كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:49 am

من إعداد منتديات ميدوزا

محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:

منجم صبر ظل يحمل هموم البسطاء في كتاباته حتى الرمق الأخير



أسست أعمال محمد زفزاف (1942-2001) لقصة عربية / مغربية من نوع مختلف وأدب سار ضد كل تحاليل وتصنيفات الأكاديميين. أدب مبتكر، حداثي، جميل، وغارق في تفاصيل الهم اليومي للإنسان العادي البسيط.
كتب محمد زفزاف عشرات الروايات وعشرات القصص. كان أستاذا في مدرسة إعدادية قبل أن "يترقى" ليصبح أمين مكتبة التلاميذ. ولما كان طلبة اللغة يودون إنجاز رسائلهم الجامعية، لم يجدوا أدبا أحلى من ذاك الذي خطه محمد زفزاف.
قدم زفزاف من مدينة القنيطرة واستقر بالدار البيضاء ومنها كان يبعث قصصه ومقالاته و ترجماته من عيون الأدب. عاش "بوهيميا" لا يعرف غير الكتابة بين شقته ومقاهيه المفضلة مثل مقهى ماجستيك بحي المعاريف بالدار البيضاء.
الفوضوي المنظم، كان بنظر الكثير من النقاد العرب، أحد أكبر كتاب المغرب. وظل طيلة حياته لا تستسيغه مدينة الإسمنت ولا يستسيغها. كان دائما يمثل الوجه الآخر. الصورة المتناقضة مع "ثقافة المدينة" وبريقها الخادع وأصحاب البدلات الشيك والجهل الثقافي المطبق. كيف لا يراهم جهلة وهم من هدموا مسرح المدينة الوحيد في الثمانينات؟
يقول الكاتب العراقي فيصل عبد الحسن: "كنت أعرف أن المبدع محمد زفزاف كريم اليد ويجود بما يملكه، كان بيته ممتلئا دوما بالأدباء الشباب الذين يأكلون معه في صحن واحد ويدخنون من علبة سجائره ويشربون معه بذات القدح.. لكنه، بسبب افتقاره إلى مورد مال ثابت كان لا يستطيع في بعض الأحيان حتى شراء الجريدة."
زفزاف، الذي لم يحظ بأية جائزة أدبية وطنية في بلاده. يعكس حالة معروفة تماما في الأدب العربي بشكل عام. فالثقافة واجهة للسياسة وساحة لها أيضا. وليس ثمة رابط حقيقي بين الإبداع والشهرة.
يفسر الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف قلة الاهتمام بزفزاف ويرجعها إلى سببين: الأول أن أعمال زفزاف العفوية الصادقة تحترم جمهورها وتعنى بقضاياه ولا تقدمها كما يشتهي الآخر، والثاني: أن زفزاف لم يكتب بلغة أجنبية
من بين كتّاب القصة المغاربة، ظل محمد زفزاف الأكثر نصَباَ إزاء الفن، يحزم أمره، ويأخذ نفسه بالشدة.
ومن بين كتاب القصة المغاربة، ظل محمد زفزاف الأكثر وفاء لمسحوقي شعبه، حريصا الحرص كله على أن يظل هذا الوفاء متألقاً واضحاً عبر الفن، لا عبر البيان الصحافي أو السياسي.
يقول سعدي يوسف في رثاء زفزاف: تشبّثه بالحرية، حرية الفنان والمواطن، أورده شظف العيش، بل المقاطعة والعزلة أحيانا. وبينما كانت النزهة سبيلاً إلى الرفاهة كانت الشدة لدى محمد سبيله إلى قامة الفنان الفارعة.
لقد كان الأدب المغربي بحاجة إلى مسيح، يعذبه الفقر والمرض، ويموت بدلا عن جميع الكتاب والأدباء المغاربة، ويتحمل بموته عذاباتهم وغربتهم وقلة حيلتهم إزاء واقع متغير لا يرحم أحدا.
لقد خسر الأدب العربي محمد زفزاف مبكرا وربما ربح العرب والمغاربة "أسطورة أدبية"، كما فعل العراقيون حين ربحوا بموت السياب المفجع نموذجهم الأدبي الخاص بهم.
ستظل نصوص زفزاف عالقة في الأذهان لا تنسى. تلك النصوص التي تحكي عن مواطن عربي مهلهل الملابس يتلفت خائفا وهو يعبر إلى وسط الشارع ثم يتقيأ، ويظل يتقيأ حتى النهاية. ..

القدس العربي 12/7/05 الخليج العربي 03 /05 ، إيلاف03/01





الرواية العائلية في قصص محمد زفزاف " غجر في الغابة " نموذجا

حسن المودن (ناقد أدبي من المغرب)



1 ــ »الرواية العائلية« مصطلح نفساني وضعه س. فرويد في نص أصدره سنة 1909 تحت عنوان:»رواية العصابيين العائلية«. وتعتبر مارت روبير أول من وظّـف هذا المصطلح النفساني في قراءة الأدب، والرواية أساسا، في كتابها الصادر سنة 1972 تحت عنوان: »رواية الأصول، أصول الرواية«.

ولا ينبغي أن نفهم من عمل مارت روبير أن الرواية العائلية لا ترتبط إلا بجنس الرواية في الأدب، فالمقصود هو أن هناك حكاية عائلية أصلية هي منذ القدم نواة كل الخرافات والأساطير والآداب السردية. وهذه الحكاية العائلية حكايتان: حكاية »العالم العائلي المعثور عليه«، وفي هذه الحكاية نجد إعادة صوغ للعائلة الواقعية التي خيّبت الآمال، وتعويضها من خلال عمليات التمثيل بعائلة أخرى ملكية ونبيلة. وحكاية »العالم العائلي المعيش«، وفي هذه الحكاية لا تعوض العائلة الواقعية بأخرى متخيّلة، بل تتمّ فقط مواجهة عنصر غير مرغوب فيه من عناصر هذا العالم المعيش.

وتصنيف الأدب إلى أدبين: أدب »العالم العائلي المعثور عليه« وأدب »مواجهة العالم العائلي المعيش« هو من اقتراح مارت روبير، ولكن لاشيء يمنع الأدب السردي من اختراق هذا التصنيف، ومن أن يتركّـب نصّ سرديّ معيّـن من الحكايتين معا.

وقيمة محمد زفزاف ليست فقط في كون نصوصه تقول الواقع المعيش وتواجهه، بل في كونها تقوم أيضا بمحاولات من أجل خلق ذلك العالم الآخر، ذلك الفردوس المفقود. والأكثر من ذلك، يمكن القول ان نصوص زفزاف، الروائية والقصصية، هي مسرح صراع بين حكايتين: حكاية تنقل الواقع وتواجهه، وحكاية تصور العالم المتخيّل الذي تريده الذات بديلا عن نسبها العائلي الواقعي والحقيقي.

وبعبارة أخرى، نقول إن النص السردي عند محمد زفزاف هو نتاج معاناة واقعية اجتماعية، وبهذا ينتمي إلى »أدب العالم الواقعي المعيش«، ويصحّ أن نسميه أدبا واقعيا اجتماعيا. لكن هذا النص هو في الوقت نفسه نتاج دوافع نفسية ايروسية، وبهذا ينتمي إلى أدب »العالم المعثور عليه«، أدب الفردوس المفقود، ولا يصح أن نختزله في ما يسمى أدبا واقعيا اجتماعيا، بالمعنى المدرسي المتداول في الحقل النقدي. فهو في جانب منه يقول عالما آخر هو الذي تحبّ الذات أن تنتسب إليه، عالم مفقود متخيّـل، عالم قالته الأساطير والخرافات، وتقوله الأحلام والاستيهامات، وقالته الرواية مع سرفانتس.

2 ــ»غجر في الغابة« مجموعة قصصية أصدرها المرحوم محمد زفزاف سنة 1982، وهي تتكون من عشر قصص، تتراوح في الطول والقصر وتندرج أغلب هذه القصص، إن لم يكن كلها، ضمن ما يسمى بالنمط الاجتماعي العائلي،. ويمكن تقسيم نصوص هذه المجموعة إلى نصوص الابن، ونصوص الأمّ، ونصوص الأب. وهي في مجموعها نصوص تقول معاناة الذات في العالم العائلي المعيش، وتكشف خيبة أملها وبحثها عن عالم آخر تراه أجدر بأن تنتسب إليه.

تفتتح المجموعة القصصية بقصة»في الغابة«، ومن هذه القصة استمدت المجموعة عنوانها. والراوي في هذه القصة من الشخصيات المحورية، هو طفل مراهق، هو واحد من الأبناء المراهقين الذين ينتمون إلى نفس الوسط الاجتماعي العائلي، ولكل واحد اسمه: حمو، عدي، المختار، ولدلالة النساء، إلا الراوي فلا اسم له، ربما لأنه يعتبر نفسه واحدا من هؤلاء، وما يهمّ هو أن ينقل حكايتهم وهي حكايته أيضا، وأن ينوب عنهم في نقل حكاية تهمّ كل واحد منهم، ولهذا نجده يصدر محكيه بضمير المتكلم الجمع: »علمنا«.

تفتتح الحكاية بالخبر الذي نشر الفتنة في وسط الأبناء، المراهقين وحتى الأطفال: »علمنا أن الغجر خيّموا هذه المرّة في الغابة« يقول الراوي. والخبر سيتحوّل إلى موضوع مركزي في حوارات الأبناء، بعدها ستحاول كل مجموعة بطريقتها القيام برحلة إلى ذلك العالم الآخر، عالم الغجر. وبعيدا عن أعين الآباء، وتحديا لرقابتهم، يقوم الأبناء باكتشاف عالم آخر أكثر إغراء وافتانا، أكثر سموا من العالم العائلي الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

فمن خلال حكايته، يقوم الابن بوصف العائلة التي ينتمي إليها وصفا ساخرا يكشف مقدار الانحطاط الذي وصلت إليه، ويكشف في المقابل ما في العائلة الأخرى، الغجرية، من جمال ونبل وسحر. ولا يخفي الابن رغبته في الانتساب إلى العائلة الأخرى، يقول الراوي:»آه. كم أحب أولئك الغجريات ــ يا ليت لو كنت واحدا منهم.« (ص Cool.

فالواحدة من نساء العالم العائلي الأصلي لا يمكن أن تكون إلا حافية قرعاء(ص Cool، أما بنات العائلة الأخرى فان الابن الراوي يقول عنهن:»إنهن سمراوات وجميلات وذوات شعر أملس وأسود«(ص Cool.

تنال المرأة مكانة مهمة في هذه الحكاية، وهذا صلب الموضوع الذي يهمّ الابن المراهق، فما يفتن في الغجر هو نساؤهم، وما يفتن أكثر أن عالمهم عالم الحرية والحب والجنس واللذة. ولا مجال للمقارنة بين امرأة من العالم العائلي الأصلي، وبين امرأة فاتنة لا تظهر إلا مرّة كل سنة وهي دوما في ارتحال، موجودة ومفقودة باستمرار.

وتنال الأمّ مكانة مهمة في هذا التعارض بين امرأة العالم الغجري موضوع الحب وامرأة العالم الواقعي المعيش. وأم المختار هي أكثر الصور تعبيرا عن درجة الانحطاط التي بلغتها الأم الواقعية، حتى لم تعد صالحة لتكون موضوع حبّ:

»مشت نحو بيتها وهي تزحف. قذرة، حافية، قدماها متسختان... انحسر ثوب قشابتها، فأبان عن ساق عجفاء، مغطاة بالرضوض والكدمات... تقول كلاما قبيحا...«(ص 10).

وفي مقابل هذه الأمّ الوسخة القذرة العنيفة، تظهر الأمّ الأخرى، في صورتها المثالية الفاتنة:

»جاء غجري صغير وأعطاني نصف برتقالة. كان للبرتقالة طعم خاص، لذيذ بشكل لا يتصور... ركض الغجري الصغير جهة الخيمة. فخرجت أمه، في ثياب مزركشة ومفتوحة عند الصدر يظهر ثدياها وشعرها الأسود الفاحم يكاد يغطي وجهها كله. ومع ذلك ظهر بريق عينيها وابتسامتها الرائعة« (ص 11).

يكشف الراوي صور القبح والعنف والانحطاط في عالمه العائلي الاجتماعي الأصلي، ويقوم برحلة إلى العالم الآخر الأكثر إفتانا وإغراء. وتصور الحكاية هذه الرحلة على أنها في حدّ ذاتها مواجهة للعالم الواقعي المعيش وتمرّد على سلطة الآباء الحقيقيين ورقابتهم. فمن خلال صوت الأمّ نسمع خطاب الأب الذي يعلم بهذه الرحلة التي تتكرر كل سنة، ويمنع تكرارها. ومن خلال أوصاف الراوي وخطاب رفاقه نسمع سخرية من أوامر ونواهي الآباء، ومن محاولاتهم تشويه صورة العالم الغجري.

يبدو الصراع بين الأبناء والآباء صراعا حول القيم التي ينبغي أن يقوم عليها العالم العائلي الاجتماعي الذي تستحق الذات أن تنتسب إليه. والصورة التي يقدمها الراوي عن العالم الواقعي الأصلي صورة تكشف افتقاره إلى القيم المثلى التي عثر عليها الأبناء في عالم آخر، عالم الغجر.

قوة الحكاية في أنها تصور الفردوس المفقود على أنه عالم مادي حقيقي تمّ العثور عليه منذ بدأ الغجر يحطون الرحال في المنطقة التي يقطنها الأبناء. هو عالم موجود ومفقود، يظهر ويختفي، يحكمه الترحال لا الاستقرار، ولا يخضع لنظام اجتماعي ثقافي قاهر كالذي يحكم العالم العائلي الواقعي، هو عالم تنشط فيه قوى الجمال والحب واللذة.

والأكثر من ذلك أن هذا العالم العائلي السامي موجود »في الغابة«، أي في عالم طبيعي خال من علامات التمدّن والتحضّر، مع الغجر نعود إلى العالم الطبيعي الأول، عالم يقوم على مبدأ الطبيعة لا على مبادئ الاجتماع والثقافة والسلطة.

2 ــ إذا كانت »في الغابة« حكاية الابن، الطفل المراهق، فان »السجن والحديقة« حكاية المرأة / الأم. فهذه القصة عبارة عن رسائل ـ مذكرات يومية، من خلالها تشكو المرأة / الأم غياب موضوع حبّـها، الحبيب/الأب. هناك انفصال بين أعضاء العائلة الواحدة، فالأب غائب، و الأم وحيدة داخل بيت أشبه بالسجن، والطفل الابن يلعب طيلة الوقت في الحديقة.

في كلام المرأة / الأمّ الكثير من اللوم والعتاب والاحتجاج على غياب الحبيب، على العالم الذي تقاسي داخله الوحدة والحرمان من الحب والحياة. في كلامها تستحضر أبطال الحب في الأدب الإنساني: روميو وأدولف... في كلامها هذا النزوع إلى عالم الحب المثالي الذي يقوم بدلا عن عالم واقعي يقوم على الصراعات الاجتماعية والطبقية. لا يهمّ أن تكون هي المرأة بورجوازية طموحة أو أرستقراطية في ثقافتها ونمط عيشها، وأن يكون الحبيب مناضلا شعبيا يحمل ثقافة أخرى. ما يهمّ حقيقة هو أن يستطيعا معا تجاوز هذا العالم الشديد الواقعية إلى عالم يقوم على قيم الحب والحرية والحياة. هي لا تطلب أكثر من الحياة في عالم الطبيعة، لا تطلب أكثر من أن تعيش في حديقة مثل طفلها، لا داخل السجن. ولنلاحظ هنا دلالة العنوان، أولننصت إلى ما تقوله صاحبة الكلام، وهي لا ترى ذاتها إلا من خلال استعارة مصدرها العالم الطبيعي لا العالم الواقعي الاجتماعي: استعارة الزهرة البرية:

»ولأنني كنت ــ كما قلت ــ زهرة برية تستحق الإعجاب من بعيد، ومتى كانت الأزهار البرية توضع في زاوية من بيت؟ ألا تعرف أن هذه الأزهار تموت لأنها لا تحتمل هواء مزيفا في بيوت مزيفة؟ إن الأزهار البرية خلقت لتبقى في الحقول ولتحيا وتموت على طريقتها الخاصة« ( ص 37).

من خلال خطابها، ترفض المرأة / الأمّ عالم الواقع الذي يوصف باستعارة السجن، وتعيد بناء العالم الذي تريد أن تنتسب إليه في حياتها ومماتها، العالم الطبيعي الخالي من الزيف، عالم الحب واللعب واللذة والحياة.

3 ــ وفي قصة»الهم« نقرأ حكاية الأب، وهي تفتتح بكلام داخلي للأب يكشف من خلاله الهوة التي صارت تفصله عن محيطه:

»تعتقد عندما تحكي للناس عن همومك أنهم يتفهمونك.. تبحث عن سند في هذا العالم، لكنه في الحقيقة غير موجود عند أولئك الناس. على العكس بل انهم قد يزيدون في إذكاء جذوة ذلك الهم« ( ص 45).

تدور الحكاية حول عائلة تتكون من الأب والأم والطفل. الأب مهموم ويعيش توترات داخلية انضافت إليها التوترات الخارجية بينه وبين الزوجة/ الأم. تقترح الأم الذهاب بالطفل إلى الحديقة، ويرفض الأب باعتبار أن هذا العالم الذي يعيشون فيه يتشابه ولا فرق فيه بين الحديقة وغيرها.

وما يثير هنا أيضا أن الأب لا يرفض الحديقة، بل يرفض نوع الحدائق التي توجد في العالم الاجتماعي العائلي الذي ينتمي إليه، فهو لا يتصور الحديقة/ الطبيعة مسيّـجة ومحاصرة بكل هذه الممنوعات، والأب يحتجّ قائلا:

»غير ممكن... ممنوع قطف الزهور. ممنوع المشي فوق العشب. ممنوع الاختلاء بأنثى. ممنوع السباحة.« ( ص49).

4 ــ في قصص زفزاف حكاية كل فرد من أفراد العائلة، وهي حكاية واحدة تتكرر وتتشابه: حكاية الذات التي تبحث عن إعادة بناء عالمها العائلي الاجتماعي بعد أن خيّب عالمها الأصلي آمالها وأحلامها.

في قصص زفزاف إعادة بناء العالم الاجتماعي العائلي الأصلي واستبداله بعالم جديد قيمه هي قيم العالم الطبيعي، الأول والأصل، عالم ما قبل أسطورة التحضّر والتمدّن. بعيدا عن عالم العنف والقهر والكبت، تستعيد الحياة حريتها، وتستعيد الرغبة قوتها، ويستعيد العالم جماليته.

ينتمي أدب محمد زفزاف إلى »أدب العالم الواقعي المعيش«، ولكنه ينتمي أيضا إلى أدب »العالم المعثور عليه«. والعالم الآخر الذي تسعى الذات للانتماء إليه هو عند زفزاف عالم الطبيعة بعيدا عن المدينة والحضارة. نجد كلا من الابن والأب والأمّ يحلم بالانتماء إلى عالم طبيعي بعيدا عن السجن الذي يختنق داخله باسم التحضّر والتمدّن.

والأمر لا يهمّ قصص زفزاف فقط بل ورواياته. فإذا أخذنا، على سبيل التمثيل، روايته: »الأفعى والبحر«، سنجد شخصيتها المحورية، سليمان، وهو طالب جامعي، يقرّر أن يغادر الدار البيضاء التي جعلته »عصبيا لا يطيق العالم من حوله«، متوجّها إلى تلك المدينة الصغيرة »حيث البحر على الأقل يستطيع أن يعطي الشعور بالانشراح وعفوية الحياة وبساطتها«.

يترك سليمان مدينة الضجيج إلى مدينة البحر، ففي البحر »يشعر بسرور عارم... بانطلاقة غريبة، انطلاقة من عالم جميل رائع إلى حلم، مثل العالم الحالم الذي يقرأ عنه في سلسلة معينة من بعض الكتب، عالم سحري«.

يترك سليمان المدينة الكبيرة، الدار البيضاء، الى مدينة صغيرة، الصويرة. وللصويرة مكانة خاصة في أدب المرحوم محمد زفزاف، فهي قد كانت في السبعينات قبلة كل من يرفض أسطورة التمدّن والتحضّر، وخاصة ممّن يسمى بالهيبيين، الرافضين للحياة المدنية الغربية ونمط الحياة الذي تفرضه الحضارة الجديدة.

الرحلة إلى الغابة أو إلى البحر أو إلى الصويرة هي، على حدّ تعبير زفزاف في هذه الرواية، »الاستمرار في الرحلة إلى العالم الفسيح«.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:50 am

admin كتب:


بلاغة القصة القصيرة عند الراحل محمد زفزاف

محمد معتصم الناقد الأدبي


1/ الكتابة المرحة:
1.1/ مفهوم الكاتب:
يستوقفني وأنا أتحدث عن مفهوم الكتابة المرحة، وعن القاص والروائي المغربي الراحل محمد زفزاف مفهوم الكاتب ومدى صلته بمفهوم الكتابة. من خلال النص القصصي المنتقى هنا للتحليل من مجموعة "غجر في الغابة" تحت عنوان "السابع" ضمن الجزء الثاني من الأعمال الكاملة. يتبدى أن الكاتب ليس فقط ذلك الذي في مقدوره تدوين ملاحظاته على الورق وضمها في كتاب ونشرها للقراءة. وليس فقط ذلك الذي في مقدرته التعبير عن لواعجه وهمومه وأفكاره وخواطره. بل الكاتب ذلك الكائن المختلف الذي تتملكه الكتابة كحالة من الوجد. وتتحول مع الوقت والممارسة الجادة إلى طبيعة تمحو كل تطبع، وتزيل كل وهم. فالكاتب كائن مختلف تضيق المسافة بينه وبين الكتابة حتى يصبحا واحدا ومن الصعب الفرز بينهما. فالكاتب كاتب حتى وهو يمشي في الطريق، أو يتحدث إلى الآخرين؛ زملاء وأصدقاء وقراء، أو هو يرتدي ثيابه ويختارها بذات العناية التي يختار بها كلماته وألفاظه وعناوين قصصه أو وهو يتحدث عما أنجز وعما ينوي إنجازه. وهذه صورة الكاتب القاص والروائي والمترجم والمسرحي محمد زفزاف. لا ترى فيه إلا الكاتب، كما يورد ذلك القاص أحمد بوزفور في شهادته عن رفيقه وزميله.
والكاتب/الكتاب أصناف وطبقات يتمايزون عبر قياس الفاصل بينهم كذوات كاتبة وبين الكتابة. وكلما اتسعت الهوة أو ضاقت الشقة بينهم وبين الكتابة تباعدوا أو تقاربوا في التصنيفات والطبقات. وكثيرا ما ترى الشخص رؤية العين فلا ترى فيه الكاتب، وينعكس ذلك على الكتابة فتكون صلتنا بمكتوبه فاترة متراخية الحبال. ويبدو مكتوبه مجرد كلام مصدره اللسان، بينما يكون مكتوب الكاتب الحق حارا دافقا حميما كدماء القلب.
إن مفهوم الكاتب إذا تحدده المسافة الفاصلة بين الكاتب (الذات) والكتابة (الموضوع). فإذا ضاقت المسافة اقترب الكاتب من ذاته ومن القراء، وإذا بعدت المسافة بعد الكاتب عن ذاته وعن موضوعه وتراخت حبال الكتابة.
2.1/ الكتابة المرحة:
تبعا للتحديد الذي قدمناه لمفهوم الكاتب نستطيع تحديد مفهوم الكتابة المرحة. قد يبدو للوهلة الأولى أن المراد بالمرح الميل إلى الفكاهة والمرح، واتخاذهما موضوعا وهدفا للكتابة. إلا أنني أذهب به جهة أخرى توثق الصلة بين الكاتب والكتابة؛ أي أن الكتابة المرحة صفة لضيقة الشقة بين الذات الكاتبة والكتابة كموضوع يتلبسها (الذات) ويملك عليها كل حواسها ومشاعرها ومناطق التفكير فيها بحيث يصبح فعل الكتابة مرحا. لأن الكاتب يحقق ذاته في الكتابة دون أن يكتب عن نفسه. أي دون أن يصبح المكتوب سيرة شخصية مباشرة. والشعور بالمرح متولدٌ عن قرب المسافة بين الذات وموضوعها. وناتج عن الألفة والروابط الحميمة بين الطرفين المتوحدين.
ومقابل الاقتراح الحالي (الكتابة المرحة) تستوقفنا تجربة الروائي السوداني الطيب صالح الذي جعل من الكتابة فعلا عنيفا يمارس قهرا وثقلا على الذات. والكاتب المرح موسوم بالاستمرارية والمواكبة والتراكم النوعي. لكن الكاتب المقهور معرض الانقطاع عن الكتابة. ويمكن للمنهج التحليل نفساني أن يفيد هنا في الشرح (لا التشريح) والتحليل والتوضيح.
إذا الكتابة لدى محمد زفزاف كتابة مرحة موسومة بالاستمرار والتراكم النوعي. والكتابة لديه تحقيق للذات الكاتبة وتطوير لفعل الكتابة. تطوير داخل المسار الكتابي ذاته، يتجاوز الكاتب ذاته ويكبر بعد كل نص قصصي، وتتطور تبعا لذلك الكتابة القصصية.
/ البلاغة على قدمين:
يسعى كل كاتب إلى إثبات بصمته الخاصة على/في الكتابة ومسارها. وأن يطبع النصوص الإبداعية بنكهته الخالصة في كل مجال من مجالات الإبداع. ولا يتحقق ذلك إلا با ستخلاص طريقة كتابية متميزة متفردة؛ أي على الكاتب ابتكار بلاغته. ومحمد زفزاف في قصة "السابع" ، أي يوم العقيقة، تتجلى بلاغته المرحة في الأوصاف والنعوت التي يلصقها بشخصياته، والصور البلاغية (التشبيهات) التي تزخرف فضاء النص القصصي.
بلاغة محمد زفزاف مأخوذة من الواقع المعاش واليومي لذلك أطلق عليها (البلاغة على قدمين). لأنها تمشي بين الناس، ولم تحتوها بعد المعاجم وكتب التصنيف البلاغي. وفيما يلي بعض الأوصاف من نص "السابع":
1.2/ الأوصاف والنعوت:
الاسم العلم: تتصل النعوت والصفات بالشخصيات وأسمائها وألقابها وكنياتها. وتسعى الكنية واللقب إلى تحديد الفئة الاجتماعية وأصولها. ولا يخفى أن التنابز بالألقاب صفة متصلة بالحياة القروية والصحراوية، أي بالحياة غير الحضرية. ومن ثمة يمكن الإعلان عن تطابق الأسماء والأماكن، وتطابق الفئات وألقابها. وقد اختار القاص (الكاريان) أحياء الصفيح مسرحا لأحداث قصة السابع. وبالتالي فشخصياته ملتصقة بأسمائه المتداولة، وبالأعراف السائدة. أي التنابز بالألقاب، وهي صفات وعيوب، مثل:" خدوج بنت الأصمك" و" رحمة زوجة العربي الهيش". وهذان المثلان يبرزان خصائص متعددة من الكتابة المرحة. المستوى الأول الذي عرف عن محمد زفزاف وإدريس الخوري كذلك تطويع الألفاظ الدارجة وإدماجها في السياق الفصيح. المستوى الثاني تصبح فيه الصفة دلالة على وضعية. تقول رحمة لمنانة مثلا:" لا أحد يستطيع أن يقيم سابعا مثل هذا. هي تزوجت رجلا ونحن تزوجنا بغلين لا يستطيعان أن يعيلا حتى نفسيهما" ص (6). و يضيف النص:" ومع ذلك، فقد بدت لنوارة أنها سعيدة، يظهر ذلك في أعماق عينيها العمشاوين اللتين يقترب الذباب منهما ثم يتراجع..." ص (70).
2.2/ التشبيه:
إضافة إلى الأبعاد الدلالية للأوصاف والنعوت يوظف القاص إمكانية التشبيه لإعطاء النص القصصي بعدا جماليا، ولإضفاء صفة المتعة المرحة على نصوصه. وعلى العالم الذي يبنيه. ونسوق هنا عددا من أنواع التشبيه التي تختف وظائفها حسب النسيج النصي:
1.2.2/ الفاكهة والإحالة الجنسية:
أ/ "نوارة تبلغ الثانية والعشرين، صغيرة الحجم، أنفها أقرب إلى أن يكون أفطس. غير أن ما يطغى على ذلك تورد وجنتيها ووجود ذلك الخال قرب الأنف عند الحنك الأيسر، وجسدها لا يبدو ذا بال، لكنها عندما تتعرى تصبح امرأة حقيقية بين يدي الرجل، أي رجل. لذيذة بشكل لا يمكن تصوره، مثل فاكهة ناضجة في غير موسمها". ص (61).
تتوزع هذا المجتزأ إمكانيتان للتعبير الجمالي. الأولى يمثلها الوصف الميال جهة تغليب كفة القبح. والثانية يمثلها الوصف المرمم للصورة ويتجلى في إدخال (الخال) كشامة مجملة لما فبح وشان. ثم الجسد البض المرن بين يدي الرجال. وهنا يقدم القاص على تبليغ المعنى في صورة بلاغية (تشبيه) حين يقارن بين لذة الجسد ولذة فاكهة في غير أوانها، فاكهة مفتقدة ومرغوبة.
هذه الطرقة في البناء، أي تقدم الشيء ونقيضه أو تصوير حالة من المختلفات تطغى على كتابات زفزاف.
ب/ يقول النص في السياق ذاته. أي في تأكيد على الجسد:" تأمل جسدها الصغير الحجم، اللذيذ مثل فاكهة في غير موسمها. هذا الجسد الذي يغطيه زغب أصهب مثل زغب الخوخ..." ص (62).
في الاستشهاد التالي تتجلى فكرة التغضن من خلال تكرير المثل "مثل فاكهة في غير موسمها". والكتابة لدى محمد زفزاف تمتاز بتكرار العبارات كلازمة تُنظم الحكي وتنسج حبال الحبكة. كما تتجلى بلاغة التعبير عن موضوع صعب، يتطلب ممارسة وبلاغة أدبية ينقذانه من السقوط في الفجاجة والابتذال. ويلاحظ كيف جمع المثل بين شعيرات مسام الجسد وبين شعيرات جلد فاكهة الخوخ.
إن محمد زفزاف لا يكتب في الجنس كتابة ساقطة بل يكتب أدبا جميلا يربأ بنفسه عن اللغة السطحية التي لا تنقل الجميل بل تقف عند العَرَض. ذلك ما وقفنا عنده في "اللغة المنسية" في موضع آخر.
2.2.2/ حديقة الحيوان:
يوظف القاص في قصة "السابع" تشبيهات أخرى تستقي معجمها من حديقة الحيوانات. ونورد هنا بعضا منها:
أ/ يقول النص:" وقف أعمى آخر كان يضع نظارتين، وتوجه نحو الوسعة الصغيرة وسط البراكة. داس المكان كالتيس، أخذ يرقص مع المنصورية والأعمى صاحب التعريجة، ويردد لازمة الأغنية، لكن صوته كان شبيها بالعواء". ص (66).
تحيل لفظتي "التيس" و"العواء" على وطأة الرغبة، فالتيس حسب المعجم العربي الأساسي:" الذكر من المعز والظباء والوعول إذا أتت عليه سنة". (207). أما العواء فصوت الذئب، وحسب المعجم العربي الأساسي كذلك:" عوى الكلب والذئب وابن آوى، صاح صياحا محدودا ليس بنباح". ص (880). ومن خلال المعجم يتضح أن اللفظتين تقفان عند البداية. عند أول الشيء. فالتيس بداية السنة الثانية، والعواء صوت دون النباح. إنه التكتم وذلك ما يوافق حالة العمي في حلبة الرقص. رغبة غير مكتملة، مجرد حس دفين، حس مجاور للتخوم. يقترب من هدفه دون أن يصله. رغبة مكبوتة مصدودة غير مشبعة. إنها لحظة التوتر الداخلي، شعور الرجل بوجود المرأة دون معاينتها، ودون استكمال الصورة. فقط هناك حس مكتوم غير مؤكد بحواس وجوارح.
ب/ يقول النص:" - سوف يرزقك الله أبناء آخرين. أنت صغيرة وشابة وقوية - تبارك الله - مثل عجلة" ويضيف:" لطالما قالت لها أمها أن عينيك جميلتان مثل عيني جحشة. المهم أنها في قوة عجلة وفي جمال جحشة" ويضيف أيضا:" وسي أحمد يقول لها عندما يكون في حالة نفسية خاصة: يا مو بزازل يا بزازل البقرة ". ص (71.70).
تحيل هذه التشبيهات على الحياة الجاهلية، وعلى المعجم الشعري العربي القديم حيث كانت الصحراء بظبائها والمها وخيولها ونوقها وسباعها وجوارحها مقياسا للمعرفة، وأطرافا أساسية في إقامة التشبيه. فالأشياء لا تعرف فقط بأضدادها بل بأشباهها . ومحمد زفزاف في هذه المقتطفات القصيرة يمتاح من المعجم ذاته، ويوظف الحيوانات للدلالة على القوة والجمال وهما صفتان مهمتان في تحديد نوعية المرأة، في الفكر الجاهلي، وفي الفكر القائم على التكاثر والأنساب وسلطة شجرة الأنساب. فالمرأة القوية قادرة على تعدد الولادات وتعدد الولادات دلالة في الفكر ذاته على فحولة الرجل، وتعدد الولادات والأولاد تفريع لجدع الشجرة، وإطالة في النسل والنسب. والجمال خصلة مطلوبة في المرأة أكثر من طلبها في الرجل. وهذا التميز في حد ذاته قيمة فكرية ناتجة عن تصور مجتمعي متعارف عليه (العرف). ومحمد زفزاف يصور بذلك فكرا مطابقا للوسط (الفضاء/المكان) الذي تتحرك في حدوده القصة (الأحداث والشخصيات...). وتجتمع الجحوش والعجول والأبقار في سعة العيون التي عدها العربي (القديم) ميزة للجمال حين وصف عيون المحبوبة في شعره.
إن التشبيه كمستويات بلاغية لا يخلو من دلالة بل يعد لدى الكاتب قيمة ضرورية لبناء القصة، ولتأثيث الفضاء، ولاختراق حدود الشعر الذي انفرد لأزمنة عديدة مديدة بملكية البيان (الصورة الشعرية، التشبيه، والاستعارة والكناية والمجاز). ومن دلالاته كذلك تكثيف السرد، ولم أشتات الحكاية وتركيز القول في بؤرة واحدة موحدة، ودفع كل التباس في الفهم. ومن دلالاته أيضا التهكم والسخرية.
ج/ يقول النص:" اختفت وراء البراكة مثل سلحفاة". ص (73).

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:51 am

admin كتب:
admin كتب:


يشبه القاص الأم الكسيحة بسلحفاة تزحف بطيئة لتقضي حاجتها إلا أنه يؤجلها لوظيفة جمالية أخرى في القصة سيرد ذكرها في حينه.
3.2.2/ عربة القطار أو حقل الميكانيكا:
يقول النص:" ثم سُمعت الزغاريد والتصفيقات. ودخل جوق العمي، متماسكين مثل عربات القطار، واصطفوا في مكان معين". ص (62). ويضيف:" مع ذلك، فقد بدت لنوارة أنها سعيدة، يظهر ذلك في أعماق عينيها العمشاوين اللتين يقترب الذباب منهما ثم تتحركان باستمرار كمروحتين كهربائيتين". (70).
يستعمل القاص مثل هذا التشبيه لبعث روح المرح في الكتابة، وفي نفس المتلقين. إنه مرح يدعو إلى قبول المعيش. والكتابة ليست إلا إمكانية نقل المعيش وتذويبه في عبارات جملية مؤثرة. وضمن بلاغة تسمح للمتلقي باستيعاب وفهم شبكته المعقدة. إن المرح المتحدث عنه هنا جسر لدخول عالم الكتابة، دخول المعيش ودخول القارئ.
3/ كرنفال العمي:
تعد مناسبة العقيقة (السابع) فرصة للاختلاط وللتجمع. إنه الاحتفال بالمولود الجديد. وإنه الاحتفال بالكلام في تعدده وفي اختلاطه. وإنها فرصة للإفصاح عن المكبوت. إنها فرصة للنميمة والمديح وللهجاء والذم. لقد اختار القاص مناسبة الاحتفال إطارا يحد أحداث وأفعال القصة. وتبعا لذلك نستحضر مفهوم التعدد الصوتي الباخثيني، وأيضا مفهوم الكرنفال. إلا أننا لن نقف عند دراسة الأساليب والخطابات دراسة لسانية بل سنشير إلى بعض السلوك الاجتماعي المتكرر في مثل هذه المناسبات الاجتماعية للإفصاح عن عمق اختيار القاص، وللإفصاح عن رؤيته الانتقادية الساخرة المرافقة لجل أعماله الروائية والقصصية، حيث تبرز موهبته ودقة ملاحظاته وتفرده.
1.3/ تصادم الرغبات:
إن غيرة (السي أحمد) على زوجته الثانية (نوارة) ودهاءه ساقاه نحو اختيار جوق العمي. معتقدا أن غياب حاسة البصر سيمنع التصادم بين الجنسين وسيحول بينهما. وإن اختلطا في فسحة "براكة" تضيق بحشود المدعوين. لكن النص يبين أن التوتر بين الجنسين، أو أن مهرجان الرغبة سيكون على أشده، وسيتجلى في الانفعالات المصاحبة للرقص بين المنصورية، لأن المنصورية:" لا تخجل حتى من أولادها" ص (65). والأعمى الذي كان:" ينحني عند عجيزتها، وقد أصابه نوع من الحال، يضرب بعنف على التعريجة وصوته المبحوح يخترق أخشاب البراكة". ص (66.65).
إن الألفاظ المستعملة في المقتطفين تدل على تصادم الرغبات وتوتر النفوس:
• نفي الخجل عن المنصورية
• انحناء الأعمى عند عجيزة المنصورية
• انجذاب الأعمى في حالة نفسية شديدة الانفعال
• الضرب العنيف على جلد التعريجة
• اختراق الصوت للأخشاب
هذه التعابير الخمسة تدل على:
أ/ جرأة المنصوريات على مخالطة الرجال في فترة كانت المرأة تُمنع عن جمع الرجال في الحفلات وفي الحياة العامة والعادية. حيث (كان المهيمن) عند الاختلاط اشتعال الرغبات على كل قيمة أخرى، سواء أ كانت قيمة معرفية أو اجتماعية...وجرأة المنصورية ستفعل فعلها في نساء أخريات كن يكبتن رغبة الرقص في حضرة جوقة من العمي. لذلك ستتجرأ امرأة أخرى على اقتحام الحلبة لكن في خجل وتردد. يقول النص:" نهضت امرأة أخرى وأخذت ترقص وقد نزعت عن شعرها الأكرت منديلها المزوق. ألقت بالمنديل في حجر إحدى النساء، وظلت ترقص في مكانها". (66). ولأن المرأة ليست منصورية، إلى تحكم الفكر العشائري القبلي، وسيادة الأعراف الاجتماعية، فإنها اكتفت بمكانها. وكذلك ستفعل "نوارة" عند باب البراكة (الكوخ القصديري) لولا أن نهتها إحدى النساء ونبهتها لحالتها الصحية (حالة النفاس).
ب/ انحناء الأعمى وانجذابه وضربه العنيف على التعريجة حالات ظاهرة تدل على حالات باطنية. وهو ما ينفي تصور السيد أحمد وتصور النساء عندما اعتبرن الأعمى ليس رجلا، أو رجلا بلا رغبة خاصة إذا كان عجوزا. يقول النص:" ...قالت لها امرأة:
- تقدمي إلى الوسط حتى نراك.
- لا أستطيع أن أرقص مع رجل.
- إنه مجرد أعمى، وفوق ذلك فهو عجوز". ص (65).
إن محمد زفزاف شغوف بلحظة التوتر، شغوف بالتأليف بين المختلفات. ويعتمد ذلك لخلق حالة مرح لدى القارئ وهو يتتبع ما كتبه. ولخلق فضاء مرح عند الكتابة. إنك لا تشعر بالسأم وأنت تقرأ أعمال محمد زفزاف، ول تبتعد كثيرا عن المعيش دون أن تفقد اللغة حيويتها وجمالها، ودون أن تفقد الحكاية جاذبيتها ونضارتها، ودون أن تفقد القصة صرامة بنائها. هنا تتجلى بلاغة القاص وممارسته ودربته وفرادته. إننا بحق أمام كاتب لا يبتعد عن الكتابة بل تتملكه ليصبحا واحدا. ولتصبح الكتابة مرحا، يسعد بها الكاتب كما يسعد بها القارئ. وهي انتقاد حاد وتشريح سعيد لأوصال الفئات الاجتماعية المختلفة، خاصة تلك التي تعاني الفاقة أو تلك التي تعيش على الهامش.
د/ أما لفظة اختراق في العنصر الخامس (هاء) من عناصر الاستشهاد فإنها تكتفي بذاتها لتدل على البعد الرمزي لرغبات تتصادم دون إشباع.
2.3/ النميمة ملح الحفلات:
لا تكتمل الحفلات المغربية دون أن تزهر فيها حدائق النميمة والغيبة، والهمز واللمز، والوشاية والوعظ والإرشاد الكاذب، والحسد...
وهنا نكتفي بإحالة القارئ على النص (السابع) لأنه لا يقبل الاجتزاء، والاختزال.
4/ تركيب:
في هذه الدراسة حاولنا استجلاء مفهوم الكاتب ومفهوم الكتابة تحت عنوان "الكتابة المرحة" التي تورط في حبالها الكاتب والقارئ والعالم المتخذ موضوعا لها في آن واحد. وتصبح الكتابة حالة من البهجة ودعوة إلى التجديد والاستمرار عكس دعوات أخرى مناقضة تدعو إلى الألم وتحمل الكتابة ما لا يحتمل، وتدعو إلى التوقف والعجز. وهي حالة جديرة بالدراسة والتحليل، دفعا لكل تأثير سالب يسقط العالم في الجفاف والقحط العاطفي والخيالي والإبداعي.
ثم وقفنا عند بلاغة الكاتب معتمدين على الصور البلاغية، أي التشبيه الذي يمتاح من عالم الحيوان وعالم الميكانيكا ليصور ببلاغة وبعمق الفكرة ويضفي على القصد حالة من التعبير الرمزي الموحي، الذي يبعث المرح وعلى المتعة والفهم في آن. كما أن القاص عمد إلى توظيف الصفات والنعوت الخاصة بالعيوب ليصف حالة ووضعية اجتماعية سائدة، أي التنابز بالألقاب في المجتمعات العربية التي تفضل اللقب والكنية على الاسم.
كما حاولنا الوقوف على بعض العبارات وبعض الحالات التي ترافق كل احتفال اجتماعي، حيث تسود النميمة والغيبة والحسد والدسائس والمقالب والمديح والذم...كل ذلك يمتزج بروح المتعة والفرجة والظرف وهو جزء من الاحتفال. ولم نهمل الموضوع الأثير لدى محمد زفزاف وأقصد موضوع الهيمنة الجنسانية ووصف الرغبات المتحكمة في الإنسان والتي تضطره إلى التأرجح بين المنع والتحقيق.
إنها كتابة مرحة ممتعة وقراءة ممتعة تدل على أن الكاتب يكون سعيدا وهو يرسم عوالمه ويخلق شخصياته الورقية التي تمتاز بكل الصفات عدا صفة السوي. لأن الوسط غير سوي ولأن الشاذ لا يقاس عليه.
وقبل هذا ركزنا على تأثير المدينة (مدينة الدار البيضاء) في خطاب محمد زفزاف وبينا كيف تأثر القاص بالمدينة التي آوته واحتضنته كالأم الرؤوم وفتحت له آفاقها ومغالقها. وبالتالي انعكس ذلك على خطابه القصصي في جل مكوناته. وقد ركزنا على الجملة السردية والنحوية لأنها كانتا أكثر تعبيرا عن الاندماج بين الكاتب والمدينة.
أما المدخل العام فقد أبرزنا فيه المميزات الفنية لكتابة محمد زفزاف الذي فقد المغرب فيه المبدع المجدد والكاتب الدؤوب الذي لا يمل ولا يبخل بالعطاء والتجدد.
محمد معتصم
الناقد الأدبي / المغرب
www.geocities.com/motassim7
.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:52 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:


لروائي المغربي محمد زفزاف ـ ثعلب النوم والنبيذ والموت

(محمد زفزاف صريح إلى درجة الإحراج،
صادق إلى درجة الفضح،
وأنه رجل المبدأ إلى درجة التهور).
* الكاتب المغربي أحمد زيادي*



قد يكون الروائي محمد زفزاف من بين روائيين عرب قلائل من الذين استطاعوا أن يخفوا بمهارة وحرفية عالية صوت الراوي أو الحاكي ويدمجه في ثنايا النص كلغز حتى يصعب التفريق ـ ولا يستحيل ـ بين صوت السارد من صوت المؤلف في عفوية مدهشة مصنوعة بحس عفوي يحاول إعادة بناء كل شيء ببراءة نصية تقترب لتلقائيتها من الجمال غير المدرك لنفسه، مثل جمال البراري والنجوم والينابيع الصافية العذبة.
ومع أن هذا الروائي الذي يظهر ويختفي( عنوان رواية رائعة لمحمد زفزاف هو: الثعلب الذي يظهر ويختفي) لم يكتب نصا صريحا تحت عنوان سيرة ذاتية أو سيرة روائية ذاتية، غير أن جميع رواياته هي نصوص سيروية رغم أن عقد القراءة الأولي بينه وبين القراء يشير دائما على الغلاف باسم رواية وليس سيرة روائية ذاتية، وهذه اللعبة الروائية شائعة على يد كبار كتاب الرواية في العالم.
فمن المرأة والوردة إلى الحي الخلفي إلى بيضة الديك ومحاولة عيش وحتى قبور في الماء أو الأفعى والبحر أو الثعلب الذي يظهر ويختفي، هناك دائما، تحت طبقات الخطاب الروائي المخفي بعناية، أو النص الصريح، جزء من سيرة هذا الروائي المبدع.
وقد تكون روايته( الثعلب الذي يظهر ويختفي) تلخيصا مركزا للخطاب الروائي الزفزافي وهو خطاب يحاول فيه الكاتب تجنب فخاخ الكلام السياسي الفخم الذي يثقل النص، والاعتماد على السرد الحكائي القصصي المشذب والبعيد عن كلام الآيديولوجيا التي دمغت نصوص الأدب الروائي العربي لفترة طويلة.
لا يمكن طبعا عزل أعمال محمد زفزاف عن تاريخ الرواية المغربية وهي رواية نشأت بين حضنين ترك كل واحد منهما فيها أثرا خاصا: الحضن العربي، والحضن الحداثي الغربي، وتحديدا الفرنسي، والروائي محمد شكري هو أول أمطار الرواية المغربية الحداثية التي تأثرت بالغيم القادم عبر البحر، مع الطاهر بن جلون.
إن صفات الوصف السردي غير المنتظم وتكسير الأزمنة والشخصيات الضبابية غير المحددة المعالم( في عالم ضبابي يضيع فيه الفرد) والكشف الجريء عن المخبوء والمسكوت عنه والتعرية والفضح، والرواية التشردية، والبحث عن معنى، والتمرد، وتفكيك البنية الاجتماعية، والرفض أو العصيان على التقاليد الأدبية والاجتماعية، والتركيز على اللغة كمكون روائي عضوي، والبوح، والصدمة، والفرادة، والعلنية، والجسد، واللعب المدروس خلال الحكي، وهو شرط جوهري في الرواية الجديدة، كل ذلك شكل أبرز ملامح هذه الرواية رغم أنه جاء في نصوص كثيرة من خارجها أو ملصوقا عليها وهذه طبيعة أي تقليد لحداثة مجلوبة لا تنبع من شروطها التاريخية والنفسية كالحداثة الروائية في أمريكا اللاتينية، علي يد غابريل ماركيز مثلا، وأنخيغل اوستاريس مؤلف رواية ( السيد الرئيس) أو ماريو فارغاس يوسو مؤلف رواية (حفلة التيس) وكلهم حصلوا على جائزة نوبل وتركوا أثرا في الحداثة الروائية العالمية بما في ذلك الأوروبية دون الوقوع تحت سطوة الرواية الغربية.
والرواية المغربية تبحث عن حداثتها هي الأخرى، وهذه الحداثة موضع جدل مثمر وطويل. وحسب كتاب مغاربة، كتبوا عن الحداثة الروائية بصورة عامة والحداثة المغربية خاصة، تختلف الإجابة من كاتب لآخر، وهذه إجابات بعضهم عن سؤال الحداثة في الرواية كما جاءت في كتاب ( سؤال الحداثة) لعبد الرحيم العلام:
ـ بول بولز( روائي أمريكي عاش ومات في طنجة) أول من أدخل الحداثة في الرواية المغربية ـ شهادة ليلى أبو زيد.
ـ حداثة الرواية ملتصقة بالنسغ الجواني الذي يتيح للذات( في جميع تجلياتها) أن تجابه" الآخر" المتعدد الوجوه ـ شهادة الروائي والناقد محمد برادة.
ـ الحداثة في الرواية تفترض تحررا في التفكير والتخييل واللغة، وفي أساليب التعبير وأشكالها ـ شهادة أحمد بو حسن.

ـ نستطيع أن نقول إن الرواية المغربية بدأت تدخل موجة الحداثة وتعثر على أشكالها الأصلية والمتميزة والمنفصلة، بشكل حيوي، عن الرواية المشرقية وعن الرواية الغربية ـ شهادة الروائي إدريس بلمليح.
ـ منطق الحداثة، يقتضي أن يكون الكاتب مخالفا للآخرين صادما لهم إن اقتضى الحال، ومتميزا عنهم ـ ياسين بهوش.
ـ لا يمكن للحداثة أن تصبح سوى مهاترة وادعاء فارغين من المعنى إذا ظل الروائي يضيف الكم إلى تجربته من عمل لآخر، ولا يضيف التحولات النوعية من عمل لآخر ـ الروائي عز الدين التازي.
ـ الأدب المغربي لم يكتب بعد روايته الكلاسيكية لكي يستسلم لترف الإغراق في التجريب ـ عبد الكريم جويطي.
ـ الحداثة ليست ما يقوم وينحصر في الزمن المعاصر وحده، بل هي أيضا محاصيل التألقات والاشرقات الإبداعية العابرة للأزمنة والأمكنة ـ الروائي سالم بن حميش.
ـ الحداثة تعني تجديد الهوية لا تغييرها بالكامل ـ حميد الحميداني.
ـ الرواية المغربية، كغيرها، تتوهم الحداثة، إنها رواية بدون حداثة ـ محمد الدغمومي.
ـ في مناخ تنتفي فيه شروط الرؤية والحداثة معا، يظل أي حديث ـ إطلاقي ـ عن هاتين الاثنتين( الرؤية والحداثة) أقرب إلى العبث ـ الحبيب الدائم ربي.
ـ كيف نتحدث عن الحداثة في الرواية المغربية وهي في طور النشأة؟. ـ الروائي محمد زفزاف.
ـ الحداثة في الرواية المغربية مشروع مؤجل، لكن بوادره منبثة في الكثير من النصوص ـ الروائي إدريس الصغير.
ـ يمكن الإقرار بشيء اسمه الحداثة في روايتنا" المغربية" إذا كان المقصود بالحداثة هاجس التجديد والتطور ـ الروائي محمد صوف.
ـ الحداثة ليست شكلا يراود عن نفسه، وإنما هي أفق لخلخلة الوعي القائم واقتراح رؤية متسائلة ـ بشير القمري.
ـ كل رواية تؤسس حداثتها الخاصة التي هي نقيض كل تقليد أو محاكاة وضد استلهام أي نموذج أو مثال سابق ـ عبد الكريم امجاهد.
ـ كلما تحققت" السردية" كلما وجدنا أنفسنا أمام رواية حداثية ـ الناقد سعيد يقطين.
ـ أهم ملمح حداثي في الرواية المغربية هو نزوعها إلى التجريب. الكتابة السردية. فقد تم تكسير الأنماط السردية التقليدية القائمة على البطل العارف بكل شيء واللغة المرصوصة التي توزع على مختلف الشخوص بشكل قسري. أصوات متعددة. الانفتاح على فضاءات جديدة كالبادية مثلا ـ شهادة الكاتب أحمد بو حسن.

وهذه القراءات المتعددة والمختلفة والمتناقضة تعكس مناخ القلق الإبداعي في فضاء الرواية المغربية وهي ظاهرة صحية لا مثيل لها مع الأسف في المناخ العراقي، في الخارج على الأقل حسب مناخ الحرية المفترض، فهذا التنوع والاختلاف هو الذي يخلق ويؤسس تقاليده الثقافية التي لا يدخل فيها العامل "السياسي" كعنصر تحيز، سلبا أم إيجابا، كما هو الأمر في وضعية النقد العراقي الذي لا يخضع لشروط الثقافة والسؤال الإبداعي، بل هو رهين وأسير السياسة بصورتها الفجة.
وهنا تحضرني حادثة واقعية سوداء وكثيفة تعكس غياب كل أخلاقيات النقد عند بعض المشتغلين في النقد الروائي العراقي حين اتصل رئيس تحرير صحيفة عراقية في لندن بناقد عراقي في هولندة يطلب منه كتابة مقالة عن الشاعر والروائي سليم بركات عبر الهاتف، فكان رد الناقد كالتالي:
ـ كيف تريد المقال؟ سلبي أم إيجابي؟!
هذا السلوك يهدم كل بناء نقدي قائم على معايير أخلاقية علمية نقدية تشتغل على النصوص وحدها دون أي شيء آخر. لكن، وقطعا، لا يمكن عزل هذه الحادثة عن المناخ العام الذي ينهار فيه كل شيء علنا في وضح النهار، لكن أحدا لا يشم رائحة التفسخ.

في الطريق إلى شقة الروائي المغربي محمد صوف قبل ثلاث سنوات في الدار البيضاء، وفي صيف بحري حار، لكنه يختلف عن صيف بغداد المهلك، فوجئت وأنا أصعد الدرج الحلزوني المظلم والملتوي أن أناسا يصعدون ويهبطون في العتمة الباردة، كانوا ينبثقون من الظلام، أو ينبعون من الجدران، كشخوص ناتالي ساروت، ويختفون في النهار المفتوح أسفل السلم، ويضيعون في دروب الدار البيضاء، مدينة الأشجان البيضاء بتعبير الشاعر عبد اللطيف اللعبي.
خطر إلي وأنا اصعد أن هذا السلم لا نهاية له وأني إذ واصلت الصعود فسأصل إلى إحدى السماوات أو أدخل بارا أو مركزا للشرطة أو وكرا للصوص، ثم فجأة بزغ في الذهن خيال، أو شبح، محمد زفزاف، بلحيته الصغيرة، وهو ينزل السلم بأسماله المرتبة، وشكله الديستوفسيكي بالخدود الغائرة التي تشبه صخورا رمادية ناتئة من قلب عشب بري متوهج.
لا يمكن عزل زفزاف الروائي والإنسان عن هذه المدينة، ولا يمكن قراءة أدبه خارجها، فهذه المدينة بكل ما فيها من بشر وأمكنة وروائح وتيه وضياع وأمل وخوف وجمال هي صورته السرية، هي متاهته الشخصية مثل أية متاهة أخرى، كمتاهات بورخيس، أو متاهات أمبرتو ايكو، أو بصرياثا محمد خضير، فكل كاتب يصنع متاهته الخاصة بنفسه.
إنها مدينة، نص، ينتفح، وينغلق، على الروائي، وهذا التقلب هو سر الحنين الدائم في الهرب منها والعودة إليها من هذا القنيطري ( نسبة إلى بلدة القنيطرة المغربية التي ولد فيها زفزاف) ثم دخل في غرام البيضاء حتى يوم حفل التكريم الذي قال عنه ضاحكا( هذا حفل تكريم أم حفل تأبين؟!)لأن العرب لا يكرمون كتابهم إلا بعد قراءة آخر تقرير طبي يشير إلى الحالة الميئوس منها، أو بقايا الفقيد، وعندها تبدأ حالات تبرئة الذمة وحفل الزور.
هذه هي عادة زفزاف في كونه يضفي على الواقعي شكلا أسطوريا، أو يحول العادي إلى حكائي، سواء في الهامش النصي، أو في المتن، أو في الحقيقة.
إن مقاهي الدار البيضاء مثل مقهى لاكوميدي، المسرح البلدي، مقهى الكابتول، أو مقهى ميشيل، مدام غيران، ميرسلطان، مقهى الرونيسانس، أو الزنقات التي عاش فيها مثل زنقة البريني، أو زنقة ليستريل، أو زنقة الجبل الأبيض، والمطاعم التي كان يرتدها( هو غير محب للطعام) مثل مطعم التيرمينوس، كلها ستكون في نصوصه الروائية أمكنة أخرى مع الشخوص والروائح، رائحة الناس، أو رائحة النبيذ، أو رائحة الزمن الذي يمر على رصيف الأزهار السري حيث الخطى المتسارعة لأقدام الزمن.

وعودة إلى سلم منزل الروائي محمد صوف الشبيه بسلالم كافكا ( ضحك صوف كثيرا لهذا الوصف حين عثرت عليه في المقهى) فإن روايات زفزاف مشبعة بهذه الأجواء البيضاوية( نسبة إلى المدينة) حيث البحث عن مأوى وسرير وكأس نبيذ هي الخاتمة أو اللازمة التي تتكرر في جميع روايات هذا الروائي الكبير ولا أدري كيف حصل ذلك وهل كان واعيا به أول الأمر أم لا وحتى اليوم الأخير؟

هذا الهاجس الثلاثي( السرير والنبيذ والمأوى) هو هاجس شخصي قبل أن يكون روائيا، أي أن نصوص الروائي هنا تأخذ تطابقها( التطابق هنا ليس التناسخ بل التشابه وهذا افتراق عن الأصل) من التجربة الحية للروائي، وهذا هو هاجس السرية الذاتية الروائية.
أدناه نهايات سبع من روايات محمد زفزاف تبين بوضوح أن هذا الروائي المنهك بأعباء كثيرة كان يستعجل، يستعجل تماما، الوصول إلى الغرفة أو المدينة التي فارقها، أو السرير أو الدخول إلى بار أو كأس أو الأمل بالعثور على مكان دافئ نظيف حسن الإضاءة بتعبير أرنست همنغواي.

* رواية ( أرصفة وجدران)
الخاتمة:
(في الشارع كان يتوه وحده. في اتجاه غير معين. يداه في جيوبه. وهو يفكر في أشياء..).
*رواية( قبور في الماء).
الخاتمة:
(وسمع نباح كلب بعيد، وشيء شبيه بمحرك سيارة قديم، لكن هذا الصوت نفسه اختفى. ثم ارتفع شخير عال، وارتفع شخير آخر بالقرب منه).
*رواية( الأفعى والبحر).
الخاتمة:
(كان أمامها آدم عملاقا.. ذا عضلات يدخل في الماء. يضرب الأمواج بذراعيه القويتين. يغطس. ثم أخذت الصور تتبدل. تتغير. تتلاشى. وذهبت سوسو في نوم عميق).
*رواية( بيضة الديك).
الخاتمة:
(شرب جرعة من الكأس. شعر بنشوة عارمة تغزو خلايا مخه. كانت الزجاجة قد فرغت.غمر البار ضوء..).
* رواية ( أفواه واسعة).
الخاتمة:
( قطع الطريق إلى الرصيف المقابل باتجاه الحانة لكي يشرب قنينة نبيذ صغيرة كالعادة...).
*رواية ( الثعلب الذي يظهر ويختفي)
الخاتمة:
( مددت يدي إلى كيس التبن، وناولني الرجل كأسا غير نظيفة. وقلت في نفسي" متى اصل إلى بيتي كي أستريح؟").
* رواية( محاولة عيش).
الخاتمة:
( تصور الزجاجات المليئة، وأنصاف الزجاجات، ثم ضغط على الدواسين بقوة لكي يسرع، سوف يشرب، ويشرب، وسوف ينام نوما عميقا في تلك الغرفة).
آخر مرة نام فيها محمد زفزاف نوما عميقا جدا، مثل ثعلبه الجميل، والمدهش، لكنه هذه المرة لم يستيقظ رغم مرور كل هذا الوقت الذي لا يصلح لمزحة ثقيلة كالموت( هل كان هو الذي يصعد سلالم شقة الروائي محمد صوف في تلك العتمة الباردة؟ أم أنه الشبح أو الظل؟).
هرب، هذه المرة، إلى البنفسج، والأزرق المعتم، لكنه سيظهر يوما في الحكاية الجديدة كنهر القنيطرة سبو!

موقع حمزة الحسن


.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:53 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:


زفزاف: الانتقال من المعتقد إلى الجمالية.

أحمد المديني


2-1-من القصة القصيرة إلى كتابة الرواية عمق محمد زفزاف تجربة تمتد جذورها إلى المحاولات الأولى الرصينة للكتابة السردية في أدب المغرب. فبوصفه قاصا كان من القلائل الذين وفروا لهذا النوع، في أدبنا، انسجام التركيب، والموضوع الملائم، والتكنيك الفني الحديث. والواقعية عند هذا الكاتب لا تتشيد من مجرد اختيار تيمة اجتماعية أو حول تعليق على أوضاع من طراز اجتماعي. إنها مرتكزة أوليا على الانطباع الذي يصدره الواقع والمعيش عنهما، بالانطلاق من الخصوصي لا النمطي، أو بالأحرى باتباع نهج يقدم النمطي متفردا. وليس أقدر على ذلك من سرد يهتم بالدواخل والصور الذاتية. فانطلاقا من اللحظة التي لم يعد فيها الكاتب مقتصرا على معاينة المعطى المباشر، وبحساب فهمه بأن الالتزام المطلوب منه من وسط سوسيوثقافي مشبع بمفاهيم دوغمائية إنما يقود إلى استلاب الأدبي لأهداف سياسية، عندئذ سيتبلور التزامه في صورة وعي عميق بالطابع التركيبي للأوضاع الممكن معالجتها. والحدود بين متاعب الحياة والحزن الداخلي تصبح حتما شفافة، مرجعة بذلك الصورة الواحدة إلى أوجه متكاثرة، متعددة الدلالات، بهذا يتقدم الذاتي على النمط الاتفاقي (Le Conventionnel)، دون التنقيص منه كليا، إذ يبقى عموما معلمة إن لم نقل عماد الدلالة الشاملة للنص. فيما يتوصل الذاتي إلى إبلاغ رسالته، قوله، ما بين السطور خالقا بذلك بعد واقعية جديدة.
وبانتقاله من القصة القصيرة إلى الرواية يحذو "زفزاف" حذو سابقين له، كأنما ليؤكد بأن تعلم السرد المقتضب هو اختبار ضروري إن لم يكن حتميا، أحيانا، يسبق كتابة الرواية بمعناها الصحيح. على أن ما يتميز به هذا الانتقال عند زفزاف كونه يتحقق بإبراز الأنا الفردي كصيغة فيتوسع قياسا بالصيغ الأخرى، المحتكرة عموما والممثلة في التبني التام للتيمة الاجتماعية. وبالإمكان رصد انتقال مماثل عند "مبارك ربيع"، وهو ما يظهر لنا ذا دلالة أكبر عند زفزاف، ذلك أن روايته الأولى "المرأة والوردة"(11) تكشف عن فضاء آخر غير ذلك الموصوف عادة في الكتابة الروائية لأدب المغرب. إنه فضاء الغرب الذي حام حوله كل الكتاب المغاربة وهم يحاولون السيطرة على تقنيات السرد، والذي يشغل مكانة هامة لا في النقاش الثقافي لبلدان المغرب العربية الباحثة عن هوية جديدة، وحسب بل، وأيضا، في سلوك ووعي الأفراد، وهو ما يعمل الكاتب على نقله إلى عالمه الأدبي.
2-2-باختلاف عن الحوافز الثقافية مثل التي أنجبت الكتاب الشهير للطهطاوي(12) فإن محمد زفزاف يعيد ربط الصلة مع التقليد الذي دشنه التونسي علي الدوعاجي ثلاثين سنة قبله بسفره إلى الغرب جسدا وكتابة. صحيح أن التماهي في "جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط" كامل بين السرد والشخصية، وهو ما يصرح به الكاتب مباشرة في قولة "قررت كتابة هذه الرحلة التي قمت بها خلال صيف 1933"(13). عند خلفه المغربي يصبح التخييل هو قطب العمل واضعا في الصدارة شخصية ( = بطلا) في رحلة استكشافية للغرب، وهو ما لا يمنع وجود تشابهات عديدة بين السارد وموضوع سرده تقرب محكي الرواية من الرواية السيرذاتية، وهو ما لن يفوتنا التوقف عنده في حينه.
2-2-1-تستهل "المرأة والوردة" بمقطع شعري من طراز قصيدة النثر يعلن الأسباب التي دعت بطل زفزاف للقيام برحلته من طنجة إلى إسبانيا، أي من الجنوب نحو الشمال:... "بيني وبين نفسي/عالم من العرب/ من المجالات والخرائط، آه يا إلهي/لا أستطيع أن أتكلم"(14). إنها الرغبة في الكلام والتفتح، للخروج من عالم "هؤلاء العرب"، ثم تظهر شخصية ثانوية سبق لها أن عاشت في أوربا لتنورنا، في صورة تعليق، بأسباب الانزعاج، مشجعة الشخصية الرئيسية على السفر".. إننا محظوظون في أوربا أكثر مما نحن عليه هنا في الدار البيضاء. هنا تسيرنا أقلية بيضاء من المغامرين والقوادين وبائعي نسائهم، فيبنون الشركات ويستثمرون الأموال، ويطردوننا من المقاهي والمراقص[...] وهكذا فلا مكان لك أو لي هنا في هذه المدينة الكبيرة إلا إذا كنت ذا بشرة بيضاء وتتكلم الفرنسية بطلاقة الباريسيين. وإذا استنجدت بشرطي ضربك على رأسك وقادك إلى المركز حيث تشم رائحة الوسخ والقذارة [...] إني لا أقبل وظيفة هنا في الدار البيضاء، حتى لو تقاضيت ألف درهم. لأنني هنا أشعر بأن إنسانيتي مفقودة. ولكن هناك تستطيع أن تصير ما شئت. وهناك، لك أن تشاء أو لا تشاء. ولا أحد يشاء في مكانك مثلما هو الشأن هنا. [...] اكتشفت بالحدس فقط، عندما وقفت في البوليفار بطنجة، أن تلك الأراضي التي تظهر لي عن قرب وراء البحر الأزرق هي عالم مسحور رائع [...] قضيت هناك أربع سنوات وعشت مثلما يعيش الملوك والأباطرة [...] أربع سنوات لم أشتغل. كنت آكل واشرب وأرتدي أفخر الثياب وأنكح أجمل النساء"(15). من هذه الفقرة يمكن استخلاص الحوافز التي دفعت بطل زفزاف، ربما الكاتب نفسه لخوض البحر نحو الغرب، هذا العبور من محيط سوسيوثقافي إلى آخر، وهي التي نلخصها في الآتي:
-أوربا معادل للحظ الحسن.
-في المغرب أقلية من "البيض" تستولي على كل الامتيازات.
-اللغة الفرنسية هي مفتاح النجاح.
-في أوربا كل شيء مباح، كل شيء في متناول اليد، والإنسان سيد نفسه.
_أوربا عالم فاتن ورائع.
-أوربا عالم مثالي حيث جميع المتع الحسية ملباة.
هذه إجمالا مجموعة "البراديغمات" التي تتوالى بثبات عبر الرواية كلها، نسمعها محكية ومنطوقة في الحوار كما يستعيدها المونولوغ الداخلي. وهي منذ البداية تمثل المغناطيس الذي سيجذب البطل إلى عالم المغامرة مفتتنا بإغراءات محاوره، وقاطعا الخطوة الأولى بعبور مضيق جبل طارق للنزول في أرض إسبانيا، أو ليس من هنا يبدأ الغرب، الأرض الموعودة؟!
وإذا كان الدوعاجي قد اختار التنقل بين عدة موانئ غربية، أو بالأحرى حاناتها وملاهيها، فإن زفزاف قصد مكانا واحدا هو مدينة (طور مولينس (TORREMOLLINOS)، المصطاف الشهير بساحل "الكوسطا ديل صول" الإسباني، حيث يتوافد الأوروبيون صيفا من كل مكان، هنا الفضاء هو المرآة التي يفترض أن تعكس صورا شديدة التعارض مع الأرض الملعونة، أرض الوطن الأم (=المغرب).
2-2-2-إنما قبل هذا، ما الذي يحكيه المؤلف؟ وهل من هدف وراء السفر؟ وما هي هوية بطله؟ من البداية لا بد أن نشير إلى أن ليس ثمة كثير مما يمكن اختصاره، لا بسبب ندرة المعلومات التي يحملها السرد، ولكن لأن المؤلف يبني حكيه في حركة دائرية يقع البطل محمد - وهو اسم المؤلف أيضا- في قلبها. فكل شيء حوله، من كائنات وأشياء تلتقي وتفترق لتجدد اللقاء وسط هذا الفضاء المعبود ومصدر الإحباط في آن. فبين التجول في الشوارع، والاستحمام بالليل والنهار، والاستراحات في باحات المقاهي للتطلع في وجوه المارة والتلذذ بأجساد النساء، والانتقال إلى سهرات راقصة؛ بين هذه الأجواء المختلفة يعتقد محمد أنه غزا حقا "الأرض الموعودة". إن هذا الإيقاع الذي يستأنف يوميا تتخلله لحظات يهيمن فيها شعور الإحباط نتيجة ما يحس به البطل من تعارض بين معيش السفر وهويته الحقيقية.
ولعل الكاتب، وعيا منه بمحذور وقوع قصته في رتابة مسار شخصي ونمطي، لا يخلو من فولكلورية، سيختار لكسر حلقة الدائرة إدخال حكاية بوليسية أبطالها محمد دائما، ثم جورج وألان. وهما فرنسيان متسكعان جاءا إلى "طورمولينس" بحثا عن المغامرة، وخلافا لمحمد فإن الجنوب بغيتهما، وطنجة ما يجذبهما، يذهبان إليها لجلب عشبة الحشيش للاتجار بها في أوربا. بمعدى عن خاتمة هذه المغامرة، فالرواية تنتهي بمحاكمة حلمية وكافكاوية ينصبها البطل نفسه من أجل تبرير فعله والتنفيس أكثر ضد كل القيم التي تخنقه، مدركا أن خلاصه لن يأتيه إلا من الغرب، أي من "سوز" الدنماركية.
أجل، إن الأمر يتعلق بسوز، فيما الباعث ليس سوى جملة متقلبات عابرة. إن حبل الحكاية منسوج بالعلاقة الجنسية التي تربط محمد بسوز، الفتاة الدنماركية التي التقاها في المصطاف الإسباني، وحولت العلاقة التي حققت له الإشباع الجنسي إلى مناسبة لتفجير المكبوت بما جعله يتصور أنه يقتص من الحياة كلها. وهذه الحكاية مسرودة على مستويين: مستوى اللقاء العابر والطبيعي بين رجل وامرأة، من جهة، ومستوى المقارنة التي تقيم التعارض بين عالمين، من جهة ثانية: "وهكذا، فلِسوز، رائحة متميزة لا كباقي روائح النساء. تتسرب هذه الرائحة بليونة [...] حيوية، منعشة، دافئة، مثل المطلق"(17)؛ "جلست سوز إلى جانبي فوق السرير. كنت ما أزال عاريا وقد أغلقت زجاج النافذة. أحكمت الستارة السوداء. حاولت سوز عبثا أن تقنعني بفتح النافذة. قلت إن الناس مجتمعون وإن ذلك غير ممكن. قالت: لا يهم، قلت: كلا. شيء مهم.."(1 مثل هذه الوضعية تكشف عما هو أكبر من وجود تباعد في المبادئ الأخلاقية إذ أننا إزاء رؤيتين للعالم متعارضتين كليا": كل شيء في هذه اللحظة [مع سوز] له وجود ضروري. أشعر بالتناسق في كل شيء لا بالتنافر. شعرت أن سوز، لا كأي امرأة أخرى، تعرف كيف تساهم في إعطاء العالم الحنان والعذوبة والتناغم وعلى العكس فبعض الناس اللائي عرفتهن، كن يجعلن العالم يكشر في وجهي وأشعر بخوف وإرهاب"(19).
وبصرف النظر عن سوز فإن المقارنة والتعارض بين الشمال والجنوب يتحولان تدريجيا إلى تيمة مستقلة فمع كل صورة مرئية في "طوريمولينوس" ثمة أخرى نقيض لها، مكروهة، في مسقط الرأس. فالمتاجر المتخمة بالمواد الغذائية تحيل محمد إلى سنوات الفقر: "في سنوات معينة [......] كنا نعاني من الجوع الشديد والفقر - قيل إذ ذاك إن العالم كله كان يجتاز أزمة اقتصادية- غير أنه في حقيقة الأمر لم يكن العالم هو الذي يجتاز هذه الأزمة -ولكن- العائلة -عائلتي أنا- لذلك كان أبي يعود بأي شيء يستطيع أن يملأ البطن حتى ولو كان براز بعض الحيوانات"(20). التجول في الشاطئ، الهواء والرمل، كذلك تتحول إلى عناصر للمواجهة بين عالمين: "مشينا دون أن نتكلم. شعرت أن الرمل تحت قدمي لا يشبه رمل شواطئ الوطن. حتى الهواء كان غريبا إلى حد الجنون. حتى حركات انخفاض وصعود الرئتين في القفص الصدري تغيرت صارت ذات نسق آخر حي. في السابق كان كل شيء رتيبا. كنت أشم الهواء وأشعر بقيود حديدية تكبلني الآن، ورغم الخوف الهائل يختفي وراء أحلامي. شعرت بالحرية"(21).
في كل لحظة ينجس الإحساس بالإحباط في قلب وسط الرفاه، ويعجز محمد عن الإفلات من ضغط مقارنة معيش مع معيش الآخرين المقابلين له في العالم الذي ارتحل إليه، وخاصة ألان، المفلس مثله لكن مع الفارق ذلك "أن طفلا صغيرا منبوذا في حي فقير من أحياء مملكة النمل السعيدة، لا يشبه بأي حال طفلا يشتغل أبوه صحفيا في "الكنار أنشنيه" ابن صحفي مهما يكن لا يستطيع أن يعيش مثلما عاش ابن لا أحد. ابن لا شيء. ابن نفسه. أما ابن لا شيء، ابن لا أحد [......] فإنه في حالة الانهزام والسقوط ليس أمامه سوى المضي في طريق الانهزام والسقوط من جديد"(22).
2-2-3-بيد أن القيمة الرئيسية التي يتبأر حولها الخطاب وموقع البطل ترجع أساسا إلى الحرية والتفتح، إلى سلطة تحقيق الذات والتحرر من إكراهات الماضي والجنوب. وهي قيمة مرتبطة على الدوام في وعي وسلوك بطلنا بإمكانية إرضاء الرغبة الجنسية إلى الدرجة التي تصبح معها الحرية مرادفا للجنس، وهما معا يمثلان الوجه والقفا لعالم معبود، أي للغرب مطلقا. والفقرات الموالية لها أيما دلالة في هذا المعنى: "وضعت سوز كل جسدها الآن تحت تصرفي. شعرت بالدفء والحرارة وكل شيء. وأيضا، الحرارة، المطلق، وكل شيء"(23)، "وبالنسبة لي، الشيء الأساسي والضروري حتى في أدنى مراحل الإنسان الحيوانية هو أن آكل وأشرب. أتزود بطاقات حرارية تجعلني أرى العالم بوضوح، لا من وراء ستر الضباب"(24)، "صمتنا بهدوء[ بعد فعل الجنس مع سوز]، شعرنا بالأمن في العالم. كان العالم كبيرا لكنه صغير تحت ملكنا. على الأقل، تحت ملكي الخاص. يمكنني أن أذهب أينما أشاء وأحل أينما أشاء. فلا أحد ولا شيء يمنعني. هذه إحدى اللحظات التي أشعر فيها بالرهبة وتتباطأ أنفاسي، تصير رتيبة [...] أعترف لنفسي أنها صارت حرة، تعيش حرية مطلقة عفوية. تتضخم حريتها وتنمو في الوقت الذي تسقط فيه كل العراقيل التي نماها الماضي، وولدتها تجارب بسيطة معقدة في نفس الوقت"(25).
على أن جنسنة الرؤية للغرب عند زفزاف لا تأخذ بعدا أحاديا، سيما وأن البطل الذي يشخصها يتعرض خلال السرد لتحولات مستمرة، رغم أن مثاله لا يتزحزح. من المفيد في هذا الصدد أن نسجل من الآن بأن إحدى الخصائص الجوهرية لهذه الرواية هي كثافة المونولوج الداخلي، الوسيلة التي يشتغل بها وعي الشخصية بمعدى عن رتابة مجرى الحديث في الحكي. وإن كان محمد لا يفلت أي فرصة ليعبر عن افتتانه بكل ما له صلة بمجتمع الاستهلاك الغربي والقيم المضمرة فيه. ويسهل علينا مماهاته بجيل الكاتب زفزاف، أو على الأقل بقسم تمثيلي فيه، منبثق عن عهد الاستقلال، المحبط في مطامحه، والموضوع في منعطف ثقافتين. ثقافة أقرب إلى الماضي لا تترك ممارستها الإيديولوجية والسياسية سوى هامش ضيق لتفتح الفرد. وأخرى، رغم ما تثيره من حذر إزاء الاستعمار، فتحت الأذهان على طراز حياة جديد، وشكلت قطب جاذبية تولد عنه تجليات سوسيو-ثقافية مختلفة. على أن حصر هذا التماهي لن يذهب بنا بعيدا، إذ ربما بتر ما هو متفرد في رواية، في كتابة سردية تنبذ فعل إعادة إنتاج الواقع وقد تجاوزته بتحكمها في أدواتها ونباهة مقاربتها للفضاء السوسيوبشري. إن زفزاف، قاصا أو روائيا، يحذر من النزعة التبسيطية وحس البداهة اللذين قد يهددان بالسطحية مصير الشخصيات -وربما شخصيته هو- ذلك أن الافتتان بالغرب لا يمكن أن يقوم بمفرده عمادا لعمل روائي كما هو الشأن في جولات الدوعاجي أو عند سهيل إدريس نفسه الذي لا يبحث بطله في "الحي اللاتيني" في النهاية، وعبر سفره إلى فرنسا، سوى عن التصالح مع تقاليد بلده.
2-2-4-تعتمد "المرأة والوردة" بناء تدريجيا في تقديم شخصية محمد. فإذا رأيناه في الفصول الأولى مفتتنا بالاستعراض الجنسي الصيفي الذي تمنحه "طوريمولينس"، رمزا للغرب كله، على غرار "نيس" الموصوفة من قبل الدوعاجي بكونها مدينة الشباب الذهبي، والعذوبة والحب الشيطاني(27)، فإننا سنراه لاحقا، وحين سينطفئ عطشه مؤقتا، يعيد النظر في علاقته بالمحيط الأجنبي بنبرة تشكيكية، واستفهام تشاؤمي منطلقا من مسألة الهوية الفردية، عبورا بإعادة النظر في هوية الآخرين، هؤلاء الذين جاء لمقابلتهم، ومنتهيا في آخر المطاف، إلى مصير ما هو بالمصير، منفتح على المجهول.
ونحن إن افترضنا السؤال التالي: من هو محمد؟ جاءنا الجواب بطريقة صريحة، وبانسجام مع وضع الشخصية في القصة. على سبيل المثال نورد الآتي: "الشيء الأساسي والضروري [...] هو أن آكل وأشرب. أتزود بطاقات حرارية تجعلني أرى العالم بوضوح، لا من وراء ستر الضباب. ضباب الجوع والبؤس"(2)، "[...] ولكني متأكد أني لا أملك شيئا سوى عضو متدل أنهكته حرب الاستنزاف من أجل لقمة العيش"(29)؛ "الآن فكرت في شيء، كل واحد مثلي مهاجر، سائح، أو لص، أو لوطي/ أنا مهاجر، نفسيا وكل شيء..."(30).
ومن المؤكد أن هذا الطائر المهاجر، وهو ينظر إلى جسده النحيل في الشاطئ، يبعد عن نفسه كل خجل، فهو يعرف نفسه، من البداية، كالآتي: "لم أكن معطوبا جسديا، بل نفسيا"(31). ولا عجب إذا كان اكتشاف هويته سيتجلى أيضا بتعبيرات مجازية: "الحلم أو اليقظة عندي سيان"(32)، "الوهم هو ديدني، والصمت هو ديدني"(33)، يحصل لي ألا أفرق بين الحلم واليقظة. ولا أعلم إذا كان ذلك شيئا مهما أم لا. وأتساءل: ما هو المهم في حياتي؟ لا أعلم. إنني أعيش لأنني هكذا. بلا فلسفة. وقد تكون اللامبالاة طابع تفكيري. لكني لا أعي شيئا سوى دفء العالم أحيانا"(34). إنه "مثقف أولا قبل أن أصير مهربا. إني مثقف بائس"(35)، "هدفي هو أن أكتشف حياتي على طريقتي"(36). كل هذه الخصائص المعلنة بتعثر في النص تثير، سطحا وعمقا، سمات شخصية إشكالية يعطي مسارها للرواية دلالة جوهرية.
وأخيرا، هل اكتشاف الشمال، ورفض الأنا الجماعي (في البلد الأصلي) لصالح الأنا الأجنبي، والغزو للغرب (سوز) قادر على دفع الرحلة إلى القطيعة، إلى نقطة اللاعودة؟ هل هي قادرة جميعها حقا لإقناعه بالانقطاع عن جذوره؟ وهل الغرب يمثل فعلا البديل المنشود؟ أثناء نوم محمد إلى جانب سوز يسمعها في الحلم تقترح عليه الزواج: "فكرت مليا - يا إلهي! ما هذه الحيرة والعطالة في دماغي. إن ساعة الاختيار قد حلت. ما هي إلا فرصة تتاح في العمر كله. أنا؟ من أي جنس أنا؟ عربي. ما لكل العرب تتحقق فرص مثل هذه"(37). وبالفعل، فإن الاختيار صعب، فثقل الماضي يبقى رازحا لحد التشويش على صورة الحاضر: "حركت قدمي وتذكرت كل ماضي السيئ الذي عشته واحدا مثل الملايين في قرى قذرة منتشرة في جبال الأطلس أو جبال الريف أو سهول الشاوية أو صحراء طنطان المترامية. وتذكرت صوت آلامي الكثيرة التي قصمت ظهري الضعيف"(3). وفي المقهى وهو يتطلع إلى وجوه المتجولين، وبرفقته جورج وألان. يلح في هذا المعنى: "وبديهي أنني لست وسطهم في هذه الظروف الحرجة التي أعاني منها في العمق. العمق الذي لا يدركه أحد غيري"(39). والشيء نفسه بالنسبة للغادين والرائحين أمامه، ذلك أن "رؤوسهم في الأغلب الأعم شقراء وسحناتهم تختلف عن سحنتي. وجوه يبدو عليها أنها من تاريخ غير تاريخي، ومن منطقة مهما قيل عنها فهي ليست منطقتي"(40).
2-3-ماذا يبقى من الغرب إذن؟ وماذا يبقى من رواية العلاقة مع الغرب هي مدماكها، ولأي مصير سيؤول محمد، الطائر المهاجر المعذب بتعاسة أصوله،والذي لا يجلب له السفر إلى الأرض الموعودة الخلاص المنشود؟
في سبيل الإجابة عن هذه الأسئلة نجدنا مدعوين إلى مزيد من توسيع الدلالة التي يأخذها "الآخر" في علاقته مع "الأنا" في "المرأة والوردة"، أي أن نقرأ هذا النص من زوايا مختلفة، وننطق، ما أمكن، المسكوت عنه في خطابه. بعبارة أخرى، إذا كانت رواية زفزاف تندرج في نوع التقليد الروائي والثقافي العربي، الذاهب من اكتشاف الضفاف الأخرى للمتوسط بإعلان إعجاب لا مشروط للمدنية الغربية، مع إعادة النظر في مكونات الهوية الوطنية، فإن هذه الرواية هي، أيضا، نتاج مظهر آخر للمثاقفة حين تبين أن اكتشاف الذات يمر عبر الآخر. وهو ما يعني أنه يجب أن نضيف إلى هذين الفضاء ين فضاء ثالثا هو هذا المكان الخصوصي للتوتر السيكولوجي، الثقافي والتاريخي الذي يتولد من داخله وعي جديد. وإذن، فالغرب أبعد من أن يمنح الخلاص لمن يستنتج، وهو يتفحص الوجوه أمامه، بأنهم ينتمون إلى تاريخ ومنطقة غريبين عنه.
إن الرحلة إلى الضفة الأخرى للمتوسط، كما هي مشخصة في الرواية، تعد، أيضا، مناسبة للانتقال من مستوى للتعبير إلى آخر، نعني إلى نهج السيرة الذاتية، رغم غياب المؤشرات الأصلية الخاصة بهذا الجنس(41). رغم ذلك توجد بعض العلامات التي تسمح لنا بإخضاع المحكي لقراءة سير ذاتية، مع العلم أن استعمال ضمير المتكلم كأداة لنقل الخطاب لا يمكن أن يعد وحده الدعامة الكبرى في هذا المجال(42). إنما لا شيء يمنعنا من التشكيك في هذا السارد المحظوظ بموقعه الرئيسي، في شأن إخفاء أو كشف بعض المعلومات المتصلة بالمؤلف(43). ففي المحاكمة التي ينصبها البطل وهماً لنفسه يقدم لنا -ربما عمدا- معلومات تؤهل للتعرف على هوية المؤلف: سنة ومكان الميلاد، المهنة وبعض الإشارات عن وضعيته الاجتماعية. وإنه لرمز ذو دلالة أن نلاحظ بأن هذه الجذاذة الوصفية تعود لتتكرر في روايات لاحقة لزفزاف، وخاصة في "أرصفة وجدران"(44)، "والأفعى والبحر"(45) و"الثعلب الذي يظهر ويختفي"(46). في مجموع هذه الأعمال يتماهى السارد كلية مع الفاعل الرئيسي في القصة، وهو لا يحتل حقا الموقع المنوط به، أي موقع الشخصية المتخيلة التي دورها سرد الحكاية. علينا إحصاء العلامات التالية: طفولة مدموغة بالحرمان، انعدام العطف والحنان، مجرى حياة متردية ماديا وسيكولوجيا وثقافيا، ورفض للنظام الاجتماعي والسياسي القائم، الملائم لأقلية من المحظوظين، هذه العلامات القاصرة كلها التي تطبع شخصيات روايات الكاتب مستوحاة من حياته نفسها. ونحن لو تساهلنا في عدم إشهار ضمير المتكلم السير ذاتي أمكننا القول بأن زفزاف قد نقل سيرته إلى مركبة التخييل الروائي بدون أن يتخطى، من أجل ذلك، أو يضحي بما هو من صميم هذا النوع من السرد. إن قرارا من هذا القبيل، ينهض من جانبنا على فرضيتين: الأولى فحواها أن الفضاء الأجنبي الذي تدور فيه تكوينات الرواية يسمح، بحكم مغايرته، بتفتح الفرد، ويمكنه من التنفيس عما هو مكبوت لديه عادة، وإذن، بتصفية الحساب مع ماضيه بانتهاج خطاب ملائم للنبرة الذاتية وقريب من التجربة الأوتوبيوغرافية. فيما تعتمد الفرضية الثانية ربط عمل زفزاف بالتحول النسبي في الكتابة الروائية بأدب المغرب، المتنقلة باحتشام من سرد ذي طابع موضوعي، ملتفت أساسا إلى الخارج، إلى حكي بديل يمتح جوهره من التجربة الفردية للمؤلف. وهو لعمري توجه سيتأكد بكيفية ملحوظة خلال سنوات العقد الثمانيني معينا منعطفا دالا في إنتاج الرواية عندنا. كيفما كان الأمر، وسواء تعلق الأمر بـ"أنا" سير ذاتي، أو بخطاب شخصية مندمجة كليا في وضع الرواية ، فإن رواية زفزاف الأولى، والأكثر تمثيلية لديه لكونها ستتحول إلى منجم لأعماله اللاحقة، تتميز بتطور نوعي لتقنية السرد، ولأسلوب الكاتب الذي يعرف كيف يصف، ويصنع الشخصية، ويقدمها في طرح دلالة النص.
2-4-أجل، إن الكتابة السردية في روايات زفزاف لم تستوعب الواقعية بوصفها مضمونا أو رسالة ينبغي توصيلها استجابة لحاجة مطلوبة، بل إنها، علاوة على ذلك، بنت عالمها، وبلورت رؤيتها، وصاغت معانيها متكئة، أساسا، على أدوات هي بنت التخييل الأدبي. وإنه بإمكاننا الوقوف عند هذه الخاصية إذا ما عالجنا إسهام هذا الكاتب في باب القصة القصيرة، كيف أمكنه إعادة نمذجة فنيتها قالبا وتقنية متجها بها في أفق النضج الحقيقي. صحيح أن القص القصير والرواية يتمايزان في خصائصهما، إلا أن التقنية ذاتها لا تتبدل، سيما إن أخذنا في الاعتبار طابع اقتضاب روايات زفزاف. فهو على الرغم من توفره على فضاء نصي مفتوح تؤهله الرواية عادة، نلاحظ حرصه على التشذيب أقصى حد، واطراح التفاصيل الفائضة والنافلة، كل عبارة في السرد وكدها وظيفة حاسمة سواء للوصف أو الفعل أو تطور الشخصية. ومن جانب آخر يجدر بنا أن نسجل أنه مع وجود التقاطع أو التمفصل بين المؤلف والسارد والبطل، كما سبق التنويه، فإن أدوار السارد والبطل قل أن تثير أي خلط. فإذا كان الواحد ينوب أحيانا عن الآخر فبوسع القارئ دون صعوبة تذكر تحدي موقع كل منهما. أما الخطاب الروائي فهو يتناسل من الحركة الداخلية تنشطها الأفعال والأجواء الشعورية للفرقاء. وهو ما يفيد، بتعبير آخر، أن التيمة أو الرؤية المستثمرة في الرواية تينع في تركيب العناصر التي يضعها المؤلف في خدمة حكيه، عناصر من طراز تقني (تكنيكي)، وأسلوبي ودلالي.
لا يفوتنا أخيرا التنبيه إلى أن علاقة المؤلف بالغرب توجد، أيضا، على مستوى التعلم الثقافي والأدبي، إذ بإمكاننا ملاحظة مدى تمثله لجمالية الرواية الحديثة، والفرنسية منها خاصة، وهو ما يسمح لنا باستخلاص أن العلاقة مع الغرب، على الأقل من خلال العمل المدروس، تتجلى في صورة تركيب بين قيم معتقدية وأخرى استطيقية. وقد كان من السهل على البعض -وأنا منهم- إدانة "المرأة والوردة" لدى صدورها، والتسرع إلى رجمها بالاستلاب(4)، غير أن ما فاتنا هو أن الحداثة في الرواية أو أي شكل من أشكال التعبير والفكر، لا يمكن بلوغها بإقامة التطابق بين القيم التقليدية والأشكال الحديثة.
ينخرط بطل محمد زفزاف في مصير شخصي، ويتصرف كما يحلو له ضد جميع ضغوط محيطه. صحيح تماما أنه لا يستطيع شيئا كثيرا ضد أسباب إحباطه، ولكن هذا بالذات هو ما يؤجج إحساسه بفرديته، وهي قيمة جديدة من قيم الواقعية الجديدة. وها هو ذا، في نهاية المطاف، يعود إلى نقطة الانطلاق، ولا يملك إلا أن يرسل نداء حارا إلى سوز. "أحبك وأحب الدانمارك. أنتظر دائما أن تنقذيني. أحبك..."(49). مدركا أن لا سوز، ولا الغرب هما ما يمثلان خلاصه الحقيقي.

مقتطع من: الرواية المغربية
وضع الهوية في العلاقة مع "الآخر"


.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:   الثلاثاء يناير 13, 2015 3:54 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:


رسالة من محمد زفزاف إلى محمد شكري

عزيزي شكري"

بصراحة، لقد افتقدتك هذه الأيام. أعتقد أنني أنا الوحيد الذي يفهمك. ليس لأن لدي القدرة على فهم بعض الأشخاص فحسب، بل لأني مسخوط مثلك، أو لأني ملعون. نحن الملعونين نفهم بعضنا من غير مشكلة. لقد قرأت رسالتك بلهفة. اصمُد في وجه أبيك. أعني يجب ألا تنهار أمام حوادث من هذا النوع. أنا شخصياً لي مثل هذه الظروف. وفي ما يخص الجائزة الأدبية لا تهتم لذلك. أما عن عدد أكتوبر من "الآداب" فقد وصل. لم ينشروا لك شيئاً، وقد يصدر عدد نوفمبر اليوم، لأنني لم أنزل إلى المكتبة. لا تتسرَّع ولا تقلق. فالنشر في المجلة ليس معناه إعطاء القيمة لكاتب ما. ثق فقط أن ما تكتبه في المستوى. وإن كنا جميعاً في حاجة إلى تشذيب. أما عن جان جينيه، فأقترح عليك أن تجري معه استجواباً إذا كان لا يزال في طنجة، وتبعثه لمجلة أو جريدة. لقد تحدثت لي عن مقالك "الموت والأبطال"، إذا كنت ترى نشره فابعث به إلي. وسأبعث به عن طريق مكتب جريدة "العلم" إلى عبد الجبار السحيمي، مع رسالة خاصة أقنعه فيها بنشره، وبمساعدتك إذا اقتضى الحال. أنتظر المقال. ولك تحياتي الودية.
مزيداً من النشاط الأدبي.
* محمد زفزاف (الدار البيضاء في 12 نوفمبر 1962)



نصوص قصصية للراحل محمد زفزاف



في الغابة



علمنا أن الغجر خيموا هذه المرة في الغابة. يأتون مرتين أو ثلاثا في السنة. يتوقفون قليلا، أسبوعا أو أسبوعين ثم ينصرفون إلى مكان لا نعرفه، ليس لهم مقر يعودون إليه بالضبط مثلما قد تفعل الطيور. ينصبون بعض الخيام، وقد لا يفعلون. بل ينامون في جوف سياراتهم الكبيرة العتيقة من صنع أمريكي. يعلقون ثيابهم على نوافذ تلك السيارات وأغطيتهم فوقها. وأحيانا على حبل مشدود بين سيارتين، أو بين سيارة وشجرة. هذه المرة حطوا في الغابة. قال حمو:
- إن عددهم كثير. وليسو قذرين مثل أولئك الذين سبق أن شاهدناهم.
قال عَدّي:
- هل معهم بناتهم الجميلات.
قلت:
- إنهن جميلات رائعات، لكن كيف الحصول على واحدة منهن؟
رد حمو:
- الأمر سهل. ربطة من الكيف. إنهن يحببن ذلك كثيرا.
- إنهن لا يتحششن، بل يشربن النبيذ.
- لا. هناك من يردن ذلك. سوف ترى، إنهن جميلات رغم أنهن قذرات.
- ليس أقذر من أختك الحافية القرعاء.
- لا تشتم أختي.
- أختك قمر الزمان.
- ليست غجرية على كل حال.
قال عدّي:
- رائحة الغجريين كريهة. تزكم الأنوف من بعيد. لا شك أنهم يكثرون من أكل لحم الخنزير. يقال ان أكل لحم الخزير يكثر من الصنان.
- كثير من الناس مصننون ولا يأكلون خنريرا. ولد الشرقاوية أزفر كذئب رغم أنه لم يأكل خنزيرا قط.
قلت:
- ماذ يهمنا نحن من كل ذلك. المهم عندنا هو الحصول على واحدة من بناتهم. انهن سمراوات وجميلات وذوات شعر أملس وأسود. آه. كم أحب أولئك الفجريات
- ياليت لو كنت واحدا منهم!
- إنهم لا يقبلون أحدا. مثل إليهود.
- يقال إنهم كانوا عربا مسلمين مثلنا. ولكن الله مسخهم. فهم لا يعبدونه.
وقالت والدة المختار، وهي تهوي عليه بعصا ما بين الكتفين:
- أنت لا تريد أن تفترق عن ولد فلانة وفرتلانة وكريطة وزعطوطة. سيأخذونك هذه المرة أيضا عند أولئك الكفرة المتسخين القذرين الذين أخرجهم الله من رحمته ولا ندري من أية قاهرة كحلاء يأتون.
تحمل المختار الضربة وشتم أمه بصوت لم نسمعه، وابتعد عنا وعنها وهو يحفر التراب بقدمه مثل حيوان مهتاج. كانت والدته ما تزال تتحدث وقد التقطت العصا التي أفلتت من يدها:
- الموسم الماضي يا ابن الكلب. كاد زنطيطك أن يقطع، وأصابه جرب وقيح، لأنك تقترب من نسائهم.
أخذنا نضحك.
- إنهم يضحكون منك. يدفعونك إلى الهاوية ويتراجعون.
مشت نحو بيتها وهي تزحف. قذرة، حافية، قدماها متسختان. ولا أحد يدري فيما إذا كان الله في السماء، قد طردها من رحمته مثلما قالت عن أولئك الغجر. هل حقا كل قذر حافي القدمين مطرود من رحمته؟ نحن أيضا كنا حفاة واحد منا يضع حذاء نسويا، التقطه من مزبلة ما، لونه أحمر فاقع لامع مثل تلك الأحذية التي تصنعها النساء اللواتي لم يخرجن من رحمته، وهن يستعدن للسهرات. لكنها توقفت جنب سور يكاد يسقط، سور ملصق بمسامير وأعمدة خشبية هزيلة وعلب قصديرية بسطت ودقت حتى صارت ألواحا.طقطق السور. كادت تسقط مع السور، لكنها تحاملت على نفسها ووضعت يديها على خاصرتيها. انحسر ثوب قشايتها، فأبان عن ساق عجفاء، مغطاة بالرضوض والكدمات. العصا كانت بين ساقيها مائلة، شبه مغروسة في الأرض، متجه رأسها نحو الرحم. تقول كلاما قبيحا وتنعتنا بأننا أبناء لآباء ليسو رجالا، وإنما هم شيء آخر، شيء قبيح وعيب. وصفت آباءنا بشيء لو سمعوه منها لقتلوها أو اقتتلوا فيما بينهم، لأن إطلاق تلك الصفة على العرب والمسلمين فيه هدر لكرامتهم، والعرب والمسلمون هم أكثر الناس حفظا على أشياء معينة في الدنيا. وهم لا يشبهون الفرنسيين والألمان والأمريكيين واليهود. فهؤلاء أنجاس والعياذ بالله. وقد أعطاهم الله الدنيا ليعطينا نحن الآخرة. وقتل فيهم تلك الأحاسيس التي نقتل نحن من أجلها أو نقتتل. لذلك انتفض عدّي وقال انه سيذهب ويغتصبها أمام ابنها، فقلنا ذلك لا يليق بنا ولا به، والأولى أن يفعل ذلك ابنها إذا كان رجلا حقا، وليست فيه تلك الصفة التي وصفت بها آباءنا. اختفت عن أبصارنا بعد أن قالت كلاما آخر لم نسمعه. انضم إلينا ابنها وقال وهو يشير إلى ما بين كتفيه:
- إنها حمقاء. لا تهتموا بها.
- ولو كانت أمي لعرفت كيف أؤدبها، غير أنها كانت على حق، لقد فضحتك ذهبت خفية منا عند الغجر في الموسم الماضي.
- إنها تخرف فقط لقد حصل ذلك في مكان آخر.
- هذا غير مهم. لا بد أن ندبر ربطات من الكيف، ونذهب إلى الغابة، حيث يختم الغجر.
- قيل إنهم يتحدثون اللغة الاسبانية.
- يمكنهم أن يكونوا اسبانيين. فالأسبان عام الجوع كانوا يعيشون على لبن الماعز، ويعيشون على بيع الشورو إذا ما توافد الدقيق. إنهم أيضا فقراء مثل العرب والمسلمين، وهم كذلك، لأنهم أقرب إلينا في الدم، وربما دخلوا الجنة معنا.
عندما علم من هم أصغر منا بنبأ وجود الغجر، حاولوا أن يلتصقوا بتلابيبنا مثل لعنة خبيثة. لكننا عرفنا كيف نتخلص منهم، ومن الأكيد أن ولد لالة النساء سيكون قد سبقنا إلى الغابة. فهو يفعل أشياء أكبر من سنه، ويمكنه أن ينافسنا في كل ما يخطر أولا يخطر لنا على بال. اخترقنا الأزقة المحفورة والمتربة، المغطاة بجلطات المياه العفنة، لأنه لم تكن هناك مجار للمياه. كنا مشينا نحو نصف ساعة حتى أشرفنا على الغابة، وعندما تجاوزنا الطريق المرصفة المخصصة للأوتوبيس، لاحت لنا أشباح سيارات وبشر وأبقار وماعز. في الحقيقة لما اقتربنا منهم لم تكن هناك أبقار ولا ماعز : قال حمو:
- إن عددهم ليس بالقدر الذي كنا نتصور.
- يمكن أن يكون هناك آخرون متفرقون في الغابة
- إنهم لا يتفرقون أبدا. لا يحلون ولا يرتحلون إلا جماعة.
- يمكن أن يكونوا داخل الخيام.
أشار إلى بعض الخيام المنتشرة هنا وهناك، مربوطة إلى جذوع الأشجار.
قال المختار:
- يجب أن نتظاهر بأننا مؤدبون حتى لا يحترسوا منا.
قال عَدي:
- انظروا إنه الكلب ولد لالة النساء. يجر معه طفلين آخرين.
وقف بعيدا ينظر إلينا في خوف، صدره عار وكان يرتدي فقط نصف سروال، رميته بقطعة حجر وأنا أشتمه. تجنبها وكادت أن تشج رأس أحد الصبيين.
قال حمو:
- دعوني أذهب لأغتصبه. إن ذلك الجرو القذر يستحق كل ذلك.
قلت:
- اتركه. أنه لن يقترب أكثر.
قال المختار:
- يجب أن نتفرق حتى لا نبعث في الغجربين الشك.
- صحيح. أنهم يشكون في أدنى المخلوقات. لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم.
- ليس صحيحا إنهم يبيعون للناس بعض الأشياء الغريبة. وأحيانا يشترون منهم ما يقتاتون به. إذا ما نفدت يأتون بها معهم. قلت " يجب أن نفترق إذن"، ثم تفرقنا، ذهبت وانبطحت قرب إحدى الخيمات تحت ظل شجرة وارفة جدا. الآخرون، كل واحد منهم أختار طريقته للتقرب من الغجر، تظاهرت بالنوم، فأحسست بأحد كلابهم يلعق قدمي الحافيتين. أصبت برعب لكني لم أسحب قدمي للتو حتى لا أثير الكلب. فينشب أنيابه في ساقي أو في مكان آخر من جسدي. نطت ضفدعة بالقرب مني على الحشائش التي تنبت بكثافة عند أصل الشجرة. رآها الكلب فتخلى عني، والتحق بالضفدعة. أخذ يناوشها بأظافره وهو يهر هريرا خافتا. ظل يفعل ذلك طويلا حتى صارت مثل جلدة وقد تمزقت أمعاؤها وتعفرت بالتراب. سكن الكلب. ثم أقعى بالقرب من بقاياها. كان ينظر الآن إلى الأمعاء والى القوائم التي تحملت ضربات أظافره المتلاحقة فلم تتفسخ. سقطت بلوطة على رأس الكلب فهر ثم نبح. وانسحب إلى مكان آخر خلف السيارة، وكان صراخ الغجر يرتفع هنا وهناك، كأنما يتشاجرون. رأيت ولد لالة النساء بدون الصبيين يقترب مني، فقلت له:
- يا كلب، إذا لم تعد إلى بيتكم، فان ما سأفعله لك لن أقوله حتى أفعله.
قال بمسكنة وجبن.
- تعال انظر هناك. لقد خرجت بعض الغجريات، إنهن يطبخن شيئا ما.
- أين؟
- هناك، وراء تلك الخيمة.
التحق بي عدي:
- لقد تجولت قليلا، إنهم كثيرون كما لم نكن نتصور. لقد وجدت بعضهم يلعبون الورق. اقتربت منهم فابتسموا لي وتحدثوا إلي لكني لم أفهم ما يقولون رأيت غجريا عاريا تماما يفرغ على جسمه سطلا من الماء البارد، والآخرون لا يهتمون به إطلاقا
- لا يخجلون من فعل ذلك، فهو شيء عادي عندهم. هل أنت متأكد أن الجسد العاري لم يكن جسد امرأة؟
- هل تمزح؟ إن جسمه في حجم جسم بغل، وشاربيه في كثافة ذيل حمار.
قلت: - أين اختفى المختار وحمو؟
- لا أدري. لا شك أنهما عثرا على شيء. أوهما ممددان الآن تحت إحدى الأشجار. يرقبان الغجر عن بعد أو عن قرب ككلبين، ينظران إلى طعام لم يستطيعا الحصول عليه.
- نذهب للبحث عنهما. المختار له قدرة خارقة على الحصول على الغجريات، مثلما كانت له القدرة على اصطياد الذباب في الجامع.
مشى عدي أمامي، وأخذنا نخترق جماعات الغجر المبثوثة على طول مساحة متوسطة الكبر. كانت بعض الأباريق والمواعين منصوبة على مجامر أمام الخيام، وقرب السيارات الأمريكية العتيقة. اختفى ولد لالة النساء عن صبعا، اختفى الصبيان كذلك، كانت بعض العيون تنظر إلينا وتبتسم. وبعضها لا يعيرنا أدنى اهتمام. جاء غجري صغير وأعطاني نصف برتقالة. كان للبرتقالة طعم خاص، لذيذ بشكل لا يتصور. أعطيت قليلا من نصف البرتقالة لعدي، التهمه بسرعة. ركض الغجري الصغير جهة الخيمة. فخرجت أمه، في ثياب مزركشة ومفتوحة عند الصدر يظهر ثدياها وشعرها الأسود الفاحم يكاد يغطي وجهها. ومع ذلك ظهر بريق عينيها وابتسامتها الرائعة. لكنها سرعان ما اختفت.
وقال عدي:
- يا الهي! كيف الحصول على مثل تلك الجميلة؟
- لن تحصل عليها، حتى ولو قطعت أصابع يديك من أجلها.
- إنها جميلة حقا.
- أجمل من ملاك. هيا نكمل البحث عن المختار وحمو.
استمررنا في اجتياز وتخطي بعض الحبال المربوطة في كل مكان. كنت أتساءل، كيف يمكن لي أن أستميل غجرية واحدة. وأنا لا أعرف لغتها. بأية لغة أتحدث إليها. المختار يعرف كيف يتحدث بيده ورأسه وعينيه. انه حاذق في ذلك. مثلما كان حاذقا في اصطياد الذباب. لم نعثر لها على أثر، ولا شك أن ولد لالة النساء ذهب هو الآخر ليبحث عنهما. كل شيء ممكن. ما يمكنه أن يخطر على بالنا يمكنه أن يخطر على بال ولد لالة النساء. ذلك شيء غريب، لكنه حقيقي، وتكرر مرارا. انه يشم نوايانا، عندما يركز نظراته فينا ونحن نتحدث. تلمع عيناه ببريق عجيب تحت حاجبيه الكثيفين. كان له وجه يشبه الساحر، وقال عدي:
- بعد قليل سوف يأتي ولد لالة النساء. ويخبرنا عن المكان الذي اختفى فيه المختار وحمو،
- يستطيع أن يفعل ذلك، أعرفه جيدا. لكنه لو أتى وحده، لماذا أخذ معه الصبيين؟ سوف يفسد أخلاقهما. انه ماهر في اكتشاف أي صيد مثل السلوقي.
يرتفع اللغط ترتفع الضحكات، وفي مكان بعيد يسمع بكاء طفل غجري. غريب! حتى بكاء أطفالهم يشبه بكاء أطفالنا. عويل هذا الطفل يشبه عويل أخي الصغير، عندما تمتنع أمي عن إعطائه ريالا ليشتري به نفاخة. وما أكثر النفاخات التي كان يفرقعها في الفضاء كما لو كان يتعمد ذلك. فتهرع إليه أمي:" يا ابن العريان، هل فطمتك على نفاخة؟ هاك!" وتضربه بأي شيء يوجد بالقرب منها سواء كان حذاء، وما أقل الأحذية في البيت، أو مشطا أو نافوخا. فيرتفع عويله سواء أصيب أو لم يصب. عويل يشبه عويل هذا الطفل الغجري الذي يصرخ الآن في مكان بعيد، غير أني لا أدري كيف يؤدب الغجر صغارهم.
هل يضربونهم. كذلك بالنوافيخ والأمشاط والمجامر والأحذية؟ توقف عدي، وأخذ ينصت إلى لغط داخل إحدى الخيام. نظر إلي كما لو كان سيقول لي شيئا مهما. لكن ماذا في إمكانه أن يقول لي؟ فهو لا يعرف لغتهم. أوهمني بحركاته تلك وهو ينصت إليهم أنه يستطيع أن يشرح لي ما يدور داخل تلك الخيمة. أطل رأس غجري، فخفنا منه، كان كتفاه العريضان يوحيان بأنه يستطيع أن يهصر ثلاثة من أحجامنا. مش عدي أمامي خائفا:
- هيا، قبل أن يلحق بنا هذا الوغد.
قلت : - اسمع يا عدي. عندي فكرة. لا بد أن المختار وحمو ذهبا إلى العين.
- وماذا يفعلان هناك؟
- إن المكان بشجره الكثيف يستطيع أن يخفيهما عن الأنظار. لا بد أنهما راودا غجربة أو غجريتين. وذهبا إلى هناك ليحششاهما.
- صحيح. هذه فكرة جيدة. ذلك ما يفعله المختار دائما. انه يفضل الأماكن الخالية والمعزولة.
تركنا الخيام والسيارات خلفنا ، مشينا في طريق مترب يتعرج بين الأشجار، النباتات والحشائش على جانبيه، طريق سوته أقدام البشر، وحوافر الدواب. يمتد هذا الطريق حتى يبلغ العين. كنا نحرق قطع الكاوتشوك ونطلي بها سيقان بعض النباتات، ونغرسها حول العين حتى تقع تلك المخلوقات الصغيرة مرتعشة مرعوبة في أيدينا. وحول العين شجر كثيف لا يشبه شجر البلوط ولا يعطي ثمرا.
وقال عدي:
- انظر. ولد لالة النساء مرة أخرى.
كان واقفا خلف جذع شجرة، وقد ترك الصبيين في مكان ما ربما. ينظر الينا مثلما تنظر الأرنب إلى الصياد قبل أن تفر، ينظر في خوف، وفي تحد أيضا.
قلت لعدي:
- لا يهم. ربما يكون قد اكتشف وجود المختار وحمو.
ناديت عليه. أخذ يتقدم منا في توجس. وقف بعيدا عني ببضعة أمتار. حك أنفه الذي التصق بأرنبته مخاط. وتوقدت عيناه تحت حاجبيه الكثيفين قال وهو يشير جهة العين.
- إنهم هناك.
- من هم؟
- المختار وحمو والغجر.
قلت لعدي:
- إن ما يخطر لهذا الملعون شيء غريب. ألم أقل لك؟ ما نفكر فيه، يكون هو قد فعله.
قلت: هل معهما بنات؟
- نعم. معهم بنات. كما أني رأيت بعض الغجر الذكور يحومون حول العين. تركناه جامدا في مكانه. ولا شك أننا سنجده قد سبقنا إلى العين. وقد يصل عن طريق لا نعرفه نحن. يستطيع أن يفعل كل شيء لأنه ولد لالة النساء. وكل ما يمكنه أن يخطر أولا لا يخطر على بال إنسان، يخطر على بال ولد لالة النساء. اقتربنا من العين. كانت الأشجار المحيطة بها كثيفة، قصيرة ومتشابكة. لم نر الغجر الذكور، ولم نر أحدا. قلت لعدي:
- لا بد أنهما حششا الغجريات
- ولا بد أنهما فعلا بهن ما شاءا.
- يجب ألا نفاجئهم. سوف نتجسس عليهم.
تصورت خرير ماء العين الهادئ، والعصافير وهي ترف بأجنحتها بصعوبة بين سيقان الأعشاب المطلية بالكاوتشوك المحروق، حتى تضغط عليها أكفنا، فينبض جسدها الضعيف ويرتعش دافئا في الكف. يحرك العصفور الصغير رأسه وينظر يمنة ويسرة. وقد يصدر صوتا ربما كان استنجادا.
وقال عدي:
- نذهب من الناحية الأخرى، ربما يكون ذلك أفضل. ولا يكون فيه مفاجأة لهم.
قلت:
- لنتفرق يكون ذلك أحسن.
اختفى عني لحظة. ذهبت من الجهة الأخرى، ورأيت العين. لم يكن هناك أحد. كان الماء يلمع تحت أشعة متسربة من بين العرائش والأغصان. ولم يكن هناك أثر لبشر. كانت هناك علبة مربى فارغة وصدئة، وفردة حذاء قديمة ممزقة ولم يكن هناك أثر لبشر. لا شك أنهم هنا أو هناك بين الأشجار. المختار يكون دائما حذرا في مواقف مثل هذه. سمعت صوت أغصان صغيرة تتكسر. ذهبت جهة الصوت. رأيت عدي يسير بتلصص. محنيا قامته بين الأغصان. وهو يدفعها بكفه. صحت فيه فالتفت إلي:
- أنت؟
- نعم. لم أجد أحدا.
- وأنا أيضا.
- لا بد أن نبحث عنهم. لا يمكن أن تكون الأرض قد ابتلعتهم.
- كل شيء ممكن وقوعه. أرض العين مسكونة.
- اسكت تسكنك جنية!
أخذنا ندور في المكان، حول العين، غير مصدقين أنهم يكونوا هنا.هل تخطئ فراستنا؟ ثم إن ولد لالة النساء لا يكذب. وقال عدي:
- لا بد أن نعثر عليهم.
مشينا في اتجاه آخر، غير الطريق الذي أتينا منه. وكانت حشائش في المكان، تستطيع أن تغطي نصف قامة الإنسان. حشائش ونباتات السرخس، ذات الأوراق التي تشبه المناشير، توقف عدي، وأخذ يرهف السمع:
- إنهم هناك. من غير شك. هل تسمع؟
- لم أكن أسمع شيئا.
- احترس. لقد سمعت شيئا كالضحك.
اقتربنا قليلا. التقطت أذناي بالفعل أصواتا آدمية. بعد ذلك رأيت غجرية شابة تقف وسط حقل السرخس، وهي تلقي يشعرها الأسود إلى الخلف. لم ترنا. عادت للاختفاء مرة ثانية. قلت:
- ترى ماذا يفعلون هناك الآن؟
- إنهم يتحششون.
- هل نلتحق بهم؟
- لا. ليس الآن.
- أني أريد أن أتحشش معهم.
- لا تفعل. إن المختار وحمو، يعرفان أننا هنا. سوف يناديان علينا في اللحظة المناسبة.
رأيت حرباء صغيرة، تعبر عند قدمي ببطء. خفت منها، لأنها توقفت وأخذت تنظر حواليها ببلادة. أمسكت بعود، وضغطت به على ظهرها، قاومت ببلادة كذلك. قال عدي:
- دع عنك تلك القذارة. إخ. تفو!
وأضاف عدي وهو يشرئب بعنقه:
- انظر هناك غجري!
نظرت حيث أشار. كانت قامته طويلة فارهة. وجهه أسمر ملوح. كانت ملامحه صارمة. يقف بعيدا وينصت. هل هو الآخر يتحشش معه؟ وقال عدي:
- إياك أن يكتشفنا.
رأيناه يخرج سكينا كبيرا من تحت حزامه. سار بحذر جهتهم. لا بد أنه تحشش وسوف يرتكب جريمة. صرخ عدي في رعب:
- حمو!
أطلت رؤوس من حقل السرخس. اهتاج الغجري. صوت السكين جهتنا، ثم جهتهم. احتار في أي جهة يطلقها، كان يركض ويتعثر بين النباتات، سقط مرات، وهو يتمسك بما أمامه أو حوله، رأينا حمو والمختار يفران، والفتيات الثلاث ظللن جامدات في مكانهن. كنا نركض ونركض وسط الغابة.
توقفنا في مكان معين نستعيد أنفاسنا. قال حمو:
- لو لم تكن معه السكين؟
رد عدي:
- ماذا كنت ستفعل؟ انك أجبن من دجاجة. لنذهب قبل أن ينادي على الغجر الآخرين وقال المختار: كانت تلك القصيرة رائعة.
قلت أنا:
- سوف نتفرج عليك، عندما تصاب بذلك الشيء.

من: غجر في الغابة
ص 7
الأعمال الكاملة ،الجزء الثاني



السابع*



قالت نوارة:
- لابد أن نجلب جوقا في حفلة النساء تلك لأنه لا يمكن أن تحلو حفلة بدون طرب ورقص.
قال أحمد:
- لو طلبت مني الزوجة الأولى ذلك لما حققت لها هذه الرغبة، أنت تعرفين المكنة التي تحتلينها في قلبي.
نوارة تبلغ الثانية والعشرين، صغيرة الحجم، أنفها أقرب إلى أن يكون أفطس، غير أن ما يغطي على ذلك تورد وجنتيها ووجود ذلك الخال قرب الأنف عند الحنك الأيسر. جسدها لا يبدو ذا بال، لكنها عندما تتعرى تصبح امرأة حقيقية بين يدي الرجل، أي رجل، لذيذة شكل لا يمكن تصوره مثل فاكهة ناضجة في غير موسمها. لذلك قال أحمد:
- تعرفين أيضا أنني ألبي كل طلباتك. لكن جوقا من الرجال لا أتصوره بين مجموعة من النساء.
- وأنا أيضا لا أتصور جوقا من النساء بين مجموعة من النساء.
- سوف أحضر لك جوقا من العمي. كثير من الحفلات النسوية يحضرها جوق من العمي.
حك أحمد تحت إبطه. تفرس فيها بنظرات جد حادة. تأمل جسدها الصغير الحجم اللذيذ مثل فاكهة في غير موسمها، هذا الجسد الذي يغطيه زغب أصهب مثل زغب الخوخ. لا يمكن لجوق من الرجال أن يغني أمام امرأة مثل هذه، لكن لا بأس إذا كانوا عميا.
قال نوارة:
- هذا ولدنا الأول، ويجب أن يكون احتفالنا سابعه احتفالا يغلق أفواه النساء والرجال معا. وأنت تعرف أن الناس يتحدثون حتى عن الأشياء التي لم يروها ولم يسمعوا بها.
- إذا جلبنا جوقا من العمي فإنه لا يمكن لأحد أن يقول شيئا.
- كثير من الناس يقيمون حفلات يختلط فيها النساء بالرجال.
- أنا لست من أولئك الناس.
تظاهرت بالغضب، شعر هو بذلك لكنه لا يستطيع أن يفعل أكثر مما يفكر فيه. هذا قراره حتى ولو كان يموت من أجل زغب الخوخ. نوارة أرادت، وأحمد أراد، غير أن أحمد أراد ما لم ترده نوارة.
ثم سُمعت الزغاريد والتصفيقات، ودخل جوق العمي متماسكين مثل عربات القطار، واصطفوا في مكان معين. احتكت أفخاذ بعضهم بأفخاذ بعض النساء، ومنهن من تجنبن ذلك ومنهن من رغبن في دفئه. هذا سابع سوف يغلق الأفواه: أفواه النساء وأفواه الرجال، خصوصا فم مينة زوجة عبد القادر، فم منانة وفاطمة الحسناوية وخدوج بنت الأصمك، ويغلق كابينة رحمة زوجة العربي الهيش. لذلك حاولت نوارة أن تبدو كما لو لم تخرج قط من حالة النفاس والولادة، حتى لا يقال بأنها ضعيفة وأنه ليس بمقدورها أن تنجب دزينة من الأطفال كما تنجب كل نساء البراريك. وعندما ارتفعت الزغاريد والتصفيقات زغردت هي الأخرى واضعة كفها فوق شفتيها العليا التي ظهر فوقها تقاطع خطوط حناء، في حين كانت اليد الأخرى تحضن الصبي فوق خذيها. وعندما زغردت أخرجت ثديها وحاولت أن تلمه عبثا للطفل الذي كان يحرك عبثا يديه شبه مغمض العينين. وقالت رحمة زوجة العربي الهيش:
- الله يحفظه لأمه وأبيه.
- لم أرد سوى أن أنبهك لأن لي تجربة في الأمر وأم لخمسة أبناء وبنات.
وقالت منانة التي التقطت الحديث رغم أنها كانت تصفق وترشف الشاي:
-لم تقل لك غير الحق.
نهضت امرأة من أقصى البراكة وتخطت أقدام بعض النساء وتقدمت نحو الأعمى صاحب التعريجة الذي كان يغني بصوته المبحوح الذي نخره الكيف، وعلقت له بين طاقيته وجبهته ورقة من خمسة دراهم. اضطرب عف الأعمى وأوشكت كلمات الأغنية أن تضطرب في فمه كذلك، لكنه استعاد الإيقاع، بل رفع صوته أكث وأخذ يضرب على جلد التعريجة بحماس. فعلت نساء أخريات مثل المرأة الأولى، وفي نفس الوقت كن يزررن نوارة والصبي. نهضت امرأة فقيرة واقتربت منها وقدمت لها طوبة سكر:
- يا ابنتي يا نوارة اقبلي هذه الزرورة، في عهدنا لم نكن نقدم سوى السكر. عصركم تبدل، ما كنا نعرف الفلوس.
وتراجعت العجوز إلى مكانها. حتى لو كان معها ما كانت لتدمها كزرورة لأن الفلوس تفلس، ولذلك قيل الله يفلسك. ثم خبطت العجوز على فخذيها العجفاوين وقالت للتي تجلس بالقرب منها:
- إنها صغيرة ومسكينة، لكن تبدو أنها من النوع الذي يعيش له الأولاد.
وقالت المرأة المتوسطة العمر التي كانت تجلس قربها:
- تقدمي إلى الوسط حتى نراك.
- لا أستطيع أن أرقص مع رجل.
-إنه مجرد أعمى، وفوق ذلك فهو عجوز.
- عيب أن تراقص امرأة رجلا.
- كل شيء عندكن عيب، نحن في الدوار نراقص الرجال.
- لا شك في ذلك، لأنك منصورية، المنصورية لا تخجل حتى من أولادها.
وقفت المنصورية وتخطت بعض الأفخاذ والأقدام والرؤوس، أصبحت قبالة الأعمى في الوسعة الصغيرة، مدت ذراعيها في الفضاء، وأخذت تدك الأرض بقدميها. زغردت بعض النساء مشجعات لها. ارتفع صوت الأعمى وازدادت ضربات أنامله على التعريجة قوة. كانت التعريجة تحت إبطه تكاد تختفي وراء ثوب قشابته، ومع ذلك كان يسمع له صوت حاد. الأعمى صاحب الكمنجة يساعده بترديده لازمة أغنية عن الحصاد والحب والمرأة التي لا تهتم به لأنه مجرد خماس. شعرت نوارة بالبول الساخن يتسرب إلى جسدها. اعتبرت ذلك طبيعيا فتحملته، أخذت تحرك هي الأخرى جسدها الواهن. لاحظت ذلك امرأة فقالت لها:
- لا تحاولي أن ترقصي، الحرارة شديدة. سوف تفسدين الوالدة إذا فعلت. زوجك ينتظر منك أولادا آخرين. تعالي اجلسي.
جلست نوارة عند الباب، واستمرت المنصورية في الرقص، والأعمى ينحني عند عجيزتها وقد أصابه نوع من الحال، يضرب بعنف على التعريجة وصوته المبحوح يخترق أخشاب البراكة. نهضت امرأة أخرى وأخذت ترقص وقد نزعت عن شعرها الأكرت منديلها المزوق، ألقت المنديل في حجر إحدى النساء، ظلت ترقص في مكانها. وقف أعمى آخر كان يضع نظارتين، وتوجه نحو الوسعة الصغيرة وسط البراكة. داس المكان كالتيس، أخذ يرقص مع المنصورية والأعمى صاحب التعريجة، ويردد لازمة الأغنية، لكن صوته كان شبيها بالعواء. نفس اللازمة كانت تردد من طرف أفواه أخرى، أفواه نساء يبرن ورجال لا يبصرون.
وقال امرأة توجد قرب الباب لنوارة:
- لا شك أن زوجك سيشرب زجاجتين من النبيذ هذه الليلة.
- لم يعد يشرب، ولكنه عوضه بالكيف. الكيف أرخص يا أختي.
- أهاه ! مثل زوجي ! لكن الكيف يجعل الرجال كسلاء ويفقدون فحولتهم.
- طبعا، إذا كانت المرأة لا تعرف كيف تستحلب الثور. أقصد إذا أنهكت. أما أنا فما أزال صغيرة وقادرة على استحلاب ثور عمره ثمانون سنة.
- هنيئا لك يا أختي. ثم إن سي أحمد يبدو رجلا فحلا. وهذا العزري الذي في أحضانك لا بد أنه سوف يشبهه.
- الله وحده يعلم بذلك.
أخذت تهدهد الصبي، وتنظر إلى وجهه المغطى بخرق، ثم قبلت الخرقة الملفوفة فوق رأسه وهي تقول:
- الفحل اليوم هو الذي يعرف القراءة، أتمنى أن يتعلم حتى يحصل على شهادات.
- معك حق. لكن إذا لم يطردوه من المدرسة. لقد طردوا كل أبنائي.
- شكيكو ! (وضربت عند خشب البراكة وتفلت في التراب).
قالت المرأة:
- ألف شكيكو وشكيكو. لكنها الحكومة.
لم تسمعها نوارة لأن الزغاريد كانت تشق الفضاء، والأصوات تتعالى وتتحدث أو تتغنى ! وشعرت أنها حققت كل شيء. لقد أغلقت الأفواه. ينقص شيء: المشوي والضلعة ! لكن مازال الدهر طويلا عريضا. وفي المرة القادمة سوف يستمر السابع سبعة أيام وسبع ليال بكاملها.

*مقطع من القصة
الأعمال الكاملة
الجزء الثاني
ص:61 ـ 67



عندما يصير الرجل حمارا

كانت الشمس تلمع في جناح من السماء، عابثة بغيمات ضائعة في عالم الصيف القائظ. ولأن الحرارة كانت علي أشدها، فقد كان الناس ينفثون الهواء الثقيل من صدورهم آملين في هواء بارد منعش، بينما كانت الحيوانات لا تقل عنهم رغبة في طلب البرودة والهواء ذي اللفحات الربيعية. الكلاب تمد ألسنتها والبغال والحمير تعبر هي الأخرى عن رفضها لهذا الصهد الثقيل، فالدواب الواقفة لا تلبث بين الفينة والأخرى أن تدك الأرض بحوافرها بينما التي تمر في عرض الطريق ترخي رأسها وأذنيها إلى أسفل كأنها تفتش عن شيء في الأرض. وكان الحمار مسعود قد بدا متعباً للغاية. خطواته تتثاقل بعد أن كان يرمي قبل لحظة قوائمه إلى الأمام بسرعة كبيرة آملاً في أن يصل، وقد ازداد ثقل هذه الخطوات مما جعل علياً يعالجه بضربة علي ظهره. ورغم أن الضربة لم تكن قاسية أو عنيفة فقد توقف الحمار علي أثرها. لكن الضربات استمرت يسيرة فعسيرة أو قليلة فكثيرة. غير أن الحمار أصر في النهاية علي ألا يتحرك بتاتا. هدأ علي، وبدأ ينتظر، ولم يتحرك الحمار، فقال:
- الله يهديك، سر.
لكنه لم يسر، ولم يتزحزح، ولم يخط خطوة واحدة، بل استمر في إحناء رأسه إلى الأرض، وأرخي أذنيه أكثر من ذي قبل، وعاد عليّ يعالجه بعصاه، لكن عبثا. وظن أن قطع الآجر الأحمر الذي تحمله العربة ثقيلة جداً. بينما عاد يؤكد لنفسه بأن ليست هذه هي المرة الأولي يجر فيها مسعود العربة وهي محملة بهذا القدر من قطع الآجر أو غيره، لكنه عاد ليثبت صحة تخمينه الأول. وفكر ملياً ثم عزم علي أن يفرغ جزءا من حمولته هذه، يترك نصفها علي الأرض ريثما يذهب بالنصف الآخر فيعود لينقل النصف الثاني. وكان الصهد لا يزال محتداً، غير أن عليّاً نسي الحرارة وفظاظة الجو لدي توصله إلى هذه الفكرة أو هذا الاقتراح الذي قدمه لنفسه والذي يؤكد انه من الذكاء بمكان، وبدأ في تنفيذ المشروع. كان جسده يتفصد عرقاً كأنه قربة مثقوبة ولم يبال لذلك، واستمر في نقل قطع الآجر من عربته العتيقة إلى الأرض بجهد لا يحد. وسرعان ما بدأ الحمار يتحرك ليس إلي الأمام أو إلى الخلف، لكنه كان يتحرك في مكانه، يضرب الأرض بقائمتيه الخلفيتين، ويهز رأسه إلى أعلي بقوة كأنما يطرد حشرة من الحشرات لدغته لدغة مؤلمة فبعثت فيه رد فعل عنيفا. وإذ كان الحمار يتحرك ظن علي أن المشكلة الآن قد بدأت في طريق التسوية، واستبشر مهنئاً نفسه علي الحل الذي اهتدي إليه بغير مقدمات، والذي نزل عليه من السماء وكأنه الوحي. لا يبلغ مقدار الثلث علي كل حال.
ثم قفز إلى العربة ماسكا بزمام الحمار وأخذ يجذبه إليه، وهو يطلق صيحة خاصة، لكن أمله خاب، فالحمار لم يتزحزح خطوة إلى الأمام، وأكد علي نفسه أنه لا بد من تتمة تنفيذ المشروع الذي اقترحه بادئ ذي بدء لكي يصبح الآن علي ما يرام، فقفز إلى الأرض وبدأ من جديد ينقل قطع الآجر من أعلي العربة إلى أسفل، وانتهي في الختام بأن قال في نفسه إنه قد أشرف علي نقل نصف كمية الآجر إلى الأرض. لكنه عندما انتهي فعلاً مني بالفشل، فقد خيب الحمار أمله، وجعله يتساءل عن إيجاد حل لهذه المشكلة التي لم يصادفها قط منذ أن اشتري حماره هذا.
لا شك أن هناك سراً. وإذ كان يضع سبابته بين أسنانه كتعبير عن شيء لا يعبر عنه، انطلق الحمار في نهيق بعيد الصدى رددته البنايات القائمة هناك عن بعد. وبدأ يضرب بإحدى قائمتيه الخلفيتين ثم رفعها في الهواء، ولبثت كأنها معلقة، واستيقظ عليّ من تفكيره القصير علي إثر نهيق الحمار الذي داهمه كنفير سيارة شحن كبيرة، وجعل ينظر إلى رجل مسعود وهي معلقة في الهواء.
ولكن هذا الأخير أعادها إلى وضعها الأول وكأن في نيته أن يطمئن علياً بينما اعتبر علي هذه الحركة بادرة فيها أمل. لقد قالت له هذه الحركة مرة بأنه سيربح نقوداً كثيرة في يومه ذاك. عندما وقف ذات صباح أمام الحمار وقال قبل أن يشهد إلى العربة إذا تحركت احدي رجلي الحمار الخلفيتين فإن اليوم سيكون مربحا . ولم يخيب الحمار يومها ظنه وكان له أمل، وحصل علي ما رغب. أما اليوم فلم يقل شيئا ولكن رجل الحمار الخلفية - التي اتخذ حركتها آية للخير منذ ذلك اليوم - تحركت، ولا شك إذن أن معجزة ستقع، وتقع المعجزة عندما تحرك الحمار. وضحك هو ضحكة أربت علي نهيق حماره مسعود، وقال بصوت مرتفع لا عدمت يا رجل! وقفز فوق العربة، وأخذ يحرك رجليه وجسمه ويديه وكأنه طفل يتقي ضربات حزام والده التي تسقط عليه كالأحجار من كل مكان، ولم يفكر في غمرة فرحه في الآجر الذي تركه علي الأرض هناك.
ومضي الحمار وهو يعرج، فبهت علي، لقد كانت الرجل الميمونة هي التي تعرج. ما الذي حدث إذن؟ وإذ تساءل هكذا، توقف الحمار مرة أخري. ولم يتحرك وكانت الحرارة والجفاف علي أشدهما، أما الهواء فكان أثقل مما يتصور، وقد بدت الشمس في كف السماء تتحدي الناس والدواب بحرارتها المفرطة، وأشعتها الثاقبة كأنها سهام حادة تنخر فلا ترحم. توقف مسعود بعناد، رفع رجله الخلفية مرة أخري، فانحني علي يتفحصها.. وبينما هو كذلك جاء صوت خشن:
- يا بني آدم !!
ووقف علي لتوه وهو يقول لا شك أن بهذا الحمار شيئا ، فقال له الرجل:
- يا سيدي، إن العربات الثلاث وصلت منذ ساعتين وأنت لا تزال هنا، هل تتحرك أم أنادي علي عربة أخري؟.
- إن بالحمار شيئا.
- لا يهمني، هل تتحرك أم.. أيعجبك أن ننتظر سيادتكم يوماً كاملاً.
فقال علي وهو يمضغ ريقه:
- إن هذا مستحيل. الحمار لا يريد أن يتحرك.
- قلت هل تتحرك؟ لا يهمني، جر العربة علي كتفيك.
وكان الرجل يتكلم بفظاظة مرفقاً كلماته بتعابير قاسية من وجهه. وأمام هذا العالم المتجهم بدت لعلي الدراهم الثلاثة تسقط من يده، وفكر بأن أدني حركة أخري منه تعني الرفض، ستؤدي حتماً إلى ضياع الدراهم الثلاثة منه. وإذ كان يتحدث لنفسه صهل الرجل:
ـ ولا أريد أن أبقي طيلة اليوم هنا. لا أريد أن أضيع وقتي، لماذا تتصامم هكذا؟ .
شرع علي في فك العربة عن الحمار. كان بعض الأطفال قد تجمعوا حول المعركة المسالمة، وهم يحدقون في الرجلين منتظرين أن تقع الواقعة كي يتفرجوا ويقهقهوا، كما اعتادوا أن يفعلوا عند كل اصطدام يقع بين شخصين في هذا الحي. وشد علي العربة إلى ظهره لكنه ما إن خطا خطوتين اثنتين حتي قال الرجل:
ـ والباقي من يحمله؟ أنا؟
قال علي:
- سأعود لأنقله.
ومضي يجر العربة. كان بعض الأطفال يدفعونها من الخلف. لقد وجدوا الفرصة لتمضية بعض الوقت وللمزاح. كان علي يتميز غيظاً. ولما توقف وتخلص من العربة فر الأطفال كالأرانب التي أبصرت صياداً. غير أن علياً لم يكن ينوي بهم شراً. لقد توقف فقط ليخلع فردتي حذائه، ليضعهما بين قطعتين من الآجر، ثم عاد إلى عربته واستمر يجرها وجسده يتفصد عرقاً. كان يحس بأشعة الشمس تعبث فوق قفاه العاري غير انه لم يجد القدرة علي مقاومة الشمس. أما حماره فقد تركه للأطفال يتلهون بجذب ذيله القصير.

من المجموعة القصصية " العربة"
الأعمال الكاملة/ الجزء الثاني، ص: 238



أعماله الأدبية:

حوار في ليل متأخر (قصص) دمشق وزارة الثقافة 1970.

المرأة والوردة (رواية) بيروت الدار المتحدة للنشر 1972

أرصفة وجدران (رواية) بغداد منشورات وزارة الإعلام العراقية 1974

بيوت واطئة (قصص) الدارالبيضاء دار النشر المغربية 1977

قبور في الماء (رواية) تونس الدار العربية للكتاب 1978

الأقوى (قصص) دمشق اتحاد كتاب العرب 1978

الأفعى والبحر (رواية) الدارالبيضاء المطابع السريعة 1979

الشجرة المقدسة (قصص) بيروت دار الآداب 1980

غجر في الغابة (قصص) بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1982

بيضة الديك (رواية) الدارالبيضاء، منشورات الجامعة 1984

محاولة عيش (رواية) تونس الدارالعربية للكتاب 1985

ملك الجن (قصص) الدارالبيضاء إفريقيا الشرق 1988

الملاك الأبيض (قص) القاهرة مطبوعات فصول 1988

الثعلب الذي يظهر ويختفي (رواية) الدارالبيضاء منشورات أوراق 1989

الحي الخلفي (رواية) منشورات عالم الصحافة 1992

العربة (قصص) منشورات عكاظ 1993

أفواه واسعة (رواية) الدارالبيضاء مطبعة الجنوب 1998

.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
محمد زفزاف في ذكرى رحيله التاسعة:
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: