كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 جيران:القصةالقصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: جيران:القصةالقصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب   الإثنين أبريل 20, 2015 9:25 am

القصة القصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب
القدس العربي
عبد الرحيم جيران
April 19, 2015

يستعمل مفهوم التجريب، في الأغلب- كما اتفق، وبعجالة غير مبالية بالمزالق التي تحف به، ومن دون أن يمحص على نحو دقيق بما يليق بالرصانة المعرفية التي يقتضيها، إذ يستفاد من توظيفه عند الكثير من النقاد والمبدعين أنه مغامرة في الكتابة تتخطى الأوفاق الجمالية السائدة بغاية الفهم عن أفق آخر أكثر جدة، لكن لم يطرح في صددها سؤال ما إذا كانت محسوبة أم لا، أو ما إذا كانت تعي الإشكالات التي تحف بنا. وأقصد من وراء هذا التقييد تأطير مفهوم التجريب ضمن اقتضاءاته العلمية، بما يتطلبه الأمر أولا من وعي بضبط الحاجة إليه نظريا وإجرائيا في ضوء تكون الأدب بوصفه ممارسة تخييلية، والسياقات التي تم فيها، وثانيا ضبط إشكاليته في علاقته بالإجناس الأدبية، وثالثا علاقته بالموضوع الجمالي.
مما ينبغي عدم تلافيه أو غض الطرف عنه، أن التجريب يعد خاصية ملازمة للأدب، فبه يتحدد جزء من مفهومه الواسع. ويقصد به هنا النسج على غير منوال سابق، أو نموذج قار يفرض مقوماته على نحو مسبق على الكتابة، ولا يتعلق الأمر في هذا الصدد بمسألة التقليد، وإنما بالإيجاد. لم تجد هذه الممارسة النوعية في الكتابة التخييلية الاسم الذي يليق بها إلا في القرن التاسع عشر على يد مدام دوستايل. أما تكوّن الأدب فترجع إرهاصاته إلى بداية القرن السادس عشر، أو قبله بقليل. وقد احتاج إلى زمن مديد من التطور حتى ترسخت معالمه على نحو صار معه مفهوما يشير إلى واقع تخييلي محدد، وكان تأسيسه الإشكالي قائما على تحمل الكاتب مسؤوليته في تحديد الشكل الذي يرتضيه للإشارة إلى نوع الكتابة التي ينتهجها، ومن ضمن ذلك أن تكون هذه المسؤولية تامة وفق المغايرة والأسلوب الشخصي، مع القطع مع الاستناد إلى معيارية نموذجية تشتغل في هيئة وصفة ينبغي اتباعها من أجل جلب الاعتراف. ومن ثمة تعد هذه المواصفات العامة التي تكمن خلف الأدب بمثابة محتوى التجريب نفسه، وإذا كان الأمر كذلك فهو يعد من صلبه، بل شرطا يحدد ماهيته، ولهذا لا يعد فتحا مبينا خاصا بكاتب أو حقبة معينة، ومن ثمة فهو مشكل للهوية الأدبية المؤسسة على الإضافة إليه، وتوسيع مداه بفتحه على كل ما هو رمزي يقع خارج حقله. فما يجعل الأدب أدبا قيامه على التجريب الذي يحدده، ويجعله منفتحا على الاغتناء المستمر في الشكل، والأسلوب والموضوع الجمالي. ومن ثمة فهو مغايرة مفتوحة على المجهول، لكن هذا الانفتاح محسوب، ولا بد له من أن يقام على التجديل بين تركة ومستقبل ما. فالتركة تمثل في الميراث الأدبي الذي يتراكم في هيئة تجارب تبدو أنها استكملت أهدافها في علاقتها بالعصر، والمستقبل ماثل في التنبه إلى رؤية متنبئة ذات قدرة على فهم ما يتطلبه الحاضر في علاقته بإمكان مفتوح على مشروع ما يلبي تطلعا فنيا وجماليا في علاقته بتطلع أنطولوجي لجماعة ما يضع كل إمكاناته في المستقبل. ولا يمكن حدوث ذلك إلا في ضوء مسافة جمالبة معينة، وهذه المسافة لا يمكن أن تتحقق من دون إدراك حجم الاختلاف عن التركة، ولا يكون ذلك ممكنا إلا باستيعاب تكون هذه الأخيرة، وآفاق الانسداد فيها.
يتمثل الوجه الثاني المتعلق بمسألة التجريب في التجديل بين المتحقق في هيئة تراكم والممكن قياسا إلى الحدس الإجناسي الخاص بجنس أدبي معين. فغالبا ما نظر إلى التجريب بوصفه يحدث خارج هذا الحدس بخرق ضوابط الجنس الأدبي أو التعين خارج معاييره. لكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، وتدعو الحاجة إلى إعادة النظر في ما ترسخ في الذهن في هذا الصدد. والمقصود بهذا الأمر أن الأدب يعد ممارسة تحدث وفق مراعاة الحدس الإجتاسي، أو وفق عدم مراعاته أيضا. ولا بد أن تنتج تبعات نظرية وإجرائية في حالة ما إذا عددناه حادثا وفق أحد الأمرين المذكورين. ففي الحالة الأولى لا يحدث التجريب- من حيث هو مغامرة في التجديد الشكلي والأسلوبي- إلا على نحو تنويعي على مسار تراكمي. ونعني بذلك أن الكتابة- في هذه الحالة- تتجه إلى إظهار إمكانات الجنس الأدبي غير المحينة من جهة، وإلى فعل ذلك- من جهة أخرى- قياسا إلى توافر حدس إجناسي يوجه فعل الكتابة، ويجعلها منتمية إلى تراثٍ من الإنتاج التخييلي قابل لأن يعاد تشكيله وفق إمكانات يفرضها زمن فعل الكتابة. ولن يكون التجريب في القصة القصيرة- بحسب هذا المنحى- إلا بحثا في إمكاناتها التي لم تحن بعد، بما يعنيه ذلك من استناد إلى حدس إجناسي مؤسس وفق تجربتي القراءة والكتابة. ويكاد هذا الحدس أن يكون زمنيا بالدرجة الأولى، وله صلة بالإدراك. فالقصة القصيرة تستوعب حدسيا انطلاقا من كونها تستغرق نفسها في لحظة زمنية مقلصة، لها هيئة شرخ يحدث في الزمن من حيث هو سيولة ظرفية تقبل القبض عليها في وحدة محددة. الأمر لا صلة له هنا بقصر الصفحات أو طولها، وإنما بوحدة الانطباع الزمني الذي يؤسس إدراك متاحها الجمالي، وإدراك تطلباتها على مستوى السرد بما يعنيه ذلك من كثافة. هذا فضلا عن وحدة الموقع الذي ينقل من خلاله الحدث، فهي لا تسمح بتعدد المواقع، ولا بتعدد السراد لأن ذلك يخل بوحدة الانطباع. كما أنها تتميز بقلب مفاجئ في صيرورة متسمة بالاعتياد، وهذا القلب يتخذ هيئة انفجاء لا يبرر في الغالب. هذه الملامح البنيوية تؤسس الحدس الإجناسي الخاص بالقصة القصيرة، وتشكل خطا هوياتيا في تعرف فعل القص فيها. ومن ثمة لا بد لكل تجريب من أن يحدث وفق استثمار إمكانات جديدة غير مطروقة في الشكل والأسلوب والموضوع الجمالي، وينبغي تفكر هذه الإمكانات بوصفها كامنة في الحدس الإجناسي ذاته، لكنها لا تحين إلا وفق تعالقها مع تطلبات العصر.
وينبغي النظر- في الحالة الثانية المتعلقة بعدم مراعاة الحدس الإجناسي، من دون نفي استضماره على مستوى فعل النفي ذاته- إلى التجريب بوصفه اختبارا للممكنات الكتابة برمتها من دون الارتكان إلى حدس إجناسي ما. وأمر من هذا القبيل يفضي بالإبداع إلى أن يصير توجها حرا يبحث عن مفتقد مستمر، من دون خريطة محددة. هنا تستحيل التسمية، وكذلك الحدود، وتصير كل الممكنات الإجناسية قابلة للتجاور، وكذلك الأساليب المختلفة من راق وسوقي وعادي. يصبح الحديث- إذن- عن التجريب في القصة القصيرة متعذرا في هذا النوع من ممارسة الكتابة، لأن الاختيار يقام فيه على نسف مفهوم الجنس الأدبي بما يستند إليه من حدس. فلا يمكن تدمير التصنيف الأدبي وتعيين فعل التدمير داخله. وترتيبا على ذلك يكون من المستحب نعت هذا النوع من الكتابة بالنص لا بأي شيء آخر، وتعليل ذلك مرده إلى أن تجربة معينة في الكتابة في الغرب (جماعة تيل كيل)- الذي نحب تقليده في كل شيء- قد أقامت أسسها الجمالية على هذا الأساس، بما يعنيه ذلك من رفض للنسب، والأبوة، والحدود، والتواصل، والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك فكثير من النصوص التي تحمل تسمية القصة القصيرة في متننا السردي العربي المعاصر لا تنتمي إلى هذا الفن الأدبي، على الإطلاق، بل إلى الكتابة التي ترد تحت مفهوم النص، وهي كتابة تجذّر خاصية انتمائها في عدم الانتماء إلى أي إطار إجناسي. ونحن هنا لسنا في صدد إطلاق حكم قيمة، ولكن في صدد توصيف الأشياء حتى لا نضل الطريق، أو نرغم ما لا يقبل الانتماء إلى الخانات على الانتماء إليها. وغالبا ما يقود الإيغال في المجازفة غير المحسوبة إلى نتائج عكسية، فينقلب الجميل إلى ضده، وينتزع من ذاته على نحو مشوه.
لا ينحصر التجريب- كما في المغامرة المحسوبة باستنادها إلى وعي ما في الكتابة- في استهدافه الشكل والأسلوب واللغة فحسب، وإنما يتعدى ذلك أيضا إلى الموضوع الجمالي. ومن الواضح أن ما ترسخ لدينا في الممارسة الإبداعية- والنقد كذلك- أن التجريب مرده إلى الشكل وحده، أو الأسلوب واللغة. لكن الأمر ليس كذلك، فللموضوع الجمالي في القصة القصيرة- كما في أي فن لغوي آخر- أهمية بالغة في تثوير الكتابة. فكما للحدس الإجناسي- على مستوى فعل الكتابة- أهمية في إظهار ممكنات الجنس الأدبي، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الموضوع الجمالي. وحتى نكون على بينة من المفاهيم التي نستعملها لا مناص من توضيح ما نقصده بالموضوع الجمالي. فهو أي موضوع يختاره الكاتب، لكنه موضوع ممرر من خلال رؤية معينة وفق اقتضاءات جنس أدبي معين. فالرؤية تتعلق بزاوية المعالجة المستندة إلى وعي جمالي معين، وتوجه فني ما، وخلفية معرفية معينة، ومتحكمات محددة. والمقصود بتحديد الرؤية من خلال هذه العناصر أن يصير الموضوع مثلا ممررا من وجهة نظر أيديولوجية محددة، إما ثورية أو تمردية، أو محافظة، أو عدمية…ألخ ، ومن خلال توجه فني، قد يكون رومانسيا أو واقعيا، أو مستقبليا أو طليعيا…الخ، ومن خلال الاستناد إلى سؤال تجريدي يجسم بوساطة المعادل الحكائي (الحبكة أو صيرورة حدثية)، كأن تستهدف القصة تمثيل الحدود بين الوهمي والواقعي، هذا إلى جانب ضرورة تمرير الموضوع من خلال متحكمات من قبيل السخرية، أو الندم، أو الحنين، أو التشاؤم أو التفاؤل…الخ. كما أن الموضوع الجمالي لا يبنى إلا في ضوء ما يفرضه الجنس الأدبي من شروط وإمكانات، وسعة في بسطه. فلا يمكن أن يعالج الموضوع بالطريقة نفسها في كل من الرواية والقصة القصيرة. فهذه الأخيرة تمرره من خلال الكثافة التي تتميز بها كلٌّ من لغتها، وحيزها الزمني المضغوط. إذن إذا كان الموضوع الجمالي حاسما في بناء القصة القصيرة، وكذلك في أي جنس فني لغوي آخر، فلا شك أن التجريب يطوله أيضا بالبحث عن توليفات جديدة بين عناصره التي ذكرناها سابقا. كما يمثل أيضا في تفجير ممكنات كل عنصر، والذهاب به نحو آفاق لم تكن متكهنة على الإطلاق، أو تطعيمه بما هو موجود في غيره من تنويعاته المختلفة، كأن يفتح الواقعي على ممكن المستقبلي، والعكس وارد جدا.
لا يمكن الحديث عن التجريب في القصة القصيرة من دون الحديث عن الأسلوب الشخصي الذي يميز كاتبا من غيره في معالجته الفنية للقصة. وهنا لا بد من فتح قوس أساس ألا وهو عدم تلاؤم القصة مع تمثيل الأسلوب الجماعي، هذا التمثيل تختص به الرواية وحدها. ولذلك تعد القصة مجالا خصبا للبرهنة على مهارات فردية في الأداء الأسلوبي. ومن ثمة فهي تجنح في الغالب إلى التكثيف اللغوي، الذي يقربها من الاستعمال الشعري للغة. كما أنها تسمح بالتلاعب الذي يطال بناء الجملة السردية، وتنامي السرد بوساطة اللجوء إلى التكرار الإضافي، بحيث يكرر عنصر ما طيلة السرد، لكن هذا التكرار يضيف حين وروده خاصيات جديدة إلى العنصر المكرر كما هو الحال في قصص فوكنر. وتقطيع النص بوقف سيولته غرافيا، وتضمين هذا التقطيع مقاطع تبدو وكأنها تنزل منزلة استخلاص حكمي. في هذا الإطار التجريبي للأسلوب الشخصي يرد التنويع الأسلوبي، وذلك بفتحه على ممكنات الأجناس الأدبية الأخرى، وبخاصة الشعر؛ إذ قد يعمد القاص إلى تضمين قصته بمقاطع شعرية ينحتها هو، أو يستعيرها من غيره. كما يمكن للقصة القصيرة أن تنفتح في بنائها أسلوبيا على ممكنات الشفهي في بعديه: 1- اللغوي من حيث هو ممارسة تواصلية في الحياة، أو 2- البنائي من حيث استمداد بناء القصة من بناءات الحكاية الشعبية. لكن هذا الانفتاح الأسلوبي على أساليب إجناسية غير سردية لا يتم إلا من خلال ممكنات القصة القصيرة، وإلا تحولت هذه الأخيرة إلى كتابة تتأطر في خانة غير خانتها الإجناسية. فإذا ما استعير بناء القصة القصيرة من الحكائي الشفهي، فلا بد من جعله ممررا من اقتضاءاتها هي، وتدميره بوساطة فعلها الخاص، إما بوساطة المحاكاة الساخرة، أو بفعل تحويل في بنية علاقة الجهد بوسائل التحقيق، أو تدمير كل الشخصية.
لا يكفي في التجريب رفع معول الهدم حتى يصير الكاتب طليعيا، بل لا بد له من تصور معرفي، يبرر فعله هذا. والمقصود بهذا القول أن الكثير من كتاب القصة القصيرة يرفعون شعار هدم الحبكة ليدللوا على أنهم يكتبون للمستقبل، لا لقراء استهلكتهم العادة والاطمئنان إلى مقروء منهك بالتقاليد. لكن فعلا من هذا القبيل لا يعد رصينا إذا غض الطرف عن ضرورة تبريره جماليا. ولا تعد حجة «أنا أكتب وعليك أنت أن تتحمل جريرة تبرير ما أفعل» مقبولة على الإطلاق. فتدمير الحبكة له أسسه المعرفية المرتبطة بحقبة التوه في أوروبا بعد ضمور السرديات الكبرى المفسرة للعالم، وله صلة بوصول العقلانية إلى مأزق فادح في تدبير التاريخ الحديث. أما نحن في المنطقة العربية فنعيش توها آخر من صنف مختلف، إنه توه التردد بين تبني منطق العصر والتحصن بالماضي الميت. ولهذا فكل تدمير للحبكة ينبغي أن يستند عندنا إلى موضعته في أفق مغاير يمثل في تمثيل مواز للحبكة يتخذ من الصيرورة الحدثية مجالا للتساؤل، ومعنى ذلك أن ينقلب السرد على نفسه، ويسائل فعله، من حيث هو بناء، ومن حيث هو قائم يين ضفتي المعقول (المسرود من حيث هو حبكة تقدم لنا ما نفهم به الواقع)، والمعاناة من تمثيله سرديا، والتي يمكن إظهارها بواسطة تمثيل الحدود بين الواقعي والوهمي، والغاية من ذلك أننا لا نعيش التوه إلا بوصفه ازدواجا في الشخصية العربية، وهذا الازدواج لا يظّهر إلا بواسطة مزيد من الشك في الحبكة التي يسردها القاص.
نستنتج مما سبق ذكره أن التجريب ضرورة جمالية مكونة للأدب، ويعد خاصية ملازمة له، لكن ممارسته هي رهن بتاريخية الكتابة، ورهن بالعصر وإشكالاته، واقتضاءاته الفكرية. ولا يمكن للتجريب أن يكون مبررا من خلال فعل فوضوي غير مبرر، ولا يعي حدوده، وغاياته، فأمر من هذا القبيل يخلف أثرا سلبيا، وينحو بالكتابة صوب الإسفاف، ويجعلها غير مقنعة البتة. فلا يكفي في القصة القصيرة، أو غيرها من الأجناس الأدبية، إدعاء التحرر من التقاليد، أو التحرر من ضيق ما هو مستهلك لكي تتحقق طليعية الكتابة، وجذريتها، بل لا بد من ربط أي جهد طليعي بتصورات جمالية مبنية تستند إلى وعي قادر على تبرير نفسه.

أديب وأكاديمي مغربي

عبد الرحيم جيران

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: جيران:القصةالقصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب   الأربعاء أبريل 29, 2015 3:54 pm

admin كتب:


ما قرأت كتابا في النقد- في وطننا العربي- أو مقالة فيه، أو ما شابههما إلا ووجدتني أمام خلط فادح بين حقلي النقد والدراسة الأدبية، ومن شأن هذا الخلط أن تترتب عليه استخلاصات مغلوطة، ومن ضمن ذلك تحميل النقد ما لا يستطيعه من معرفة، والشيء نفسه يُقال بالنسبة إلى الدراسة الأدبية.
والحال أن الحقلين يختلفان من حيث المنطلقات، ومن حيث الأهداف. وكل خلط بينهما غير مقبول، ولا ينفع فيه أبدا التذرع بأسباب جواز التجسير بين مختلف صنوف المعرفة، قد يكون ذلك مبررا ما إذا كان يحدث عن طريق الوعي به، أما أن يُنتهج بفعل الجهل أو التعالم فأمر غير مستساغ.
دعونا نحدد – في البدء- المقصود من الحقلين المذكورين، بما يتطلبه المقام من إيجاز، من دون الدخول في الإشكالات العميقة الخاصة بالتحديد. فالنقد له خاصية تقويم الأعمال الأدبية بالاستناد إلى مرجعيات، ومعايير محددة لفعل التقويم نظريا وإجرائيا. وليس من أهداف هذا التقويم أن يكون- بالضرورة- حكما قيميا يقام على تصنيف مؤسس على ثنائية (الجودة / الرداءة)، لسبب وجيه، وهو أن من المفروض في الناقد، بل من أخلاقياته، ألا يدرس إلا ما يراه جيدا، ولا بد أن تكون ذائقته الأدبية مدربة على ذلك، بحكم كونه يمتلك الخبرة اللازمة. فالمهمة الأساس للنقد- بوصفه فعل تقويم- تمثل في الكشف عما يتضمنه النص المقارب من مظاهر الإضافة- في مجاله الإبداعي- إلى التراكم المنتج قبله، وذلك بالإشارة إلى مكامن الجدة فيه، لا بوصفها ابتكارا لطرائق في الكتابة غير مطروقة من قبل فحسب، بل أيضا بوصفها صياغة مبتكرة للمعنى الأدبي، بما يعنيه من رؤية فنية راقية متفردة، تمنح العالم ما به يصير مؤولا على نحو أكثر جذرية. وحين نحدد فعل التقويم على هذا النحو، فإن المعول عليه ليس هذا الاختيار أو ذلك على مستوى الجهاز الأداتي، بقدر ما يكون المعول عليه ماثلا في ضرورة قراءة النص الأدبي، وتقويمه، في ضوء متاح الأدب بعدِّه صيرورة قائمة على تراكم معقد، له تاريخيته التي يعاد استئنافها على أنحاء مختلفة عبر النصوص، نورثروب فراي، وبوصفه أيضا منتجا انطلاقا من متاح المكتبة، أندريه جيد، أو بوصفه ميراثا من التشكيل التخييلي للعالم. وإذا كان الأمر كذلك فمن المعيب الالتجاء إلى الذائقة وحدها في استكناه النصوص، أو الإنشاء الانطباعي، أو نقل لغة النص الأدبية إلى لغة شارحة، بل لا مندوحة- في النقد- من الاسترشاد بدليل عمل يقود خطوات الناقد؛ والمقصود بذلك ضرورة التزود ببرنامج أولي من الأهداف، وبجهاز بين الخطوات، وبترسانة من الأدوات، هذا فضلا عن الاطلاع الواسع على النصوص، ولزوم التسلح بخبرة متعددة الأوجه، منها ما يعود إلى استضمار تاريخية التخييل بما تعنيه من ضبط للتحولات الرئيسة فيه، ومنها ما يعود إلى استضمار المعارف المساعدة من فلسفة وعلم نفس، وعلم اجتماع، ومن ضبط لعلم الأساطير، وأنتربولوجيا، وتاريخ الفكر…الخ. فالنص ليس نتاجا تخييليا يقام على المتعة فحسب، وإنما هو نتاج يقام على فهم العالم بوسائل التخييل، إنه مواز للفلسفة، وموازاته هاته مؤسسة وفق وسائليته الخاصة.
ومن ثم فالنص الأدبي ملتقى تتقاطع عنده معارف شتى، وهو شبيه بالمكعب، بول ريكور، لا يكتفى في فهمه بالنظر إليه من زاوية واحدة، فزواياه منفتحة على معارف شتى. لكن يبقى على الناقد أن يؤسس مقاربته انطلاقا من تبئير فعله، وجعله الهادي له في استنطاق النصوص في علاقتها بهذه المعارف. إن النص ليس ناصية شارع، وإنما هو ملتقى طرق، والفرق بين الاثنين له تبعاته الإجرائية، والمقصود بهذا القياس أن النص الأدبي ليس انعطافا أحاديا نحو هدف واحد وموحد، ولكنه فضاء كتابة قائم على التجديل بين ما يقترحه من معنى وآليات بنائه جماليا، وبين وحدته التي تمنحه صلابته وما قبل نصي متعدد الأوجه. وأقصد هنا بالما- قبل النصي الحفر الجيولوجي المتعدد والمتداخل. وهذا الحفر الجيولوجي يتعلق بالناظم التخييلي الذي يتحكم في الأدب، والذي يتأسس على كيفيات التمثيل الأدبي، وعلى النماذج النصية الممثلة التي ساهمت- على نحو جذري- في تشكيل الحدس الإجناسي، وتأسيس فعاليته، وينبغي ألا نُغفل- في هذا الحفر الجيولوجي- الميثولوجيا الشخصية للكاتب التي تجد مرتكزاتها في اللاوعي الأدبي،لا السيكولوجي. ومن المطلوب أن يعمل الناقد – حين تقويمه النص الأدبي- على إعادة بنائه بما يتلاءم مع تفرده، لا التفرد الخاص، فهذا مفروغ منه، ولكن تفرده التخييلي العام الذي يشكل انتماءه إلى الادب، وأقصد بذلك توافر الذكاء اللازم للناقد كي يمسك بما هو مجرد، يعمل خلف التجسيم المخيِّل؛ أي القدرة على النفاذ إلى الأسئلة التجريدية التي تعمل خلف الحبكة السردية، أو خلف النسق التبادلي في الشعر. ولن يتحقق هذا الذكاء للناقد إلا بفعل مقداره من استعياب تاريخية التخييل من جهة، وعلاقة هذه التاريخية بتحولات الفكر والمعرفة عبر عصور التخييل.
ولا يمكن حل الالتباس بين النقد والدراسة الأدبية إلا من خلال فهم أن هذه الأخيرة ليس من مهامها التقويم الأدبي، كما أنها لا تقتصر على التصنيف (رينيه وليك) أو بناء تاريخية النصوص، فلهذين الأمرين مجالهما الخاص، كما لا يهمها أن تقصر عملها على قراءة النصوص المفردة في ذاتها، وإذا ما فعلت ذلك فلكي تختبر منطلقاتها، لا لكي تؤكد على مهارة كاتب معين في إنتاج القيمة المضافة. فالدراسة الأدبية تجعل من مهامها الرئيسة استنباط ما هو مفهومي يتجاوز الإنتاجات المفردة صوب ضبط العام أو الكوني؛ ومن ثم فهي تتوخى القبض على الفعالية التي تؤشر إلى التخييل أو الأدبية، التي يحدث تظهيرها على نحو مختلف في النصوص الخاصة. ويكون مدار اشتغالها – في هذا الإطار المخصوص- منحصرا في ضبط الإشكاليات التي تحف بالإنتاج الأدبي، والمعضلات المتعلقة بالكيفيات التي يتشكل بموجبها النص الأدبي، لا من حيث هو فعل مفرد، ولكن من حيث هو إنتاج عام لا يرتبط بهذا الكاتب أو ذلك. ومن ضمن هذه الإشكالات حدود ما هو «أدبي»، لا من حيث التصنيف، ولكن من حيث علاقته بغيره من الخطابات نصف الأدبية أو غير الأدبية، لا من جهة تمايزها، ولكن من جهة تفاعلها في ما بينها. وما يفترضه هذا الأمر من تحولات طفرية في بنية التخييل عبر التاريخ مما هو قول جميل إلى ما هو كتابة تشرط «الأدبي». وأمر من هذا القبيل يطرح إشكالات موازية تتعلق بكيفية تمثيل العالم تخييلا عبر ضبط التحولات في بنية التخييل، ووسائل إنتاجه، وسياقات تلقيه. ومن انشغالات الدراسة الأدبية فهم الطرائق التي يتشكل بموجبه النص الأدبي، ويؤسس فعاليته، ويُتلقى، فلا يكفي- هنا- الحدس في فهم النص الأدبي، فلا مناص في ذلك من الاستناد إلى معرفة مؤسسة، ولن يتيسر ذلك إلا بمساءلة الشروط التي يتحقق بها الإنتاج الأدبي.
فكثير هي الأدبيات التي ترى في النص كلًّا غير قابل لأن يجزأ، أو يوزع دمه بين القبائل. وظن نظري من هذا القبيل يجعل من الدراسة الأدبية مواجهة بمهمة لا يمكن تلافيها بأي ذريعة، ويتعلق الأمر- هنا- بفهم الكيفية التي يتشكل بها النص بوصفه كلا. وتستوجب هذه المهمة ضرورة فهم الطرائق التي بموجبها تتصادى مستويات النص، وتتعالق، وتتضافر في إنتاج المعنى الأدبي؛ وذلك وفق هاجس الوحدة التي تعد أحد تعينات النص. ولهذا يكون من مهام الدراسة الأدبية البحث في القواعد والقوانين التي تنتج النص الأدبي، بما يعنيه ذلك من استنباط للأنساق المؤسسة، من دون إغفال لتفاعل النسق المنتج للنص الأدبي مع غيره من الأنساق الأخرى.
لكن علينا في هذا الجانب ألا نجعل من ذلك تعلة لجعل الأدب صدى لما يفارقه، بل علينا أن نفعل العكس بوساطة البحث عن الطريقة التي يعمل بها الأدب على جلب هاته الأنساق إلى بنيته محولا إياها لكي تصير منتجة من خلال وسائليته المميزة (سراب النظرية). وحين نركز على أهمية فهم القواعد التي ينتج بوساطتها النص الأدبي، لا نعني بذلك تكرار المزالق التي وقعت فيها الدراسات الأدبية التي استعارت من المنطق الطببيعي أو اللسانيات الاستنادات المرجعية المبررة لها، وإنما نقصد بذلك البحث في ما إذا كان هناك منطق آخر يتحكم في القواعد المنتجة للنص الأدبي، ولن يكون ذلك متيسرا إلا بإعادة الأدب إلى ذاته؛ أي بالنظر إلى وسائله التخييلية التي تجد أسسها في المنطق الثقافي الذي ينبغي بناؤه، بما يفيده ذلك من استعادة لتاريخية «الأسطوري».
إذا كنا قد ميزنا- في عجالة- النقد من الدراسة الأدبية، فلا بأس من الإشارة إلى دور النقد في علاقته بالدراسة الأدبية والنظرية الأدبية، فهو يعمل وسيطا بينهما، فإذا كان يستمد من الدراسة الأدبية مجموعة من الأسس، فإنه بالمقابل يعمل على مدها بالإشكالات التي تطرأ من جراء تطبيق اقتضاءاتها، فتعمل بذلك على تصحيح مساراتها، وتلافي ثغراتها، كما أنه يمد نظرية الأدب بما هو ملموس يدعم، أو يصحح، المفاهيم الكبرى التي تسعى إلى معالجتها بوصفها قضايا نظرية، فلكي تحل نظرية الأدبية المشكلات التي تعترضها فلا بد لها من النظر في ما تنجزه الدراسات الأدبية من مهام، لكن فعلها هذا لا يتم إلا في ضوء ما يخضعه النقد من هذه الدراسات للاختبار. فالنقد إذن هو مجال اختباري بالدرجة الأولى، في مقابل كون كل من الدراسات الأدبية ونظرية الأدبية مجالين نظريين. والصفة الاختبارية للنقد هي التي تسمح بالتجسير بين هذين الأخيرين.

أكاديمي وأديب مغربي

عبد الرحيم جيران

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: حين تفكر اللغة فينا بدلا منا   الأحد يونيو 14, 2015 3:36 pm

admin كتب:
حين تفكر اللغة فينا بدلا منا

عبد الرحيم جيران
June 5, 2015

لقد كان لي دائما موقف واضح من تطبيق التصور، الذي أرساه باختين- في صدد تحديده الرواية بموجب اللسان، بما يعنيه من تعدد- على الرواية في العالم العربي، لسبب وجيه يتعلق بكون هذه الأخيرة تُنتج بوساطة اعتماد اللسان العربي الفصيح الذي لا يتوافر له إمكان حمل الأوعاء الإيديولوجية في تنافرها، ولا حمل رنين الأيام والساعات والدقائق. فهو لسان يتطور خارج الاستعمال اليومي، ويتخذ تطوره طابع تسويات؛ لأنه مرتبط في وجوده بالطبقات الوسطى التي تتوسل في التعبير عن نفسها بالكتابة. هذا إلى جانب رسمية اللغة الفصيحة، ومركزيتها، وعدم التصاقها بالهامشي المتحرر، وغير المركزي. فاللسان الشفهي الحي المعتمد على الصوت- بنبراته، وتلويناته البلاغية، وقدرته على تحويل رؤية ما إلى العالم إلى تعبيرات مجازية حافلة بالمعنى الفلسفي للحياة، كما هي في جريانها وتوقعاتها- هو وحده القادر على التفكير فينا، وعلى جعلنا ننبسط في عبارتنا، لا كما نحن في فرادتنا، ولكن كما نحن مستوعَبين من قِبَل وعي يفارقنا، لكنه يجعلنا ننتمي إليه بحكم انتمائنا إلى سياقه التاريخي. فاللسان الشفهي وحده القادر على التعبير عن الوعي الجماعي- الاجتماعي، وعن النزعات الإيديولوجية، والرؤية إلى العالم بوصفها مقولات ذهنية ترتبط بنسق من التوقعات التي ترتبط بالتطلعات (ما ينبغي أن يكون).
لا ترتبط مناسبة هذا التقديم الموجز بغاية متعلقة بظاهرة أدبية ما، وإنما برصد تحولات في الرؤية إلى العالم، وإلى الإنسان من خلال تعبيرات لسانية مستقاة من اللغة الجارية اليومية (الدراجة المغربية). وسنقتصر في هذا الأمر على أسلوب التوديع، الذي ارتبط في ظهوره، وإنتاج بنيته التعبيرية باستعمال وسائل الاتصال الحديث (الهاتف النقال). وسنتخذ هذا الأسلوب مجالا لفهم الكيفية التي يصاغ بها تمثل الآخر، وعلاقته بالزمن، وبمسألة الوجود في العالم، من حيث بعده القيمي الأخلاقي، ومن حيث بعده الدال على طبيعة الحضور في العالم. وسنقتصر في هذا الأمر على عبارتين سادتا مؤخرا في توديع الأشخاص بعضهم بعضا، وهما: «تلاح» و «يا الله.. حيد».

عبارة « تلاح..!»

ينبغي فهم هذه العبارة- على مستوى الظاهر- بوصفها أسلوبا في التوديع، دالا على التخلص من المخاطب، لكن طابعها الساخر يجعل منها مقبولة، ودالة على انتهاء لقاء ما، أو محادثة بنوع من المرح. وتترجم إلى اللسان الفصيح بـ»ارتم»؛ ومن ثمة يبدو أنها لا تتضمن في صلبها ما يفيد التوديع، ومع ذلك تفيده بحسب استعمالها. ولا يمكن فهمها من دون التذكير بالمعنى الذي حلت محله، ألا وهو «السلامة» الذي يعد كامنا خلف عبارة التوديع المتعارف عليها في اللغة الجارية «بالسْلامَة»، التي هي أقرب إلى العبارة المستعملة في اللسان العربي الفصيح «صاحبتك السلامة». ففي العادة نتمنى- وفق اللسان الجاري بالطبع- لمن نودعه هاتفيا أو مباشرة أن تصاحبه السلامة، لكن ما يُصاغ في هذا الشكل من التوديع «تلاح» فعل أمر يفيد معنيين: المعنى الأول يفيد مواجهة الكارثة؛ لأن فعل «ارتمي» الذات يتضمن- على نحو مباشر- السقوط من أعلى نحو أسفل؛ ومن ثمة فهو يتضمن المخاطرة بكل ما تعنيه من قابلية التعرض للسوء. والمعنى الثاني يفيد الارتماء مثل أي شيء يُرمى بعد أن اُستُنْفِد، أو اُسْتُعمِل. ومن البين أن هذا المعنى الثاني هو المرجح من دون إلغاء ورود المعنى الأول. ومن ثمة يصير الإنسان مشابها للأشياء التي تنتهي صلاحيتها بالانتهاء من الفائدة منها. فعبارة «تلاح» بوصفها أسلوب توديع تستخدم لا في أفق قيمي استعمالي، بمراعاة الحاجة الدائمة لمن تربطنا بهم تشابكات الحياة، وإنما في أفق قيمي تبادلي يصير بموجبه من نودعه ظرفيا منتميا إلى العابر. وأيضا ممررا من خلال فعل الإزاحة الذي يطبع علاقتنا بالعالم والزمن؛ ويتجلى ذلك في إنهاء اللقاء بإزاحة الإنسان من مجال الحضور بأقصى سرعة ممكنة تلافيا لهدر الزمن.

عبارة « يا الله.. حيد..!

شاعت أيضا عبارة « يا الله.. حيد..!» بوصفها أسلوبا في التوديع في اللغة الدارجة، ويمكن ترجمتها في اللغة الفصيحة بنوع من المرونة، لعدم قدرة هذه الأخيرة على حمل رنينها الدلالي والشعوري، بالعبارة الحرفية الآتية: «كفى.. لِتُزِلْ نفسك»، أما الترجمة التقريبية فتعني: «انتهى.. أفسح المجال». ومهما كانت الترجمة فإن ما يراد من دلالة في قولها التوديعُ فحسب. وتحل هذه العبارة أيضا محل عبارة التوديع المتعارف عليها التي تفيد تمني السلامة لمن نودعه. ومن لا يتعدى السطح واقفا عند المعنى المباشر يرى فيها نوعا من التعبير العادي الذي له صفة اللغو الدال على انتهاء اللقاء، بينما تدل- في الحقيقة- على أكثر من ذلك؛ أي على الرغبة في السرعة في إتمام اللقاء، واختزاله، كما تدل على العابر الذي ينبغي التعامل معه مؤقتا، ومن ثمة ينتهي بانتهاء حضوره الحيني في الزمن، والمقصود بذلك التعبير عن تحول في العلاقات التي لم تعد تتعدى زمان الحاجة إليها. ويمكن فهم ذلك بالمقارنة بين عبارة «بالسلامة» وعبارتي» تلاح» و» يالله.. حيد». فالعبارة الأولى تعني «إنني أتركك سالما، وأرجو أن تصل سالما، وأن أراك مستقبلا سالما»؛ ومن ثمة فهي تحمل في طياتها الشكل الأمثل للمواصلة في العلاقات، بما تعنيه من مراعاة أخلاقية تتمثل في الحرص على وصول من نودعه إلى الجهة التي يقصدها سالما، ومن بعد حميمي ماثل في الاعتناء بالآخر. لكن العبارتين الأخريين تدلان من جهة على لامبالاة بمصير الآخر، ومن جهة ثانية على كونه مزاحا بما هو أهمٍّ ماثلٍ في الانشغال بالزمن، والتفرغ لما هو آت يحل محل المودَّع ويزيحه من مجال الاهتمام.
إن العبارتين: «تلاح..!» و» يا الله.. حيِّد..!» تختلفان- وإن كانتا تشتركان في الإزاحة- من حيث تعبيرهما عن الوضع الأنطولوجي للإنسان في الحياة المعاصرة، لا الإنسان المغربي فحسب. فالعبارة الأولى تتضمن تصورا للإنسان يصير بموجبه مندرجا في خانة الأشياء، بما يعنيه ذلك من نزع للصفة الإنسانية عن العلاقات بين الأفراد، ومن نزعة اختزالية تقلص العالم والإنسان إلى نوع محدد من الفائدة التي يتحولان إليها، وإلى ما تفرضه المصلحة من فصل فادح بين الجوهر الكلي الذي يمثله الإنسان والعابر الجزئي الذي يتمثل في الاستخدام الظرفي له. وتتضمن العبارة الثانية «يا الله.. حيد..» التحول الجارف في نظرة الإنسان إلى نفسه، وإلى الغير، انطلاقا من علاقة بالزمن متصفة بالسرعة. فإلى جانب كونها تعبر أيضا عن تحول الإنسان إلى عابر كبقية الأشياء العابرة والظرفية، فهي تدل على وضع من نودعه في قياس حضوره بما نملكه من وقت نخصصه له في إطار انشغالات متعددة؛ ومن ثمة يصير الإنسان منحشرا في صيرورة من الإزاحة المستمرة للأشياء التي يوزن الوقت المخصص لها بقدر الأهمية التي تتضمنها من حيث الاستخدام.
إن العبارتين معا تعبران عن رؤية إلى العالم في درجة الصفر، ومعنى ذلك أنها لا تشكل تطلعا جماعيا، وإنما وعيا إيديولوجيا يظل عند حدود الكائن، ولكن مع ذلك تؤشر إلى تماثل صرف مع واقع متصف بالتفكك، وزمن متصف بالتسارع لا يحدث فيه التوازن من جهة بين ما نطمح إلى تحقيقه والوسائل المتوافرة لفعل ذلك، ومن جهة أخرى بين ما نطمح إليه والوقت غير المسعف لذلك. ويضاف إلى ذلك أن الرؤية في درجة الصفر هي نتاج غياب تصورات كلية (مرويات سردية كبرى ممكنة) ترسم للإنسان ما ينبغي أن يكون تجاه واقع يتجاوز الفرد، ويحيل الانتماء إلى روابط رخوة. وتنشأ من جراء هذه الرؤية الفردانية المستقطِبة، لا الفردانية المتحررة. فالفردانية الأولى تُبئِّر العالم انطلاقا وفق أناها الخاصة، وتتصوره بوصفه علاقات انطلاقا من تطلعها الخاص، لا التطلع الجماعي، بينما الفردانية الثانية تتأسس على النأي بنفسها عن العالم المفكك، باعتماد حريتها الخاصة، وتنتقي من العالم ما يتلاءم مع الطوية بوصفها حاضنة لقيم إيجابية. وبموجب هذا التحديد للرؤية في علاقتها بالفردانية المستقطبة يمكن فهم عبارتي التوديع المذكورتين بوصفهما قائمتين على الإزاحة التي تجعل من الفرد مزاحا باستمرار داخل العلاقات الاجتماعية ليترك المجال فارغا ليملأ بغيره، أو بأشياء أخرى، وينبغي أن يتقبل كونه شيئا، وكونه ظرفيا في علاقته بالآخر، وأن يكون زمانه مقيسا بمعيار النفع التبادلي، لا الاستعمالي. ومما لا شك فيه أن تحولا من هذا النوع في بنية التعبير التوديعي في الدارجة المغربية دال على هيمنة علاقات إنسانية جديدة طارئة تتمثل في انتفاء البعد الحميمي الذي يؤسس اللحمة بين أفراد المجتمع، وفي إفساح المجال واسعا أمام علاقات ظرفية متغيرة غير مستقرة. وحتى نفهم مسألة الإزاحة المشكلة لمثل هذين التعبيرين ينبغي ربط العلاقات الظرفية المؤسسة لها بالإحساس بفقدان الأمان والطمأنينة؛ الشيء الذي يدفع بالفرد إلى تدبير علاقاته بالآخرين انطلاقا من خاصية الاحتياط التي تجعله يزن كل شيء من زاوية الاستعداد للأسوأ، ومن ثمة لا يصير توقع المصير إلا من خلال التخلص من كل العوائق الممكنة أمام استثمار الوقت، بما فيها الفائض الإنساني غير الممرر من مصفاة الحاجة والنفع الشخصيين.

أكاديمي وأديب مغربي

عبد الرحيم جيران


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: فعل السرد والتجربة والحجة   الإثنين مايو 29, 2017 1:47 am

admin كتب:
القصة القصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب
القدس العربي
عبد الرحيم جيران
April 19, 2015

يستعمل مفهوم التجريب، في الأغلب- كما اتفق، وبعجالة غير مبالية بالمزالق التي تحف به، ومن دون أن يمحص على نحو دقيق بما يليق بالرصانة المعرفية التي يقتضيها، إذ يستفاد من توظيفه عند الكثير من النقاد والمبدعين أنه مغامرة في الكتابة تتخطى الأوفاق الجمالية السائدة بغاية الفهم عن أفق آخر أكثر جدة، لكن لم يطرح في صددها سؤال ما إذا كانت محسوبة أم لا، أو ما إذا كانت تعي الإشكالات التي تحف بنا. وأقصد من وراء هذا التقييد تأطير مفهوم التجريب ضمن اقتضاءاته العلمية، بما يتطلبه الأمر أولا من وعي بضبط الحاجة إليه نظريا وإجرائيا في ضوء تكون الأدب بوصفه ممارسة تخييلية، والسياقات التي تم فيها، وثانيا ضبط إشكاليته في علاقته بالإجناس الأدبية، وثالثا علاقته بالموضوع الجمالي.
مما ينبغي عدم تلافيه أو غض الطرف عنه، أن التجريب يعد خاصية ملازمة للأدب، فبه يتحدد جزء من مفهومه الواسع. ويقصد به هنا النسج على غير منوال سابق، أو نموذج قار يفرض مقوماته على نحو مسبق على الكتابة، ولا يتعلق الأمر في هذا الصدد بمسألة التقليد، وإنما بالإيجاد. لم تجد هذه الممارسة النوعية في الكتابة التخييلية الاسم الذي يليق بها إلا في القرن التاسع عشر على يد مدام دوستايل. أما تكوّن الأدب فترجع إرهاصاته إلى بداية القرن السادس عشر، أو قبله بقليل. وقد احتاج إلى زمن مديد من التطور حتى ترسخت معالمه على نحو صار معه مفهوما يشير إلى واقع تخييلي محدد، وكان تأسيسه الإشكالي قائما على تحمل الكاتب مسؤوليته في تحديد الشكل الذي يرتضيه للإشارة إلى نوع الكتابة التي ينتهجها، ومن ضمن ذلك أن تكون هذه المسؤولية تامة وفق المغايرة والأسلوب الشخصي، مع القطع مع الاستناد إلى معيارية نموذجية تشتغل في هيئة وصفة ينبغي اتباعها من أجل جلب الاعتراف. ومن ثمة تعد هذه المواصفات العامة التي تكمن خلف الأدب بمثابة محتوى التجريب نفسه، وإذا كان الأمر كذلك فهو يعد من صلبه، بل شرطا يحدد ماهيته، ولهذا لا يعد فتحا مبينا خاصا بكاتب أو حقبة معينة، ومن ثمة فهو مشكل للهوية الأدبية المؤسسة على الإضافة إليه، وتوسيع مداه بفتحه على كل ما هو رمزي يقع خارج حقله. فما يجعل الأدب أدبا قيامه على التجريب الذي يحدده، ويجعله منفتحا على الاغتناء المستمر في الشكل، والأسلوب والموضوع الجمالي. ومن ثمة فهو مغايرة مفتوحة على المجهول، لكن هذا الانفتاح محسوب، ولا بد له من أن يقام على التجديل بين تركة ومستقبل ما. فالتركة تمثل في الميراث الأدبي الذي يتراكم في هيئة تجارب تبدو أنها استكملت أهدافها في علاقتها بالعصر، والمستقبل ماثل في التنبه إلى رؤية متنبئة ذات قدرة على فهم ما يتطلبه الحاضر في علاقته بإمكان مفتوح على مشروع ما يلبي تطلعا فنيا وجماليا في علاقته بتطلع أنطولوجي لجماعة ما يضع كل إمكاناته في المستقبل. ولا يمكن حدوث ذلك إلا في ضوء مسافة جمالبة معينة، وهذه المسافة لا يمكن أن تتحقق من دون إدراك حجم الاختلاف عن التركة، ولا يكون ذلك ممكنا إلا باستيعاب تكون هذه الأخيرة، وآفاق الانسداد فيها.
يتمثل الوجه الثاني المتعلق بمسألة التجريب في التجديل بين المتحقق في هيئة تراكم والممكن قياسا إلى الحدس الإجناسي الخاص بجنس أدبي معين. فغالبا ما نظر إلى التجريب بوصفه يحدث خارج هذا الحدس بخرق ضوابط الجنس الأدبي أو التعين خارج معاييره. لكن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، وتدعو الحاجة إلى إعادة النظر في ما ترسخ في الذهن في هذا الصدد. والمقصود بهذا الأمر أن الأدب يعد ممارسة تحدث وفق مراعاة الحدس الإجتاسي، أو وفق عدم مراعاته أيضا. ولا بد أن تنتج تبعات نظرية وإجرائية في حالة ما إذا عددناه حادثا وفق أحد الأمرين المذكورين. ففي الحالة الأولى لا يحدث التجريب- من حيث هو مغامرة في التجديد الشكلي والأسلوبي- إلا على نحو تنويعي على مسار تراكمي. ونعني بذلك أن الكتابة- في هذه الحالة- تتجه إلى إظهار إمكانات الجنس الأدبي غير المحينة من جهة، وإلى فعل ذلك- من جهة أخرى- قياسا إلى توافر حدس إجناسي يوجه فعل الكتابة، ويجعلها منتمية إلى تراثٍ من الإنتاج التخييلي قابل لأن يعاد تشكيله وفق إمكانات يفرضها زمن فعل الكتابة. ولن يكون التجريب في القصة القصيرة- بحسب هذا المنحى- إلا بحثا في إمكاناتها التي لم تحن بعد، بما يعنيه ذلك من استناد إلى حدس إجناسي مؤسس وفق تجربتي القراءة والكتابة. ويكاد هذا الحدس أن يكون زمنيا بالدرجة الأولى، وله صلة بالإدراك. فالقصة القصيرة تستوعب حدسيا انطلاقا من كونها تستغرق نفسها في لحظة زمنية مقلصة، لها هيئة شرخ يحدث في الزمن من حيث هو سيولة ظرفية تقبل القبض عليها في وحدة محددة. الأمر لا صلة له هنا بقصر الصفحات أو طولها، وإنما بوحدة الانطباع الزمني الذي يؤسس إدراك متاحها الجمالي، وإدراك تطلباتها على مستوى السرد بما يعنيه ذلك من كثافة. هذا فضلا عن وحدة الموقع الذي ينقل من خلاله الحدث، فهي لا تسمح بتعدد المواقع، ولا بتعدد السراد لأن ذلك يخل بوحدة الانطباع. كما أنها تتميز بقلب مفاجئ في صيرورة متسمة بالاعتياد، وهذا القلب يتخذ هيئة انفجاء لا يبرر في الغالب. هذه الملامح البنيوية تؤسس الحدس الإجناسي الخاص بالقصة القصيرة، وتشكل خطا هوياتيا في تعرف فعل القص فيها. ومن ثمة لا بد لكل تجريب من أن يحدث وفق استثمار إمكانات جديدة غير مطروقة في الشكل والأسلوب والموضوع الجمالي، وينبغي تفكر هذه الإمكانات بوصفها كامنة في الحدس الإجناسي ذاته، لكنها لا تحين إلا وفق تعالقها مع تطلبات العصر.
وينبغي النظر- في الحالة الثانية المتعلقة بعدم مراعاة الحدس الإجناسي، من دون نفي استضماره على مستوى فعل النفي ذاته- إلى التجريب بوصفه اختبارا للممكنات الكتابة برمتها من دون الارتكان إلى حدس إجناسي ما. وأمر من هذا القبيل يفضي بالإبداع إلى أن يصير توجها حرا يبحث عن مفتقد مستمر، من دون خريطة محددة. هنا تستحيل التسمية، وكذلك الحدود، وتصير كل الممكنات الإجناسية قابلة للتجاور، وكذلك الأساليب المختلفة من راق وسوقي وعادي. يصبح الحديث- إذن- عن التجريب في القصة القصيرة متعذرا في هذا النوع من ممارسة الكتابة، لأن الاختيار يقام فيه على نسف مفهوم الجنس الأدبي بما يستند إليه من حدس. فلا يمكن تدمير التصنيف الأدبي وتعيين فعل التدمير داخله. وترتيبا على ذلك يكون من المستحب نعت هذا النوع من الكتابة بالنص لا بأي شيء آخر، وتعليل ذلك مرده إلى أن تجربة معينة في الكتابة في الغرب (جماعة تيل كيل)- الذي نحب تقليده في كل شيء- قد أقامت أسسها الجمالية على هذا الأساس، بما يعنيه ذلك من رفض للنسب، والأبوة، والحدود، والتواصل، والمعنى. وإذا كان الأمر كذلك فكثير من النصوص التي تحمل تسمية القصة القصيرة في متننا السردي العربي المعاصر لا تنتمي إلى هذا الفن الأدبي، على الإطلاق، بل إلى الكتابة التي ترد تحت مفهوم النص، وهي كتابة تجذّر خاصية انتمائها في عدم الانتماء إلى أي إطار إجناسي. ونحن هنا لسنا في صدد إطلاق حكم قيمة، ولكن في صدد توصيف الأشياء حتى لا نضل الطريق، أو نرغم ما لا يقبل الانتماء إلى الخانات على الانتماء إليها. وغالبا ما يقود الإيغال في المجازفة غير المحسوبة إلى نتائج عكسية، فينقلب الجميل إلى ضده، وينتزع من ذاته على نحو مشوه.
لا ينحصر التجريب- كما في المغامرة المحسوبة باستنادها إلى وعي ما في الكتابة- في استهدافه الشكل والأسلوب واللغة فحسب، وإنما يتعدى ذلك أيضا إلى الموضوع الجمالي. ومن الواضح أن ما ترسخ لدينا في الممارسة الإبداعية- والنقد كذلك- أن التجريب مرده إلى الشكل وحده، أو الأسلوب واللغة. لكن الأمر ليس كذلك، فللموضوع الجمالي في القصة القصيرة- كما في أي فن لغوي آخر- أهمية بالغة في تثوير الكتابة. فكما للحدس الإجناسي- على مستوى فعل الكتابة- أهمية في إظهار ممكنات الجنس الأدبي، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الموضوع الجمالي. وحتى نكون على بينة من المفاهيم التي نستعملها لا مناص من توضيح ما نقصده بالموضوع الجمالي. فهو أي موضوع يختاره الكاتب، لكنه موضوع ممرر من خلال رؤية معينة وفق اقتضاءات جنس أدبي معين. فالرؤية تتعلق بزاوية المعالجة المستندة إلى وعي جمالي معين، وتوجه فني ما، وخلفية معرفية معينة، ومتحكمات محددة. والمقصود بتحديد الرؤية من خلال هذه العناصر أن يصير الموضوع مثلا ممررا من وجهة نظر أيديولوجية محددة، إما ثورية أو تمردية، أو محافظة، أو عدمية…ألخ ، ومن خلال توجه فني، قد يكون رومانسيا أو واقعيا، أو مستقبليا أو طليعيا…الخ، ومن خلال الاستناد إلى سؤال تجريدي يجسم بوساطة المعادل الحكائي (الحبكة أو صيرورة حدثية)، كأن تستهدف القصة تمثيل الحدود بين الوهمي والواقعي، هذا إلى جانب ضرورة تمرير الموضوع من خلال متحكمات من قبيل السخرية، أو الندم، أو الحنين، أو التشاؤم أو التفاؤل…الخ. كما أن الموضوع الجمالي لا يبنى إلا في ضوء ما يفرضه الجنس الأدبي من شروط وإمكانات، وسعة في بسطه. فلا يمكن أن يعالج الموضوع بالطريقة نفسها في كل من الرواية والقصة القصيرة. فهذه الأخيرة تمرره من خلال الكثافة التي تتميز بها كلٌّ من لغتها، وحيزها الزمني المضغوط. إذن إذا كان الموضوع الجمالي حاسما في بناء القصة القصيرة، وكذلك في أي جنس فني لغوي آخر، فلا شك أن التجريب يطوله أيضا بالبحث عن توليفات جديدة بين عناصره التي ذكرناها سابقا. كما يمثل أيضا في تفجير ممكنات كل عنصر، والذهاب به نحو آفاق لم تكن متكهنة على الإطلاق، أو تطعيمه بما هو موجود في غيره من تنويعاته المختلفة، كأن يفتح الواقعي على ممكن المستقبلي، والعكس وارد جدا.
لا يمكن الحديث عن التجريب في القصة القصيرة من دون الحديث عن الأسلوب الشخصي الذي يميز كاتبا من غيره في معالجته الفنية للقصة. وهنا لا بد من فتح قوس أساس ألا وهو عدم تلاؤم القصة مع تمثيل الأسلوب الجماعي، هذا التمثيل تختص به الرواية وحدها. ولذلك تعد القصة مجالا خصبا للبرهنة على مهارات فردية في الأداء الأسلوبي. ومن ثمة فهي تجنح في الغالب إلى التكثيف اللغوي، الذي يقربها من الاستعمال الشعري للغة. كما أنها تسمح بالتلاعب الذي يطال بناء الجملة السردية، وتنامي السرد بوساطة اللجوء إلى التكرار الإضافي، بحيث يكرر عنصر ما طيلة السرد، لكن هذا التكرار يضيف حين وروده خاصيات جديدة إلى العنصر المكرر كما هو الحال في قصص فوكنر. وتقطيع النص بوقف سيولته غرافيا، وتضمين هذا التقطيع مقاطع تبدو وكأنها تنزل منزلة استخلاص حكمي. في هذا الإطار التجريبي للأسلوب الشخصي يرد التنويع الأسلوبي، وذلك بفتحه على ممكنات الأجناس الأدبية الأخرى، وبخاصة الشعر؛ إذ قد يعمد القاص إلى تضمين قصته بمقاطع شعرية ينحتها هو، أو يستعيرها من غيره. كما يمكن للقصة القصيرة أن تنفتح في بنائها أسلوبيا على ممكنات الشفهي في بعديه: 1- اللغوي من حيث هو ممارسة تواصلية في الحياة، أو 2- البنائي من حيث استمداد بناء القصة من بناءات الحكاية الشعبية. لكن هذا الانفتاح الأسلوبي على أساليب إجناسية غير سردية لا يتم إلا من خلال ممكنات القصة القصيرة، وإلا تحولت هذه الأخيرة إلى كتابة تتأطر في خانة غير خانتها الإجناسية. فإذا ما استعير بناء القصة القصيرة من الحكائي الشفهي، فلا بد من جعله ممررا من اقتضاءاتها هي، وتدميره بوساطة فعلها الخاص، إما بوساطة المحاكاة الساخرة، أو بفعل تحويل في بنية علاقة الجهد بوسائل التحقيق، أو تدمير كل الشخصية.
لا يكفي في التجريب رفع معول الهدم حتى يصير الكاتب طليعيا، بل لا بد له من تصور معرفي، يبرر فعله هذا. والمقصود بهذا القول أن الكثير من كتاب القصة القصيرة يرفعون شعار هدم الحبكة ليدللوا على أنهم يكتبون للمستقبل، لا لقراء استهلكتهم العادة والاطمئنان إلى مقروء منهك بالتقاليد. لكن فعلا من هذا القبيل لا يعد رصينا إذا غض الطرف عن ضرورة تبريره جماليا. ولا تعد حجة «أنا أكتب وعليك أنت أن تتحمل جريرة تبرير ما أفعل» مقبولة على الإطلاق. فتدمير الحبكة له أسسه المعرفية المرتبطة بحقبة التوه في أوروبا بعد ضمور السرديات الكبرى المفسرة للعالم، وله صلة بوصول العقلانية إلى مأزق فادح في تدبير التاريخ الحديث. أما نحن في المنطقة العربية فنعيش توها آخر من صنف مختلف، إنه توه التردد بين تبني منطق العصر والتحصن بالماضي الميت. ولهذا فكل تدمير للحبكة ينبغي أن يستند عندنا إلى موضعته في أفق مغاير يمثل في تمثيل مواز للحبكة يتخذ من الصيرورة الحدثية مجالا للتساؤل، ومعنى ذلك أن ينقلب السرد على نفسه، ويسائل فعله، من حيث هو بناء، ومن حيث هو قائم يين ضفتي المعقول (المسرود من حيث هو حبكة تقدم لنا ما نفهم به الواقع)، والمعاناة من تمثيله سرديا، والتي يمكن إظهارها بواسطة تمثيل الحدود بين الواقعي والوهمي، والغاية من ذلك أننا لا نعيش التوه إلا بوصفه ازدواجا في الشخصية العربية، وهذا الازدواج لا يظّهر إلا بواسطة مزيد من الشك في الحبكة التي يسردها القاص.
نستنتج مما سبق ذكره أن التجريب ضرورة جمالية مكونة للأدب، ويعد خاصية ملازمة له، لكن ممارسته هي رهن بتاريخية الكتابة، ورهن بالعصر وإشكالاته، واقتضاءاته الفكرية. ولا يمكن للتجريب أن يكون مبررا من خلال فعل فوضوي غير مبرر، ولا يعي حدوده، وغاياته، فأمر من هذا القبيل يخلف أثرا سلبيا، وينحو بالكتابة صوب الإسفاف، ويجعلها غير مقنعة البتة. فلا يكفي في القصة القصيرة، أو غيرها من الأجناس الأدبية، إدعاء التحرر من التقاليد، أو التحرر من ضيق ما هو مستهلك لكي تتحقق طليعية الكتابة، وجذريتها، بل لا بد من ربط أي جهد طليعي بتصورات جمالية مبنية تستند إلى وعي قادر على تبرير نفسه.

أديب وأكاديمي مغربي

عبد الرحيم جيران
*

فعل السرد والتجربة والحجة
عبد الرحيم جيران
May 26, 2017

تنبغي الإشارة- قبل مُعالجة العلاقة بين فعل السرد وسارده والتجربة – إلى مجموعة من التحوّطات الإجرائيّة، وفي مُقدِّمتها اتّخاذ الحكايات المُؤطَّرة مجالًا لفحص هذا الأمر، وثانيها، أنّ مفهوم التجربة لا يقلّ تخييلًا عن الحكاية، وثالثها، النظر إلى فعل السرد من منظور مختلف عن التصوّرات السائدة في النظر إليه من زاوية اتّصاله بالسارد؛ حيث يُرى إليه من زاوية ارتباطه بموضوع من جهة، وبالتاريخ من جهة ثانية، ورابعها، قيام فعل السرد على المصداقية التي تتّصل بمطلب الثقة، كما أشرنا إليه في مقال سابق. خامسًا، يُعَدُّ ما نُقرِّره من نتائج- في هذا الصدد- من طبيعة فرضيّة تتطلّب فحصها في متن الليالي كُلِّه.
إذا ما نُظر إلى فعل السرد المُتعلّق بالحكايات الثلاث الأولى المُتولِّدة عن حكاية «التاجر والعفريت» فإنّ أوّل شيء يُثير التنبّه، هو كون السرّاد الداخليّون يصطحبون معهم الحجّة على ما يحكونه؛ فالسارد الأوّل يصطحب معه غزالة، والثاني كلبتين، والثالث بغلة. وإن دلّ هذا على شيء فعلى كون السرّاد الثلاثة يتكهَّنون سؤال المسرود له الداخليّ «العفريت» غير المُصرَّح به، والذي هو مُتوقَّع على نحو مُضمر من قِبَلِهم، وهذا السؤال هو: «ما حجّتك على صدق ما ستحكيه؟»؛ ويقود هذا إلى أنّ المحكي ينبغي أن يكُون واقعيًّا، لا بمعنى قبوله الحدوث فتصديقه، وإنّما بمعنى أنّه مُحقَّق في حياة السارد الشخصيّة، ومن ثمّة يرتفع الفهم الذي يكُون به المحكي مُنفصلًا عن سارده، أو كذبًا (البحتري) أو بمثابة إنزال الباطل منزلة الحقّ (الجاحظ)؛ فيصير مفحوصًا في ضوء المُجرَّب الحقيقيّ. ولا وجود لهذا الأخير إلّا بوجود الأثر المادّيّ الملموس الدالّ عليه؛ فتتحوّل كلٌّ من الغزالة والكلبتين والبغلة إلى آثار دالّة عليه، وشواهدَ على وقوعه، وهي سابقة في الوجود على فعل السرد. ويترتّب على هذا أنّ مفهوم السارد يتغيّر، إذ لم يَعُد يسرد موضوعات خياليّة، بل موضوعات حقيقيّة داخلة في مجال تجربته، ومُتّصفة بكونها مُكوِّنًا من مُكوِّنات الحياة الخاصّة به؛ فهو لا يروي حكاية الآخرين الغابرين، بل حكايته الخاصّة المُجرَّبة. وهذه الحكاية لا تُعَدُّ منتهية، بل مُستمرّة في الحاضر، بفعل استمرار أثرها المُتمثِّل في الشاهد (أقصد الغزالة والكلبتين والبغلة) الذي يصطحبه معه السارد. كما أنّ الحكاية التي تُسرد تتّصف بالحيوية التي تتمثل في كونها تروى من خلال من عايشها، ولا تخضع لآثار النقل الذي تُوصف به الحكايات التي تروي الغياب، وتنتمي إلى أزمنة مجهولة، فزمان الحكاية تجريبيّ ملموس، ويتمثّل في حضور شخصيتيه الرئيستين: الذات وضدّ الذات معًا في لحظة روايتها. إنّ المسرود له (العفريت أساسًا) لا تعجبه الحكايات المروية لأنّها غريبة تحكي شيئًا غير مألوف وحسب، بل لأنّها وقعت بالفعل أيضًا. أمّا المسوخ التي عليها الشواهد- الحجج الآثار (الغزالة، الكلبتان- البغلة) فهو أمر لا يدخل في باب المُتعذِّر أو غير المألوف، لأنّه يُعَدّ جزءا من معرفة مجتمع يُعَدُّ تمسيخ الإنسان فيه مُكوِّنًا من مُكوِّنات عالمه الموسوعيّ، كما أنّه رمز للتاريخ المُنعطف عن مسيره المؤمّل. هكذا تصير أفعال السرّاد التي تُسند إلى السرّاد الداخليّين- على الأقلّ في هذه الحكايات- مشروطة بالتجربة والمعايشة الدالّتين على الواقعي- المُحقَّق، كما تُسرَّد بوساطة ضمير المُتكلِّم.
وتُبْنى الفرضية المذكورة- في هذا الصدد- على كون فعل السرد المرتبط بالمُحقَّق التجريبيّ يَرِدُ في الأغلب في حكايات المسخ. ولا يظهر هذا في الحكايات الثلاث المُتولِّدة عن حكاية التاجر والعفريت فحسب، بل أيضًا في حكاية ابن الملك المسحور الذي نصفه الأسفل من حجر ونصفه الآخر من لحم ودم، والتي تحكي الشخصية فيها تجربتها الخاصّة على لسانها. وتُعَدّ حالتها المسخية أثرًا شاهدًا وحجّة على المُجرَّب المُحقَّق، واستمرارًا في زمان السرد المُسند إليها. والحالة المسخية هي ظاهِر يحتاج إلى تفسير باطنه الخفي الذي هو الحكاية.
لا بدّ من تأويل اللجوء إلى السرد المُتّصل بالملموس المعيش. هل الأمر يتعلّق بكون شهريار- بوصفه مسرودًا إليه خارجيًّا على مستوى الحكايات المُؤطَّرة التي تروى- شبيهًا بالعفريت، لا يقبل من الحكايات التي تتّصل بالمسخ إلّا تلك التي عايشها من يرويها. إذا كان الأمر هكذا فستترتّب عليه نتائج، من ضمنها أنّ السلطة ترغب في التأكّد من كلّ شيء، ولا تقبل ما ليس له أصل، وتشكّ في الخيالي لأنّه مثار شبهة، ولا تصدّق إلّا الواضح الذي لا يُشوش على القصّة الرمزيّة للحقيقة، كما هي مُسنَّنة في مُتخيَّلها، والتي تعني أساسًا أنّها التجسيد الملموس لها، وما هذه الحقيقة سوى كونها مُجسِّدةً للنور (الشمس)؛ ومن ثمّة فهي لا تقبل إلّا ما يُشبهها في القول أو غيره، وعلى حكاية المسخ أن يكُون لها نصيب من هذه المُشابهة، فيجب تبعًا لهذا أن تكُون صادقة، ولا بدّ لمن يرويها أن يكُون قد عاشها، أو عايشها. ولعلّ من ضمن هذه النتائج أنّ سرد المسخ يتطلّب- بوصفه رمزًا يُكثِّف تفسير الانحسار التاريخيّ بما هو أخلاقي- تعليل ظاهره (الواقع المُتدهور) بالكشف عن باطنه بوساطة الشهادة المُعايِشة، كما في كتابة التاريخ. وحتّى نُفسِّر هذا الأمر ينبغي التساؤل عمّا إذا كان فعل السرد المُنتَج على هذا النحو يتّصل بمعرفة ما إذا كانت لحظة الأزمة ـ في أثناء تدوين «ألف ليلة وليلة»- كانت في أمسّ الحاجة إلى فهم ما كان يحدث من سوء تاريخيّ وتأويله؛ ومن ثمّة ينعكس هذا على بناء فعل السرد القائم على المُجرَّب المُحقّق؛ بحيث يُبنى وفق طريقة مُوائمة تستجيب إلى تأويل الغامض (المسخ) الذي هو مُوازٍ حكائيّ للغامض الموجود في الواقع السياسيّ، لعالم مُتّجه نحو الانسداد والانحطاط. إذا كان الأمر كذلك فكيف يتأثّر بناء الحكاية من قِبَل السارد؟ نقف هنا أمام طريقة مُميَّزة؛ حيث يعمد فعل السرد إلى تمثيل الظاهر- السطح الحيوانيّ المُتعلِّق بالشاهد- الأثر (المسخ)، ثمّ التدليل على باطنه الإنسانيّ بوساطة الحكاية، بما يعنيه هذا التدليل من تمثيل للتحوّل من هيئة إلى أخرى. لكنّ هذه الطريقة تامّة بوساطة المجاز المرسل القائم على إطلاق المُسبَّب (المسخ) وإرادة المُسبِّب (الشرّ). لكنّ تمثيل الباطن كان يُحرّف عن أصله السياسيّ المُتّصل بالسلطة، ويُجسَّد في السبب الأخلاقيّ، خاصّة في خيانة المرأة وكيدها. ولم يكن للسرد أن يتم إلا انطلاقا من النهاية صوب البداية: هل الأمر مُوازٍ- هنا- للرغبة الدفينة في العودة بالحاضر السياسيّ (النهاية) نحو ماضي المجد (البدايات)؟
أكاديمي وأديب مغربي


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: جيران:القصةالقصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب   الأحد يوليو 16, 2017 2:34 am

admin كتب:
النشأة الرواية والحدود الثقافية
عبد الرحيم جيران
Jul 14, 2017

كنت قد نشرت مقالا في جريدة «القدس العربي» حول نشأة الرواية متحدثا عن اختيار ثالث يربطها بنشأة الفردانية في المجتمع الحديث. لكن الفكر ليس بمثابة قطار له وجهة واحدة، بل هو رقصة نحلة، تتكون حركته من ذهاب وإياب لا تهدأ، وفي حركته هذه يتأمل نفسه، فيضطر إلى إعادة النظر في ما أرساه من قبل أو يرممه، أو يضيف إليه.
وليس هذا المقال إلا تعبيرا عن هذه الحركة. وأريد أن أحلل فيه إشكالية لطالما أسالت المداد حولها في العالم العربي، وكنت ممن ظنوا أنهم قد اختاروا الوجهة الصحيحة. وما هذه الإشكالية إلا السؤال عما إذا كان التراث العربي قد عرف الرواية؟ وإذا عرفها فما طبيعتها؟ وهل يمكن عد نصوص التخييل السردي العربي العريق نماذج دالة في هذا الصدد؟ وإذا كان هذا كله مجرد وهم نظري إثنو-مركزي يحاول تجاوز المرض التاريخي (الانحطاط) بالتحصن بالأسبقية في كل شيء، فهل نشأت الرواية الأوروبية من داخل التاريخ التخييلي الأوروبي وحده، ولم تستق بعض مقوماتها من الثقافات الأخرى؟ ألا يسقطنا هذا السؤال الأخير في إثنو- مركزية أوروبية أخرى، وألا يتجاهل التطور التكويني التاريخي الذي تتفاعل بوساطته الحدود الثقافية- الجغرافية (صقلية- الأندلس)؟
سنترك موقفنا يتشكل من خلال معالجة هذه الأسئلة، ولنعد كلا من الإجابتين صحيحتين: أ- للعرب في تراثهم السردي نصيبٌ من نشأة الرواية. ب- الرواية نتاج صيرورة سوسيو- ثقافية غربية. لكن الشطط يكمن في موضعة الإجابتين، وصياغتهما نظريا وفق تحيزات أيديولوجية، لا وفق توجهات معرفية خالصة. وحتى لا يكون هذا الحكم قاسيأ نعد الإجابتين خارج منطق التاريخ. وأجازف بالفرضية الآتية: لقد نشأت الرواية وفق تفاعل تكويني تاريخي للتخييل الغربي- مع أصول حكائية تخييلية غيرية مدتها على الأقل بشكلها البدائي الأول.
ولنؤكد الفرضية أعلاه ينبغي تقبل كون الرواية نشأت في سياق لساني جديد يتمثل في تحول اللغات القومية الشفهية (باختين) إلى لغات كتابة قطعت مع اللغة اللاتينية؛ الشيء الذي أدى إلى أن تحمل (هذه اللغات) معها سمات الثقافة الشفهية، وأجناسها التخييلية، وأيضا تفاعلها مع حدودها الثقافية- الجغرافية. وكان على الرواية أن تتأسس بالتدريج متخلية عن التراث اليوناني- اللاتيني (الملحمة)، وأن تستقي مكوناتها للتعبير عن التحول الاقتصادي- الفكري الذي صاحب عصر النهضة من عملية تطوير عمق تراثات اللغات القومية. وليس هذا العمق سوى مرونة التراثات الشفهية في تقبل ما يحاذيها من جوار ثقافي. والمقصود بهذا أن بزوغ شكل الرواية الجنيني كان متصلا بتفاعل الحدود التكويني التاريخي؛ فقد كان ميراث اللغات القومية الشفهية هجينا لا يخضع لمصفاة الرسمي، وكان زاخرا بكل أشكال تفاعل ثقافات الحدود في ما بينها.
نضع سؤال مساهمة التراث العربي في نشأة الرواية في الإطار النظري أعلاه، فقد كانت الحدود الثقافية الغربية متداخلة مع الحدود الثقافية العربية، ومتفاعلة معها، فلا يعقل أن ينقل ابن رشد إلى أعرق الجامعات الغربية، ولا تنقل النصوص التخييلية العربية. ولنأخذ للبرهنة على هذا التفاعل التكويني التاريخي المساهم في إنتاج الرواية النص الذي شكّل الإرهاص الأولي لها، وأقصد به رواية «دون كيخوتة» لميغيل سرفانتيس؛ فهي تتضمن في بنيتها الحوافز التي اشتغل عليها النص التخييلي العربي. وتتحدد هذه الحوافز في الآتي: أ- الانبثاق من الكتب، ب- الحكاية الإطار، ج- تعدد الحكايات التي لا تقبل التجاور إلا بوساطة الحكاية الإطار، د- محاكاة نموذج معين، هـ- تثمين الأفعال (الأعمال العظيمة )، و- المقارعة، ز- النبرة الساخرة، ح- إحياء القيم. ومما سيصدم عديدا من الباحثين هو عد رسالة «التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي مصدرا- أصلا لتفاعل الرواية التخييلي مع الحدود الثقافية- الجغرافية؛ خاصة إذا ما تنبه إلى أن هذه الرسالة تعَد جزءا من التراث الأندلسي الذي لم يكن المتخيل الإسباني بمنأى عنه. ويظهر تأثير هذه الرسالة واضحا في تخييل نص «دون كيخوتة» على مستوى الحوافز المذكورة آنفا على النحو الآتي: أ- هناك الحكاية الإطار المتمثلة في السفر، ومغادرة بلد الإقامة من أجل إنجاز أعمال عظيمة، ويتمثل هذا الأمر في تعدد أنواع مقارعات ابن شهيد للشعراء القدماء التي يوازيها في «دون كيخوتة» تعدد أنواع مغامراته، مع اختلاف في الطابع الأَنطولوجي للأعمال العظيمة. ب- الموازاة بين قبول المقارعات الشعرية في «التوابع والزوابع» التجاور في ما بينها بفعل حركة التنقل التي هي جزء من الحكاية الإطار وقبول المغامرات في «دون كيخوتة» التجاور بفعل الحكاية الإطار المتمثلة في التنقل أيضا عبر بلدات إسبانيا. ج- تثمين الأفعال الماثل في إجازة ابن شهيد، وهو يوازي التثمين الذاتي للأفعال من قبَل دون كيخوتة، والمتمثل في الرسائل التي كان يرسلها إلى دولسينيا. د-الموازاة بين إحياء قيم شعرية قديمة أصيلة بغاية مجابهة قيم شعرية متدهورة وإحياء قيم الفروسية لمجابهة قيم اجتماعية بورجوازية جنينية. هـ- محاكاة النموذج الشعري القديم يوازي تقليد الفارس الجوال. و- لا نريد أن نبالغ في حافز الانبثاق من الكتب التي يخلو منها نص ابن شهيد ونقول إنه انبثاق من تراث شعري في حالة تهديد، بل نقول إن ميغيل سرفانتس لم يكن على علم برسالة التوابع والزوابع فحسب، بل بألف ليلة وليلة أيضا، ما دامت الثقافة العربية تقبع في لاوعي أي إسباني. وليس بمقدور أي أحد أن ينفي كون شهرزاد قد انبثقت من الكتب؛ ومن ثمة فإن الانبثاق من الكتب يٌعَد حافزا سابقا على دون كيخوتة.
لا يتسع المجال لتطوير هذه المقارنة إلى أقصى ما يمكن من الاستخلاصات، لكننا نكتفي بالخلاصة الآتية: لم تكن الرواية الغربية بمعزل عن التفاعل مع الحدود الثقافية- الجغرافية، وفي مقدمة هذا التفاعل مع التراث الحكائي العربي؛ فقد كان هذا الأخير يتوسط عملية المرور من التخييل الحكائي القديم إلى التخييل الحكائي الحديث؛ أي أن المرور من التخييل البطولي إلى التخييل البشري كان قد تم بوساطة ما يمكن تسميته بالتخييل الدنيوي- اليومي العربي (المقامات- البخلاء- بعض حكايات الف ليلة وليلة… الخ). وقد ارتبط هذا التخييل بزمرة اجتماعية ممثلة في الحرفيين والتجار، التي لم تتطور، وأجهضت بفعل قوة النمط الاقتصادي الإلجائي الذي انهارت بسببه الخلافة. وكان من الطبيعي أن ينتقل الميراث التخييلي لهذه الزمرة إلى الغرب، الذي وجدت فيه أسباب التطور. نستخلص من هذا حلا ثالثا إلى جانب الحل الأصولي والحل التغريبي. وهو أن الرواية تأسست في الغرب، لكنها لم تكن بمعزل عن النماذج العربية التي كانت تؤسس لتحولات جنينية في التراث التخييلي الحكائي الإنساني.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: هل طرد أفلاطون كل الشعراء من مدينته الفاضلة؟   الجمعة يوليو 21, 2017 8:16 am

admin كتب:
ا
هل طرد أفلاطون كل الشعراء من مدينته الفاضلة؟
عبد الرحيم جيران
Jul 21, 2017

ما استقر في جل الأدبيات الجمالية التي تتناول الشعر بالتنظير- في هيئة مسلمة تكاد تكُون محسومة- أن أفلاطون قد طرد من مدينته الفاضلة الشعراء، لكن ظنا من هذا القبيل يحتاج إلى إعادة النظر.
أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الأمر معرفة ما إذا كان أفلاطون قد طرد كل الشعراء، أم البعض منهم؟ وإذا كان قد طرد الكل فما الذي يترتب على هذا من نتائج على مستوى انسجام المدينة وحاجتها إلى الجمال؟ وينبغي فهم الجمال لا بوصفه مثالًا فحسب، ولكن بوصفه أيضًا حاجة ضرورية لكل دولة، مع ترتيب هذه الحاجة داخل سلم تراتب الحاجات الضرورية الأخرى؛ العقل (الرياضيات)، والفكر (المنطق والفلسفة)، والرأي (الخطابة والبيان). كما ينبغي فهم الجمال- هنا- بِعَدّه كلا يشمل كل الفنون بما فيها الرسم والنحت والموسيقى.
أما إذا لم يكن أفلاطون قد طرد كل الشعراء انسجامًا مع ضرورة حاجة مدينته إلى الجمال فما الصنف الذي طرده منهم؟ وما هي المُسوغات المعرفية والأخلاقية الكامنة وراء قرار من هذا القبيل؟ وهل تُعَد هذه المُسوغات السبب الحاسم في تعديل أفلاطون ترتيب المعرفة في علاقتها بالحقيقة في الكتاب العاشر من «الجمهورية» بعد أن أعطاها ترتيبًا مختلفًا في الكتاب السابع؟ ثم ما الذي ينجم عن هذا من تراتب بين الفنون الشعرية ذاتها؟
لننطلق من الأساس الذي كانت تُناقش مسألة الشعر بموجبه في الفلسفة اليونانية، وهو تمثيل (محاكاة) الحقيقي (المثال: الفكرة العقلية)؛ فأفلاطون يُرتب الشعر- بموجب هذا الأساس في الكتاب السابع من الجمهورية – في المرتبة الرابعة مع الظلال والخيالات بعد الرأي والفكر والرياضيات، ويُرتبه في الكتاب العاشر في المرتبة الثالثة مع الرأي. وهذا الترتيب تام وفق مسوغ الابتعاد عن الحقيقي أو الاقتراب منه، وهذا الابتعاد مقوم حسب تمثيل (محاكاة) الثابت لا المتغير؛ فالشعر هو تمثيل التمثيل؛ أي أنه يمثل تمثيل الصانع؛ ومن ثمة فهو من الدرجة الثالثة، لا الثانية كما يتصور بعض قراء أفلاطون من دارسي علم الجمال، لأنه يأتي بعد تمثيل الصانع الذي يترتب بعد تمثيل الطبيعة للمثال (الفكرة العقلية). كما أنه يمثل المتغير الذي مصدره الحواس، والمتقلب الذي مصدره اندفاعات العواطف والانفعالات غير المسيطر عليها من قِبَل القوة العقلية. ولم يكن أفلاطون يناقش الشعر بهذا المعنى خارج السجال المعرفي الدائر في عصره، بين مؤيدي العقل ومؤيدي البيان (السوفسطائيين). لقد كان الجمال أرضية يحدث فوقها الصراع غير المباشر على تملك المعرفة بوصفها مصلحة، وتملك شرعيتها وإدارتها، لكن لم يكن موقف أفلاطون من الشعر متسمًا بالرفض الكلي، بقدر ما كان قائمًا على تطويعه لصالح نسقه الفلسفي، وجعله خادمًا لما يترتب على هذا النسق من تنظيم للدولة وعلاقة الفرد بها. وإذا ما رُئِي إلى موقفه خارج هذا الاستخدام، فإننا نكُون أمام حليْن لا ثالث لهما: إما أن نسق أفلاطون الفلسفي متناقض، وإما أن من يقول بطرده كل الشعراء من مدينته الفاضلة لم يقرأه قراءة جيدة. وليس لنا إلا أن نميل إلى الحل الثاني.
إذا سلمنا بأن أفلاطون قد طرد كل الشعراء من مدينته الفاضلة فلا شك أننا سنجعل منه غير مُتحكم في ما يُنتجه من أحكام؛ أي أننا نجعله يتناقض مع نفسه، حيث يُصرح بحكم في محل ما من نصوصه ويأتي بما يناقضه في محل آخر؛ فإذا كانت حجة مهاجمة الآلهة وعدم احترامها، سببًا في تقويم أفلاطون السلبي للشعر فإنه يصف الشاعر في محاورة «أيون» بكونه يتلقى الإلهام من ربة الشعر والآلهة، وبكونه وسيطًا بينها والبشر، وناقلًا كلامها؛ ويفقد عقله وإحساسه في تلقيه الإلهام؛ ومن ثمة فهو شبيه بالنبي. وإذا أُثْبِت هذا الشبه للشاعر فهو- إذن- كائن مقدس؛ وإذا كان الأمر كذلك ألَا يستحق كل مقدسٍ الاحتفاءَ به، والإعلاء من قدْره، ومن ثمة يكُون طرده من المدينة الفاضلة غير مقبول البتة؟
ويَحُل أفلاطون نفسه هذا التناقض بقوله الآتي: «لكن علينا أن نبقى ثابتين في حكمنا أن الترانيم إلى الالهة والثناءات للرجال الشهيرين الفاضلين هي الشعر الوحيد الذي يجب أن نقبله في دولتنا». يُثبت هذا النص أولًا الثبات في الحكم الذي هو الوعي التام بضرورة انسجام الفكر وعدم تناقضه، ويُثبت ثانيًا عدم تضمن هذا الحكم طرد كل الشعراء من المدينة الفاضلة، ويتبدى هذا في الاستثناء الذي يخص به نوعًا من الشعر دون غيره، وهو الشعر الذي يتغنى بالآلهة ويسبحها، ويمدح البطولات والأعمال العظيمة، ويُمجد رجال الدولة العظماء، ويكتب تقاريظ تتصل بالفضيلة؛ أي ما ينسجم مع الخير الأعظم، ومع الجمال الحقيقي الذي يُلمح إليه في محاورته جورجياس (ما علم الكلام؟)، لا الجمال المزور. وليس هذا الشعر سوى الشعر الغنائي بالدرجة الأولى.
يتضح- إذن- أن الشعراء الغنائيين مستثنون من الطرد من المدينة الفاضلة، وأن من هو معني بالعيش خارجها هم الشعراء التراجيديون بالدرجة الأولى لسببين يتصل أولهما بالتقليد (التمثيل) الشعري السيئ، ويتصل ثانيهما بمفهوم التطهير. يقول أفلاطون في صدد السبب الأول: «إن كل التقليد الشعري هو مخرب لفهم المستمعين، ما لم يمتلك فهم الطبيعة الحقيقية للشعر الأصلي كترياق ضد السموم». هناك- إذن- طبيعتان للتمثيل الشعري: طبيعة حقيقية وطبيعة مزيفة. وإذا كان الشعر الحقيقي يبتعد- من حيث تمثيله الحقيقة- بثلاث درجات؛ فهو قادر على تمثيل الفضيلة والخير الأعظم بتمجيد الإلهي والبطولي، أما الشعر غير الحقيقي فيمثل الأهواء المتقلبة التي يُعبر عنها أفلاطون بالسموم؛ وهذا التمثيل المزيف قائم على الخداع والتضليل والتملق. ولا يقتصر السوء في تحديد الشعر المزيف على التمثيل (المحاكاة) فحسب، بل يشمل أيضًا وظيفته المتمثلة في التطهير (التراجيديا). صحيح أن مصطلح التطهير أرسطي، لكن تفسيره موجود بكل وضوح في محاورة أيون؛ حيث يظهر تمثيل العواطف الأنثوية الدالة على الضعف من قِبَل الرجال، من طريق جعل المتفرج يُسقطها على الممثلين الذين هم في وضع يُثير الرحمة والشفقة والخوف. وهذا الإسقاط هو تعبير غير مباشر عنها؛ وهو الشيء الذي يتناقض مع البطولي المستند إلى الصبر على المُحزِن، وعدم إظهاره بتدعيم من القوة العقلية.

٭ أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
جيران:القصةالقصيرة ومأزق التجريب… ضرورة جمالية مكونة للادب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: