظ والتوحيدي كانا أكثر "حداثة" من عديد من المثقفين العرب اليوم.

نقد المركزية الثقافية الغربية

ينتقد أركون الرؤية السائدة في الغرب التي تختزل العالم الإسلامي إلى "معسكر للتطرف والتزمت، متجاهلة القوى الأخرى داخل هذا المجتمع والتي تناضل منذ عقود من أجل مجتمع مفتوح وحوار نقدي بين الأنا والآخر"
ينتقد أركون الرؤية السائدة في الغرب التي تختزل العالم الإسلامي إلى "معسكر للتطرف والتزمت، متجاهلة القوى الأخرى داخل هذا المجتمع والتي تناضل منذ عقود من أجل مجتمع مفتوح وحوار نقدي بين الأنا والآخر"

تندرج أعمال أركون في إطار ما يمكن أن نسميه بلغة عبد الكبير الخطيبي بـ "النقد المزدوج. فهو لا يفكك أقانيم الفكر الإسلامي وأساطيره ومواقع السلطة فيه ولكنه يعمد أيضا إلى تفكيك النظرة المركزية الغربية إلى الثقافة الإسلامية. في "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" يكتب أركون مفككا الخطاب الغربي حول الإسلام قائلا: "مهما يكن من أمر، فإنه لم يعد مقبولا حصر الإسلام كله فقط في تجلياته الأصولية أو المتزمتة أو الحركية الإسلاموية كما هو شائع جدا في الغرب.

وإذ أقول كلامي هذا فإني لا أنكر أبدا حجم الضغط الاجتماعي لتلك الإيديولوجيا التي تستعير من الإسلام التقليدي مفرداته وشعاراته...ولكن تنبغي إدانة مؤامرة الصمت التي يقوم بها كل المراقبين الغربيين للإسلام المعاصر، بمن فيهم علماء الإسلاميات الأكثر شهرة. أقصد الصمت عن وجود فئات اجتماعية أخرى في المجتمعات الإسلامية غير تيار الإيديولوجيين الإسلامويين" ليخلص أركون إلى أن نجاح الكتب الأصولية المتطرفة داخل المجتمعات الإسلامية لا يختلف كثيرا عن نجاح الكتب الغربية حول الإسلام المليئة بالخلط والأغلاط والهلوسات، كما لو أن نجاح الطرفين مرتبط ببعضهما البعض، تماما كما ذهب وأوضح ذلك بيير بورديو في تحليله للعلاقة الوطيدة بين عقلانية المركز ولاعقلانية الأطرف أو ادوارد سعيد في تحليله للعلاقة العضوية بين الإمبريالية الأمريكية والنظام العربي الرسمي. ​​ينتقد أركون تلك الرؤية السائدة في الغرب والتي لا يمر يوم دون أن نصادفها في وسائل الإعلام على مختلف أنواعها، بل ونصادفها حتى لدى اقطاب اليسار الغربي، والتي تختزل العالم الإسلامي إلى معسكر للتطرف والتزمت، متجاهلة القوى الأخرى داخل هذا المجتمع والتي تناضل منذ عقود من أجل مجتمع مفتوح وحوار نقدي بين الأنا والآخر.

ويندرج في إطار الرؤية الغربية التبخيسية والمتكلسة في أحكامها المسبقة اتجاه العالم الإسلامي الإهمال الذي يعاني منه تدريس تاريخ الإسلام في الغرب كدليل على الإهمال والاحتقار الذي منيت به بلدان الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط من قبل بلدان الشمال. إن الأمر يتعلق برؤيا إيديولوجية لتاريخ حوض البحر المتوسط، رؤية لم تتحرر بعد من أدران الإستعمار وأدواءه وأحقاده، بل إن أركون يعتبرها استمرارا للرؤية الدينية المسيحية وموقفها من الإسلام، ما يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لأشباه المستشرقين الذين بدأوا ينتشرون كالفطر في الدول الغربية ويصدرون كتابا بعد آخر كلما انفجرت قنبلة هنا أو سقط صاروخ هناك للتدليل على أن العنف متأصل بالإسلام وعلى أن العداء للسامية مكون من مكونات المجتمعات الإسلامية والإسلامية فقط.

محمد أركون ناقدا للعقل الإسلامي

إن اهتمامه بالفلاسفة العرب وخصوصا بمسكويه صاحب "تهذيب الأخلاق" وبيئته الثقافية والتاريخية هو ما دفعه إلى تغيير تلك الصورة النمطية عن الإسلام والتي تحاول اختزاله كما بينت ذلك الباحثة الألمانية أورسولا غونثر في الإسلاموية والعروبية. لقد تميز مسكويه وآخرون غيره كالتوحيدي والجاحظ وابن رشد بانفتاح كبير على الحضارات والثقافات الأخرى ويكفي الاستشهاد هنا بتلك المقولة المركزية لابن رشد في "فصل المقال: "وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا، إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحس ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم. فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع..." ​​لا يكتفي ابن رشد في هذا المقام بالدعوة إلى الاستفاذة من الثقافات الأخرى بل يربط تلك الدعوة بالشرع، و يحولها إلى أمر شرعي أو أمر ديني. أو بلغة أخرى يقلب المعادلة ويجعل النقل مبررا للعقل ومبررا لاستعماله وانفتاحه واعتبار كل ذلك طريقا لـ "معرفة الله".



لهذا لا يمكننا إلا أن نتفق مع أركون ودفاعه عن وجود انسانوية عربية في التاريخ الإسلامي رغم أنه لا يمكن مقارنتها بالحركة الإنسية في أوروبا لأنها حركة تحررت نهائيا من سلطة الدين في حين لم ير الإنسانويون العرب تضادا بين الحقيقتين الدينية والعقلية. ويخلص أركون في بحثه عن ميسكويه وكما بينت ذلك أورسولا غونثر في كتابها المتميز "أركون ناقدا للعقل الإسلامي" : "أولا: لقد عرف القرن العاشر حركة إنسية عربية وكان ميسكويه أحد ممثليها ثانيا: الادعاء بأن العرب نقلوا فقط الفلسفة اليونانية وأن ما كتبوه كان تقليدا فقط لا يملك أي أصالة هو ادعاء خاطئ، بل إنهم أعادوا تقييم ما كتبه اليونان وتوسيع آفاقه ونقده وتبيئته" (163). وقد ندفع بالنتائج إلى حد أبعد من ذلك ونقول بأننا أحوج اليوم إلى تلك الإنسانوية العربية أو إلى روحها المنفتحة التي عرفت كيف تزاوج بين الدين والعقل منا إلى الإنسانوية الغربية التي انتصرت للعقل على الدين ولمركزية عقلية اتخذت في أحايين كثيرة وجوها عنيفة في رفض الآخر، ولعل هذا ما جعل أركون يقدم على تفكيك تلك العقلانوية الباردة التي أرادت أن تخرس الأقاليم الأخرى للإنسان كالروح والدين والمتخيل والأساطير. إنه يدعو إلى عدم الاستهانة بالتجربة الدينية للإنسان وعدم إهمال البعد الروحي والمتعالي كما تفعل الوضعية والمادية. إنها فلسفات لا تأخذ بعين الاعتبار أهمية البعد الأسطوري في الحياة البشرية، فالأسطورة كما يقول أركون:"هي إحدى الطرق لإنتاج المعرفة عن الإنسان".

آفاق العلمانية وأنفاقها

ويندرج حديث أركون عن العلمانية في إطار تفكيكه لتلك العقلانوية الباردة. لقد كان أركون من السباقين إلى المطالبة بإعادة النظر في مفهوم العلمانية المتشددة الذي أنتجته الثورة الفرنسية، وهو يلتقي في دعوته تلك مع فلاسفة كبار على رأسهم يورغن هابرماس الذي أكد في آخر محاضرة له ما يلي: " من يطرح السؤال عن دور الدين في مجتمع اليوم للنقاش، يسأل عن المكانة المناسبة للدين في الرأي العام السياسي. وللوهولة الأولى يبدو أن الطابع العلماني للدولة الدستورية يتعارض مع كل نشاط سياسي للمواطنين المتدينين أو للجماعات الدينية، الذين يعبرون عن أنفسهم كمؤمنين أو كمنظمات دينية.

واستنادا إلى هذا الأساس يعلن ليبراليون مثل جان راولز أو روبرت أودي بأنه من واجبات المواطنة "عدم دعم قوانين أو سياسات أو الدفاع عنها،(...) إذا لم تكن قائمة على استدلالات علمانية مناسبة أو لم تكن مستعدة لتقديمها". لكني شخصيا، أميل إلى أن يكون التواصل السياسي في المجال العمومي مفتوحا أمام كل مساهمة، وكيفما كانت اللغة التي يستعملها.

إن السماح بالتعبير عن آراء دينية بحثة في المجال العمومي، لا يمكن الاستدلال عليه فقط بالنظر إلى الأشخاص الذين لا يتوافر لديهم الاستعداد والقدرة على تقسيم قناعاتهم ومعجمهم إلى ما هو دنيوي وماهو ديني، بل إن هناك سببا وظيفيا لذلك، واجب أن لا نختزل في عجلة من أمرنا التعقيد البوليفوني للمجال العمومي المتعدد الأصوات. فواجب الدولة الديمقراطية أن لا تكبح الرغبة العفوية للأفراد والجماعات في التعبير، لأنها لا تستطيع معرفة ما إذا كان المجتمع، في حال قيامها بالعكس، سينقطع بذلك عن مصادر المعنى والهوية. وخصوصا فيما يتعلق بالمجالات الشديدة الحساسية للحياة الاجتماعية، تتمتع التقاليد الدينية بالقدرة على التعبير على الحدوس الأخلاقية. أو ليس من الممكن أن يتعرف المواطنون العلمانيون في مضامين الآراء الدينية على حدوسهم الشخصية، سواء تلك المخفية أم المكبوتة؟".

لقد كان محمد أركون سباقا إلى الدعوة إلى إعادة النظر في المغامرة التاريخية التي كرست في الغرب نهاية النظام الديني، دون أن يبخس العلمانية دورها التاريخي والتي جاءت لتضع حدا للحروب الدينية. إنه يدعو إلى الانفتاح على صيغة جديدة للعلاقة بين الدين والدولة أو إلى علمنة جديدة لا تتكلس في مقولاتها الرافضة للدين باسم الحيادية والموضوعية حتى أصبح درس الأديان محرما في المدارس وأضحى الناس أميين بكل ما يخص الخطاب الديني والأسطوري. ولهذا يفرق أركون وفي صرامة بين الفكر العلمانوي أو اليعقوبي المتطرف في رفضه للدين والفكر العلماني المنفتح على أقاليم التفكير الأخرى.



رشيد بوطيب

حقوق النشر: قنطرة 2010



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:43 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
حوار مع الباحث والفيلسوف محمد أركون:
المحنة العربية
قليلة هي الأسماء الفكرية في الثقافة العربية التي استطاعت أن تتحرر من القراءة الايديولوجية للتراث، وتنفتح دون عقد على الآخر، بل وتساهم في ابداع منهجية جديدة لقراءة النصوص وتاريخ الأفكار. وأحد هذه الأسماء لا ريب محمد اركون.
محمد أركون، الصورة: د ب أ
يجب أن نبدأ أولا بطرح اسئلة على القرآن وعلى الطريقة التي يقرأ بها القرآن!

​​

تتحدثون في كتبكم عن الأنوار الأولى، أو ما تسمونه بالانسانوية العربية، الا يمثل ذلك نظرة رومانسية الى الماضي، إذ كما قال حسن حنفي، المجال العربي الاسلامي لم يعرف لا مفهوم الانسان ولا مفهوم التاريخ؟

محمد أركون: الأنوار. إنها الكلمة التي يطلقها الأوروبيون على الثورة السياسية والثقافية التي تحققت في القرن الثامن عشر في أوروبا والدول الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا، فرنسا، المانيا وهولندا. والعلاقة بين الأنوار وما سبقها، علاقة يطبعها الاستمرار والقطيعة.

فالله كما يقول القرآن، "هو الذي أخرجكم من الظلمات إلى النور" من ظلمات الجهل الى نور معرفته. إن كلمة الأنوار استعارة قديمة يمكن أن نعود بها إلى الديانة المانوية. لكن أنوار القرن الثامن عشر سيتم استغلالها من طرف البورجوازية الصاعدة من أجل بدء مشروعها الاستعماري.

مشروع ينحرف عن الهدف الأساسي للأنوار التي كانت رسالة الى البشرية بأكملها. والأنوار ليست قطيعة راديكالية مع الماضي، إنها فلسفة تستعمل مفاهيم استعملت في السابق من طرف الدين، لكنها من ناحية أخرى تقول بأن العقل لن يخدم من هنا فصاعدا الدين بل إنه سيخضع الكلام الإلهي نفسه للدرس العلمي، وهذا هو الجديد.

إذن الأمر يتعلق بقطيعة واستمرار. لكن منذ البداية هناك استغلال سياسي لرمزية وعد الأنوار من أجل استعمالها لأغراض التوسع السياسي والاقتصادي".

ما اصطلح عليه في الأدبيات الكولونيالية " الرسالة التحضيرية". لكن ماذا عن الأنوار العربية؟

أركون: لا بد من الإشارة بدءا بأن الحضارة العربية تميزت بالتعدد. بغداد كانت مدينة عالمية. لقد كانت بالنسبة للقرون الوسطى مدينة كبيرة جدا، تطور فيها ما نصطلح عليه اليوم التعدد الثقافي، وتطورت بها شروط تنوير للعقل وبناء عقل نقدي.

كانت هناك أنوار، لكنها أنوار لا يمكن مقارنتها بما حدث في اوروبا خلال القرن الثامن عشر. فالقرن الثامن عشر استفاد من إنجازات القررن الوسطى في مجال العلوم الفلسفية والدينية، بل داخل هذه الأنوار نفسها يمكن الحديث عن حقب فكرية متعددة.

فابتداءا من النصف الثاني للقرن التاسع عشر جاء ماركس لينتقد العقل المثالي ويؤسس لعقل جدلي، ونيتشه الذي انتقد القيم وعبادتها واعتبرها بنت محيطها، وأنها تتغير بتغير المحيط الاجتماعي، دون أن ننسى فرويد واكتشافه لحياتنا الداخلية.

إنها إذن آفاق أخرى للأنوار، لكني أتساءل إن كنا مقبلين اليوم على حقبة تنويرية جديدة تتضمن تحريرا للأنوار من قبضة النزعات الاستعمارية للبورجوازية.

تحدثم عن عنف الأنوار، ولكن ما رأيكم بالعنف الصادر عن الخطاب الأصولي. أو ما تسمونه بالانحراف الايديولوجي، ألا يعود ذلك العنف الى نزعة هذا الخطاب الراغبة بتغيير العالم؟

أركون: أعتقد بأنها رؤية مبتسرة لمشكلة العنف. ذلك أن العنف بعد أنثروبولوجي للكائن الانساني وللكائن الحي عموما. فالعنف موجود منذ وجود المجتمعات البشرية والعنف محدد للسلوك البشري.

الأحزاب السياسية مثلا هي أركسترا للعنف. ولم نحاول أن نظهر العلاقة بين العنف وبين قوى أخرى لم يستطع الانسان التحكم بها، وهذه القوى التي تشتغل داخل كل مجتمع هي المقدس والحقيقة. الحقيقة التي يتضمنها النظام الديني القائم على الاعتقاد واللااعتقا

ذلك أن اللااعتقاد هو ما سيحدد هوية الدين الجديد. وهكذا يتأسس الدين منذ البداية على مظاهر عنف يتم التعبير عنها عن طريق الحقيقة. حقيقة تقوم على العنف. تقول لأتباع الدين بأنه لا وجود الا لعقيدة واحدة وإله وحيد.

هذا مثال من الدين، وهذا مثال من الايديولوجيا: لينين يستولي على السلطة باسم البروليتاريا وكل الآخرين يجب أن يخضعوا لسلطة البروليتاريا التي تمتلك الحقيقة، وهذا يحدث في قلب عصرنا.

لهذا أعتقد بأننا نحتاج الى أنوار جديدة تقول للجميع بأن هناك حقائق كثيرة، وتنزع صفة المقدس عن الحقيقة. والمقدس وظيفة الدين، الذي سيخلع القداسة على مايقوله، ليتحول إلى أمر غير قابل للنقاش.

والحقيقة أيضا في النظام المعاصر تتسم أيضا بالقداسة، وعملية خلع صفة المقدس على الحقيقة تتم عن طريق الأعياد والاحتفالات الرسمية والبنايات، هذا ما أسميه بالمثلث الأنثروبولوجي. وما قلته عن هذه القوى الثلاث: العنف، الحقيقة، المقدس، نجده في المجتمعات القديمة كما نجده في المجتمعات الأكثر عصرية.

وماذا عن الصعود القوي للخطاب الأصولي؟ ماالعمل من أجل وقف هذه الايديولوجية؟ هل على العالم العربي أن يقف إلى جانب سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش؟

أركون: أنا جزائري، وعشت حرب التحرير كما عشت بألم كبير الحرب الأهلية الأخيرة، والتي أعرف بأنها نتاج استقلال مصادر من طرف نظام الحزب الوحيد. يجب أن نعرف الأصول التاريخية لنظام الحزب الوحيد والذهاب أبعد من ذلك إلى دراسة النظام السلطوي في كل الدول التي لم تعرف تنويرا.

يجب أن نبدأ أولا بطرح اسئلة على القرآن وعلى الطريقة التي يقرأ بها القرآن، خصوصا من طرف هؤلاء الأصوليين الذين عاشوا في مدرسة الاستقلال والحزب الوحيد. وبالنسبة للشق الثاني من السؤال، فالاشكالية التي نعيشها منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 اشكالية معقدة.

يجب أن نعالجها بعقل نقدي، إلا أن ردود الفعل حول هذا الحدث ظلت في أغلبها عاطفية وايديولوجية، الخير والشر، الرب والشيطان، حتى في الخطاب الأمريكي. لا يجب أن ننسى بأن الرئيس الأمريكي أول من استعمل مثل هذا المعجم وسمح لنفسه، بعد أن تم طي صفحة الاستعمار، بغزو بلد، محاولا إجباره على الدخول في النظام الديمقراطي، رغم أنه لا يملك وسائل تسمح له بذلك.

إنه إنحراف. فكيف نفرض نظاما ديمقراطيا على بلد لا تملك الأسس الأولية التي تحدد النظام الديمقراطي، وعاشت لأكثر من ثلاثين سنة تحت حكم ديكتاتور أشبه بالغول. لكن من جهة أخرى كيف نطلب من الولايات المتحدة أن لا تتدخل مادام الأمر يتعلق بمثل هذا النظام الديكتاتوري؟

إن هناك واجبا للتدخل. الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران يقول بأن واجب عدم التدخل يتوقف إذا ما كان الآخر يتعرض لخطر ما. أنا مع التدخل إذا تعلق الأمر بأنظمة ديكتاتورية. لكن من خلق هذه الأنظمة؟ لا غرو أن هناك تورطا للدول الكبرى، لكن هناك أسبابا داخلية، الأسس الدينية والثقافية لهذه الدول المارقة.

أجرى الحوار رشيد بوطيب
حقوق الطبع قنطرة 2006
قنطرة

ناقد معاصر للعقل الإسلامي
إصدار جديد للباحثة الألمانية أرزولا غونتر يتناول المنظومة الفكرية وسيرة حياة المفكر الجزائري المقيم في فرنسا محمد أركون. مراجعة برهان شاوي



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:47 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:


ثقافة
الجزائر

ثقافة
وفاة المفكر الجزائري محمد أركون في باريس عن 82 عاما

inShare

0 print

نص طاهر هاني

آخر تحديث : 16/09/2010
توفي المفكر الجزائري المعاصر محمد أركون ليل الثلاثاء الأربعاء في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر يناهز 82 عاما بعد صراع طويل مع المرض.

من هو محمد أركون؟

توفي المفكر الجزائري المعاصر محمد أركون ليل الثلاثاء الأربعاء في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر يناهز 82 عاما بعد صراع طويل مع المرض.

نظرة متفتحة إلى الدين الإسلامي

خلف أركون مكتبة ثرية وغنية بالمؤلفات والأعمال البحثية والفكرية في مجال الدراسات القرآنية والإسلامية وفق المناهج الحديثة. ومن بين إنجازات أركون "ملامح الفكر الإسلامي الكلاسيكي" و"دراسات الفكر الإسلامي و"الإسلام أمس وغدا"و"من أجل نقد للعقل الإسلامي" و"الإسلام أصالة وممارسة" و"رهانات المعنى وإرادات الهيمنة".

ترجمت أعمال المفكر الراحل إلى عدة لغات منها الإنكليزية والهولندية والإندونيسية والعربية. ويعرف محمد أركون بنظرته المتفتحة إلى الدين الإسلامي، مما جلب له مشاكل عديدة من قبل المتشددين.

أستاذ جامعي بارز

ولد محمد أركون في 1928 بقرية تاوريرت ميمون في تيزي وزو (منطقة القبائل) قبل أن ينتقل مع عائلته إلى مدينة عين تيموشنت حيث تابع دراسته هناك. وأكمل بعد ذلك دراسته الثانوية في وهران، ثم التحق بكلية الفلسفة في جامعة الجزائر لينهي دراسته الجامعية بجامعة "السربون" في باريس حيث حصل على شهادة الدكتورة في الآداب. كما عمل أركون كمدرس بعدة جامعات في أوروبا وأمريكا والمغرب، واهتم بدراسة وتحليل الفكر الإسلامي.

محمد أركون، الذي ترعرع في كنف عائلة فقيرة، لم يكن محبوبا من قبل النظام الجزائري بسبب نظرته إلى الإسلام المتفتحة واجتهاداته التي تعارض رؤى النظام الجزائري الرسمية. والدليل على ذلك أن ديوان المطبوعات الجزائري لم يطبع سوى كتابين من بين عشرات الكتب التي ألفها ، فيما أقصيت أعماله وأبحاثه من المدارس والجامعات الجزائرية. رحل أركون بعيدا عن بلده الأصلي الذي كان يحبه، وبعد غياب طويل فرضته عليه قسوة النظام الجزائري.
*


بعد 82 عاماً وعشرات المؤلفات العظيمة
عاجل : وفاة المفكر العربي الكبير محمد أركون في باريس بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان
وكالة أنباء الشعر - جاسم سلمان
انتقل إلى رحمة الله المفكر الجزائري محمد أركون في العاصمة الفرنيسة باريس مساء يوم الثلاثاء ، وفي اتصال هاتفي مع زوجة الفقيد ، أكدت أنه قد توفى عند الساعة التاسعة من مساء أمس ، وأشارت بحزن كبير إلى أنه كان مريضاً بالسرطان ، وعانى طويلاً من المرض .
ومحمد أركون باحث ومؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام1928في بلدة تاوريرت ن ميمون(آث يني) بمنطقة القبائل الكبرىالأمازيغيةبالجزائر، ;و انتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء(ولاية عين تموشنت) حيث درس دراسته الإبتدائية بها. وأكمل دراسته الثانوية فيوهران، إبتدأ دراسته الجامعية بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته فيالسوربونفيباريس.
ويتميز فكر أركون بمحاولة عدم الفصل بين الحضارات شرقية وغربية واحتكار الإسقاطات على أحدهما دون الآخر، بل إمكانية فهم الحضارات دون النظر إليها على أنها شكل غريب من الآخر، وهو ينتقد الاستشراق المبني على رفع القداسة عن القرآن الكريم, والتعامل مع القرآن على أنه منتوج بشري ، والتشكيك في نسبة النصوص الأصلية في الإسلام (الكتاب والسنة)
وكان يقول دائما : نتعجب في من لا يقرأ سوى جريدة على الأكثر في اليوم ويقول مثل هذا.
و لمحمد أركون كتابات في الفكر ليست لعامة المثقفين. فالثقافة العليا لا تكفي لفهم تفسير يأتي به أركون أو تفكير يشغل اهتمامه. بل يجب أن تكون مفكرا ومتخصصا لتستطيع التصفح وبشكل عام على الأكثر. إن لم تجالسه وتأخذ منه ومن لسانه تبسيطا لما يكتب
وللراحل مؤلفات كثيرة باللغة الفرنسية أو بالإنكليزية وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات من بينها العربية والهولندية والإنكليزية والإندونيسية ومن مؤلفاته المترجمة إلى العربية:
1. الفكر العربي
2. الإسلام: أصالة وممارسة
3. تاريخية الفكر العربي الإسلامي أو "نقد العقل الإسلامي"
4. الفكر الإسلامي: قراءة علمية
5. الإسلام: الأخلاق والسياسة
6. الفكر الإسلامي: نقد وإجتهاد
7. العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب
8. من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي
9. من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟
10. الإسلام أوروبا الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة.
11. نزعة الأنسنة في الفكر العربي
12. قضايا في نقد العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم؟
13. لفكر الأصولي واستحالة التأصيل. نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي
14. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية.
15. من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني.
16. أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟
17. القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
18. تاريخ الجماعات السرية
الجوائز التي حصل عليها :
· ضابط لواء الشرف
· جائزة بالمز الأكاديمية
· جائزة ليفي ديلا فيدا لدراسات الشرق الأوسط في كاليفورنيا.
· دكتوراه شرف من جامعة إكسيتر عام 2002.
· جائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2003.
******************************************

الأخبار ثقافة وفن
وفاة المفكر الجزائري محمد أركون
شارك

iconعد إلى الأعلى
iconشارك | تعليقات | 44
iconتكبير الخط
iconتصغير الخط
iconإرسال إلى صديق
iconطباعة

أركون اهتم بدراسة وتحليل الفكر الإسلامي (الجزيرة-أرشيف)
توفي الثلاثاء في العاصمة الفرنسية باريس المفكر الجزائري محمد أركون بعد معاناة شديدة مع المرض عن عمر ناهز 82 عاما.

ولد أركون في بلدة تاوريرت في ولاية تيزي وزو شرق العاصمة الجزائرية عام 1928 وانتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء بولاية عين تموشنت حيث واصل دراسته الابتدائية هناك.

أكمل دراسته الثانوية في ولاية وهران ثم التحق بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته في جامعة السوربون بباريس.

حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب، ودرس بجامعات عديدة في أوروبا وأميركا والمغرب، واهتم بدراسة وتحليل الفكر الإسلامي. تم اختياره عضوا باللجنة الوطنية لعلوم الحياة والصحة بفرنسا، وعدة لجان أخرى.

ترك أركون مكتبة ثرية بالمؤلفات والكتب، ومن أهم عناوينها: ملامح الفكر الإسلامي الكلاسيكي، دراسات الفكر الإسلامي، الإسلام أمس وغدا، من أجل نقد للعقل الإسلامي، الإسلام أصالة وممارسة، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، الإسلام: الأخلاق والسياسة.
**********************************************************




_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أركون واسئلة النخبة   الأحد يونيو 21, 2015 6:49 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:

الفلــــــــسفة الـــــجزائــــــــــريــــة
22 septembre 2014 ·

في ذكرى وفاة أركون : وقفة نقدية ( تابع الجزء الثاني)

حدود السؤال
يحاول محمد أركون أن يُبلور جملة من الأسئلة ليضعها كأرضية لفرضياته المعرفية، لذلك ينطلق من السؤال المركزي الهام محاولا أن يضع المسألة المطروحة ضمن التاريخ الإسلامي، ومتعلقة بالصيرورة الاجتماعية والثقافية، التي ساقت الفكر الجماعي لممارسة السلطة في المجتمعات القبلية حسب أركون، ومن ثمة بناء تصور آخر يربط كل سلطة بالواقع الاجتماعي أساسا.[1]
إن السؤال ينخرط ضمن خطاب التعرية، والمُتجه صوب من لعب الدّور الأساسي في بلورة مفاهيم السلطة والسيادة العليا ؟؟
لا يجد أركون حرجا في القول أن علماء الدين (الفقهاء) لعبوا دورا كبيرا في صياغة جملة من المفاهيم السياسية، والتي غالبا ما تتجه نحو الحديث عن الشرعية والمشروعية، عن الأفضل والمفضول، عن الحدود والشرع، عن مقاصد الشريعة الإسلامية، عن الخلافة والإمامة .. لكن السؤال الآخر لما حدث ذلك ؟؟
يجعل محمد أركون القرن الثالث الهجري بداية التنظير السياسي الموغل في النّص، فالشيعة انخرطت في التأويل وتوظيف النّص لصالح نظرية الإمامة بالمفهوم الشيعي المتخم بالآراء السياسية التي تخدم إيديولوجية آل البيت العربي ظاهريا، وتخدم آل البيت الفارسي باطنيا.
تولدت تلك منطلقات أعقاب حادثة صفين، ثم مقتل الحسين في كربلاء، لقد خلق الشِّيعة من المأساة التي تعرض لها آل البيت فلسفة خاصة، تحمل موصفات الحق المُفتقد، والظّلم الممارس، والجور العام .. وصورت الإنسان المستضعف في الأرض يتخفى ويتقي وينتظر الفرج من السماء .. لكنه في ذاته يحمل مفاهيم الأمل والرجاء ويبشر بنزول الإمام المهدي ليملأ الأرض عدلا وآمنا..
يُعتبر هذا الخطاب حسب أركون خطابا خطيرا في الفكر الإسلامي، لأنه يخرج عن حدود السؤال التقليدي المُؤرخ له مع حادثة السقيفة. لقد فتح الخطاب الشّيعي السياسة على مفاهيم جديدة تَربط سيادة الإمام بالسيادة العليا، فمرتبة الإمام تقع بين منزلتين، منزلة الربوبية والألوهية، ومنه يصبح الإمام يمارس التدبير الإلهي، ويمتلك عندئذ سلطة عليا وسيادة مثلى تستمد شرعيتها من الله ..
لقد أفضى المفهوم الشّيعي إلى إنتاج جملة من المفاهيم المحايثة للمفهوم الأصلي، فأصبحت السّيادة العليا ترتبط بالعصمة والكمال، لأنه لا يمكن أن نُقر بالسّلطة المطلقة للإمام دون الإيمان بالعصمة واستمرار النبوة المجازية في شخصه.
نعتقد أن تلك المفاهيم وإن كانت في الحقيقة تُنظر لحاكم مستقبلي فهي من حيث منطق اللاّمنطوق تُحاول أن تُقوض سلطة ونظام الحكم القائم بحجة أن الإمام المُنتظر هو الأوحد المُؤهل لقيادة الأمة نحو النّجاة كما يقول أركون: " المدعوون بالأئمة المعصومون والمسؤولون في الدنيا عن سير البشر نحو النجاة الأبدية."[2]
في المقابل، يرى محمد أركون أن الفكر السّني اتجه نحو تبرير السّياسة القائمة، من حيث تطويع النصوص الدّينية لفائدة البيوتات القرشية الحاكمة، فمفهوم الفتنة المذكورة في القرآن والحديث النبوي استثمرت في سياق السياسة المدنية، فالحاكم الموجود ينبغي طاعته ومبايعته، لأن السياسة في ظل حكمه أفضل من الفتنة القاتلة : " حكم جائر خير من فتنة قائمة "، وأصبحت هذه المقولة من صميم السياسة السلطانية.
انخرط بعدها الفقه السني في الأحكام السلطانية، وخاصة، الارتكاز على مفهوم طاعة أولي الأمر. إن محمد أركون كان صائبا حين تحدث عن عملية انخراط الوحي في عملية تقعيد السياسة السلطانية لصالح عصب وبيوتات تطفلت على التاريخ والحضارة.
يدل مفهوم الحكم الجائر على أن السلطة والسيادة مرتبطة بمفاهيم واقعية بعيدة عن النص وتخومه، فالجائر لا يمكن أن ننسب إليه مفاهيم السيادة الروحية، أو أنه يخضع لسلطة النَّص، لكون سلطته تنبع عما تحدث عنه ماكس فيبر في علم الاجتماع السياسي، حين أكد أن السلطة هي نتاج علاقة القهر والإكراه، وأن القوة هي التي تحدد السيادة في كل صور الدولة.
يعتقد محمد أركون أن المفهوم " الخليفة " السني، والمفهوم " الإمام " الشيعي يمثلان حضورا للوحي، فالسنة ينطلقون من نصوص قرآنية تسمي الحاكم خليفة كما هو الحال بالنسبة لداود وسليمان، وبعض الأحاديث النبوية التي تقر أن الحكم بعد الرسول يكون خلافة راشدة ثم يعقبها ملك عضوض.
ومفهوم الخليفة وإن كان أكثر واقعية من مفهوم الإمام من حيث كون الخليفة غير معصوم عن الخطأ، ومشروط بجملة من الشروط ممكن توفرها في المسلم إلا أنّه في المقابل مترع بالتوظيف الحيوي للنص الديني، فسلطة الخليفة تكمن في سلطة الله وحاكميته.
لا نتفق مع أركون في نقطة هامة، وهي أن الخليفة لا يحكم باسم الله كما هو في الحكم الثيوقراطي المسيحي أو اليهودي أو الوثني قبلهما، بل الخليفة يحكم بأمر الله، والحكم بأمر الله ليس كمفهوم الحكم باسم الله، فالأول يفصل بين الحاكم والله ويُبيّن أن هناك سلطة متعالية آمرة وهناك سلطة منفذة، بينما الثاني يتجه نحو التطابق بين المُفوِض والمُفوَض.
ويمكن أن نتفق مع محمد أركون في بعض أوجه ما قاله، لكن مفهوم الخليفة المقترن بسلطة النص لم يوجد بعد الخلفاء الراشدين إلا على مستوى الحلم واليوطوبيا، فأغلب من تقلدوا المناصب بعد مقتل على لم يُنظر لهم على أنهم خلفاء وإن نطقوا بها، بل اعتبروا ملوكا وسلاطين فقط، وفي أحسن الحالات أطلقوا عليهم اسم أمير المؤمنين.
أما المفهوم الثاني فيجعل السلطتين متطابقتين، فشخصية الحاكم متماهية في ذات الإله، ولهذا فإنه من الواجب معرفة حدود المفهوم فلفظة خليفة أكثر عقلانية من لفظة الإمام عند الشيعة، ذلك أن مفهوم الإمام يقترن بوجود ذات إنسانية خارقة للعادة، تستمد وجودها من العصمة، فهي متحدة بالعقل الفعال، وكأن الوحي لم يتوقف مع خاتم الأنبياء، فهو مستمر في ذات الإمام معنى وعرفانا، وليس لفظا وقولا. من هنا يصبح الشيعة أقرب إلى النظرية الثيوقراطية، ويصبح النقد الأركوني جائزا من حيث البنية والمنهج.
انخرطت الشيعة في تلك المفاهيم السياسية نتيجة وجودهم خارج السلطة، كما أن الاضطهاد والتعذيب والمطاردة المستمرة جعلتهم ينخرطون في عملية التسويغ الشرعي لعلة استمرار النزاع والتوتر: " إذ أن هذه المنازعات تعبر عن التوتر بين منظومة التسويغ الشرعي القرآني للسلطة ومنظومة السلطة القائمة."[3] فالتوتر القائم بين منظومتين على الأقل فتح باب الاجتهاد السياسي عن طريق علم أصول الفقه والأحكام السلطانية.
يجوز لمحمد أركون عند معالجة تلك الظاهرة الاستعانة بمعايير غربية لدراسة الظاهرة السياسية، الناجمة عن تصورات وضعية تُوظف باستمرار النص الشرعي لصالحها : " إن التصورات المشكلة والمتخيل الديني (الإسلامي) بشكل عام عن السيادة العليا والمشروعية قد بقيت كامنة وجاهزة دائما للاستنفار والتنشيط."[4]
إن ظاهرة التوظيف لازالت حاضرة في أدبيات الحركات الإسلامية المعاصرة لحد الساعة كما يقول محمد أركون، ولازال المُتخيل السِّياسي يستمد من الدين الإسلامي وجوده وقوته، فالمجتمعات العربية والإسلامية منخرطة اليوم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ علماني معلمن، وهي قاصرة على بلوغ الحداثة لتبنيها الآراء الشائعة والمحافظة جدا بخصوص الإسلام، ولكون مشروعها مبني على المطالبة بالحق والعدالة، وباضطهاد أقل، مستخدمين في ذلك ترسانة من مفردات اللغة الدينية، لأنها اللغة الوحيدة التي يحسنونها ويتقنوها كما يعتقد أركون.[5]
لكن السؤال الأركوني غالبا ما ينقلب على نفسه، فإذا كان أركون يريد تقليص مهام الفقهاء في عملية الاجتهاد والسياسة، بحيث يجب اتهام علماء الدين بتحجير العقل الإسلامي، وغلق باب الاجتهاد منذ عهد المرابطين بالخصوص، فالمُلاحظ أن ما قاله في المقال التالي يرجع عكس ما يحاول محمد أركون أن يقيده بالسؤال العلمي: " إن هذا الموقف أمام هيبة التراث الديني، وأمام هيبة التراث الفلسفي العائد إلى معلم مؤسس، هو الذي يميز بالضبط العقلية القروسطية أو الفضاء العقلي القروسطي."[6]
ومن جهة أخرى عندما يطرح أركون السؤال التالي، يكون قد استنجد بفقيه ومتكلم ورجل دين بالمعنى التام للكلمة، ونقصد ابن رشد، ولنتأمل سؤاله: " ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به ابن رشد اليوم. ؟؟" [7]
يحاول أركون أن يحمل السؤال محمل الجد، وأن يضع على عاتق الفيلسوف والمثقف العربي مهام البعث والتجديد من وحي شخصية ابن رشد. لكن بالرغم من كل ما نصبغه اليوم على ابن رشد من ألقاب ومديح يبقى ابن رشد ضمن خانة الفقهاء ورجال الدين والدولة معا.
ومنه يصبح أركون هو ذاته يوظف ابن رشد ضمن إيديولوجيته الخاصة، وهذا يقودنا إلى القول أن ابن رشد وابن خلدون يوظفان توظيفا إيديولوجيا باستمرار في الفكر العربي المعاصر، ومن طرف تيار علماني أو مادي بالخصوص، والمشكلة أن المُوَظِف يتناسى طبيعتهما التاريخية ومركزهما الاجتماعي وتكوينهما الديني.


[1] - أركون محمد ، الفكر الإسلامي ، نقد واجتهاد ، تر : الهاشم صالح ، دار الساقي للنشر ، ط 3 ،س 1998 ، ص 138 .

[2] - المرجع نفسه ، ص 138.

[3] - أركون ، محمد ، الفكر الإسلامي قراءة علمية ، مركز الإنماء القومي للنشر ،بيروت ، ط 2 ، س 1996 ،ص 183 .

[4] - أركون ، محمد ، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص 139 .

[5] - أركون ، محمد ، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، ص 19.

[6] - محمد أركون (ابن رشد رائد الفكر العقلاني و الإيمان المستنير ) مجلة عالم الفكر ، الكويت ، العدد الرابع لسنة 1999، ص25.

[7] - المرجع نفسه ،ص 23.


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
أركون واسئلة النخبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: