كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى   الإثنين مارس 23, 2015 2:13 pm

23 mai 2010
حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى



عبدالله المتقي 11  مايو 2010



حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى

مصطفى يعلى :إنسان بسيط، وكاتب مغربي من طراز خاص ، ولد مع نهاية الحرب العالمية الساخنة وانطلاق الحرب العالمية
الباردة ، هو مثل باقي جيله نتاج لهاتين الحربين المدمرتين ، قضى عمره ومازال ، مهووسا بالكلمة قراءة وكتابة وتدريسا،ملأت القصة القصيرة لديه فراغا داخليا نفسيا ، في مرحلة صعبة من تاريخ المغرب،ماكان له أن يتحمل توتراتها دون تنفيس ومغالبة وتحسس لنبضها.
ففضلا عن مجاميعه القصصية الأربع ( ” أنياب طويلة في وجه المدينة “-”دائرة الكسوف”-”لحظة الصفر”-”شرخ كالعنكبوت “)،ورسالته الرائدة حول ” ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب ” ، و”السرد ذاكرة “، يوالي توسيع البحث وتعميقه في قضايا القصص الشعبي الوطني والعربي..
التقيناه فكان هذا الحوار::

الزمن المغربي الراهن ،فإن أقل ما يمكن أن يقال في حقه كونه ( زمن المتاهة)

القنيطرة : عبد الله المتقي

●بماذا تطالب القصة القصيرة لحظة ممارستها، هل تقول الحقيقة، تفضح المسكوت عنه، ماذا تنتظر منها بالضبط؟
■ في الواقع، لم يكن يخطر ببالي خلال كتابة القصة القصيرة سوى كتابة قصة قصيرة. أي أن تجسد ما كان يسكنني من انفعال تجاه حدث أو موقف ما، بطريقة سردية تحقق شروطا فنية تصنع نصا أدبيا معينا يمكن وصفه بأنه (قصة قصيرة). فما كان يشغلني أولويا، هو نشوى التقاط حدث ساخن، ومحاولة إخراجه من واقعه العيني، ثم وضعه على محك القص.
ونظرا لكثافة القصة القصيرة وزخم عوالمها، تتحقق فيها كل الأهداف الواردة في سؤالك. فالقصة القصيرة، كما تعلم أنت أيضا بصفتك قصاصا ماهرا وموهوبا، عالم موشوري يحتضن الحقائق ويفضح المسكوت عنه من طابوات وممارسات سلبية، ويرصد التصدعات، ويشخص المعاناة، ويجسد التوترات والأزمات الذاتية والموضوعية إلخ… ومن هنا تأتي بعض صعوبات معالجتها، ومغامرة نقدها.

● لو أتيح لك أن تستأنف حياتك القصصية من جديد، فعلى أي نحو ستمضي فيها / وبها ؟
■ هناك عوالم وقضايا ومواقف وانفعالات بسعة الحياة، لا يتسع لها عمر الفرد البيولوجي ولا الإبداعي للتعبير عنها، خصوصا وأن الحياة أصبحت تنتجها وتعيد إنتاج بعضها في إصرار، داخل عالم موبوء يشهد تهاوي القيم النبيلة بسرعة قياسية، مقابل صعود أضدادها عبر روافع تردي الواقع المأساوي وإمعانه في الانحطاط على جميع المستويات. فلو أتيحت الفرصة ثانية، وسمحت ظروف الحياة المعقدة التي تطرح شتى المعوقات وإكراهات المنع من الاستغراق في الكتابة، لكان من الممكن أن تجسد القصة القصيرة لدي بعضا من ذلك، بوسائل خطابها المتطورة الخاصة. لكن الأمل معقود على الكتابات الشابة، ومنوط بها التعبير عن ذلك، وتطوير أدوات القص لامتلاك القدرة على النفاذ إلى عمق الأشياء.
● “أنياب طويلة في وجه المدينة”، هو عنوان مجموعتك الأولى، ترى ما سر هذا العنف في باب الدخول ؟
■ هذا السؤال في عمقه ذو بعد تاريخي، لذا وجب أن يوجه إلى المرحلة التي كتبت فيها نصوص المجموعة (أنياب طويلة في وجه المدينة) بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. أي المرحلة التي أطلق عليها مؤخرا (سنوات الجمر) وما أشبه. إن طبيعتها كانت معجونة بالعنف والرعب والإحباط والقلق. فما عسى إذن أن يكتب شاب ناشئ يمتلئ طموحا وغيرة وحماسا، يجد نفسه في خضم هذا المخاض، ويعايش مختلف مظاهر كل ذلك العنف الذي أحدث خللا لدى جيل بأكمله، طرفا معادلته المتعاكسان هما طموح الاستقلال وآفاقه والإحباط الطبقي وقمعه؟. تصدع وأي تصدع أصاب المجتمع المغربي غداة الاستقلال، فشرخ نسقه وما عرف به من تماسك وتضامن انفرطا مع دخول المغرب في النفق المظلم.
ولعل ملاحظة ما غلف عنوان ( أنياب طويلة في وجه المدينة ) من عنف، تشير إلى أن هذا الأخير قد انبثق من واقع ناجز مرتبط عضويا بطبيعة المرحلة، وبذلك تكون تلك الصياغة ليست عنوانا لقصة واحدة محددة من المجموعة، بل إنها ذات دلالة على عوالم كل قصص المجموعة، إن لم تكن عنوانا لواقع شامل فرض فرضا على الوطن. وبهذا الفهم تكون قصصي وقصص جيلي أسيرة التجربة الشاملة للمرحلة. فالجميع كان يغمس ريشته في محبرة واحدة إلا أنها محبرة بألوان الطيف. ولك أن تتذكر في هذا السياق عناوين مجموعات قصصية معروفة محايثة مرحليا، من مثل ( بيوت واطئة ) لمحمد زفزاف، و(مجنون الورد) لمحمد شكري، و(حزن في الرأس وفي القلب) لإدريس الخوري و(العنف في الدماغ) و(سفر الإنشاء والتدمير) لأحمد المديني، و(ليسقط الصمت) لخناثة بنونة، و(ريح السموم) لرفيقة الطبيعة، و(سفر في أودية ملغومة) لمحمد غرناط، و(تمزقات) لمحمد صوف؛ بل وكذا عناوين قصص مفردة كـ (الظلام والأحزان) لمحمد السرغيني، و(الموت وبقول الأموات) لمحمد شكري، و(درهم السل) لجارك أحمد، و(السرطان) و(حرف F الملعون) ،لإدريس الخوري، و(الرقاص الأسود) لأحمد عبد السلام البقالي، و(أحزان النساء) و(الموت وما بعده) لمحمد زفزاف، و(المثلث المكسور) لمحمد بيدي، و(ألم الاحتضار) لمحمد أنقار، و(الفرار) لعبد الجبار السحيمي، و(أحلام الخريف الميتة) لمبارك الدريبي، و(الجثث والرائحة) لمحمد بعير قنديل، و(دم ودخان) لمبارك ربيع، و(شيء من الخنق الذاتي) لمصطفى المسناوي، و(حالات الارتداد والمسخ) لأبي يوسف طه، و(موت بلواز) لإدريس الصغير، و(الاختناق والرمي بالحجارة في شارع مكتظ) لبوشتى حاضي، و(الدخول في دائرة الحمق) لمحمد غرناط، و(يسألونك عن القتل) لأحمد بوزفور، و(صفر على الشمال) لمحمد صوف، و(غابة الدماء) لرفيقة الطبيعة، و(الصمت الممزق) لخناثة بنونة؛ واللائحة طويلة.

● مازال الجدل محتدما حول ما يسمى بالقصة القصيرة جدا، ما تصورك لمستقبلها؟ وكيف يمكن أن تتجه والى أين تسير؟
■ هذا الجدل سيستمر حادا خلال المستقبل المنظور دون شك، ذلك أن هذا الوليد الجديد أكيد سوف يدخل في صراع مرير بحثا عن إقامته بين السرود المختلفة المعروفة، وفي مقدمتها القصة القصيرة، لكونه أقرب إليها وأكثر التباسا بها، قبل أن تتكرس القصة القصيرة جدا قطبا سرديا مهما، وتأخذ مكانها المرموق كواحدة من أبلغ أدوات التعبير عن العصر. فهي ستفرض ذاتها في النهاية مثلما حدث لأختها الكبرى القصة القصيرة التي فرضت نفسها بين القرنين التاسع عشر والعشرين أمام الرواية التي سبقت إلى احتكار الصدارة منذ استهلال القرن السادس عشر الميلادي، بوصفها إمكانية رائعة وناجعة للتعبير عن تطلعات البورجوازية الصاعدة المتنورة.
إن لدي عددا من الدلائل على هذا التوقع المؤازر للقصة القصيرة جدا، ألخصها كالتالي:
1 ـ ميل طبيعة الراهن الحضاري إلى السرعة والدقة والتكثيف.
2 ـ إن شريحة المبدعين المتحمسة لاحتضان القصة القصيرة جدا هم كما هو ملحوظ فئة الشباب. فهم أصحاب الشأن في الموضوع، وهم الأكثر قدرة على اختيار ما يناسب حياتهم المتسارعة والغاصة بالأحداث والأزمات. ومستقبل الإبداع ممتد أمامهم.
3 ـ إن المفارقة المدهشة، والعمق الكشاف، والرمز النفاذ، والكثافة الخصبة، واللحظة الزمنية البارقة، ودقة التقسيم المدهشة، والطاقة الإيحائية الممتعة، والأساليب الشاعرية الشفافة، وما إلى ذلك من المكونات السردية التي تتمتع بها القصة القصيرة جدا، لتمثل الدعائم القوية لوقوفها على رجليها وتعلم الحبو ثم المشي فالجري.
على أن القصة القصيرة جدا ليست فنا سهلا، يمكن أن يركب موجته كل من استسهل التعامل معه. ففي اعتقادي أن معالجتها أصعب بكثير من القصة القصيرة، لكون المساحة الأفقية والعمودية المتوفرة لها أكثر ضيقا وكثافة مما توفره القصة القصيرة، وكأن الأمر أصبح يتعلق برؤوس قصص، إذ عليك عبر أسطر قليلة أو عبارات محدودة أن تفجر أكوانا وعوالم عجائبية غاية في الروعة والإدهاش تسطع مثل البرق الخاطف، فتحدث أثرها السريع الشيق في المتلقي، مستفيدة من بناء القصة القصيرة ورمزية الحكاية الخرافية وشفافية الشعر وتركيز المثل الشعبي وإيجاز الأسلوب البرقي وإحكام المثل. والمثال البليغ الذي يحضرني هنا هو قصة الديناصور للكاتب الغواتيمالي أوغسطو مونتيروسو المكونة من جملة واحدة (عندما استيقظ كان الديناصور لا يزال هناك). أليست هذه رواية كافكاوية مكتملة مضغوطة ومعلبة، فكم هو حجم الأسئلة التي يلقيها المتلقي عند الانتهاء من قراءة هذا النموذج، وبالضبط حول مراحله الكابوسية الثلاث : قبل نوم البطل، وخلال نومه، ولدى يقظته؟.
باختصار شديد، إن القصة القصيرة جدا تدهش ببلاغتها وليس بثرثرتها. وكما أشار الكاتب البويرتوريكي أنخيل ملدوندو أسيفيدو، ينبغي لكاتبها أن يفرق بين القصة القصيرة جدا والمقال القصير جدا.

● كيف تعاملت مع المرأة في تجربتك القصصية؟ وما هي مساحة حضورها في قصصك؟
■ عندما أراجع مسيرتي الإبداعية في حقل القصة القصيرة، أجد أنني تعاملت مع الجنسين ليس باعتبارهما كائنين نوعيين مختلفين، بل باعتبارهما شخوصا مجسدة لمضامين طبقية. فقد تتبوأ المرأة رأس السلم الاجتماعي، وتمارس أشنع مظاهر الاستبداد والتسلط كما الرجل أو أكثر، مثلما هو الأمر في ثلاثية (فصول من الزمن الآسن) بمجموعة ( أنياب طويلة في وجه المدينة ). وقد تتنزل إلى قاع السلم حيث الاستنزاف والاضطهاد والضياع، كما هي بطلة قصة ( المرأة التي قررت أن تهاجر ) من مجموعتي الأخيرة ( شرخ كالعنكبوت ). وكذلك الأمر بالنسبة للرجل، فهو تارة مرفه مستهتر متهور وظالم، وأخرى يكون مأزوما يعاني من الظلم والإحباط والضياع. والموقف المعالج في القصة هو الذي يرشح الرجل أو المرأة لتجسيد الحدث بكيفية أو أخرى.
من جهة ثانية، جاء حضور المرأة في قصصي نابعا من طبيعة المضامين والمواقف، وليس مقحما أو متعمدا لمجرد استحضار المرأة كامرأة في التجربة القصصية. ومن هنا كثيرا ما خلت بعض قصصي من وجودها قطعا، إذ لم تكن التجربة القصصية تستدعي أي حضور لها في عالم النص. والعكس صحيح، حيث احتلت المرأة في قصص أخرى كل مساحتها وملأت معظم فضائها، لكون الموقف أكد ترشيحها هي ذاتها لهذا الدور المهيمن في جسد القصة وليس الرجل الذي قد يحضر بصورة هامشية.

●هناك توهج قصصي بالمغرب، مجاميع، ملتقيات، نواد، جمعيات، كيف تقرأ هذا التوهج؟
■ لعل هذا التوهج القصصي الذي أشع في سماء الساحة الأدبية بالمغرب، دليل آخر على خطإ من سارعوا إلى التنبؤ بموت القصة القصيرة، أمام اكتساح تسونامي الرواية الذي هيمن على الحقل الإبداعي عندنا وعند غيرنا لسنوات، إن في العالم العربي وإن في الغرب. والحال أن النوع الإبداعي السردي الملائم لروح العصر هو القصة القصيرة بما فيها ربيبتها القصة القصيرة جدا تحديدا، لنفس الأسباب التي سبق أن عددتها عن مستقبل هذه الأخيرة. وفي اعتقادي أن هذا التوهج قطعا هو توهج إيجابي، يصب في استمرارية هذا الجنس الأدبي الفتي، ويحقق تراكما مهما نصوصا ومجاميع، ويحافظ على ديمومة ازدهاره وتألقه. بيد أنه لابد من الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المطلوب في هذه الموجة أو الصحوة المشجعة توفر حس المسؤولية فيمن يركبها، حتى تتم الإضافة المتوخاة والتطور المحسوب لمسار القصة القصيرة، وإلا فإن كثيرا مما ينشر باسم قصة قصيرة لا علاقة له بالقصة القصيرة، وإنما هو في أحسن الأحوال تمارين سردية ابتدائية أو كتابة سردية عمياء. فمن الواجب ألا يقترب الأدعياء والطفيليون عديمو الموهبة من محراب القصة القصيرة، حتى لا يدنسوها ويعرقلوا مسارها الجمالي المتطور.
[b]
● “دائرة الكسوف” ،”لحظة الصفر”،”شرخ كالعنكبوت ” ،عناوين تدهش كما تفتح شهية التلقي ، فمن أين يأتي عناوينك هذا الإدهاش؟
■ ربما حصل ذلك لكون عناوين المجموعات هي عناوين تركيبية مستخلصة من رحم النصوص القصصية. ذلك أن هناك عاملين جذريين يتحكمان في اختيار عناوين قصصي.
أولهما : الحرص الشديد على التحام العناوين بنصوصها على شكل استباق مشحون إغواء للمتلقي حتى يقبل على النص قراءة وتذوقا، بحيث تنطلق خيوطها من كل جزئيات الصياغة في العنوان نحو كل النص، وترتد كل خيوط النص إلى العنوان بنوع من المراوحة الملتحمة.
وثانيهما : عدم التسرع في وضع صياغة العنوان. إذ يحتاج الأمر إلى وقت طويل تتم فيه عملية معالجة الصياغة بالحذف والإضافة والتغيير والاستبدال والتنقيل إلخ.. على ضوء العامل الأول السابق، إضافة إلى تحكيم الذوق والإيقاع والأساس الشعري ودقة التقسيم، قبل أن يقع الاستقرار على الاختيار النهائي للصياغة المفضلة للعنوان.
وبذلك يصير العنوان كما لو كان قصة قصيرة جدا مكونة من كلمة أو كلمتين أو ثلاث.. على شاكلة قصة الديناصور المنوه بها آنفا.

●أنت مقل قصصيا، ولكنك ” حرايفي” / صنايعي، مارأيك؟
■ لم أكن مقلا بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كنت في زهرة العمر، والمسؤوليات محدودة، إن على مستوى العمل بالتعليم الثانوي أو على المستوى الأسري. لكن بعد أن تعددت المسؤوليات وتشابكت في العمل الجامعي والأسرة والحياة، انتفى التركيز والاستغراق فقط في عالم الإبداع، ذلك أن اهتماماتي قد توزعت بين البحث والدرس الجامعيين، والحاجيات العائلية اليومية، والكتابة الإبداعية. دون أن أنسى عامل السن، فلم يعد الأمر متعلقا بمحاولة حفر اسم كاتب ناشئ في الساحة الأدبية. بل أصبحت التجربة القصصية تساير طبيعة المرحلة العمرية الناضجة، حيث لا تسرع ولا جري وراء شهرة موهومة. وبذلك أصبحت الكتابة الإبداعية نوعا من تحصيل التوازن النفسي. فلم أعد أكتب قصة إلا إذا هزني حدث أو موقف ما، وانفعلت به إلى النسغ، وسكنني مدة قد تطول غالبا لتتيح للتجربة أن تنكتب ببطء في الذاكرة قبل أن تصب على الورق أخيرا.
أما ما لاحظته من حرفية، فلعله ناتج عن كوني كنت دائما أعتقد أن الكتابة الإبداعية ليست موهبة فحسب، ولا هي محض دراسة لتقنيات القص لا غير، بل إن ضرورة الجمع بين الجانبين أمر حتمي. وهنا تحضرني هذه القولة لتوماس ي. بيرنز في معرض حديثه عن عناصر الأقصوصة : إن الكاتب (( ليس الخبير الذي يعرض مجوهراته، إنما هو رجل الصنعة الذي يصقل حجرا صغيرا ليكون صلدا كافي التألق كريما )).

●وصف الشاعر إدريس الملياني جيل السبعينيات ب”جيل المحرقة ” ،فبأي الصفات تصف الزمن المغربي الآن؟
■ إن وصف الصديق إدريس الملياني لتلك المرحلة، هو توصيف يؤكد ما طرحته عنها من مواصفات خلال جوابي على سؤالك الخامس. أما بالنسبة للزمن المغربي الراهن، فإن أقل ما يمكن أن يقال في حقه كونه ( زمن المتاهة ) ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بله سياسيا.. فقد اختلطت المفاهيم والقيم والتوجهات، ولم يعد الطريق واضحا كما كان من قبل. انظر إلى الكتابة الإبداعية والفكرية، وإلى نظام التعليم، والعلائق الاجتماعية، والممارسات السياسية وغيرها، فلن تجد وضوحا ولا انسجاما ولا استقرارا، بل هو التخبط والتشظي والإرهاق والاضطراب بين الجهات الأربع بحثا عن السراب.

● أصدرت في بحر السنة الحالية ( 2009) كتاب” السرد ذاكرة “، لماذا هذه العودة للذاكرة ؟
■ من أهم ما يتعلمه الباحث في العمل الجامعي، ألا يحصر نظره إلى الأشياء والظواهر في صورتها الراهنة فقط، بل لابد له من الرجوع إلى الوراء للوقوف على نشأتها وتطورها والقضايا والإشكالات التي سبق أن طرحتها في الماضي، وذلك من أجل فهمها فهما صحيحا ودقيقا توخيا للوصول إلى النتائج الجديدة المضبوطة. وقد حصل معي شيء من هذا. فقد كنت أعتقد في البداية أن القصة القصيرة قد ظهرت في المغرب خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، مع عبد الكريم غلاب وأحمد عبد السلام البقالي وعبد المجيد بنجلون وعبد الجبار السحيمي وربيع مبارك ومحمد زفزاف وإدريس الخوري وخناثة بنونة ورفيقة الطبيعة، وغيرهم ممن كانوا يوالون نشر نصوصهم في المنابر الوطنية أو في المجموعات النادرة التي كانت تصدر بين الحين والآخر. وقد زكى هذا الاعتقاد الخاطئ كون بعض من أولئك الكتاب سامحهم الله، كانوا يدلون أحيانا في بعض المناسبات، إما عن جهل أو عن قصد، بتصريحات يدعون فيها أن بداية القصة القصيرة حدثت بالمغرب بداية الستينات، أي منذ بدأوا هم معالجتها!. بيد أنني لما استغرقت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في تحضير دبلوم الدراسات العليا، حول موضوع ( ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات )، قادني التدقيق والاستقصاء إلى استكشاف العمر الحقيقي وليس الافتراضي المبيت للقصة القصيرة بالمغرب، فهو أطول بكثير، وقد يعود إلى مستهل القرن العشرين لدى بعض الباحثين، وإلى بداية الثلاثينيات لدى البعض الآخر، وإلى مطلع الأربعينيات عند غيرهم، كما تمكنت من الوقوف على كمّ التراكم الفعلي الذي حققه الكتاب المغاربة، حيث تفاجأت بأنه أضخم بكثير مما هو معروف. وهذا التحقق هو ما انعكس على البيبليوغرافيا التي أعددتها سواء عن القصص المغربي المنشور منتفرقا في المنابر الصحفية، أم المركون بين دفتي المجاميع القصصية، وفق ما يتجلى في كتابي ( السرد المغربي 1930 ـ 1980 : بيبليوغرافيا متخصصة ).
وبالعودة إلى سؤالك، يمكنني أن أزعم أن الرجوع إلى ذاكرة القصة المغربية، يصب في هدفين اثنين رئيسين إلى جانب تجاوز بعض اللبس الذي طالها في كثير من قضاياها:
أولهما : خدمة الحقيقة التي تقول بأن التسلسل والاستمرارية شرطان أساسيان في طبيعة الظواهر الأدبية، التي لا تعترف بالحواجز من أي نوع كانت، ولا بحرق المراحل دفعة واحدة، ولا بالولادة القيصرية، ولا بالسكتة القلبية المفاجئة.
وثانيهما : يكمن في الرغبة في تكريس حاجتنا إلى تذكير الأجيال الجديدة ـ في ارتباط بالهدف الأول ـ بمنجز الأجيال السابقة، وضرورة الاستفادة من تجاربهم الرائدة بغض النظر عن نوعيتها، عملا بمبدإ تكامل المعرفة وتوالد الظواهر الأدبية عن طريق التسلسل والإضافات المحسوبة، في سلم تطور محكوم بمستجدات الحياة وصيرورتها.
ولا تنس أن التذكر والتذكير هما من مستلزمات مرحلتي الكهولة والشيخوخة. وأنا قد تجاوزت الستين من العمر، مما يعني أن جذوة ذاكرتي القديمة توجد في ذروة نشاطها.

● أنت متخصص في نقد السرد الشعبي ولك دراسات نقدية في هذا المجال ،فما دافعك إلى هذا النقد؟ ما جدواه ؟ وما أثره في إبداعك القصصي؟
■ إن هنالك عددا من الدوافع حفزتني إلى هذا التخصص، أبرز من بينها:
أولا: هذا التشرب بالحكايات الشعبية منذ الطفولة، حسبما أشرت إليه آنفا خلال الجواب على سؤالك الثاني.
ثانيا: اختيار موضوع القصص الشعبي على المستوى الأكاديمي إشكالية لإعداد أطروحتي لنيل دكتوراه الدولة في الأدب.
ثالثا: إنني نشأت وشببت في عصر الجماهير والتضامن الشعبي، مع المد القومي العربي، واستقلال الأقطار العربية تباعا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بفضل تضحيات الشعوب، حيث كثر الاهتمام حينها بالجماهير الشعبية وإن بأهداف احتفالية ديماغوجية مبطنة، كشفت زيفها الممارسات السياسية المتبعة أثناء العقود الموالية.
وهكذا حصل من ناحيتي الاهتمام بحقل من حقول ثقافة الشعب، ومحاولة رد بعض الاعتبار المتواضع لإبداعه، الذي طالما اشتكى من الإقصاء، والإهمال إن لم أقل الاحتقار.
وبالنسبة للجدوى، فإنني مقتنع كل الاقتناع بفائدة ومتعة الإبداع الشعبي، ومقدر له بنفس درجة تقديري للأدب الرسمي. فالأدب سواء كان شعبيا أم رسميا قيمته في ذاته، ويوجد في كل منهما الجميل الرائع والرديء التافه. ولا عجب، فقد قامت كثير من التطبيقات المنهجية الحديثة والمعاصرة لدى مجترحيها على القصص الشعبي أساسا والحكاية العجيبة تخصيصا، قبل أن تتخذ من المتون الأدبية الرسمية حقلا لدراساتها النظرية والتطبيقية، وفق ما نرى عند بروب، وشتراوس، وغريماس وكورتيس، وبريموند، وبتلهايم وغيرهم. ولولا القيمة الجمالية الاعتبارية المضافة لهذا السرد لما اهتم به أحد من أولئك الرواد.
وعطفا على كل هذا، يبدو من الطبيعي أن يتسلل شيء من ذلك الموروث الشعبي إلى قصصي بكيفية أو بأخرى، كما يبدو في بعض قصص مجموعتي (دائرة الكسوف) و(لحظة الصفر) على وجه الخصوص. وإذا تذكرنا أن القصة القصيرة هي سليلة الحكاية الشعبية، سوف ينتفي أي استغراب تجاه ذلك. فقط يجب أن ألح على أن هذا التأثير لا يظهر مباشرة وبصورة مقحمة وذيلية، بل ينصهر في طيات النصوص متحولا إلى مكون بنائي عضوي داخلها. وأكيد أن تأثير القصص الشعبي بسبب غناه وعمق رموزه كان ولا يزال مصدرا مهما لكثير من التجارب الإبداعية العالمية ذات القيمة العالية لدى كبار الكتاب المرموقين من الأجانب والعرب. ويكفي أن أشير إلى رواية (منزل الجميلات النائمات) للكاتب الياباني ياسوناري كواباطا الحاصل على جائزة نوبل سنة 1968، ورواية (مذكرة مومساتي الحزينات) للكاتب الكولومبي المعروف غبرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل أيضا سنة 1982، وكذا في قصته القصيرة (طائرة الجميلة النائمة)، بله رواية (مائة عام من العزلة)، حيث يتحول النوم إلى مكون أساسي في بناء تلك النصوص، استلهاما للحكايتين الشعبيتين المشهورتين (الجميلة النائمة في الغابة) و(البيضاء كالثلج)، الناهضتين جذريا على تيمة النوم الرمزية.

● كيف يقيم مصطفى يعلى النقد القصصي بالمغرب ؟
■ يبدو أن هناك أمرين سلبيين ساهما في عرقلة انطلاق وتطور النقد الأدبي بالمغرب عامة، والنقد السردي بصفة خاصة.
الأمر الأول، اشتد مع سبعينيات القرن الماضي، في فترة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، ويتعلق بهيمنة النزعة الإيديولوجية الطفولية، مما فسح المجال للزبونية والشللية في التعامل مع النصوص الإبداعية انطلاقا من السؤال: من معنا ومن ليس معنا؟، وليس من قيمتها الجمالية الذاتية. وهو ما تسبب في إحباط أو صمت عدد من الأصوات الواعدة، والنفخ بالمقابل في أسماء أخرى لا موهبة لها. ومن هنا نتوء بعض المعارك التي يمكن تسميتها تجاوزا معارك نقدية، والتي كانت الملاحق الأدبية لبعض الصحف الوطنية مسرحا لها، موغلة فيما هو شخصي بصورة سمجة، في الوقت الذي كان ينبغي أن ينصب النقاش والإثراء على ما هو أدبي ونقدي حقا.
ولا يقل الأمر الثاني سلبية عن الأول، رغم أنه كان ذا صلة بموجة المناهج الغربية الجديدة المشتغلة على السرد أساسا، التي اكتسحت الساحة الأدبية المغربية ابتداء من أواسط السبعينيات، إن على مستوى الكتابة الحرة وإن على مستوى البحث الأكاديمي نظريا وتطبيقيا. وكان من المفروض أن تكون تلك المناهج الرائدة، قد ساهمت في بلورة رؤية نقدية متسلحة بالنظرة العلمية الموضوعية، لكن الأمر لم يكن كذلك في أغلب الأحيان. ذلك أن اللغط الذي ساد النقاشات النظرية والحذلقات التي طبعت المحاولات التطبيقية، في خضم تلك الموجة، لم تسفر عن تحقيق شيء مهم على مستوى الإنجاز، بقدر ما تسببت في حالة استلاب مربك للناقد والباحث والطالب والأستاذ والتلميذ والمتلقي المتابع. إذ تحول الأمر إلى نوع من التعولم والأداء السطحيين المسندين بنجمية موهومة سرعان ما بهتت ثم انطفأت. من غير أن ننسى الإشارة إلى أن الظاهرة قد تحولت لدى بعضهم إلى نوع من الترجمة الصرف، فما كتبوه بأسمائهم لم يكن في حقيقته سوى استنساخ لجهود أسماء لامعة من رواد تلك المناهج أمثال بارت وجنيت وغريماس وتودوروف وأندادهم. على أننا خوفا من التعميم ننوه أيضا ببعض الاستثناءات القليلة الجادة، وخاصة في حقل الجامعة بالنسبة للرسائل والأطاريح التي حققت تراكما ملحوظا خلال الثلاثين سنة الماضية. وإلا فكم هو حجم المنجز الذي استحصلته المكتبة المغربية والعربية خلال العقود الثلاثة الماضية قياسا إلى كل ذلك اللغط.
ويبدو في الأفق أن كتاب ونقاد مطلع الألفية الثالثة، قد أخذوا يتحررون من بعض تلك المسلكيات السلبية، مما يؤشر إلى محاولة التخلص من عثرات الآباء والتطلع نحو ارتياد آفاق خلاقة ومثمرة، من شأنها أن تحقق ما لم يستطعه الآباء الرواد. أقصد اجتراح مدرسية نقدية مغربية حقيقية وصحية ، مستندة إلى نظرية نقدية أصيلة مبتكرة تستفيد من غيرها، ولكنها تسمح بأن نعترف لها بكونها صنع مغربي عربي.
● ما مصير القصة القصيرة أمام هذه الثورة المعلوماتية والافتراضية؟
■ دائما كنت ولا زلت أعتقد أن القصة القصيرة هي النوع الأدبي الأكثر ملاءمة من جنس السرد لعصرنا بامتياز، على اعتبار هذا الأخير المحك الذي تبرز من خلاله قدرتها على استظهار طاقتها البلاغية المتوهجة. وذلك بسبب ما يتصف به هذا العصر من وتيرة السرعة الفائقة، وزخم الأحداث اليومية المتشعبة، ونوعية التقنيات الآلية المتلاحقة الاستحداث في الحياة الجديدة، والقدرة التواصلية الخارقة المنجزة مؤخرا، وغيرها من الظواهر المدهشة التي تسللت إلى حياتنا وصارت جزء من برنامجنا اليومي. إن كل هذه الظواهر تخدم القصة القصيرة وترشحها لاحتلال الصدارة في التعبير عن روح العصر، حيث سيزداد قصرها، وتتضاعف إمكانية التكثيف فيها نظرا لتشعب الحياة، ويتطور معمارها وأدوات التعبير فيها تأثرا بالمنجزات التكنولوجية المتلاحقة، وخاصة في مجال التصوير السردي. مما سيمكنها من تفتيق طاقتها التخييلية بتأثير عجائبية العالم الجديد وغرابته الكامنتين في كثير من الاختراعات المذهلة كما في الأنترنيت مثلا، وتتمكن بالتالي من تجسيد نبضات الواقع الجديد وكشف تناقضاته ومعالجة أزمات الشخصية الإنسانية في عالم رقمي صاخب متوتر وتائه.
وتذكر أن القصة القصيرة الحديثة، قد تصادف تأسيسها في القرن التاسع عشر، مع انتشار الثورة الصناعية. ومنذ ذلك الحين والرهان قائم على دعم هذا النوع السردي الحديث الولادة بوصفه الأداة التعبيرية الأساسية عن العصر الصناعي، والتكنولوجي فيما بعد، مثلما كانت الرواية ملحمة برجوازية تعبر عن حياة وتطلعات البورجوازية خاصة في فترة صعودها، كما ذهب كل من هيجل ولوكاش. علما بأن القصة القصيرة كما يؤكد فرانز أوكونور في كتابه (الصوت المنفرد)، تعتبر فن الجماعة المغمورة، والإنسان الضائع في زحمة الحياة. وضياع الفرد ماديا ونفسيا وروحيا في المرحلة الحضارية المعيشة، يكاد يكون هو القاعدة في عصرنا.

● في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك : أين أفضت بك غواية الكتابة بعد هذه السنين؟
■ إلى بحر الكتابة

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الخميس أبريل 21, 2016 9:36 am عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: تتمة الحوار 2   الإثنين مارس 23, 2015 2:14 pm

admin كتب:

23 mai 2010
حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى



عبدالله المتقي 11  مايو 2010


● “دائرة الكسوف” ،”لحظة الصفر”،”شرخ كالعنكبوت ” ،عناوين تدهش كما تفتح شهية التلقي ، فمن أين يأتي عناوينك هذا الإدهاش؟
■ ربما حصل ذلك لكون عناوين المجموعات هي عناوين تركيبية مستخلصة من رحم النصوص القصصية. ذلك أن هناك عاملين جذريين يتحكمان في اختيار عناوين قصصي.
أولهما : الحرص الشديد على التحام العناوين بنصوصها على شكل استباق مشحون إغواء للمتلقي حتى يقبل على النص قراءة وتذوقا، بحيث تنطلق خيوطها من كل جزئيات الصياغة في العنوان نحو كل النص، وترتد كل خيوط النص إلى العنوان بنوع من المراوحة الملتحمة.
وثانيهما : عدم التسرع في وضع صياغة العنوان. إذ يحتاج الأمر إلى وقت طويل تتم فيه عملية معالجة الصياغة بالحذف والإضافة والتغيير والاستبدال والتنقيل إلخ.. على ضوء العامل الأول السابق، إضافة إلى تحكيم الذوق والإيقاع والأساس الشعري ودقة التقسيم، قبل أن يقع الاستقرار على الاختيار النهائي للصياغة المفضلة للعنوان.
وبذلك يصير العنوان كما لو كان قصة قصيرة جدا مكونة من كلمة أو كلمتين أو ثلاث.. على شاكلة قصة الديناصور المنوه بها آنفا.

●أنت مقل قصصيا، ولكنك ” حرايفي” / صنايعي، مارأيك؟
■ لم أكن مقلا بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كنت في زهرة العمر، والمسؤوليات محدودة، إن على مستوى العمل بالتعليم الثانوي أو على المستوى الأسري. لكن بعد أن تعددت المسؤوليات وتشابكت في العمل الجامعي والأسرة والحياة، انتفى التركيز والاستغراق فقط في عالم الإبداع، ذلك أن اهتماماتي قد توزعت بين البحث والدرس الجامعيين، والحاجيات العائلية اليومية، والكتابة الإبداعية. دون أن أنسى عامل السن، فلم يعد الأمر متعلقا بمحاولة حفر اسم كاتب ناشئ في الساحة الأدبية. بل أصبحت التجربة القصصية تساير طبيعة المرحلة العمرية الناضجة، حيث لا تسرع ولا جري وراء شهرة موهومة. وبذلك أصبحت الكتابة الإبداعية نوعا من تحصيل التوازن النفسي. فلم أعد أكتب قصة إلا إذا هزني حدث أو موقف ما، وانفعلت به إلى النسغ، وسكنني مدة قد تطول غالبا لتتيح للتجربة أن تنكتب ببطء في الذاكرة قبل أن تصب على الورق أخيرا.
أما ما لاحظته من حرفية، فلعله ناتج عن كوني كنت دائما أعتقد أن الكتابة الإبداعية ليست موهبة فحسب، ولا هي محض دراسة لتقنيات القص لا غير، بل إن ضرورة الجمع بين الجانبين أمر حتمي. وهنا تحضرني هذه القولة لتوماس ي. بيرنز في معرض حديثه عن عناصر الأقصوصة : إن الكاتب (( ليس الخبير الذي يعرض مجوهراته، إنما هو رجل الصنعة الذي يصقل حجرا صغيرا ليكون صلدا كافي التألق كريما )).

●وصف الشاعر إدريس الملياني جيل السبعينيات ب”جيل المحرقة ” ،فبأي الصفات تصف الزمن المغربي الآن؟
■ إن وصف الصديق إدريس الملياني لتلك المرحلة، هو توصيف يؤكد ما طرحته عنها من مواصفات خلال جوابي على سؤالك الخامس. أما بالنسبة للزمن المغربي الراهن، فإن أقل ما يمكن أن يقال في حقه كونه ( زمن المتاهة ) ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بله سياسيا.. فقد اختلطت المفاهيم والقيم والتوجهات، ولم يعد الطريق واضحا كما كان من قبل. انظر إلى الكتابة الإبداعية والفكرية، وإلى نظام التعليم، والعلائق الاجتماعية، والممارسات السياسية وغيرها، فلن تجد وضوحا ولا انسجاما ولا استقرارا، بل هو التخبط والتشظي والإرهاق والاضطراب بين الجهات الأربع بحثا عن السراب.

● أصدرت في بحر السنة الحالية ( 2009) كتاب” السرد ذاكرة “، لماذا هذه العودة للذاكرة ؟
■ من أهم ما يتعلمه الباحث في العمل الجامعي، ألا يحصر نظره إلى الأشياء والظواهر في صورتها الراهنة فقط، بل لابد له من الرجوع إلى الوراء للوقوف على نشأتها وتطورها والقضايا والإشكالات التي سبق أن طرحتها في الماضي، وذلك من أجل فهمها فهما صحيحا ودقيقا توخيا للوصول إلى النتائج الجديدة المضبوطة. وقد حصل معي شيء من هذا. فقد كنت أعتقد في البداية أن القصة القصيرة قد ظهرت في المغرب خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، مع عبد الكريم غلاب وأحمد عبد السلام البقالي وعبد المجيد بنجلون وعبد الجبار السحيمي وربيع مبارك ومحمد زفزاف وإدريس الخوري وخناثة بنونة ورفيقة الطبيعة، وغيرهم ممن كانوا يوالون نشر نصوصهم في المنابر الوطنية أو في المجموعات النادرة التي كانت تصدر بين الحين والآخر. وقد زكى هذا الاعتقاد الخاطئ كون بعض من أولئك الكتاب سامحهم الله، كانوا يدلون أحيانا في بعض المناسبات، إما عن جهل أو عن قصد، بتصريحات يدعون فيها أن بداية القصة القصيرة حدثت بالمغرب بداية الستينات، أي منذ بدأوا هم معالجتها!. بيد أنني لما استغرقت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات في تحضير دبلوم الدراسات العليا، حول موضوع ( ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات )، قادني التدقيق والاستقصاء إلى استكشاف العمر الحقيقي وليس الافتراضي المبيت للقصة القصيرة بالمغرب، فهو أطول بكثير، وقد يعود إلى مستهل القرن العشرين لدى بعض الباحثين، وإلى بداية الثلاثينيات لدى البعض الآخر، وإلى مطلع الأربعينيات عند غيرهم، كما تمكنت من الوقوف على كمّ التراكم الفعلي الذي حققه الكتاب المغاربة، حيث تفاجأت بأنه أضخم بكثير مما هو معروف. وهذا التحقق هو ما انعكس على البيبليوغرافيا التي أعددتها سواء عن القصص المغربي المنشور منتفرقا في المنابر الصحفية، أم المركون بين دفتي المجاميع القصصية، وفق ما يتجلى في كتابي ( السرد المغربي 1930 ـ 1980 : بيبليوغرافيا متخصصة ).
وبالعودة إلى سؤالك، يمكنني أن أزعم أن الرجوع إلى ذاكرة القصة المغربية، يصب في هدفين اثنين رئيسين إلى جانب تجاوز بعض اللبس الذي طالها في كثير من قضاياها:
أولهما : خدمة الحقيقة التي تقول بأن التسلسل والاستمرارية شرطان أساسيان في طبيعة الظواهر الأدبية، التي لا تعترف بالحواجز من أي نوع كانت، ولا بحرق المراحل دفعة واحدة، ولا بالولادة القيصرية، ولا بالسكتة القلبية المفاجئة.
وثانيهما : يكمن في الرغبة في تكريس حاجتنا إلى تذكير الأجيال الجديدة ـ في ارتباط بالهدف الأول ـ بمنجز الأجيال السابقة، وضرورة الاستفادة من تجاربهم الرائدة بغض النظر عن نوعيتها، عملا بمبدإ تكامل المعرفة وتوالد الظواهر الأدبية عن طريق التسلسل والإضافات المحسوبة، في سلم تطور محكوم بمستجدات الحياة وصيرورتها.
ولا تنس أن التذكر والتذكير هما من مستلزمات مرحلتي الكهولة والشيخوخة. وأنا قد تجاوزت الستين من العمر، مما يعني أن جذوة ذاكرتي القديمة توجد في ذروة نشاطها.

● أنت متخصص في نقد السرد الشعبي ولك دراسات نقدية في هذا المجال ،فما دافعك إلى هذا النقد؟ ما جدواه ؟ وما أثره في إبداعك القصصي؟
■ إن هنالك عددا من الدوافع حفزتني إلى هذا التخصص، أبرز من بينها:
أولا: هذا التشرب بالحكايات الشعبية منذ الطفولة، حسبما أشرت إليه آنفا خلال الجواب على سؤالك الثاني.
ثانيا: اختيار موضوع القصص الشعبي على المستوى الأكاديمي إشكالية لإعداد أطروحتي لنيل دكتوراه الدولة في الأدب.
ثالثا: إنني نشأت وشببت في عصر الجماهير والتضامن الشعبي، مع المد القومي العربي، واستقلال الأقطار العربية تباعا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بفضل تضحيات الشعوب، حيث كثر الاهتمام حينها بالجماهير الشعبية وإن بأهداف احتفالية ديماغوجية مبطنة، كشفت زيفها الممارسات السياسية المتبعة أثناء العقود الموالية.
وهكذا حصل من ناحيتي الاهتمام بحقل من حقول ثقافة الشعب، ومحاولة رد بعض الاعتبار المتواضع لإبداعه، الذي طالما اشتكى من الإقصاء، والإهمال إن لم أقل الاحتقار.
وبالنسبة للجدوى، فإنني مقتنع كل الاقتناع بفائدة ومتعة الإبداع الشعبي، ومقدر له بنفس درجة تقديري للأدب الرسمي. فالأدب سواء كان شعبيا أم رسميا قيمته في ذاته، ويوجد في كل منهما الجميل الرائع والرديء التافه. ولا عجب، فقد قامت كثير من التطبيقات المنهجية الحديثة والمعاصرة لدى مجترحيها على القصص الشعبي أساسا والحكاية العجيبة تخصيصا، قبل أن تتخذ من المتون الأدبية الرسمية حقلا لدراساتها النظرية والتطبيقية، وفق ما نرى عند بروب، وشتراوس، وغريماس وكورتيس، وبريموند، وبتلهايم وغيرهم. ولولا القيمة الجمالية الاعتبارية المضافة لهذا السرد لما اهتم به أحد من أولئك الرواد.
وعطفا على كل هذا، يبدو من الطبيعي أن يتسلل شيء من ذلك الموروث الشعبي إلى قصصي بكيفية أو بأخرى، كما يبدو في بعض قصص مجموعتي (دائرة الكسوف) و(لحظة الصفر) على وجه الخصوص. وإذا تذكرنا أن القصة القصيرة هي سليلة الحكاية الشعبية، سوف ينتفي أي استغراب تجاه ذلك. فقط يجب أن ألح على أن هذا التأثير لا يظهر مباشرة وبصورة مقحمة وذيلية، بل ينصهر في طيات النصوص متحولا إلى مكون بنائي عضوي داخلها. وأكيد أن تأثير القصص الشعبي بسبب غناه وعمق رموزه كان ولا يزال مصدرا مهما لكثير من التجارب الإبداعية العالمية ذات القيمة العالية لدى كبار الكتاب المرموقين من الأجانب والعرب. ويكفي أن أشير إلى رواية (منزل الجميلات النائمات) للكاتب الياباني ياسوناري كواباطا الحاصل على جائزة نوبل سنة 1968، ورواية (مذكرة مومساتي الحزينات) للكاتب الكولومبي المعروف غبرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل أيضا سنة 1982، وكذا في قصته القصيرة (طائرة الجميلة النائمة)، بله رواية (مائة عام من العزلة)، حيث يتحول النوم إلى مكون أساسي في بناء تلك النصوص، استلهاما للحكايتين الشعبيتين المشهورتين (الجميلة النائمة في الغابة) و(البيضاء كالثلج)، الناهضتين جذريا على تيمة النوم الرمزية.

● كيف يقيم مصطفى يعلى النقد القصصي بالمغرب ؟
■ يبدو أن هناك أمرين سلبيين ساهما في عرقلة انطلاق وتطور النقد الأدبي بالمغرب عامة، والنقد السردي بصفة خاصة.
الأمر الأول، اشتد مع سبعينيات القرن الماضي، في فترة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، ويتعلق بهيمنة النزعة الإيديولوجية الطفولية، مما فسح المجال للزبونية والشللية في التعامل مع النصوص الإبداعية انطلاقا من السؤال: من معنا ومن ليس معنا؟، وليس من قيمتها الجمالية الذاتية. وهو ما تسبب في إحباط أو صمت عدد من الأصوات الواعدة، والنفخ بالمقابل في أسماء أخرى لا موهبة لها. ومن هنا نتوء بعض المعارك التي يمكن تسميتها تجاوزا معارك نقدية، والتي كانت الملاحق الأدبية لبعض الصحف الوطنية مسرحا لها، موغلة فيما هو شخصي بصورة سمجة، في الوقت الذي كان ينبغي أن ينصب النقاش والإثراء على ما هو أدبي ونقدي حقا.
ولا يقل الأمر الثاني سلبية عن الأول، رغم أنه كان ذا صلة بموجة المناهج الغربية الجديدة المشتغلة على السرد أساسا، التي اكتسحت الساحة الأدبية المغربية ابتداء من أواسط السبعينيات، إن على مستوى الكتابة الحرة وإن على مستوى البحث الأكاديمي نظريا وتطبيقيا. وكان من المفروض أن تكون تلك المناهج الرائدة، قد ساهمت في بلورة رؤية نقدية متسلحة بالنظرة العلمية الموضوعية، لكن الأمر لم يكن كذلك في أغلب الأحيان. ذلك أن اللغط الذي ساد النقاشات النظرية والحذلقات التي طبعت المحاولات التطبيقية، في خضم تلك الموجة، لم تسفر عن تحقيق شيء مهم على مستوى الإنجاز، بقدر ما تسببت في حالة استلاب مربك للناقد والباحث والطالب والأستاذ والتلميذ والمتلقي المتابع. إذ تحول الأمر إلى نوع من التعولم والأداء السطحيين المسندين بنجمية موهومة سرعان ما بهتت ثم انطفأت. من غير أن ننسى الإشارة إلى أن الظاهرة قد تحولت لدى بعضهم إلى نوع من الترجمة الصرف، فما كتبوه بأسمائهم لم يكن في حقيقته سوى استنساخ لجهود أسماء لامعة من رواد تلك المناهج أمثال بارت وجنيت وغريماس وتودوروف وأندادهم. على أننا خوفا من التعميم ننوه أيضا ببعض الاستثناءات القليلة الجادة، وخاصة في حقل الجامعة بالنسبة للرسائل والأطاريح التي حققت تراكما ملحوظا خلال الثلاثين سنة الماضية. وإلا فكم هو حجم المنجز الذي استحصلته المكتبة المغربية والعربية خلال العقود الثلاثة الماضية قياسا إلى كل ذلك اللغط.
ويبدو في الأفق أن كتاب ونقاد مطلع الألفية الثالثة، قد أخذوا يتحررون من بعض تلك المسلكيات السلبية، مما يؤشر إلى محاولة التخلص من عثرات الآباء والتطلع نحو ارتياد آفاق خلاقة ومثمرة، من شأنها أن تحقق ما لم يستطعه الآباء الرواد. أقصد اجتراح مدرسية نقدية مغربية حقيقية وصحية ، مستندة إلى نظرية نقدية أصيلة مبتكرة تستفيد من غيرها، ولكنها تسمح بأن نعترف لها بكونها صنع مغربي عربي.
● ما مصير القصة القصيرة أمام هذه الثورة المعلوماتية والافتراضية؟
■ دائما كنت ولا زلت أعتقد أن القصة القصيرة هي النوع الأدبي الأكثر ملاءمة من جنس السرد لعصرنا بامتياز، على اعتبار هذا الأخير المحك الذي تبرز من خلاله قدرتها على استظهار طاقتها البلاغية المتوهجة. وذلك بسبب ما يتصف به هذا العصر من وتيرة السرعة الفائقة، وزخم الأحداث اليومية المتشعبة، ونوعية التقنيات الآلية المتلاحقة الاستحداث في الحياة الجديدة، والقدرة التواصلية الخارقة المنجزة مؤخرا، وغيرها من الظواهر المدهشة التي تسللت إلى حياتنا وصارت جزء من برنامجنا اليومي. إن كل هذه الظواهر تخدم القصة القصيرة وترشحها لاحتلال الصدارة في التعبير عن روح العصر، حيث سيزداد قصرها، وتتضاعف إمكانية التكثيف فيها نظرا لتشعب الحياة، ويتطور معمارها وأدوات التعبير فيها تأثرا بالمنجزات التكنولوجية المتلاحقة، وخاصة في مجال التصوير السردي. مما سيمكنها من تفتيق طاقتها التخييلية بتأثير عجائبية العالم الجديد وغرابته الكامنتين في كثير من الاختراعات المذهلة كما في الأنترنيت مثلا، وتتمكن بالتالي من تجسيد نبضات الواقع الجديد وكشف تناقضاته ومعالجة أزمات الشخصية الإنسانية في عالم رقمي صاخب متوتر وتائه.
وتذكر أن القصة القصيرة الحديثة، قد تصادف تأسيسها في القرن التاسع عشر، مع انتشار الثورة الصناعية. ومنذ ذلك الحين والرهان قائم على دعم هذا النوع السردي الحديث الولادة بوصفه الأداة التعبيرية الأساسية عن العصر الصناعي، والتكنولوجي فيما بعد، مثلما كانت الرواية ملحمة برجوازية تعبر عن حياة وتطلعات البورجوازية خاصة في فترة صعودها، كما ذهب كل من هيجل ولوكاش. علما بأن القصة القصيرة كما يؤكد فرانز أوكونور في كتابه (الصوت المنفرد)، تعتبر فن الجماعة المغمورة، والإنسان الضائع في زحمة الحياة. وضياع الفرد ماديا ونفسيا وروحيا في المرحلة الحضارية المعيشة، يكاد يكون هو القاعدة في عصرنا.

● في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك : أين أفضت بك غواية الكتابة بعد هذه السنين؟
■ إلى بحر الكتابة[/b]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: الحياة في القصيدة:الإنصـات لو جـع الأشـيـاء   الإثنين مارس 23, 2015 2:21 pm

admin كتب:
admin كتب:



28 avril 2010
الحياة في القصيدة:الإنصـات لو جـع الأشـيـاء

عبد الحق مىفرانى

عن أخبار الأدب المصرية

تواصل دار النهضة العربية ببيروت الإنصات للنص الشعري في المغرب. من خلال مواصلتها إصدار تجارب شعرية مغربية حديثة تفتح أفقا خصبا للقصيدة العربية. وهكذا صدر للدار ديوان شعري جديد للمبدعة المغربية رجاء الطالبي موسوم ب "حياة أخري" في 92 صفحة. الديوان يمثل خطوة رابعة في تجربة المبدعة بعد "شموس الهاوية"/2000، "عين هاجر"/2004، "برد خفيف"/2008. هذا إلى جانب انشغال المبدعة رجاء الطالبي بحقل الترجمة والذي مكنها من الانفتاح على نصوص وتجارب إبداعية وكونية ومتخيل إبداعي طافح بالتعدد.
فعل الترجمة أسهم في جعل نصوص المبدعة أقرب إلى حوار داخلي يتلمس صوته الخاص الذي تحرر في "برد خفيف" كي يطلق العنان في "حياة أخري". جل إصدارات المبدعة رجاء الطالبي أسماء مركبة حيث تختار المبدعة بعناية نقدية أسماء مفتوحة تنأى عن التعريف. اختيار تترجمه النصوص نفسها حيث تتوزع تجربة المبدعة مرحلة أولى حيث اختيار تجربة كتابة النصوص {شموس الهاوية، وعين هاجر}، تنأى عن التجنيس. ومرحلة ثانية، تخص مغامراتها الشعرية {برد خفيف، حياة أخري} وهو عبور واعي من النص المركب إلى عوالم القصيدة الرحبة. وفي غمار هذا الانتقال كانت المبدعة رجاء الطالبي تحفر عميقا في جغرافيات شعرية كونية، إذ ساعدت الترجمة على جعل نص المبدعة رجاء نصا مفتوحا بهويات مختلفة.
في تجربتها الجديدة "حياة أخرى" بحث في "المعنى" حيث "حياة القصيدة" المسكونة بالبحث عن هويتها الخاصة، وبحياة الذات في القصيدة والكتابة عموما. بذلك تعترف المبدعة أنها عندما تكتب..
فكما أن الأشياء/ تأتي عندي/ لكي نتعارف...{ص71}
وفعل التعارف هنا لا يضاهيه إلا أفق المعنى الذي تبنيه قصائد "حياة أخرى"، إذ تتحول نصوص الديوان للقاء تعارف مفتوح على كنه الأشياء والأفكار والذات. ومن ثم تعبر نصوص الديوان ككل إلى حديقة الكتابة، حيث يمسي هذا الأفق رهانا جماليا يتأسس على جعل النص الشعري/ حياة أخرى بديلة على حياة سابقة مليئة بالتعاسة.
في ديوان "حياة أخرى" تشكل النصوص هذا الأفق باللغة وعبره تحفر قيمها الجديدة، إذ يمسي النص الشعري استعارة ل"حياة" مليئة ب"الديمومة". لذلك تصر القصيدة في "حياة أخرى" أن تجعل النص الشعري والقصيدة حياة تبني اختيارها الجمالي على سؤال أنطولوجي عميق.."لا حياة بدون القصيدة"..
"كل طاقات الحياة/ تجمعينها/ وتشكلينها في قصيدة/ هكذا تمنحينها/ الديمومة/ عوض أن تحييها/ وتفلت منك/ لتحل التعاسة/ أنت لا تستبدلين الكتابة/ بالحياة/ لكن أنت تلتقطين الحياة/ في القصيدة ".
في مقابل هذه الحياة التي تأسر الشاعرة في القصيدة يحضر "الموت" كموضوعة مهيمنة في قصائد "حياة أخرى" وهي دلالة واضحة في سياق ما تطرحه النصوص ككل من أفق بديل. إذ يقابل الحضور عنصر الغياب، بالشكل الذي تتحول خلاله القصيدة إلى حضور وتحقق فعل أنطولوجي للوجود في مقابل ما تطرحه "الحياة" المقابلة للأخرى من غياب. حيث {القتلة، الموت، القلوب الفاسدة، النار، الضوء المخادع، العتمة، الفراغ، الظلمات، صمت المقابر...}.
وفي سياق ما تطرحه الخسارات في "حياة الموت"، تؤسس القصيدة لحياة تحقق للغة جسارتها وللذات، وهي هنا صوت نسائي، جسارتها الفعلية والوجودية في عوالم اللامرئي الشعرية. وهنا تنزاح النصوص بتراكيبها المتفردة ولغتها المشكلة بعناية اختيارا متفردا. تقدم لنا نصوص "حياة أخرى" جزءا من تجربة شعرية إبداعية تنصهر في قلق وأسئلة القصيدة كي تتحول تلك "الشموس الأبهى" للشاعرة إلى مجازات رهان شعري يؤسس فرادته وخصوصيته بل حتى الحقل المعجمي لديوان "حياة أخرى" يقدم "حياة أخرى" لمعجم يمتح من حقول مختلفة، ساهم البناء التركيبي في جعل النصوص لا تنساق وفق شكل محدد، إذ تارة تأخذ النصوص طابعا شذريا يساهم التكثيف في جعل الرؤية عميقة ومحددة، وتارة أخرى نقرأ نصوصا تغامر بقصيدة النثر نحو آفاقها الرحبة وكلا الاختيارين يعمقان من تلك الرؤية المركزية في ديوان "حياة أخرى"، لا شيء يعلو على الحياة في القصيدة خصوصا عندما تكون القصيدة هي السكن الاستعاري لذات أنهكها عدمية عالم موبوء بالخسارات.
لن أقتلعه ذاك الوجع:
وجعي/ حديقة أحاسيسي.
يمنح الوجع المبدعة إمكانات لا محدودة للكتابة، الألم رديف لمستوى تحفيزي لا تجد فيه المبدعة إلا جسرا للكتابة. ومن ثم عمق هوية ورؤية "الحياة البديلة" في الديوان. فالقصيدة بوصفها "سكن استعاري" متفرد للمبدعة، تمنحها إمكانات للرؤية وللحياة/ ص72. وهي الإمكانات المرتبطة بعنصر الألم والوجع الذي يجعل من اللغة الشعرية أفقا خاصا، لغة مصففة بعناية خاصة حيث انتماؤها إلى حقول مشبعة بالتشظي..
ببطء نمشي نحو موتنا المشتهى/ نتحول إلى خفق، إلى وميض.
في ديوان "حياة أخري" للمبدعة رجاء الطالبي، إصرار على الإنصات لوجع الأشياء، ولوجع الذات. "قلب آخر الفرسان" الممتلئ بالحسرة هو وحده القادر على ترجمة هذه اللغة المشبعة بالحياة. لكنها "الحياة في القصيدة" ولا غير... [/b]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى   الخميس أبريل 23, 2015 10:10 am

admin كتب:
  23 mai 2010
حوار مع الباحث والقاص المغربي د. مصطفى يعلى الثلاثاء 28 أغسطس 2012 - 11:45

حوار مع الباحث والقاص المغربي د. مصطفى يعلى
إمدادات هذا الكاتب محمد سعيد الريحاني

سؤال 1: من يذكر د. مصطفى يعلى، يذكر ريبرتوارا غنيا بالأبحاث الوازنة في مجال الأدب الشعبي، والسرد المحلي…لماذا هذا النزول إلى العوالم السفلية للكتابة الإبداعية؟ وما هي الفلسفة الموجهة لهذا الغوص في أعماق التعبير المكتوب؟

جواب : عبارة (العوالم السفلية) غير دقيقة. ذلك أن هذا الأدب يجري في عوالم تخييلية سامية، ويمتلك أبعادا دلالية قيمية ورمزية في منتهى البلاغة والعمق. إنه مستودع شخصيات الشعوب وهوياتها بخصوصياتها المميزة، ومكمن تفكيرها ومعتقداتها وأعرافها. أي أنه تعبير تخييلي رائع عن مستويات حضارية أصيلة وعريقة في تاريخ ثقافات البشرية وتراثها الإنساني. وهو ما لفت نظر علماء الأنثروبولوجية وعلماء النفس والاجتماع واللغة ومن إليهم، نحو هذا الكنز الذهبي الخصب والثمين؛ ومن ثم الاستغراق في دراسته نظريا وتطبيقيا بمختلف المناهج التقليدية والجديدة.
وبالنسبة لعلاقتي بهذا الأدب، أرى أن الحديث سيطول حول دوافعي الذاتية والموضوعية، إذ أنها ترتد حتى إلى مرحلة الطفولة، والحياة في أجواء ثقافة تقليدية تمتح من الفكر الخرافي بصورة يقينية، داخل فضاء شرقي مغلق هو حي النيارين بمدينة القصر الكبير شمال المغرب؛ لذلك أبادر إلى ترك كل هذا، لأشير إلى أنني قد انتبهت لغنى هذا الحقل من الإبداع الشعبي، خاصة لما اطلعت على منجز كل من ليفي استراوس وفلاديمير بروب في الموضوع. لهذا جعلت المخيال الشعبي حقلا لتخصصي العلمي أكاديميا، عندما واتتني فرصة اختيار موضوع البحث لنيل دكتوراه الدولة، وكذا التدريس والمحاضرة بالجامعة، والمشاركات في الندوات والمؤتمرات الوطنية والعربية حول هذا الأدب.
أما فيما يتعلق بالسرد المحلي، فقد يكون للموضوع علاقة بأسباب الاختيار السابق. ذلك أن الأجواء التي سكنتني في البيئة المحلية المنغلقة المذكورة، جعلتني أتشرب كل مظاهر الحياة التقليدية بأعرافها وعاداتها ومواسمها وأناسها وإبداعاتها المادية واللامادية. ومن هنا جاء إحساسي بالألفة مع إبداعات مغربية تناولت نفس الفضاءات بمواصفاتها الآنفة الذكر، مثلما هو الأمر في روايتي عبد الكريم غلاب (دفنا الماضي) و(المعلم علي)، وفي أعمال عبد المجيد بنجلون، وفي قصصي أحمد بناني وعبد الرحمن الفاسي وأحمد عبد السلام البقالي ومحمد الخضر الريسوني ومبارك ربيع ومحمد اشماعو، وغيرهم من كتاب المدن العتيقة في مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد لفت نظري نحو أعمالهم السردية على بساطة تقنيتها، هذا البهاء الخفي الجذاب الذي تمتعت به، نتيجة الحرص النابع من الحب والإشفاق لدى أولئك الكتاب على تصوير العوالم المحلية بنكهتها المميزة وخصوصياتها الأصيلة المحببة، ونمطية شخوصها وطرافتهم، مما وطد العلاقة الحميمية بينها كواقع تخييلي مألوف وبيني باعتباري متلقيا مفترضا، يساهم في تكوين بنائها شكلا ومضمونا.
على أن الغيرة على هذا الأدب الفتي على بساطته، هي أيضا لعبت دورا في تحفيزي للمساهمة في الجهود التي بذلت من طرف جيلي، من أجل إعادة الاعتبار إلى الإبداع المغربي، علما بأنه كان مهملا من طرف المشارقة حتى عقد السبعينات، من منطلق تعالي المركز على الهوامش، مما خلق لدى المثقفين المغاربة في الفترة شعورا عاما بالغبن، سعى كل بطريقته إلى تجاوزه، الأمر الذي سيتحقق منذ الثمانينات إلى الآن، حيث فرض الكتاب المغاربة أنفسهم على المشارقة، وخاصة في حقل المناهج وميدان الإبداع.
وحتى لا أنسى، أعتقد أن هناك هدفا آخر أعمق، لاشك أنه وقف وراء هذا الاختيار. ذلك أنني كنت دائما مقتنعا بكون أي أدب ليس ممارسة تجريدية تتعالى على واقعها، بل إنها تعبير عن معاناة كاتب معين في بيئة محددة، يتجسد عالمه الإبداعي في فضاء ومن خلال شخوص ووقوع إحداثيات وشعور بأحاسيس إنسانية معيشة، كل ذلك على مستوى واقع ملموس هو البيئة المحلية. فانظر مثلا إلى أعمال كبار الكتاب العالميين كليوتولستوي وتشيكوف ودستويفسكي وجي دي موباسان وفولكنير ونجيب محفوظ وغيرهم، فستجد أن عالميتهم مستحصلة بالتأكيد من محليتهم.
وهكذا، فقد وجدت من خلال قراءاتي ـ باعتباري من جيل الستينات والسبعينات ـ لأعمال الكتاب المغاربة في تلك المرحلة، أنهم مولعون عن وعي وترصد بمعالجة عوالمهم المحلية في تلك الأعمال. فكان لابد من دراسة الظاهرة المحلية فيها، حين واتتني الفرصة على المستوى الأكاديمي.

سؤال 2 : أنت من مواليد القصر الكبير، شمال المغرب، التي تعتبر أحد أهم منابع الإبداع الفني والأدبي في المغرب، كما تعتبر في الآن ذاته أحد هوامش التنمية بأبعادها كافة. كيف ترى هذا الأمر؟

جواب : مدينة القصر الكبير مدينة غريبة. فهي صغيرة، ولكنها تحمل اسما كبيرا، من المؤكد أنه يدل على ماض تليد. وعلى صغر هذه المدينة العجيبة، فهي في حجم عاصمة ثافية. فقد غصت في الماضي والحاضر بعشرات الجمعيات الثقافية، والفرق المسرحية، وفعاليات المجتمع المدني. فضلا عن عدد كبير من المبدعين في الشعر والقصة والرواية والموسيقى والتشكيل. كما أنها كانت منذ الاستقلال رافدا للدولة بمختلف الأطر الصغرى والمتوسطة والعليا، خصوصا في ميدان التعليم بمستوياته الابتدائية والثانوية والجامعية. وقد أستمر في تعداد هذا الزخم من الغنى الحضاري والإشارة إلى مائات الأسماء اللامعة في مختلف المجالات، فأرصد الكثير والكثير من كل ذلك. ودائما كنت أتساءل: ما سر هذه الخصوبة المشابهة لخصوبة نهر لوكوس الذي يشق المدينة، بينما مدن مجاورة وبعضها أكبر، لا تتوفر حتى على عشر ما لهذه المدينة من قابلية لاستنبات مختلف القامات الثقافية والفكرية والإبداعية والإدارية؟. والحال أن هذه المدينة لا تملك ولو الحد الأدنى من البنيات التحتية المواتية. هل يمكن الذهاب مع ابن خلدون وغيره لتفسير هذه الظاهرة بتأثير البيئة؟. أم أن ما كان يعانيه ولا يزال شباب المدينة من حرمان وتهميش مثل حافزا جذريا ملحاحا للانصراف إلى التكوين الذاتي وملء أوقات الفراغ الطويلة بالقراءة والكتابة وغيرهما من الأنشطة الإبداعية والفكرية للتغلب على الفراغ القاتل؟ أو ماذا؟.
وفي جانب التنمية لهذه المدينة، لا يخلو الأمر من حيرة أيضا. فرغم عوامل التهميش، فإن القصر الكبير دائما كانت تثبت ذاتها في المجال الاقتصادي. إذ كانت التجارة في الماضي مزدهرة بها منذ المراحل التي شهدت حيوية ممر تازة، كما تشهد على هذا كثرة (الفنادق) التقليدية بها. ورغم فتح طريق طنجة / الرباط خارجها، لم يؤثر ذلك في رواج الحركة التجارية بها، بل إنها ازدادت ازدهارا مع فتح سوق سبتة. كما أن تربة محيطها الطيبة المعطاء، قد صلحت على المستوى الفلاحي لإنتاج الشمندر وقصب السكر والشاي وتوت الأرض وما إلى ذلك، فضلا عما تدره من فائض الحبوب بأنواعها المختلفة. وقد استتبع ذلك تأسيس عدد لا بأس به من المعامل القائمة على الإنتاج الفلاحي مثل معمل السكر ومعمل الشاي إلخ.. وسأترك استقصاء باقي مظاهر التنمية بالمدينة للمختصين. وأقول إن القصر الكبير كانت على مر العصور مثل العنقاء، عندما تكون على وشك الموت تنبعث من رمادها أكثر عنفوانا وحيوية.

سؤال 3 : أنت من جيل محمد عز الدين التازي ود. محمد أنقار وغيرهما من كتاب القصة القصيرة ممن تحولوا إلى الكتابة في نوع سردي أطول، الرواية. ما الذي منعك من سلوك نفس الدرب؟ ولماذا الاختصاص في الكتابة القصصية القصيرة دون غيرها؟

جواب : أعرف أن الكثيرين من كتاب القصة القصيرة في المغرب وباقي أقطار العالم العربي، قد تحولوا إلى كتابة الرواية بعد التمرس الطويل على كتابة القصة القصيرة، أو ظلوا يراوحون بين كتابة النوعين السرديين معا، إضافة إلى كتابة المسرحية أيضا لدى البعض الآخر. وتحضرني هنا أسماء نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومعظم كتاب جيل الستينات بمصر ، وعبد الرحمن مجيد الربيعي في العراق، وأرنست همنجواي الأمريكي وإتالو كالفينو الإيطالي وقد تطول اللائحة. وفي المغرب نذكر للتمثيل وليس للحصر، عبد الكريم غلاب وربيع مبارك وأحمد عبد السلام البقالي وخناتة بنونة والميلودي شغموم ومحمد زفزاف وإدريس الصغير ومبارك الدريبي ومحمد غرناط ومحمد صوف. في المقابل، ظل الكثيرون من القصاصين المغاربة مقتصرين على كتابة القصة القصيرة، أمثال عبد الجبار السحيمي وأحمد بوزفور ورفيقة الطبيعة ومصطفى المسناوي وإبراهيم بوعلو ومحمد المصباحي، وغيرهم.
يبقى السؤال منوطا بطبيعة الكاتب ومزاجه واختياراته. فقط أخشى أن يكون التحول لدى البعض، من كتابة القصة القصيرة إلى معالجة الرواية، نابعا من دافع ركوب الموجة لا غير. لكننا عندما نأتي إلى الاختيار الموضوعي، فسنجده يتم على أساس الإحساس بشروط محددة فرضتها روح العصر. فليست كتابة القصة القصيرة مجرد تمرين على الكتابة السردية، من أجل أن يمر الكاتب بعدها إلى إنتاج الرواية. ولا القصة القصيرة هي رواية صغيرة مضغوطة يمكن تمطيطها لتصير فيما بعد رواية الخ.. ومن يقول العكس لا يخلو فهمه من سذاجة. إن القصة القصيرة ليست كيانا زئبقيا لا شخصية له، بل إنها نوع سردي قائم بذاته ومستقل بشروطه وعوالمه، ولا يجمعه بالرواية إلا الانتساب إلى أسرة واحدة هي جنس السرد. فكل ما فيها مخصوص بذاتها إن على مستوى التخييل وكذا على المستوى النوعي، فلا الحدث ولا الشخصية ولا الزمن ولا الفضاء ولا اللغة معجما وأسلوبا، يمكن أن تكون مائعة فيها، بحيث تصلح آلية لكتابة القصة القصيرة كما الرواية. إذ لكل من هذين النوعين خصوصياتها التي يجب أن تحترم. هذا، عدا أن القصة القصيرة وليست الرواية هي الأداة التعبيرية السردية المناسبة لعالمنا الراهن بشدة سرعته وجبروت تشابكاته وبرق تواصله وأزمة ضيقه / اتساعه، وانعكاساته على الفرد المسحوق والمهمش والمأزوم.
وبهذا الوعي، لم أفكر إلا في الإخلاص لكتابة القصة القصيرة، بوصفها نوعا سرديا قائما بذاته، مثله مثل الرواية والمسرحية والسيرة الذاتية والرحلة وما أشبه؛ وليست ممرا إلى كتابة نوع آخر من هذه الأنواع المنتمية إلى جنس السرد.

سؤال 4 : بالاضافة إلى الإبداع والبحث والنقد، تشتغل أيضا على واجهة الإعلام الثقافي من خلال مجلة أدبية محكمة هي “مجرة” التي تحولت أعدادها إلى مراجع يعتد بها. ما هو حاضر الإعلام بالمغرب وما هي آفاقه؟.

جواب : كأني بك تعني الإعلام الثقافي. وقبل الخوض في الإجابة عن السؤال، اسمح لي بالإشارة إلى أنه بسبب انتماء المنابر الوطنية إلى الأحزاب السياسية ومؤسسات ثقافية رسمية وغير رسمية ذات خط خاص بها، وأمام شح فرص النشر لإنتاج الكتاب المغاربة المثابرين وخاصة الشباب منهم، ولقلة المنابر الثقافية وعدم انتظام صدورها في دورات محددة…اجتمع ثلة من المثقفين (محمد زفزاف، بشير القمري، محمد البوكيلي، مصطفى يعلى، محمد الكغاط، محمد سعيد سوسان، ومبارك الدريبي)، وقرروا إنشاء مجلة “مجرة” بإشراف وطبع وتوزيع دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع بالقنيطرة. وقد تحمل محمد البوكيلي ماديا الكثير من أجل أن تستمر المجلة في حفر اسمها في العمق الثقافي المغربي والعربي حتى الآن.
في رأيي وبكل أسف أقول: إن الإعلام عندنا عامة والثقافي منه خاصة، ضعيف للغاية ومسيس للغاية. فالصحافة في معظمها حزبية، والثقافة والرأي الآخر هو آخر ما تفكر فيه (لاحظ أن الصفحات الثقافية بالجرائد الحزبية تتوقف في مواسم معينة مثل الانتخابات والعطلة الصيفية ! مع أن الثقافة لا عطلة لها). أما عن الوسائل السمعية والبصرية، فحدث ولا حرج. فهي جد متخلفة كما يستشعر الجميع إن في تقديم الخبر وإن في تنشيط الفكر وترويج الثقافة الجادة. لهذا فقد توقفت شخصيا عن متابعة إعلامنا الثقافي مكتوبا ومسموعا ومرئيا منذ زمان، خوفا من أن أصاب بمرض السكري لا قدر الله.
ولكي أدلل لك على نموذج الصورة المطلوبة للإعلام الثقافي على الأقل، حتى يكون فعالا وموفقا، يكفي أن أستشهد بواقع هذا الإعلام لدى جيراننا الإسبان. إن الصحف الكبرى المعروفة هناك كالباييس El pais والموندو El mundo (العالم) و ABC مثلا، تتنافس فيما بينها على خدمة القارئ ثقافيا بنفس القدر الذي تفيده إخباريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ورياضيا. ولعل الإشارة إلى ملاحقها الثقافية الأسبوعية، تجسد الفكرة التي أريد أن أوضحها هنا. ذلك أنها تدأب على أن ترفق مع عددها الأسبوعي أعمالا أدبية وفنية وسياحية بالتناوب. فقد قدمت (الباييس) ضمن سلسلة (أفضل روايات العالم المعاصر)، أشهر الروايات العالمية مجلدة في طبعة فاخرة أنيقة، من مثل ( اسم الوردة) لأمبرتو إيكو، و (الأمواج) لفرجينيا وولف، و(صورة الفنان الشاب) لجيمس جويس، و(سن البراءة) لإديت وارتون. وعبر سلسلة (مائة تحفة للألفية)، أتحفت نفس الصحيفة القارئ الإسباني بأعمال مثل (الكوميديا الإلهية) لدانتي الإلجيري، و(المحاكمة) لفرانز كافكا. كما قدمت من خلال (سلسلة أفضل الروايات بالإسبانية في القرن العشرين)، إنتاجا خصبا من الروايات المكتوبة باللغة الإسبانية، نذكر منه (لاشيء) لكارمين لافوريت، و(قصة مايطا) لماريو فارغاس يوسا. وكذلك فعلت جريدة الباييس، حيث أهدت قراءها في سلسلة (كلاسيكيات القرن العشرين)، العشرات من أروع الروايات العالمية، من مثل (عاشق الليدي شترلي) لــ د. هـ. لورنس، و(أورلاندو) لفرجينيا وولف، و(آراء المهرج) لهنريش بول، و(هادئة هي الليلة) لفرانسيس سكوت فيتزجرالد. ثم انتقلت هذه الجرائد إلى تزويد القارئ بسلسلة من الأقراص المدمجة الحاملة لأشهر السيمفونيات الخالدة لكبار واضعيها العالميين المعروفين. إلى جانب سلسلة تعريفية بأهم دول منطقة الأورو. وهي الآن منخرطة في تقديم أشهر الأفلام في تاريخ السينما العالمية على أقراص DVD ، لقرائها أسبوعيا مجانا.
وهنا يأتي السؤال الضاحك / الباكي، ترى ماذا تقدم ملاحق جرائدنا ووسائل إعلامنا؟ للأسف، إن النشاط الثقافي ومعه الفاعلية الإعلامية الديموقراطية، لا وزن لهما في هذا البلد الأمين. وبدل ذلك، فإن المواسم الفولكلورية بالمعنى القدحي، هي ما يحظى بكل عناية كريمة فائقة، وإلا فماذا يمكن أن يقول الملاحظ المتتبع عن عديد الفعاليات والأنشطة الثقافية الجادة، التي تنظم على طول المغرب وعرضه، بين الحين والحين، متفاوتة الأهمية، ويرقب كيف يتصرف معها الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي؟ ألا تتم تغطية بعضها في أحسن الأحوال، فقط لسبب ما مبيّت، غالبا ما يكون مرتبطا بعلائق الزبونية أوالصداقة أو الحزب أو المال وما إلى ذلك مما لا يدخل في باب تعميم الخبر والفائدة والتغطية. فأي تخلف هذا؟. وما لم تتغير العقلية والمواقف جذريا اتجاه الثقافة النوعية والإعلام المطلوب، تبقى آفاق مستقبل هذه الثقافة وهذا الإعلام لدينا متعنكبة داخل النفق المسدود إلى إشعار آخر، لولا البصيص الذي أخذ يضيء في نهاية النفق من خلال هذه النافذة الخارقة، التي انفتحت أمام الفاعلين الأعلاميين والثقافيين فكرا وإبداعا وتعميما للفائدة، أعني (الانترنيت)

سؤال 5 : خصصت مجلة “مجرة” أحد أعدادها للقصة القصيرة جدا إبداعا ونقدا. لماذا لم تخض بعد تجربة الكتابة في القصة القصيرة جدا؟ وهل تعتبرها شكلا قصصيا أم نوعا أدبيا؟

جواب : وفق الخط الذي استنته مجلة “مجرة” لنفسها، كان لابد من أن تلتفت إلى الظواهر الأدبية الجديدة وموضوعاتها الساخنة، التي يرفع المتلقي في وجهها أكثر من سؤال، من أجل فهمها واستيعابها. من ذلك موضوعات القصة القصيرة الشبابية، والصورة الروائية، والأدب الشعبي، والنشر الرقمي، وأدب الأطفال. ومن ذلك طبعا، موضوع القصة القصيرة جدا، الذي أثار نقاشا جادا، حول شرعية انتماء هذا المولود الجديد إلى أسرة السرد. لا سيما وأن كثيرا من الأقلام المعروفة وغير المعروفة، قد انضمت إلى صف كتّاب هذا الفن الزئبقي الجميل.
أما بالنسبة إلي، فقد كان من الممكن أن أشارك بنص إبداعي في العدد الممتاز من “مجر” الخاص بملف القصة القصيرة جدا، إذ لا مانع لدي من دخول التجربة، لولا أنني مع كثرة النصوص التي وردت على المجلة من المغرب ومن مختلف الأقطار العربية، فضلت أن أنشغل بشيء آخر، ارتأيت أنه ربما يفيد أكثر مرحليا، ألا وهو ترجمة مقال تنظيري للقصة القصيرة جدا عن الأسبانية لكاتب من أمريكا اللاتينية، حيث تزدهر القصة القصيرة كثيرا، وذلك من منطلق اليقين بأننا في أمس الحاجة، موازاة مع الإبداع في هذه القصة، إلى أن نتسلح بوعي نظري عميق عنها.
وعن انتماء القصة القصيرة جدا، أؤكد بأنها فن تخييلي جيد وجديد بمعنى الكلمة. فهي تمتلك أيضا شخصيتها المخصوصة بها، التي تتميز بها عن شخصية أختيها القصة القصيرة والرواية. وحتى إن اشتركت معهما في نوعية الآليات والمكونات، فإنها توظفها على طريقتها، بشكل مختلف يضمن لها العمق والكثافة المركزة والسرعة المطلوبة وترويع حساسية المتلقي. ولهذا فإن كاتبها يحتاج إلى ذاكرة حاسوب تمده بما يحتاجه عند الحاجة حسب المواقف المعالجة، وإلى التمرس الطويل على كتابتها، وإلى إدراك أسرار بلاغتها، وأيضا إلى سليقة موهوبة خصبة الخ..وإن من لا يدخل عالمها بمثل هذه المعدات، يسئ إليها أكثر من إساءة من ينبحون الآن بعيدا عنها. وبهذا الفهم، يمكن أن أشير باطمئنان إلى أن القصة القصيرة جدا هي (نوع سردي) بامتياز.

سؤال 6 : ما هو مستقبل السرد القصير وطنيا وعربيا؟

جواب : أكيد أن القصة القصيرة جدا، هي بصدد حفر مكانها في الفضاء الأبداعي الوطني والعربي، بله العالمي، بإصرار لا هوادة فيه كما يلاحظ المتتبع. فسواء على مستوى النشر الورقي أم الإلكتروني، تنثال علينا مائات النصوص من هذا النوع السردي الجميل كل يوم، إلى جانب زخم المجموعات القصصية القصيرة جدا، التي أصبحت تملأ واجهات المكتبات والأكشاك.
وبالطبع فإن الأمر لا يقتصر هنا على الكم، بل يطول النوع كذلك. فهناك كتاب يبصمون بموهبتهم العالية جدارة هذا الوليد في الحياة الإبداعية، وهناك نصوص تتفوق من حيث المعالجة وتوظيف التقنيات التخييلية المخصوصة بأشكال القصة القصيرة جدا، وكذا من حيث القدرة على استلهام الإمكانات التعبيرية من حقول وفنون أخرى. على أن الراهن الحضاري اليومي يعتبر حاضنا مشجعا على ازدهارها، بسبب طبيعته المهرولة المختصرة في جملة (عصر السرعة).
لذلك، فإن علامات من مثل الطبيعة النوعية للقصة القصيرة ذاتها، وحجم رواجها إنتاجا وتلقيا، وروح العصر الخارق السرعة وغيرها، تجعلنا نتفاءل بواقع ومستقبل القصة القصيرة جدا وطنيا وعربيا، مادام هناك من يكتب وسيكتب مثل هذا النموذج العميق: (عندما استيقظ كان الديناصور لا يزال هناك) لأوجستو منتيروسو.

سؤال 7 : كلمة أخيرة؟

جواب : في أفق المصير الحضاري العربي، بزمن العولمة الشيطاني، أرجو أن تتضاعف محليا ووطنيا وعربيا، أعداد البدائل من المبدعين والمفكرين والإعلاميين والجمعويين المدنيين الشباب، من أجل أن يرتفع منسوب المستوى الحضاري للأمة العربية، التي أمامها جبال من التحدي، أولها التسلط الغربي المقيت، الذي لم يفتر منذ قرنين من الزمن على الأقل، كما عليها أن تقطع أشواطا وأشواطا من مراحل التطور الشامل، بتشغيل عبقريتها وإبداعها وبذل كل جهودها، مثلما فعلت كثير من الدول حديثا بمعجزة وفي وقت قياسي، ومنها ما خرج من الحرب العالمية مدمرا عن آخره… أقول بطوباوية :على الأمة العربي أن تفعل كل ذلك وأكثر، إذا أريد لها أن تنتمي إلى الألفية الثالثة حقا.   

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: د. مصطفى يعلى (2):    الأحد أبريل 17, 2016 1:31 am

admin كتب:
 د. مصطفى يعلى (2): لم أبالِ دوماُ بما يقوله ما يشبه النقد عندنا
نشره webmaster في 12/10/2014

حوارات

Printer-friendly versionSend to friend
حوار: سناء بلحور*
يحتل د. مصطفى يعلى مكانة متميزة في المشهد الثقافي المغربي. فنشاطه لم يقتصر على الكتابة القصصية ، بل تعداها إلى البحث النقدي الجاد. وقد أثمرت بحوثه إصدارات نقدية مهمة. منها " السرد ذاكرة "، "القصص الشعبي: قضايا وإشكالات " ، " ظاهرة المحلية في السرد المغربي "، وغيرها من البحوث الرصينة، إضافة إلى عدد من المجاميع القصصية " شرخ كالعنكبوت "،" أنياب طويلة في وجه المدينة "، " دائرة الكسوف "، " لحظة الصفر".. في هذا الجزء الثاني من الحوار معه يلقي د. يعلى أضواء على مسيرته الإبداعية ونظرات الى حال النقد والإبداع.

* على مدار أكثر من أربعة عقود، ظللتم أوفياء للقصة. ما سر تعلقكم بكتابة القصة القصيرة؟
ترتيب جوابي على سؤالك هذا، الأستاذة المحترمة سناء، أسوقه على صورة تعيين مجموعة من الأسباب، وفق الترتيب التالي:
1 - لقد كنت أحمل حباً فطرياً نحو هذا القص، ربما بسبب تشبع أذني بالحكايات الشعبية التي كانت تروى لي في طفولتي الأولى، ثم ولعت بسماعها في الحلقات، التي كانت تقام بساحة لالاّ العالية، في مدينة القصر الكبير، حيث ولدت ونشأت.
2 - إنني فتحت عينيّ الأدبيتين على جيل الستينيات من القرن الماضي، إذ كانت القصة القصيرة جد مزدهرة، وحركية التجريب فيها نشيطة، باعتبارها من أسرة السرد، التي جعلت تزاحم الشعر، فيما كان يحظى به من مكانة اعتبارية متميزة، خلال قرون طويلة عندنا، بين مختلف الأجناس الأدبية الأخرى.
3 – وجدتني منذ انفتاحي مبكرا على القراءة بهوس، بعد المرور بمرحلة المنفلوطي وجبران خليل جبران وروايات أرسين لوبين البوليسية، أنصرف طبيعة للإقبال يوميا على قراءة القصة القصيرة تحديدا، دون إهمال لقراءة بعض الروايات الشهيرة في الفترة، مثل "مدام بوفاري" لجوستاف فلوبير و"وداعا للسلاح" لإرنست همنغواي و"الصخب والعنف" لوليم فولكنر.
4 – كنت أعجب بما ينشر للكتاب العرب والأجانب، من مثل نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان وبهاء طاهر وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بنجلون، وأنطون تشيكوف وإدغار آلان بو وسومرت موم وألبرتو مورافيا وإرنست همنغواي وفرانز كافكا، وغيرهم من الأسماء المعروفة والمتداولة في تلك الفترة. وكنت أستفيد من كتابات كل منهم بهذا القدر أو ذاك.
5 - خلال وبعد الدراسة الجامعية، صرت أدرك أن هذا التفضيل للقصة القصيرة، إلى جانب السبب الذاتي، نابع من تأثير موضوعي، أي من طبيعة العصر، المتجهة يوميا نحو السرعة المطردة، والمسؤولة عن ضيق فسحة الوقت الكافي، لكتابة وقراءة المطولات السردية، فضلا عن توسيع البيئة المثالية لتفريخ المهمشين والمنبوذين، وهي بالمقابل لا تسمح إلا لتعاطي النصوص القصيرة، المتمركزة حول الموقف الواحد المحدود، وليس مواقف الحياة المتعددة والمتشعبة.
6 - ضفي إلى كل ذلك، سهولة نشر القصة القصيرة في المنابر المختلفة، في وقت كان نشر كتاب يدخل في دائرة الإعجاز.

* تتناول إبداعاتكم القصصية قضايا الإنسان العادي المكدود بأعباء الحياة وصعوباتها، هل يمكن اعتبار ذلك من خصائص القصة؟ وهل تستحضرون الجانب النقدي خلال كتابتكم للقصة أم تفسحون المجال للذات المبدعة؟
لقد انطلقت في كتابة القصة القصيرة بشكل نشيط، خلال السبعينيات. وهذا يعني أن المرحلة كانت مرحلة صراع إيديولوجي، طاغ على الساحة الاقتصادية والسياسية والفكرية والإبداعية. وقد وجد هذا الوضع تشخيصه في المعالجة الأدبية للواقع المزري، الذي خلقه الصراع الطبقي الحاد في الفترة. إضافة إلى أن الاتجاه الواقعي مثل حاضنة أساسية للكتابات الأدبية إبداعا ونقدا. لهذا كان الواقع الاجتماعي بظواهر الضياع، والاضطهاد، وجبروت الأثرياء بالوراثة ومحدثي النعمة، المستفيدين من مغربة القطاعات الاقتصادية وما إلى ذلك، مرتكزا مشتركا بين معظم الكتابات بأجناسها الأدبية المختلفة.
ولعلك من خلال قراءاتك للقصة القصيرة الكلاسيكية، قد أدركت أن مثل هذه الموضوعات الاحتجاجية، كانت مادة مهيمنة على قصص كتاب كبار، أمثال غوغول وتشيكوف وجي دي موبسان. ولا غرو، فإنه قد أصبح من المسلم به في نظرية القصة القصيرة، كون الفرد المغترب المهمش هو البطل المفضل في هذا النوع السردي.
وبالطبع فإنني ظللت وفيا لهذا التوجه، وإن كنت قد ملت من جهة، إلى المزاوجة بين ما هو واقعي استلهاما لتشيكوف وأمثاله، وما هو عجائبي تأثرا بقراءاتي لأمثال كافكا وبورخيس وكورتازار، من جهة ثانية. أي الجمع ضمنيا بين ما هو ذاتي، وما هو موضوعي، خصوصا في قصصي المتأخرة. وربما كان هذا بفعل الاحتكاك بموجة التمركز على الذات، التي هيمنت على كتابة القصة القصيرة منذ مطلع الثمانينيات.
أما عن استحضار الجانب النقدي خلال إبداع قصصي، فاسمحي لي أن أتساءل أولا: هل عندنا نقد حقيقي؟. إنني لم أبال دوما بما يقوله ما يشبه النقد عندنا. بل دائما كنت أمنح نفسي حرية الإبداع، المسلحة بنظرية القصة القصيرة، والموهبة، والقراءة المدمنة للنصوص الجيدة، مستندا إلى النقد الذاتي الصارم، المتفوق على هرطقات مدعي النقد. ويخطئ من يفصل نصوصه القصصية على مقاس معايير النقاد. فالقصة التي لا تنبع من تقمص الكاتب للتجربة المعالجة، وتركها تبحث عن التجسيد البنيوي في الشكل الذي يلائمها، أكيد أنها تولد بولادة قيصرية مميتة..

* ارتبطت القصة القصيرة في المغرب بالصحافة، شأنها شأن القصة العربية والعالمية. هل ما زالت الصحافة تلعب هذا الدور الرائد في خلق إشعاع حول الإبداع القصصي؟
فعلا، لقد ساهمت الصحافة، كما هو معروف، في نشأة القصة القصيرة العربية، ومنها المغربية، وطبعا لا يتسع هذا الحوار للخوض في الظاهرة.
وأكتفي بالقول: إن الصحافة قد لعبت دورا أساسيا، في دعم وترويج القصة القصيرة المغربية، خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، خصوصا وأن إقبال القراء عليها كان قويا فترتئذ. علما بأنه ضمن الخط البياني لتطور هذا الفن الجميل عندنا، لوحظ أن كثيرا من الأسماء التي ستبرز في تاريخ القصة المغربية القصيرة، وكثيرا من نصوصهم المميزة، التي ستلتئم فيما بعد، داخل مجموعات قصصية لها اعتبارها، كان أول ظهورها وانتشارها في تلك الفترة، على صفحات صحيفة "العلم" ثم صحيفة "المحرر"، فضلا عن مجلة "أقلام"، التي كانت أعدادها تصدر محملة بمجموعة مهمة من النصوص القصصية لأولئك الكتاب وأمثالهم.
أما حاليا، وكما يلاحظ الجميع، قد شحب دور الصحافة عن ذي قبل، في الاحتفاء بالقصة القصيرة، حين همش الجانب الثقافي بها، وطغى عليها الاهتمام بما هو حزبي وسياسي أكثر، وقل عدد قرائها. لاسيما وأن صفحات التواصل الاجتماعي والمجلات والمواقع الإلكترونية بالإنترنيت، قد أضحت مجالا مفضلا لنشر وقراءة النصوص القصيرة، من قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا وومضات، وبسرعة وسهولة.

* القصة القصيرة جدا والقصة القصيرة أية علاقة؟
سأضطر لتغيير أسلوب إجابتي بالنسبة لهذا السؤال، بسبب نوعيته الحرجة. فأستبدل الخطاب المباشر بخطاب مجازي غير مباشر. هكذا أقول بنوع من التجسيد: إن العلاقة بين هذين النوعين السرديين، علاقة أخت بأختها. تحنو القصة القصيرة على أختها الصغرى، فتمد مكوناتها بالدماء الفاتنة اللازمة لبلاغتها، من إحكام وعمق ورشاقة وتكثيف وشاعرية وتلميح ومحدودية فضاء ورحابة إيحاء. في حين، تحترم القصة القصيرة جدا أختها الكبرى القصة القصيرة، وتفسح لها مكانة اعتبارية بجانبها، تقديرا لها واعترافا بفضلها عليها. ولا عجب فهي قد خرجت من جبتها، مستوفية شروط ولادتها الذاتية بالكامل. لهذا فهما معا تشدان كفا على كف، وتسيران نحو آفاق واحدة. خصوصا أن طبيعة العصر ترعاهما وتدفعهما إلى ارتياد مصير واحد متألق، لكونهما تستجيبان لرغبتها في التعبير عن راهنيتها. أو كما يقول المنظّر الأرجنتيني إنريكي إمبيرت: "لقصر القصة فاعلية الإحاطة بالحركات القصيرة للحياة..

* هناك إقبال على كتابة القصة القصيرة جدا، وصدور عدد كبير من المجموعات لكتاب جدد، هل من نصيحة أو نصائح تقدمها لهم؟
من الصعب توجيه النصائح في الإبداع حصرا. ومع ذلك فلا أرى حرجا في تعيين بعض المطبات اللازم تحاشيها من قبل الكتاب الجدد للقصة القصيرة جدا:
ـ في اعتقادي إنه ليس في الإمكان إتقان كتابة القصة القصيرة جدا كما ينبغي، إذا لم يعالج كاتبها القصة القصيرة بفهم وإقبال، حتى يتشرب أدوات الخطاب القصير. ويحضرني هنا مثال متطابق مع هذا المطلب، عشناه في الستينات، ويتعلق بالشعر الحر. فمن كان لامعا في أعماله الشعرية أكثر، هم الشعراء الكبار، الذين أتقنوا القصيدة العمودية، وتتلمذوا على إيقاعها، قبل أن يجترحوا شعر التفعيلة، ويتفوقوا في إبداعهم فيه. أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وغيرهم.
ـ فاقد الشيء لا يعطيه، حسب المثل المعروف. لهذا، من لا يدمن قراءة النصوص المتميزة لكبار كتاب هذا الفن السردي الجديد، خصوصا لدى أدباء أميركا اللاتينية، حيث ازدهرت القصة القصيرة جدا بصورة موسعة، لدى أمثال أغوستو مونتيروسو وأنخيل مالدونادو أسيفيدو وخورخي لويس بورخيس وخوان خوسي أريولا، أقول: من لا يفعل ذلك، من المؤكد أنه سرعان ما سيغادر هذا الحقل، بعد تجريب كتابة نصوص معدودة غير موفقة. إذ أن القصة القصيرة جدا حديثة العهد، وليس لها تراث مماثل لما راكمته الرواية والقصة القصيرة، مما يتطلب مضاعفة الجهد لخلق المسار الخاص بكاتبها.
أيضا، في رأيي المتواضع، أن من لا يملك روح شاعر داخل أعماقه، لن يتفوق في كتابة القصة القصيرة جدا، بسبب ما تشترك فيه مع الشعر من مكونات جمالية، مثل التكثيف الشديد، ودينامية الحركة، والإيقاع الداخلي، وبلاغة الإيحاء، ورشاقة الأسلوب، وغيرها. وهنا لابد من التذكير بعدتي الكتابة الإبداعية إطلاقا: الموهبة والاكتساب. والحس الشعري يمثل نكهة الموهبة المفضلة.

* أمام طغيان الإبداع الروائي الذي اكتسح الساحة الأدبية، أين تتموقع القصة؟، وما هي ارتساماتكم حول الكتابة الروائية المغربية؟
كما ألمحت سابقا، الحاضر والمستقبل للقصة القصيرة والقصيرة جدا تخصيصا. هذه حقيقة حتمتها طبيعة العصر. فانظري كم من المجاميع القصصية تصدر عندنا تباعا كل وقت، بينما قلما تصدر رواية هنا وهناك. وانظري كذلك حجم نشر القصة القصيرة والقصيرة جدا، ومدى ممارستهما على الصفحات والمدونات والمنتديات والمواقع والمجلات الإلكترونية. فما عاد العصر يتقبل سوى النصوص القصيرة المركزة إلى أقصى الحدود.
أما عن الرواية المغربية، فيبدو لي بكلمة واحدة، أنها قد قالت ما عندها مما لها وما عليها، إن في المعالجة الكلاسيكية وإن في المحاولات التجريبية الحداثية. أي منذ "دفنا الماضي" لعبد الكريم غلاب، حتى السنوات القليلة الأخيرة.

* هل يُفكر المبدع والقاص مصطفى يعلى في كتابة الرواية؟
لا. لم يكن أبدا من الوارد في ذهني أن أكتب الرواية. ربما هي مسألة مزاجية. فأنا أجد نفسي في كتابة القصة القصيرة منذ البدايات الأولى حتى الآن. وأستعيد من خلال قراءتها وكتابتها توازني النفسي. وإن كنت أعرف أن الكثيرين من الكتاب المغاربة والعرب، قد ركبوا موجة الرواية حين اعتلت قيمة تداولها في حقل الإبداع عالميا، فغادروا القصة القصيرة، ومنهم من زاوج بينها وبين كتابة الرواية في نفس الوقت. في رأيي أن القصة القصيرة نوع سردي قائم بذاته، مثلما هي الرواية والشعر والمسرح وما أشبه. وليست تمرينا لدخول عالم الرواية. إنه الإعلام والنقد القاصر ما روج لمثل هذا الفهم الخاطئ لدى الكثيرين.

* ما جديدكم في الكتابة القصصية؟
لقد كتبت مؤخرا مجموعة من النصوص السردية القصيرة جدا، ونشرتها تباعا على صفحتي بالفيسبوك. فتركت صدى طيبا لدى أصدقاء الصفحة. كما كتبت حوالي أربع قصص قصيرة جديدة، إحداها موسومة "رجل ممصوص حتى العظم"، نشرت في مدونة الإعلامية النشيطة أسماء التمالح، بتاريخ 2 يوليو 2014، في حين نشرت أخرى بعنوان "رماد بطعم الحداد"، ضمن الأنطولوجيا الرقمية "أنطولوجيا القصة القصيرة بالمغرب: من جيل التأسيس إلى جيل الإنترنيت"، من إعداد وتقديم مدير مجلة اتحاد كتاب الإنترنيت المغاربية، الأديب المبدع عبده حقي. كما هناك مجموعة قصصية خامسة لي معدة للنشر.
برأيكم هل يمكن الحديث عن الأنواع الأدبية كأجناس مستقلة وخالصة؟ أم أنها تعرف تقاطعات تقودها نحو إلغاء التجنيس؟
لست أميل إلى القول بإلغاء التجنيس. فأجناس الأدب وأنواعه المختلفة، ضرورية لإقامة الحدود بين حقول الإبداع، بكل مكونات خطابها المخصوصة، من أجل الحفاظ على هوية كل جنس إبداعي وخصوصياته. وإن كنت لا أرى مانعا من انفتاح الجنس الواحد، على غيره من الأجناس، إن دعت الضرورة توظيف هذا المكون أو ذاك للإضاءة والتعميق والإغناء. ألا تستفيد القصة القصيرة مثلا من السناريو السينمائي والحوار الدرامي المسرحي والإيقاع الموسيقي والكولاج التشكيلي؟.

* شنت بعض الجمعيات هجوما على اللغة العربية لتعويضها بالدارجة المغربية. هل اللغة العربية في خطر؟ وكيف يمكن تحصينها والدفاع عنها في مواجهة المغرضين؟
اللغة التي قاومت همجية المغول ووحشية التتر وظلامية العثمانيين وعدوانية الغرب، أكثر من ألف عام وما زالت، أكيد أنها لغة أبدية. ولن يستطع أحد عظم شأنه أو ضؤل، أو جهة من الجهات الضالعة في الدس والجبروت، الإيقاع باللغة العربية ووضعها في دائرة الخطر. إن اعتقادي هذا لا يدخل ضمن الظاهرة الصوتية، التي اشتهر بها العرب، خلال المائة سنة الماضية على وجه التخصيص. بل يستند إلى معطيات موضوعية مدعمة لها، من مثل:
أولا، إن هذه اللغة الجميلة، هي لغة وجدان، إضافة إلى كونها لغة فكر وعلم بامتياز. وإذا كان هناك من قصور، فهو مرتبط بأبنائها أساسا. إذ هي ليست معجما ونحوا وقواعد وجملا فقط، بل إنها قدرة تعبيرية منصهرة في الشخصية القومية فكرا وإحساسا وهوية.
ثانيا، هي لغة غنية بإمكاناتها الاشتقائية، بصورة نادرة بين لغات العالم، بحيث تستطيع استيعاب المصطلحات وهضم المفاهيم والقضايا المعرفية المستجدة. ويحضرني هنا رأي للشيخ نجيب الحداد في تسعينيات القرن التاسع عشر، يقول: إن اللغة العربية، تستطيع أن تجد عشر صيغ للفكرة الواحدة، حين لا تستطيع اللغات اللاتينية العثور سوى على صيغة واحد لها. فأي غنى وأي ثراء؟.
ثالثا، إن اللغة العربية شبيهة بالعنقاء، فكلما بدا أنها تعاني سكرات الاحتراق، انبعثت من رمادها أكثر انتعاشا وحياة. ولعل قصيدة (اللغة العربية) الناعية لحظها، للشاعر المعروف حافظ إبراهيم، ذات دلالة خاصة في هذا الصدد. فقد كانت اللغة العربية، قد بلغت مستوى من التدهور في السنوات الأخيرة من عهد الاستعمار العثماني الغاشم، لا يبشر بيقظة متوقعة لها، مثلما ندرك من مثل هذه الأبيات المتشائمة:
رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي
وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي رجالاً وَأَكفاءً وَأَدْتُ بَناتي
وَسِعْتُ كِتابَ اللَهِ لَفظا وَغايَةً وَما ضِقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ وَتَنسيقِ أَسْماءٍ لِمُختَرَعاتِ
لكن لاحظي معي ، كيف انبعثت هذه اللغة العريقة، واستماتت وتطورت، وكم تكيفت وتأقلمت واستوعبت، طيلة القرن العشرين. ولولا تهميشها إداريا، من قبل بعض أبنائها من المتواطئين ضدها في الدوائر الرسمية، ومحاربة اللغة الاستعمارية لها بكل السبل والإمكانيات، لكان لها ربما شأن آخر.
رابعا، إن أهم عامل للمحافظة على اللغة العربية وتقويتها، كونها لغة القرآن الكريم، التي استطاعت بجمالية إيقاعها وطاقتها البلاغية الهائلة وقدرتها التعبيرية الدقيقة إلخ... أن تكون وعاء مثاليا لتبليغ الآيات والمعجزات، والمحافظة على العبادات والتشريعات الإسلامية السمحة. فهي خالدة بخلود القرآن.
وبالمناسبة، ليس هناك من الأعلام والظواهر، من وما أفلت من نباح الكلاب الضالة. فالقافلة دائما تعرف الطريق إلى هدفها، رغم النباح وشهية الرياح المعاكسة.

* الوضعية المقلقة للقراءة والكتاب في المغرب، هل من سبيل لتجاوزها؟
أنتمي إلى جيل، تربى وتثقف على قراءة الكتاب. وحتى وأنا أستعمل الحاسوب والإنترنيت، وأستفيد ثقافيا وفنيا من إمكاناتهما الهائلة، إلا أنني لا يمكن أن أستوعب مقروءاتي، إلا إذا كان بين يدي الكتاب أو المجلة، وبين أصابعي قلم الرصاص، أسطر به على الفكرة البارزة وألخصها وقد أعلق عليها. لهذا فبالنسبة إلى جيلي الأمر محسوم من الأساس. المشكل هو مشكل جيل الشباب، الذي فتنته التكنولوجيا الجديدة على مستوى المعلوميات والفضائيات والهواتف الذكية، فتلهى بها عن القراءة والمتابعة الورقية. وفي اعتقادي، أن الأداتين معا تكوّنان مصدرين جذريين للاستفادة والاستمتاع أدبيا وفكريا. لذا وجب الجمع بينهما.
وأعتقد أن البيت والمدرسة، هما أول فضاء يمثل فرصة بث حب الكتاب والقراءة المدمنة، في نفوس الأطفال والمراهقين والشباب والكبار. فلا يعقل أن يخلو البيت من مكتبة صغيرة على الأقل، وهل من سبيل لإعادة فكرة مكتبة القسم الناجعة؟، وتشجيع التلاميذ على ارتياد مكتبة المؤسسة التعليمية، ومكتبات المدينة إن وجدت.
على أنه من الواجب الحضاري، إلى جانب واجب تشجيع القراءة، أن تتابع الإصدارات بحفلات التوقيع، والكتابة عنها، وتوزيعها بشكل يمكّن من وصولها بسهولة إلى يد القارئ، وإقامة مهرجانات القراءة للجميع، وتسيير قوافل المكتبات المتنقلة نحو كل الأنحاء، وتنظيم المسابقات وجوائز الكتاب بصورة موضوعية، ودعم الكتاب والمجلة ماديا بصورة جدية ومدروسة، من طرف المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية. هذا إذا كانت هناك فعلا رغبة وإرادة جادتين وصادقتين في تشجيع القراءة.


* أديبة من المغرب مقيمة في بلجيكا.   

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: القاص المغربي د.مصطفى يعلى:   الأحد أبريل 17, 2016 1:38 am

admin كتب:
 القاص المغربي د.مصطفى يعلى: عشتُ طفولتي مُطوّقاً بالقص الشعبي من كل الجهات
نشره webmaster في 01/29/2014

حوارات

Printer-friendly versionSend to friend
حوار: عبده حقي*

القاص مصطفى يعلى من مواليد سنة 1945 ، بمدينة القصر الكبيرالمغربية ، حاصل على دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث ، من كلية آداب الرباط في السنة الجامعية 1992/1993 ، حول موضوع : "القصص الشعبي بالمغرب - دراسة مورفولوجية"، تحت إشراف الدكتور محمد السرغيني. وهو عضو في اتحاد كتاب المغرب، ورئيس سابق لفرعه بمدينة القنيطرة ومديرتحريرمجلة (المجرة) الثقافية وعضوالعديد من الهيآت الأدبية ومجموعات البحث والدراسات السردية . نشرالعديد من إبداعاته القصصية ومقالاته النقدية بمختلف المنابروالملاحق الثقافية المغربية والعربية منذ أواخرستينات القرن الماضي . صدرت له أولى باكورته القصصية (أنياب طويلة في وجه المدينة ) سنة 1976 وإصدارات هامة جدا في مجال القصص الشعبي منها ( امتداد الحكاية الشعبية ) ضمن سلسلة (موسوعة شراع الشعبية) وآخرها (نحو تأصيل الدراسة الأدبية الشعبية بالمغرب) ضمن إصدارات إتحاد كتاب المغرب .

* بداية د. مصطفى يعلى أنتم من مواليد مدينة القصر الكبير سنة 1945، كيف تورطتم في كتابة القصة القصيرة في مدينة هادئة تختلف بنيتها الاجتماعية البطيئة مع بنية المدن الكبرى المصطخبة التي تدعي أنها مهد الكتابة القصصية؟ .
ــ شكرا أولا على الاستضافة الكريمة، راجيا لمشروعكم الثقافي الرائد ، كل توفيق. شخصيا أعتقد أن مدينة صغيرة عتيقة، هي فضاء جد مناسب لكتابة القصة القصيرة. إن ما أشرت إليه من صعوبة، يرتبط في الحقيقة بالرواية التي تعتبر صورة عن الحياة، وفق نظرية الرواية لدى هنري جيمس. إذ تتطلب فضاءات متشعبة معقدة، في المدن الضخمة.
بيد أن القصة القصيرة هي فن المهمشين، كما يذهب فرانك أوكونور في كتابه الفذ (الصوت المنفرد). وانطلاقا من هذا المنظور، أسأل: أليست المدن الصغرى مثل مدينة القصر الكبير مهمشة أصلا، وغاصة بالشخصيات المغرقة في التهميش؟. أضف إلى هذه الحقيقة، كون هذه الفضاءات التقليدية المستقرة، هي مستنبت نموذجي لتداول الحكايات الشعبية، علما بأن العلاقة الأسرية وطيدة بين القصص الشعبي والقصة القصيرة. لكل هذا لا نستغرب إن ولد قصاصون في هذه البيئات الضيقة عمرانا ومعاناة. ألا ترى معي أيها الصديق، أن القصة المغربية قد نشأت في المدن الصغيرة بأحيائها العتيقة المنغلقة من مثل فاس مولاي إدريس وتطوان الترنكات وأصيلة باب الحمر، بينما لم تنتج العاصمة الرباط وفي ما بعد سوى قصاصين اثنين، أعني المرحومين عبد العزيز بنعبد الله وعبد الجبار السحيمي؟. من هنا كانت القصر الكبير بالنسبة لي حاضنة لموضوعات وفضاءات وشخوص عدد من قصصي، مثلما يتجلى من مراجعة مجموعاتي الأربع.
وأكيد أن هنالك عدة روافد وحوافز لهذا الاختيار، أوجزها في النقط الموالية:
ـ المناخ المفعم بالأجواء الأسطورية والخرافية، في الدروب الضيقة الملتوية، والأزقة المغلقة؛ حيث كانت تكثر رواية الحكايات في ساحة (الحلاقي) وفي المنزل وفي الدرب ولدى الجيران.
ـ تدعيم هذه الأجواء بالقراءات المبكرة لمتون السير الشعبية في طبعاتها الصفراء، من مثل (حمزة العرب).
ـ الهوس بالسينما، التي كانت تعرض أفلاما مأخوذة عن الأعمال السردية لكبار المبدعين أمثال فيكتور هوغو وشارل ديكنز وتولستوي ودسويفسكي ونجيب محفوظ.
ـ أثر الدراسة الثانوية على يد أساتذة البعثة التعليمية المصرية الرائعة مطلع الستينيات. فإذا كانت القصة القصيرة قد سكنتني في المرحلة السابقة المبكرة بصورة عفوية غير واعية، فإن مرحلة الثانوي جعلتني أمتلك وعيا نظريا مبدئيا بها، ووجهتني لقراءة أهم النصوص لدى شوامخ كتابها كلاسيكيين وحدثيين، أجانب وعربا ومغاربة.
ـ سحر النشر في الصفحات الثقافية للصحف الوطنية بداية الستينات، حيث كانت الكتابة امتيازا، لا يجترحه سوى كبار الكتاب في المرحلة. مما حرضني على إدمان القراءة في السرد أكثر، توقا لامتلاك سلطة الكتابة وفرض الذات في مدينتي الصغيرة أولا، ثم في الساحة الثقافية المغربية الفقيرة ثانيا.
هذا بعض من كل، وإلا فإن التكوين العام للشخصية في رأيي، هو الذي يصنع نوعية الأديب قصاصا أو روائيا أو شاعرا أو مسرحيا، في المدن الصغرى كما في المدن الكبرى.

*هل اهتمامكم بالقصص الشعبي ينم عن دور الحلقة وحكايات الجدة والأزليات وغيرها، في توريطكم في الكتابة القصصية بشكل عام،أم هناك عوامل أخرى؟
ــ صحيح كما قلت سابقا إنني قد تشبعت منذ الطفولة بالقصص الشعبي، لكوني كنت مطوقا بالحكي الشعبي من كل جهة؛ في الحلقة والبيت والدرب والجيران كما ذكرت سالفا. الأمر الذي كون لدي دربة خاصة على استيعاب هذا المتخيل الشعبي المدهش. وربما من هذا الهوس كان الانتقال إلى كتابة القصة القصيرة. وإن كانت هناك دوافع أخرى وقفت وراء هذا التوجه. أذكر منها نهم القراءة المبكرة بالعربية والإسبانية، مما مكنني من الاطلاع على أعمال كثير من كتاب القصة القصيرة من الشرق والغرب، أمثال تشيكوف وإدجار آلان بو وجي دي موباسان و أو هنري وإرنست همنغواي وفرانز كافكا وخورخي لويس بورخيس ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب وعبد المجيد بن جلون واللائحة طويلة.
بيد أن هناك كما سبقت الإشارة، تأثير السينما. فقد كانت مدرسة حقيقية لجيلي يوم كانت أهم وسيلة للفرجة والانفتاح على الآخر. فبما كانت تقدمه من أفلام روائية رائعة، أمكنها أن تزرع في ذهنيتي مزيدا من النزوع نحو الحكي وتداول ملخصات الأفلام المشاهدة بين الأصدقاء والزملاء. نظرا للدور المحوري الذي كانت تلعبه السينما خلال طفولة جيلي، إن على المستوى الفرجوي وإن على المستوى التثقيفي، في غياب مؤسسات مماثلة.
وما دمت قد ربطت أنت في السؤال بين الاهتمام بالقصص الشعبي والتورط في كتابة القصة القصيرة، يمكنني أن أؤكد العلاقة الأسرية الرابطة بين الاثنين، حتى تتبين مرونة الانتقال من الأولى إلى الثانية. فكما ذهب إنريكي آندرسون إمبريرت في كتابه العميق (نظرية وتقنية القصة القصيرة Teoria y tecnica del cuento)، إن القصة القصيرة قد تناسلت من القصص الشعبي. لهذا ليس غريبا أن يكون التزود بالمأثور القصصي الشعبي مبكرا، قد خلق في ذاكرتي هذا النزوع الفطري نحو كتابة القصة القصيرة في ما بعد. وإلا فلماذا لم أكن شاعرا أو مسرحيا مثلا؟.

* هل تتذكرأول نص قصصي خرجت به إلى العلن في سيرتك الأدبية قبل خمسة عقود ؟
ــ أذكر أن أول نص قصصي نشرته، وأنا ما أزال طالبا، أتابع دراستي بالسنة الجامعية الأولى، في كلية الآداب بفاس، كان تحت عنوان (سأبدأ من الصفر). وذللك سنة 1966، على الصفحة الثقافية لصحيفة "الأنباء،" التي كان يديرها الكاتب والشاعر محمد الطنجاوي.

* حصلت على الإجازة في الأدب العربي سنة 1968، حدثنا عنها وعن قيمتها الأدبية والرمزية؟
ــ كانت الإجازة في الأدب العربي سنة 1968، حدثا مائزا له قيمته المادية والاجتماعية المعتبرة. فأولا، كان منصب السلم العاشر لأستاذ بسلك التعليم الثانوي في الانتظار، مقابل راتب شهري كان له بال في الفترة، مقداره 750 درهما. وثانيا، كان لوقع الإجازة على الأسماع أثر خاص، في وقت كانت الشهادة الابتدائية والبروفي ينظر إليهما بكثير من التقدير. بيد أنه كان للحاصلين على الإجازة في تلك الفترة، اعتبار آخر يتجلى في ما تمتعوا به من كفاءة معرفية ودراية تربوية وسلوك أخلاقي مثالي، فحققوا بهذا مكانة مرموقة بين الناس. وللتدليل على هذا، يكفي أن أستدعي هنا للتمثيل وليس الحصر، بعض الأسماء المعروفة، أمثال: محمد الخمار، محمد الميموني، محمد أنقار، إبراهيم الخطيب، محمد بوخزار، إدريس الناقوري، أحمد المديني، أمين الخمليشي، محمد السولامي، محمد عنيبة الحمري، محمد الكغاط، محمد بنعمارة وأضرابهم. ولا غرو، فإن معظم هؤلاء كانوا ينشرون كتاباتهم وإبداعاتهم بالمنابر الوطنية وهم ما زالوا بعد طلبة في الجامعة، بل إن كلا من المرحوم محمد بندفعة ومحمد عنيبة الحمري قد نشرا دوانيهما الشعريين خلال فترة الدراسة الجامعية.

* لو أردنا أن نؤسس للكتابة القصصية بالمغرب، فمن هو الجيل الأجدر بذلك؟ هل جيل أحمد اشماعو والقطيب التناني وعبد المجيد بنجلون؟ أم جيل الستينات، مثل عبد الكريم غلاب وعبد الجبار السحيمي ومحمد برادة ؟
ـ في البحث العلمي لا نتعامل مع الظواهر بمثل هذه العقلية التي سادت خلال السبعينيات على وجه التخصيص، مستندة إلى الابتسار والاجتزاء عن حسن نية أو سوئها. انطلاقا من هذا المبدإ الأكاديمي، يمكن الذهاب إلى أن كل من ذكرتهم وغيرهم قد ساهموا جميعا في إدخال هذا النوع السردي إلى دائرة الاهتمام، لدى المغاربة إبداعا وتلقيا، بعد أن كان الشعر هو سيد الساحة الأدبية الوطنية. ذلك أننا وجدنا كتابا مغاربة قد نشروا نصوصهم القصصية، في ثلاثينيات أو أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي. نذكر منهم علال الجامعي، ملكة الفاسي، عبد الرحمن الفاسي، أحمد بناني، عبد المجيد بن جلون، عبد الكريم غلاب، أحمد عبد السلام البقالي، محمد الخضر الريسوني، آمنة اللوه. بل يمكن الرجوع إلى فترة ما قبل الثلاثينيات مع المقامات والقصص الشعبي، كإرهاصات لاستنبات الكتابة القصصية المعاصرة في حقلنا الإبداعي.
أما في مرحلة الستينيات والسبعينيات، فقد عرفت هذه الكتابة تطورا كميا ونوعيا ملحوظا، من غير أن يعني هذا أنها قد تأسست في هذين العقدين حصرا. إذ لكل مرحلة من مراحل مسار قصصنا العربي بالمغرب، أسماؤها ونوعيتها وإضافاتها ومستويات تطورها. وهكذا كانت القصة القصيرة التي تهمنا في هذا الحديث، عبارة عن حكاية أومقال قصصي أو صورة قصصية أو قصة تيمورية متشبثة بالأضلاع الثلاثية الموباسانية المعروفة (مقدمة ـ عقدة ـ خاتمة). ثم انتقلت إلى التجريب في العقد السبعيني كما هو معروف.
* عرفت القصة القصيرة ازدهارا على مستويات عدة، تتعلق أساسا باقتحامها عوالم التجريب في السبعينات. ماهي العوامل التي ساعدتها على ذلك مع قلة المنابر الصحفية وعوائق النشر؟
ـ فعلا، كانت القصة القصيرة تستأثر بالساحة الإبداعية المغربية بجانب الشعر، خلال الستينيات والسبعينيات، لعاملين اثنين أساسيين من بين عوامل التأثير في الظاهرة، وهما:
ـ كون القصة القصيرة كانت نبتا جديدا على حديقة الأدب في المغرب. فبعد أن استنبتت بشكل أولي في التربة المغربية خلال العقود الثلاثة السابقة على الستينيات، توسع لدى المثقفين التعاطي الواعي لهذا النوع السردي، نتيجة توفر المتون المهمة منها، المتمثلة في النماذج المنتثرة في المجلات العربية والمغربية، وفي مقدمتها مجلة المجلة والكاتب والطليعة المصرية، والآداب البيروتية والأقلام العراقية وآفاق المغربية. فضلا عن المجاميع القصصية الواردة من الشرق العربي لكبار الكتاب، خصوصا من مصر، التي كانت تموج بكتابات من سموا نقديا بجيل الستينات. دون أن ننسى الترجمات المتوالية للقصص العالمي في المنابر الوطنية والعربية المختلفة.
ـ العامل الثاني، يتجلى في ارتفاع مستوى التعليم بدرجة ملحوظة، بعد فترة الاستقلال، حيث واصل أبناء الطبقة الوسطى دراستهم العليا، وتمكنوا من استيعاب النظريات والمفاهيم الخاصة بالقصة القصيرة. كما تأثروا بقراءاتهم الواعية للنصوص الجيدة منها عربيا وعالميا، مثلما هي لدى يوسف إدريس ويحي حقي ونجيب محفوظ وهمغواي وكافكا وألبرتو مورافيا وغيرهم. مما ساعد على ظهور اتجاهين بارزين في القصة القصيرة المغربية خلال ربع قرن التالي على فترة الاستقلال؛ هما الاتجاه الواقعي النقدي من جهة، مستفيدا من مدّ الفكر الماركسي وموجة الالتزام المهيمنين خلال الستينيات، ومن الانفراز الطبقي، بعد تواريه طيلة مرحلة مقاومة الاستعمار. ويتعلق الأمر من جهة ثانية، بالنزعة التجريبية المحتشمة، وخاصة خلال السبعينيات، وفق تحديدك في هذا السؤال، متأثرة بما قرأه أصحابها لفرانز كافكا وأمثاله، لا سيما وأن أصداء موجة الرواية الجديدة للثلاثي آلان روب غرييه ونتالي ساروت وميشيل بوتور، كانت تتردد بقوة بين المثقفين الطليعيين بمغرب هذا العقد.

* أصدرت في هذه الفترة تحديدا سنة 1979،مجموعتك القصصية البكر "أنياب طويلة في وجه المدينة"، البيضاء، مطبعة الأندلس، 1976. كم كانت التكلفة المالية حينها، وما هي أصداؤها؟
ـ كان إصدار مجموعة (أنياب طويلة في وجه المدينة) مغامرة لذيذة، رغم أنها كلفتني الكثير. فقد وصلت الكلفة المادية إلى ثلاثة آلاف درهم لألفي نسخة. وكان لهذا المقدار المالي قيمة كبيرة في ذلك الحين. كما كلفتني هذه المجموعة القصصية، جهدا استثنائيا خلال الطبع والتوزيع. ولا أترك هذه المناسبة تمر من غير أن أذكر هنا حدثين طريفين حصلا معي خلال عمليتي الطبع والتوزيع.
الأولى، أنني والصديق محمد بنيس ظللنا خلال أسبوع تقريبا، نساعد في تصفيف الأحرف الرصاصية بالمطبعة البدائية في الدار البيضاء. وعندما أوشكنا على الانتهاء من المهمة، رجعنا إلى المطبعة بعد تناول الغذاء، ففوجئنا بأحد العمال قد بعثر على الأرض برجليه، ودون انتباه منه طبعا، صندوق الأحرف الرصاصية المصففة. فكان علينا أن نبدأ عملية التصفيف الشاقة من البداية.
والثانية، حدثت عند التوزيع الشخصي للمجموعة على المكتبات بأهم المدن المغربية، وبمساعدة عدد من الأصدقاء. ذلك أنني قصدت مكتبة ذات فضاء شاسع، في حي الأحباس بالدار البيضاء، وطلبت من صاحبها عرض المجموعة القصصية الصغيرة الحجم في مكتبته. لكنه اعتذر بأنه لا يوجد في مكتبته مكان فارغ !.
كان للمجموعة صدى طيب لدى الأصدقاء والمعارف وكثير من القراء. فقد كان نشر كتاب آنئذ في حد ذاته أمرا غير عادي، بالساحة الثقافية عموما والإبداعية تخصيصا. كتب عنها بعضهم، وأهملها آخرون، لكون صاحبها كان يغرد خارج السرب. وتلك قصة أخرى.

* انشغالك بالإبداع القصصي، قادك من دون شك إلى الاهتمام بل التخصص الأكاديمي بالنقد والدراسات القصصية، مما يشكل لديك رؤية متكاملة إبداعا ونقدا؛ حدثنا عن مختبرك السردي، ولماذا القصص الشعبي بالذات ؟
ـ ذكرت سابقا بأن الارتباط بالحكي، قد انطلق منذ الطفولة. هذا سبب. والسبب الثاني، يندرج ضمن انشغال جيلي بتسليط الأضواء الكشافة على الحركة الأدبية المغربية، قديمها وحديثها، نظرا لما كانت تلاقيه من إهمال لدى الأشقاء المشارقة. وكذا، نظرا لغياب المعرفة الكافية به. وهناك سبب ثالث، ويتعلق بالقصص الشعبي المغربي. فقد بدا لي من التعاطي مع هذا القصص، أنه قد ظلم كثيرا، رغم ما يمتلكه من بلاغة وروعة فنية. ثم إنني وجدت فيه إضافة إلى الدافع الذاتي، أرضا بكرا غير مطروقة، يمكن للباحث الأكاديمي والناقد الأدبي أن يجترح من وراء التخصص فيه كثيرا من الإضافات النظرية والإجرائية المهمة.
* يعتبر الدكتور مصطفى يعلى، إلى جانب الدكتور عبد الرحيم المؤذن والدكتور أحمد المديني والدكتور حميد الحميداني، من الأسماء البارزة التي اشتغلت على الدرس السردي القصصي، باختصار كيف تقيم هذه المختبرات؟ وما السبيل إلى إثراء حقل الدراسات السردية في هذا المجال؟
ـ تلك مرحلة مرت. حيث كان الباحثون المغاربة يشتغل كل واحد منهم على انفراد رؤية ومنهجا، من أجل الكشف عن هذا الجانب أو ذاك من جوانب تراثنا الأدبي القديم والحديث بما فيه المعاصر. في حين كان غيرنا في الأمم المتقدمة يشتغلون ضمن خلايا بحث، وفي نكران ذات، وفي ظل ظروف مواتية، لذا تمكنوا من تقديم كثير من المنجزات النظرية والمنهجية المعتد بها عالميا. ومع ذلك، يمكن القول إن تلك الجهود الفردية للباحثين المغاربة، قد تمكنت بالنسبة للتراكم السردي في المغرب، أن تنزع الغطاء عن متونه، وتعين مراحل تطوره، وتحدد لوائح مبدعيه، وتكشف أسرار جمالياته، وتصنف اتجاهاته. وهذا ليس بالأمر الهين، بل على أرضيته تنهض الأبحاث والدراسات المنشغلة بمختلف الملامح والظواهر الأدبية الجديدة. أما راهنا، فنحن بصدد مرحلة ثانية تشتغل على التجربة السردية المغربية والعربية، بواسطة نظريات ومناهج أكثر حداثة وجد متطورة. وهذا أمر طبيعي للمسار التطوري للدراسات الأدبية أكاديمية ونقدية حرة. خصوصا أن الساحة الجامعية قد اغتنت بالمختبرات السردية، إلى جانب انتشار الجمعيات والمنتديات المخصوصة بالسرد ودراسته ونقده.

* ألا ترون أن التجربة القصصية الثمانينية في المغرب، قد شكلت قطيعة مع الأجيال السابقة، بارتيادها لعوالم التجريب، والانكفاء على تقليب الهموم الذاتية بدل القضايا الاجتماعية، التي عرفتها قصص الواقعية الاجتماعية في السبعينات مع زفزاف والخوري وشكري وغيرهم؟
ـ لا أعتقد أن هناك قطيعة جيلية جذرية، في الكتابات الإبداعية، أحرى النقدية. إذ ثبت بفعل نظرية التناص، أن ما يحكم مسار الأدب هو التأثر والتجاور والتساند والتكامل في سياق تطوري متماسك، رغم ما قد يبدو على السطح من اختلاف وتفارق. إن التفسير الذي أعتقده هنا، يتجه نحو اعتبار مرحلة الستينيات والسبعينيات كانت قد استنفدت ظروفها الإيديولوجية، التي أنتجت ما سبقت الإشارة إليه من استيحاء للصراع الطبقي وهيمنة الواقعية النقدية، حيث ذابت الذوات الفردية في الذات الجماعية المهيمنة. أما ابتداء من الثمانينيات، فقد اختلفت الظروف وتشعبت العلائق وتراكمت المستجدات، مما عزل الفرد في هموم ذاتية تتعلق بمصارعة الواقع اليومي من أجل الوجود. وهو ما انعكس على الكتابة الإبداعية. وبذلك تكون مرحلة مختلفة عن التجربتين الستينية والسبعينية حياة وإبداعا، قد انطلقت مع جيل جديد له معاناته الخاصة ومفاهيمه الجديدة ورؤاه إلى الحياة. لكن من غير قطع حبل السرة، الممتد من أجيال ما قبل الثمانينيات وخلالها وما بعدها إلى الآن. ألم يبدأ التجريب في السبعينيات؟ ثم هل انقطع كل كتاب ما قبل الثمانينيات عن الإبداع السردي؟ وبالنسبة لتمركز النصوص حول ذات الكاتب، ألم تستمر خناثة بنونة بكتابتها المتمحورة حول ذاتها حتى في هذا العقد وما بعده؟

* إلى ما يعزى شبه غياب الصوت النسائي إلى حدود أواسط التسعينات، وانفجار النشر الرقمي والإنترنت؟
ـ أولا، دعني أن أوجز خطا بيانيا، يرصد تواجد المرأة المغربية إبداعيا. حتى الآن إن ما ندريه كون الصوت النسائي الذي اقتحم مبكرا عالم الأدب سرديا، هو صوت مليكة الفاسي. فقد انطلق نشر قصصها القصيرة خلال الثلاثينات من القرن العشرين. وكان علينا أن ننتظر إلى الخمسينات لنلتقي مع آمنة اللوه في روايتها القصيرة (الملكة خناثة) الحاصلة على جائزة (جوائز المغرب ومرويكوس). ولم يعل صوت المرأة في الإبداع القصصي، إلا مع خناثة بنونة ورفيقة الطبيعة وفاطمة الراوي بالنصف الثاني من عقد الستينات.
وثانيا، لفهم الظاهرة على ضوء التفسير الاجتماعي، ينبغي أن نستحضر وضعية المرأة المغربية حتى فترة الاستقلال. إذ لم يكن لها حضور في الواقع الاجتماعي، لأنها كانت حبيسة البيت، وغارقة في الأمية، ومكبلة ماديا. ولم تبدأ في الانخراط في الحياة العامة، وفي الحركة الثقافية سوى بعد تلك الفترة، حيث دخلت المدارس واقتحمت الجامعات، واحتكت بالتجربة الحياتية خارج البيت. أما في الثمانينات والتسعينات، فقد كانت المرأة المغربية قد أصبحت عنصرا فاعلا في كل الميادين، واحتلت مكانتها في كل مراتب الحياة. لهذا يلاحظ أن تجربتها أكثر غنى، وروافد إبداعها أغزر تنوعا وخصوبة.

* ظاهرة قصصية فرضت صوتها كجنس قصصي له خصوصياته البنيوية والجمالية والسردية، يتعلق الأمر بما يسمى بالقصة القصيرة جدا؟ كيف تنظر إلى تراكمها الآن وكيف تنظر إلى مستقبلها؟.
ـ القصة القصيرة جدا، فن سردي جديد بمعنى الكلمة. فقد أفرزه القرن العشرون على احتشام، لكنه أخذ يستفحل في الألفية الثالثة. ولعلك تذكر أننا في مجلة "مجرة" التي تصدر عن دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع بالقنيطرة، كنا قد خصصنا ملفا واسعا بعدد مزدوج للقصة القصيرة جدا، ترك أثرا طيبا لدى القراء.
وإذا كان الكثيرون راهنا، قد شرعوا يركبون موجة القصة القصيرة جدا، طمعا في سهولة تناولها كما يظنون، فإن القلة القليلة من كتابها هم من يستوعبون شروطها وضوابطها. ويمكنني أن أزعم بالمناسبة، أن هذه القصة من أصعب الأنواع السردية. فهي تجمع في كلمات وجمل محدودة، بين التجربة الحياتية العميقة، ومنتهى التكثيف البليغ، والشاعرية المدهشة، والمفارقات المعجزة، وما إلى هذا من عناصر التحدي لقدرات المبدع.
أما بالنسبة لمستقبل القصة القصيرة جدا. فيمكنني الذهاب بعيدا، فأعتقد أن المستقبل ليس للرواية ولا للقصة، بل للقصة القصيرة جدا. وذلك بسبب روح العصر، المتسمة بالسرعة المتناهية والتخصصات الدقيقة. إذ لم يعد الزمن يسمح بالتعاطي للنصوص الطويلة وفق ما كان عليه الحال في القرنين الماضيين. كما أن أدوات التواصل الفكري والإبداعي، أصبحت تتحكم في أحجام وأشكال الأعمال الأدبية، مثلما يتجسد في سلطة التغريد بالتويتر، والتواصل الفيسبوكي.

* وما رأيك في القصة القصيرة التفاعلية، التي ترتكز أساسا على التشعبية، أو ما يسمى بالنص المترابط؟
ـ بصراحة، لم أتعرف على هذه التجربة بعد. فتعاملي مع الإنترنيت جديد ومحدود. ولا عجب، فأنا من الجيل الذي تربى على الكتاب. وليس تعاملنا مع الإنترنيت إلا محاولة منا للحاق بمنجزات العصر المستجدة.

* تشرفون على إصدار المجلة الورقية (مجرة)، وهي مغامرة في ظل انحسار المقروئية وتراجعها، حدثنا عن آفاق هذا المشروع الأدبي والثقافي الهام في زمن الإنترنت ؟
ـ كان تأسيس هذه المجلة في التسعينات، مشروعا مشتركا بين ثلة من الأسماء (محمد البوكيلي، بشير القمري، مصطفى يعلى، محمد زفزاف، محمد الكغاط، مبارك الدريبي، محمد سعيد سوسان، محمد واحمان). على أن تتولى دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع بالقنيطرة، نشرها وتوزيعها. وكانت الفكرة التي وقفت وراء إصدارها، أن يتاح لكل الأقلام الكفأة المجال الذي تنشر به في استقلالية عن أي تبعية لهذه الجهة أو تلك. فضلا عن هدفية ربط المجلة بمحيطها الجامعي، من حيث توفير منبر جاد يتسع للكتابات الأكاديمية، على اعتبار (مجرة) تصدر في دائرة وجود جامعة ابن طفيل.
وككل فعل ثقافي حر في العالم الثالث، عانت المجلة من كثير من عوامل التثبيط، التي كان من الممكن أن تتسبب في إيقافها منذ صدور أعدادها الأولى. لكن الإيمان بجدواها، وتضحيات مديرها الصديق محمد البوكيلي، ساعدا على مغالبة تلك العوامل السلبية. وهاهي بصدد إغناء رصيدها الطويل العريض، بإصدار العدد الرابع والعشرين قريبا.
بما يتعلق بتلقي "مجرة" من لدن القراء، يمكنني أن أؤكد لك بأنها قد كسبت الرهان، بمثابرتها وملفاتها الأدبية النوعية الجادة. إذ أضحت شريحة مهمة من القراء تنتظر باهتمام صدور أعدادها المتوالية، والإقبال عليها بكثير من التقدير، والسؤال عنها باستمرار. لاسيما وأن هناك خصاصا حادا يعاني منه المغرب بالنسبة للمنابر الأدبية.
وأقول لك عن آفاق هذه المجلة، إنها مستمرة على المدى المنظور، في نشر الملفات الضافية عن مختلف الظواهر الأدبية الحاضرة في الساحة الثقافية. إلى جانب فسح المجال لكل الكتاب الجادين من مختلف الأعمار والاتجاهات، لأن ما يهمها هو الفعل الثقافي وما يحققه من تراكمات خصبة ومخصبة. أيضا، إن هيئة تحريرها تفكر دوما في اعتماد صيغ جديدة لتقديم المادة الثقافية لقرائها، وتطوير نوعية مواضيعها، بعد أن غطت ملفاتها السابقة معظم الأجناس الأدبية المعروفة تقريبا.

* لو طلبنا من الدكتور مصطفى يعلى انطباعا سريعا، وهو يعيش بين عصر الورق وعصر الرقمية، ما هو إحساسك ؟
ـ إنها معادلة صعبة. ذلك أنني متعود على التعامل مع المكتوب ورقيا، والتركيز على العبارات والفقرات والصفحات، باستعمال قلم الرصاص تلخيصا وتعليقا وإصلاحا ونقدا. وهو الأمر الذي يجعل الأفكار تترسخ جيدا في الذهن أكثر. لهذا فالكتب التي قرأتها بهذه الطريقة، من الصعب أن يتعامل معها غيري من القراء بارتياح، بسبب تشويش قلم الرصاص.
لكن من ناحية أخرى، وجدت أن الفضاء الرقمي يقدم إمكانيات هائلة للمتلقي، لا تفلت أي شيء. بحيث أصبح مرجعا مسعفا في أي موضوع، وبأكثر سرعة وأقل جهد. لهذا صار من غير الممكن الاستغناء عنه. وأذكر في هذا الصدد، أنني قضيت أواخر السبعينات سنتين كاملتين في جمع المادة الخام لبحث دبلوم الدراسات العليا، في حين يمكنني الآن أن أحصل على المادة نفسهاوأكثر في دقائق. ولعل أهم ما يروق لي على هذا المستوى الرقمي، هو توفر المصادر والمراجع قديمة وحديثة، صادرة عن دور النشر المعتد بها علميا في هذا القطر أو ذاك من الأقطار العربية، ما كنا نحلم أن تصلنا في الماضي.
وفي انتظار أن تسفر المنافسة بين الإمكانيتين الورقية والرقمية، عن نتيجة ما مستقبلا، سأظل أفضل الكتاب الورقي، (وكل فتاة بأبيها معجبة) كما يقول المثل المأثور. وإن كنت أود لو يظل الورقي والرقمي يخدمان معا ثقافة الإنسان بنوع من التكامل.

* أصدرت مجلتنا عدة كتب رقمية، تتنوع بين الدراسات والسرد، آخرها إصدار الأعمال الكاملة في ثلاثة أجزاء للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة؛ ألا ترون أن الكاتب المغربي لم يملك بعد الشجاعة لكي يدخل تجربة الإصدارات الإلكترونية؟، وإلى ما يعزى هذا التوجس؟
ـ إنها ظاهرة جديدة، لم تتأصل بعد في ثفقافتنا. وأكيد أن كتابنا سيقبلون على النشر الرقمي، حين يأنسونه ويلمسون فائدته، على غرار ما فعلوا مع الإنترنيت عموما عند ظهوره. وينبغي أن نستحضر أن عددا غير قليل من مثقفينا لا يحسن حتى الآن التعامل مع الحاسوب أصلا، أحرى الاستفادة من الإصدار الرقمي.


* أديب وإعلامي من المغرب. 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: مصطفى يعلى: الجمعيات الثقافية في مدن المغرب المُهمّشة أكثر فاعلية من وزارة الثقافة   الأحد أبريل 17, 2016 1:42 am

admin كتب:
admin كتب:
 
مصطفى يعلى: الجمعيات الثقافية في مدن المغرب المُهمّشة أكثر فاعلية من وزارة الثقافة
نشره webmaster في 11/19/2014

حوارات

Printer-friendly versionSend to friend
حوار: سناء بلحور*

أ. د. مصطفى يعلى أحد أعمدة الكتابة القصصية في المغرب ، وصاحب تجربة ثقافية من طراز خاص. وبالرغم من اشتغاله في السلك الثالث من التعليم العالي في جامعة ابن طفيل، لم يتراخ ولاؤه للقصة وصار البحث العلمي شاغله الأثير. أغنى الخزانة المغربية والعربية بمجموعة من الكتب النقدية الوازنة. نذكر منها " السرد ذاكرة "، " القصص الشعبي: قضايا وإشكالات "، " ظاهرة المحلية في السرد المغربي" وغيرها من الكتب النقدية، إلى جانب إبداعاته القصصية القيمة " أنياب طويلة في وجه المدينة "،" دائرة الكسوف"، " لحظة الصفر"، "شرخ كالعنكبوت" وغيرها. في هذا الحوار يرتاد مصطفى يعلى آفاق الفن القصصي ، وجوانب أخرى من تجربته الإبداعية والنقدية الثرية.

* من موقعكم كباحث ومبدع، كيف تٌعرفون القصة؟
للإجابة على هذا السؤال الأزلي، أقول : من الصعب تحديد تعريف قار للقصة القصيرة. فرغم المحاولات المتوالية الكثيرة منذ إدغار آلا ن بو في القرن التاسع عشر، إلى الآن لم يتم وضع تعريف نهائي لها متفق عليه. فقد حددها بعضهم من حيث المساحة، في عدد الكلمات، أو في عدد الصفحات، وغيرهم حددها زمنيا، تقرأ في جلسة واحدة، أوفي ساعة أو ساعتين، فضلا عمن حددوها شكليا، فجعلوا حبكتها تتكون من بناء هرمي ينطلق من مقدمة نحو الذروة، ثم تأخذ العقدة في النزول نحو لحظة التنوير، حيث المفاجأة غير المنتظرة. لكنها قطعا تستعصي على الانضباط لتعريف قار جامع مانع، مثلها مثل الرواية والشعر، اللذين تشترك معهما في عدد من المكونات.
مع ذلك، فأكيد أنني أنطلق في كتابة القصة القصيرة، من تصور ما، مادامت تعتبر خطابا مخصوصا، له مكوناته وآلياته المميزة له عن غيره. فالقصة القصيرة في فهمي، هي التي تقنعني بواسطة أدبياتها وبلاغتها التخييلة، بكونها قصة قصيرة حقا. أي باعتبارها نوعا سرديا تخييليا مشروطا بمواصفات تعبيرية قابلة للتكيف والتأثر بمختلف التطورات والإحداثيات، التي يأتي بها العصر. إضافة إلى أنها مخلصة لطبيعتها، بحيث تتميز كل مكوناتها بالقصر الفعلي زمنا وفضاء وشخصية وحدثا وموقفا.

* الكتابة القصصية في المغرب والعالم العربي. أي توجه؟ وأي مستقبل؟.
إن قدرة استجابة القصة القصيرة لروح العصر الشديد السرعة، وما أصبح يتسم به من تعقد وتشعب وضياع الإنسان، إضافة إلى دخول الكتابة الإلكترونية على الخط، في الحواسب والإنترنيت، وازدياد ضمور رقعة قراء الكتاب الورقي؛ فمن المتوقع أن تستعيد القصة القصيرة مكانتها مغربيا ومشرقيا، إن لم أقل عالميا، وفق ما يتأكد من منح جائزة نوبل للآداب للقصة القصيرة، برسم سنة 2013 ، اعترافا باستمرارها في معالجة قضايا الإنسان، وببلاغة جمالية عالية. فبهذا الوعي، أرى أن المستقبل للقصة القصيرة، ولأختها الصغرى القصة القصيرة جدا. بدليل هذا الإقبال الشاسع على كتابتهما وقراءتهما من لدن الجيل الجديد.

* في العديد من كتاباتكم عن السرد الشعبي، تطرقتم إلى الحكاية الشعبية. إلى أي مدى يمكن اعتبارها مرجعا أساسيا في الكتابة القصصية على الخصوص، والأدب الإنساني عموما ؟
أولاً، يجب التسليم بالقيمة الإبداعية للقصص الشعبي. فهو مثل باقي الأجناس الأدبية الشعبية الأخرى، يعد من أقدم الآداب الإنسانية وأغناها. كما أنه مبني على أشكال فنية دقيقة، ذات عناصر جمالية وقوانين محددة ومضبوطة. فهو مستودع خصائص الشعوب القديمة، ومجلى تفكيرها ومعتقداتها، ومحط عبقريتها التخييلية، مما أدخله ضمن دائرة اهتمام علماء النفس، والاجتماع، واللغة، والأنتروبولوجية وغيرهم. وبكلمة واحدة، هو بجانب الأدب الرسمي يقدم الوجه الثاني لعملة الأدب الإنساني.
وثانيا، لقد اعتبر السرد الشعبي رافدا مثريا لكل أجناس الأدب الإنساني عامة، والقصصي خاصة. وفي حين أبدى بعض كبار الكتاب العالميين إعجابهم بهذا الأدب وتحمسوا له، استلهمه آخرون غيرهم في صوغ عدد من أعمالهم الإبداعية، بينما أعاد بعضهم صياغة نصوصه القصصية بأسلوبهم الخاص. ولعل أهم مثال يجسد مدى الاستفادة من الإرث الشعبي، ما اجترحه الكاتب الغواتيمالي القصيرة جدا، من محاكاة ساخرة واستنساخ وتناص مع الحكاية الخرافية، الواردة على لسان الحيوانات وباقي كائنات الطبيعة، شكلا ومضمونا، لولا توجيهه البعد الرمزي نحو أهداف معاصرة، اعتمادا على المفارقة والسخرية المستفزة.
بحكم تجربتكم الواسعة في مجال التعليم العالي، ما تقييمكم لواقع الجامعة المغربية؟
للأسف، وضع الجامعة المغربية، وخصوصا كليات الإنسانيات، يتردى يوما بعد يوم. والمفارقة كبيرة بين وضعها في السبعينيات والثمانينيات، ووضعها راهنا، فقد كان حالها أحسن، من حيث نظام التسيير ونوعية التأطير ونتائج التحصيل ووضوح آفاق المستقبل. أما الآن، فلا التسيير تسيير، ولا التأطير كفؤ وكاف، ولا العطاء منتج ونوعي، إلى جانب غموض مستقبل جامعتنا. طبعا، هناك استثناءات دائما. والمؤسف أيضا أن كل مشاريع الإصلاح الكثيرة المتوالية، المطبقة في السنوات القليلة الماضية، قد فشلت فشلا ذريعا، رغم الميزانيات الضخمة التي رصدت لها.

* لقد راكمتم كما كبيرا من التجربة الفكرية والأدبية، يمكنكم من تأسيس رؤية عن الجامعة والتعليم العالي. ألا تحدثون قراءكم ومتابعيكم عن هذه الرؤية، لواقع البحث العلمي في الجامعة المغربية؟. هل هو بخير؟ وما هي الآليات التي ترونها مناسبة لدعمه وتطويره مستقبلا، وجعله مسايرا للشرط المجتمعي والثقافي و الفكري؟
لا، ليس البحث العلمي عندنا بخير، مع شديد الأسف. فلا يمكن أن يكون لدينا حوالي خمس عشرة جامعة أو أكثر، بينما لا تعكس فاعليتها منتوجا علميا لافتا بجدارته وثرائه وتعدده، وأبحاثا معمقة تضيف الجديد المبتكر في جميع التخصصات. فكيف نقبل أن يكون لدينا آلاف الأساتذة الباحثين، بينما إشعاع جامعتنا العلمي والثقافي باهت إلى أدنى مستوى؟. وطبعا، لا عبرة هنا بالاجتهادات الفردية الخاصة، لدى بعض الأساتذة الباحثين الأصلاء، فالقلة لا يقاس عليها. وللتأكد من المستوى العلمي المتردي لجامعاتنا، تذكري اللوائح السنوية العالمية، الخاصة بترتيب الجامعات، من حيث درجة البحث ونوعية الإنجاز، وسترين ألاّ وجود لأي من جامعاتنا فيها، فهي خارج الترتيب باستمرار.
وفي نظري، إن أي إصلاح من شأنه أن يطور الجامعة إلى ما هو أحسن، لا بد وأن ينطلق من القاعدة. أي من الأستاذ والشعبة والمسالك، مرورا بالمختبرات ومركز الدكتوراه ومجلس الكلية، وانتهاء بمجلس الجامعة، قبل أن ينتقل إلى الوزارة المعنية، فإلى اللجنة الوطنية للإصلاح. وليس العكس، كما كان يحدث دوما، إذ تدلّى الإصلاحات جاهزة من فوق، بإشراف من لا علاقة لهم بالممارسة التربوية داخل الجامعة، ويجهلون واقعها تماما، فتهدر الميزانيات المخصصة لذلك دون جدوى تذكر. بل إن بعض ما سمي إصلاحا مؤخرا، قد تسبب في ارتباك الجامعة على كل المستويات، وفي مقدمتها مردودية التكوين.
ولدعم البحث العلمي وتشجيعه، حتى يؤدي مهمته على صورة مرضية، أرى وجوب توفير الظروف الموالية:
ـ العمل على طبع ونشر الرسائل الجامعية الممتازة، النائمة في أرشيفات مختلف الكليات، منذ سنوات.
ـ تقديم المساعدات لمستحقيها من الباحثين الجادين، وتوفير البنية التحية الحقيقية اللازمة، من أجل إنجاز مشاريعهم البحثية، والاستفادة منها.
ـ تبادل زيارات الباحثين مع زملائهم من الجامعات الأجنبية المتقدمة في البحث الجامعي علميا وإنسانيا، وذلك من أجل استيعاب الخبرات، والاستفادة المعرفية.
ـ إقامة المختبرات العلمية من طرف بعض الشركات الكبرى بالمدن الصناعية ضمن فضاءاتها، وفق ما عند غيرنا في البلاد المتقدمة.
ـ ضرورة توفير المكتبات الغنية و العامرة بالمصادر المستجيبة بمرجعياتها لكل التخصصات والمستويات، داخل جميع الكليات.
ـ إعطاء الأهمية القصوى لحصيلة البحث العلمي، في ملفات ترقية الأساتذة داخل اللجن العلمية.
ـ تنظيم دورات إعادة التكوين للأطر الجامعية، بين الحين والآخر، من أجل التطوير والمتابعة والتجديد.
ـ تشجيع الطلبة اللامعين في البحث العلمي، بكل الإمكانيات، استثمارا للعنصر البشري المستقبلي.
ـ إقامة الأنشطة العلمية والثقافية الموازية، من مجلة دورية علمية رصينة، ومؤتمرات وندوات وموائد مستديرة، لتبادل المعرفة والرأي، وامتداد إشعاع الجامعة.
كل هذا لا يتحقق، إلا إذا توفرت الإرادات الحسنة، وكذا الإحساس بالمسؤولية المصيرية.

* مؤخرا وخلال حفل تأبين الراحل الدكتور عبد الرحيم مؤذن، كتبتم كلمة مؤثرة لها أكثر من معنى، هل من رسالة يمكن تمريرها إلى المؤسسات الثقافية في المغرب؟
يرحم الله د. عبد الرحيم مؤذن. من المؤسف أن المؤسسات الثقافية في المغرب، لا تلعب دورها المطلوب كما يجب. فهي انعكاس كاريكاتوري للعقلية العشائرية السائدة في مختلف القطاعات الأخرى سياسية واقتصادية واجتماعية. والمسؤولون عليها والمسيرون لدواليبها، غالبا ما تكون الثقافة هي آخر همّهم. لهذا فوجودها وعدمه سيان. انظري إلى ما حل بدعم الكتاب والمجلة بالنسبة لوزارة الثقافة مثلا، خلال تحمل عدد من الوزراء المتأخرين لمسؤوليتها، وستتأكدين من طبيعة مستوى التعامل مع الثقافة في البلد. إن الجمعيات الثقافية في المدن المهمشة، لأكثر فاعلية منها، في تنشيط الفعل الثقافي بالمغرب، كما هو ملحوظ. لهذا لا مصداقية لمواسم ومهرجانات ومنتوج تلك المؤسسات، الموصوفة ظلما بكونها ثقافية. إلا في إطار جد نسبي، رغم إمكاناتها المعتبرة.
وبمناسبة وفاة الراحل عبد الرحيم مؤذن، ينبغي التذكير بضرورة العناية المادية والصحية والاعتبارية بالأدباء والمثقفين، بوصفهم ثروة حضارية وطنيا وعربيا وإنسانيا. دون إدخال حس الربح والخسارة، على شاكلة تفكير التجار الجشعين. خصوصا أنهم لا يكلفون الدولة في تكوين شخصيتهم الأدبية والفكرية، أي تكلفة مادية تذكر، رغم أنها لطالما جنت على ظهورهم كثيرا من الربح المعنوي والسياسي والمادي.


* أديبة من المغرب. 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
حوار مع القاص المغربي مصطفى يعلى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات-
انتقل الى: