كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عزالدين جلاوجي التاعس والناعس مسردية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: عزالدين جلاوجي التاعس والناعس مسردية   الإثنين أغسطس 18, 2014 4:08 pm

1 h · Modifié ·

لمن أرد أن يقرأ نصوصي المسردية

عزالدين جلاوجي

التاعس والناعس
مسردية

الإهداء
إلى الشعوب العربية تعارك حكامها لتتوج حكامها

بين يدي النصوص
كان كُتَّاب المسرح منذ زمن الإغريق يكتبون نصوصهم إلى الخشبة مباشرة، ولعله لم يدر في خلدهم أن يوجهوا ما يكتبون إلى القارئ، ومع مرور القرون صارت المسرحية تصدر أيضا بين دفتي كتاب مما حفظها من الضياع والزوال، كما ضاعت للأسف الشديد آلاف العروض المسرحية التي كانت ترتبط بالمشاهد في حينها ثم تختفي إلى غير رجعة.
مع تطور وسائل تسجيل الصوت والصورة، تحقق حلم الاحتفاظ ببعض العروض لتشكل مادة خصبة للمتلقي في كل مستوياته، مما هيأ للدارسين المتخصصين فرص دراسة ذلك.
غير أن ظهور وسائط مختلفة سرق المتلقي إلى غير رجعة، بما استطاعت أن تحققه من وسائل إغراء، جعلت المسرح منبوذا إلى حد بعيد، حيث راح يفقد معاقله وسحره، ولم يتخل عنه متلقوه فحسب بل وحتى منتجوه أيضا، وبذلك يكون المسرح قد خسر المشاهد وهو الذي لم يكسب القراء في أي مرحلة من مراحله.
في وقت راح السرد بأشكاله يزحف على الميدان ويكسب ألآلاف بل الملايين الأنصار إلى صفه، مما فرض التفكير في إعادة الألق للنص المسرحي، فيحقق رغبة الناس في قراءته دون أن يفقد خاصية التمسرح فيه، وهذا ما حدا بنا إلى إعادة كتابة النص المسرحي ولكن بنكهة السرد فنكسب القارئ أولا ونأخذ بيديه ليعود إل خشبة المسرح دون أن نجرح كبرياء المسرح، بحيث يكون النص مهيئا أيضا للعرض على الخشبة، ويمكن أن يستفيد منه المخرج والممثل معا.

اللوحة الأولى

عند جذع شجرة كبيرة يظهر أحدهما نائما...
ضجيج وأصوات يصل بعضها من بعيد...
بعد لحظات يصل أحدهما في ثياب العمل وقد بدا عليه الجهد والتعب...
يدخل البيت البسيط المتواضع ثم يعاود الخروج...
ينشر ثيابا مغسولة على حبل مربوط بين شجرتين...
يتحرك النائم.. يفرك عينيه.. ويجلس مكانه... يتثاءب بعمق قائلا:
عدت يا تاعس؟
يجيبه التاعس وهو منهمك في عمله
وأنت لا تعرف إلا النوم، صدق من سماك ناعس.
يتكئ الناعس على مرفقه، حاكا عينيه بيمناه
وهل تريدني أن أخيب ظن والدتي -يرحمها الله-؟ أنا اسم على مسمى يا صاحبي، وأنت...
يقاطعه التاعس وقد أكمل عمله واستدار إليه
صدقت وأنا تاعس اسم على مسمى، اللعنة على من سماني كذلك.
يضحك الناعس بتثاقل قائلا:
لعلها أمك، إما أنها كانت غبية، وإما أنها كانت تنظر بمنظار الغيب
يجلس التاعس قريبا منه مطرقا وقد بدت على ملامحه أحزان
ليتها أمي يا صاحبي.
يصمت وقد اشتد حزنه، يتفرس فيه الناعس لحظات، ثم يقترب منه
ماهذا الحزن يا صاحبي؟ كأنك تخفي سرا خطيرا
يقف التاعس، وإلى جواره يقف الناعس متثاقلا
فقدت والدي قبل ميلادي بشهرين، وفقدت والدتي بعد ولادتي مباشرة، ولم يبق لي من الأهل أحد، فاحتضنني الجيران، الذين سموني التاعس
يغرق التاعس في حزن عميق، فيما يغرق الناعس في الضحك
صدقوا، وماذا يمكن أن يسموك غير ذلك، فعلا أنت قمة التعاسة ومنبعها في هذا الوجود، هل هناك من يفقد أباه وأمه دفعة واحدة، ويولد عاريا من كل عاطفة؟
يصمت لحظات، يخطو خطوات غارقا في التفكير
هل تؤمن مثلي أننا نولد أشقياء أو سعداء، وأن الأقدار ترسم لنا ذلك منذ الأزل؟ وأن علامات ذلك تظهر منذ صرختنا الأولى في الوجود؟
أؤمن أن الإنسان بعمله يستطيع أن يغير واقعه، وسأغير واقعي، سأصنعه بعرق الجبين
المكتوب في الجبين يلحق ولو بعد حين ياصاحبي
نحن الذين نكتب أقدارنا، ونومك لن يؤدي إلا إلى تعاستك
يقترب منه الناعس مغيرا الحديث وعلى وجهه ابتسامة الهزء
قل لي.
اسأل.
لم عدت اليوم سريعا على غير عادتك؟
تعبت.. كرهت.. ألست بشرا؟
أحسنت هذا قرار جميل دعك من هذا التعب؟
ماذا تقصد؟
يمسكه من يده بلطف
أتسمعني ياصاحبي؟
دون شك.. كلي آذان صاغية.
يمط أذنيه ويجلسان متقابلين يتنحنح الناعس قائلا:
أنت ترهق نفسك كثيرا وتجد في العمل أكثر من أي إنسان آخر.
يرتب التاعس هندامه معتزا بنفسه
هذا صحيح.. أكبر عامل في هذه المدينة هو أنا، العمل عبادة، ألم يقل الأولون أن العمل عبادة؟ ألم يقولوا اعمل في صغرك لكبرك، واعمل لكبرك لقبرك؟
ولماذا تعمل؟
لماذا أعمل؟ لماذا أعمل؟
يظهر التاعس مضطربا وقد فرت منه الإجابة، فيضحك الناعس باستهزاء
أرأيت لم تجد الإجابة الشافية؟
يستجمع التاعس قواه متحديا وقد تغيرت ملامحه
بل وجدتها
ماهي؟
كيف أستريح؟ أنا أطلب الراحة، ألم تسمع ما قال الأوائل؟ اعمل في صغرك لكبرك، واعمل لكبرك لقبرك.
ماذا قلت؟ كي تستريح، ومتى تستريح؟
متى أستريح؟ متى أستريح، حين أكبر.
ياسلام حين تكبر، وهل يجد الإنسان راحة حين يكبر وقد تقوس ظهره وضعفت عظامه وهاجمته الأمراض من كل حدب وصوب؟
وإذن متى أستريح في رأيك؟
استرح الآن، أنت تعمل لتستريح، استرح الآن.
استريح الآن.. أستريح الآن؟ ! وهل ذلك ممكن؟
طبعا طبعا.. وما المانع؟
أرأيت ذلك السلم؟
يقترب من سلم كان منتصبا بالقرب منهما، له جهتان للصعود والنزول
نعم رأيته، مادخل السلم في حياتنا
الحياة تشبه هذا السلم
لقد صرت ياصاحبي فيلسوفا، لم أفهم قصدك
لا فلسفة ولا هم يحزنون، الدنيا كالسلم بالضبط، تأمل ماذا سأفعل
يقوم الناعس بصعود درجات السلم والنزول على الجهة الأخرى، يصفق التاعس
أهنئك وأخيرا تحركت، حتما ستتخلص من كسلك
لا تتفلسف كثيرا وافهمني، الدنيا كالسلم، تصعد لتنزل، ومادمت ستنزل فلم تتعب نفسك في الصعود
تظهر الدهشة على التاعس، يحملق في السلم مرددا في نفسه
أصعد، أهبط، صحيح، مادمت سأهبط فلماذا أصعد؟
يسير خطوات حائرا، ثم ينتبه فجأة من حيرته
إذن تريدني أن أستريح الآن
هو ذاك، لقد فهمت أخيرا الدرس
ومم نعيش؟ ماذا نأكل وماذا نشرب؟ وماذا....
أنت أعمى البصيرة حقا
ما دخل البصيرة فيما يضمن حياتنا؟
ألا تراني أنا؟ انظر إلي.
يقترب من التاعس وهو يضرب براحة يده على صدره
بلى أراك.. أنت أمامي بلحمك وشحمك
يقترب الناعس أكثر حتى يكاد يلتصق بالتاعس
تأكد جيدا من أنك تراني
يتلمس التاعس جسد الناعس بكلتا يديه في أماكن مختلفة وقد فتح عينيه جيدا
أنا أراك، وأحسك، وألمسك، وأشمك
جميل جميل، هل تراني أعمل؟
يبتعد التاعس من الناعس نافرا
أعوذ بالله، أبدا أنت والعمل كالملائكة والشياطين، أنت في الشرق وهو في الغرب، شتان يا صاحبي شتان، ما أبعد الثرى عن الثريا ياصاحبي وذا....
يقاطعه الناعس بصرامة
أحسنت أحسنت يكفي كدت تصير شاعرا
لم أفهم مرادك يا ناعس
هل تراني مت جوعا ياصاحبي التاعس؟
بل أنت في صحة جيدة
يضرب على صدره وبطنه، ويظهر عضلات يديه
أحسن منك...
صحيح والله أنت أحسن مني، عضلاتك قوية، ووجهك ممتلئ
يلمس التاعس جسده مقارنا بينه وبين الناعس، الذي يفاجئه سائلا:
وكيف أحصل على غذائي وكسائي؟
يضطرب التاعس متمتما دون أن يجيب
أحصل على طعامي وكسائي وأنا نــائم
صدقت.. نائم ملء جفونك.. ولكن..
يقاطعه الناعس بقوة
ولكن ماذا أيها الغبي؟ لماذا تفلسف كل شيء؟
صدق من قال تفلسف الحمار فمات جوعا.
أنا لم أمت جوعا منذ ولدت.
وقد تغيرت ملامحه يجيب صاحبه بصرامة
لأنك تأكل من جهدي أيها الغبي..
أحسنت.. ماعليك إلا أن تستريح.. تخلد للراحة التامة.. وسيسوق الله لك تاعسا ليخدمك.
يتراجع الناعس عن اندفاعه وقد بدت عليه الحيرة
أستريح فيسوق الله لي تاعسا ليخدمني؟ أكاد أقتنع.. صدقت.. أنت محق والله.. لست وحدك من قضيت مامضى من عمرك متطفلا علي.. الأرض ملأى بالمتطفلين في عالم النباتات والطيور والحيوانات.. وملأى بالأغبياء الأشقياء مثلي، يا ألله ما أشقاني ما أغباني.
يقترب الناعس من صاحبه وقد تغيرت ملامحه انبساطا
هل تدري؟
ما الذي أدريه يا ناعس؟ لقد قلبت لي كل الموازين.. لم أعد أميز بين ماهو خير وماهو شر، ماهو حق وماهو باطل.
أنا أحلم أن أكون أميرا.
يندفع التاعس نحو صاحبه وقد هزته الدهشة، يمسح أذنيه بأصابعه
ماذا قلت، ماذا قلت؟ أميرا؟؟؟
يعيد الناعس الجميلة ببطء وتجزيء
أنا.. أحلم.. أن.. أكون.. أميرا.
يفتح التاعس عينيه إلى آخرهما اندهاشا
أميرا دفعة واحدة؟
يغرق في الضحك وهو يشير للناعس بسبابته
هههههه... ماذا قلت؟ أمير؟ ههههه، أمير؟ كدت تقتلني ضحكا يامجنون
تتغير ملامح الناعس فجأة، ويشتد قلقه وغضبه
بل ملكا عظيما.. ملكا تخضع له الرقاب وتركع له الهامات.. وترتعد له القلوب..
تزداد مفاجأة التاعس فيتظاهر بالولاء للملك
أمرك يامولاي، نبايعك على السمع والطاعة في السراء والضراء
يبقى الناعس جامد الملامح غير مبال باستهزاء صاحبه، يغير التاعس ملامحه إلى الجد قائلا:
أنت تحلم بالمستحيل.
ليس في الحياة مستحيل يا تاعس.. يا أتعس خلق الله أجمعين، ليس في الحياة مستحيل، كل الحقائق التي تراها أمامك كانت أحلاما، يكفي أن تحلم، والبقية على حظك.
وهل يمكن أن أكون أنا أيضا ملكا؟
ممكن جدا
يقفز فرحا
لقد أفرحتني.. أفرحتني.
ولكن بشرط
ينكمش في مكانه مصدوما
ماهو؟ لقد صدمتني ياصديقي.
أن تؤمن بذلك بعمق
يتردد متلعثما
ولكنـ..نـ لكن؟؟ نعم نعم أنا مؤمن بها.
أرأيت؟ أنت متردد، ألم أقل لك؟ لقد رسخ في ذهنك أنك ستبقى تعيسا، وحتما ستبقى كذلك.
يشتد خوف التاعس، فيقترب من الناعس يترجاه
لا لا أرجوك أرجوك، لقد آمنت بك، آمنت بما تؤمن به تماما
جيد جيد ياتاعس جيد..
يتقدم التاعس من الناعس حتى يكاد يلتصق به
أنا تحت أمرك وطوع إشارتك
جيد، دعنا الآن نحلم
بماذا سنحلم ياناعس
يردد في سره
يارب مافلحنا بالحقيقة فهل نفلح بالحلم؟
وإذا صرت ملكا حاكما عظيما ماذا ستفعل؟
يندفع التاعس مجيبا دون تفكير
وهل هذا يحتاج إلى سؤال؟
لم أفهم
يحمل عصا كانت مهملة على الأرض ويجلس جانبا على صخرة، كأنه ملك على عرشه
شعبي العزيز، سأملأ البلد عدلا.. سأحارب الظلم وأشيع الخير والمحبة والفضيلة.. سأفرغ خزائن المال وأوزعه على الرعية كلها..كلها.. سأحول الجميع إلى جيش من....
يقطع عنه الناعس أحلامه غاضبا
يا لك من غبي ! كفى جنونا كفى كفى.
غبي؟؟ مجنون؟؟ مجنون؟؟
يمسكه من يده ويوقفه بقوة
اسمع ياتاعس سأقص عليك قصة..
قصة، قصة؟ لن نخرج اليوم من الأحلام والقصص، هات ياصاحبي إني أسمعك وأمري لله.
فيما مضى كان لملك شعب كسول
شعب ناعس.
هو بالضبط
يضحك سخرية
وأنت منهم؟ من مخلفاتهم؟
دعك من هذا ياتاعس، المهم أن الملك قد جمعهم في صعيد واحد وخيرهم بين أن يعملوا أو يرموا في البحر.
واختاروا العمل طبعا؟
يا لك من غبي.. بل اختاروا البحر.
اختاروا البحر؟
ومضت بهم الباخرة إلى البحر.
جميعا؟
أجل كلهم جميعا.
ارتضوا البحر على العمل؟
وفي أعالي البحر اعترض ملك آخر الباخرة وعلم بقصتهم، فدعاهم إلى العيش ببلده رغم اشتراطهم الخلود للراحة، فلما سمع ملكهم بالأمر لحق بهم لأنه بقي في مملكته دون رعية يحكمها وراح يسعى لإعادتهم
هذا الملك أصيل
لكنهم رفضوا
عجبا رفضوا
نعم ياتاعس رفضوا فتجاذبهم الملكان.
يطوي يديه متعجبا
ومع من ذهبوا ياناعس؟
عادوا مع ملكهم.
الحمد لله أقنعهم بالعمل؟ هذه هي الحقيقة، لا معنى لحياة دون عمل، العمل سر الحياة وروحها ياناعس ألم أقل لك؟ ألم...
يزم فمه وقد ضاق من طول حديثه
صمتا ياتاعس، لا تتسرع أرجوك، تعتقد أن الناس جميعا تعساء مثلك.
وإذن لماذا عادوا؟
بشرط أن يعمل هو.. ويخلدوا هم للراحة.
متعجبا
ماذا قلت؟ يعمل هو ويخلدون هم للراحة؟ أي صاروا هم الملك وهو الرعية؟
بالضبط.
يمطط شفته السفلى في حيرة
سبحان مغير الأحوال.
لنعد لما كنا عليه ياتاعس.
كيف سنصير ملوكا؟
هذا أمر تجاوزناه
آه نسيت، لم تخبرني ماذا ستفعل أنت حين تصير ملكا ياناعس، أم أنك ستفرض على الجميع النوم والراحة؟
هذا أمر تجاوزناه أيضا ياتاعس.
إذن أي موضوع سنناقش ؟
لقد قررت السفر.
قررت السفر لماذا؟
يشرع الناعس في جمع أغراضه التي سيحملها معه
لأصير ملكا.
ولماذا لا تصير ملكا هنا
لا نبي في قومه يا غبي.. قومك يحسدونك.
صدفت فلنسافر.
يجمعان أغراضهما وينطلقان
*****

اللوحة الثانية

يدخل الرفيقان مدينة كبيرة وقد ظهرت عليهما علامات التعب والإجهاد من طول السفر والترحال
تتناهى إلى الأسماع أصوات ضجيج ونقاشات حادة تصل من بعيد ثم تبدأ في الاقتراب رويدا رويدا...
جمع من الناس يحملون لافتات... جموع أخرى يحملون هراوات وسيوف
يتملك التاعس الخوف الشديد فيتوقف عن السير، يضع أغراضه، يمسك بالناعس
علينا أن نغادر بسرعة ياصاحبي هيا هيا...
يدفعه الناعس بقلق
ويحك ياتاعس ما دهاك؟
لقد قذفت بنا في فم أسد جائع
يصلهم من بعيد صوت تهديد
سنقتلهم، سنقتلهم.
ينكمش التاعس ملتصقا بالناعس الذي يظهر أكثر تماسكا، يرتفع صوت آخر
بل نذبحهم كالخراف.
تختلط الأصوات، أصوات تهديد وأصوات ضرب وجر
اللعنة عليهم اللعنة، اللعنة عليكم .
يندفع التاعس فارا وقد اشتد خوفه، يعود حيث يقف الناعس يحمل أغراضه ويجره فلا يتمكن من ذلك يتركه مغادرا
سأعود يا صاحبي من حيث جئت، ابق هنا إن شئت، أنا ذاهب أنا ذاهب.
يمسك الناعس به يعيده إلى مكانه
رويك رويدك
إلى متى؟ حتى نذبح كالخراف؟
هذه فرصتنا ياصاحبي
فرصتنا للموت
يالك من غبي! انتهاز الفرص يكون حين تعم الفوضى، ألا تراهم يختلفون ويقتتلون؟ وحين يقتتل الأغبياء، يقفز الأذكياء على ظهورهم لتحقيق أهدافهم
ماذا تخطط؟ صرت تخيفني
دعنا نسألهم يا صاحبي
وعم تسألهم؟ ألست تسمعهم؟ إنهم يهددون بقتلنا بل بذبحنا.
يرتفع صوت آخر فيه بحة
سنمص دماءهم.
يقترب الناعس من شخص دنا منهما سائلا:
ما الذي حل بالمدينة وناسها؟ كأنما فشا فيها السعار.
يكشر فيهما الشخص دون أن يجيب ويبتعد عنهما مهرولا وهو يستل سيفه، يتأمله التاعس بحيرة قائلا:
أعوذ بالله لقد تحولوا جميعا إلى كلاب.
ولكنك تراهم بشرا.
إني أراهم كلابا.. انظر.. اسمع.. إنهم ينبحون.
على مهلك.. هاهو آخر نسأله عن السر.
ماذا تسأل؟ الأمر واضح واضح.
يقترب منهما شاب ملوحا بعصاه، يختفي التاعس وراء الناعس الذي يعترض سبيله سائلا
أرجوك ما الذي....؟
يهجم عليه الشاب ماسكا بتلابيبه مهددا
أنت منهم، واضح أنت منهم
يخنقه بشدة
سنسحقكم كالحشرات
ينظر للتاعس مختفيا خلف صاحبه
وأنت أيها اللعين، وتتظاهران بالحياد
يجيبه التاعس مرعوبا
نحن غريبان.. غريبان يا سيدي....
يتركهما الشاب ويسرع مبتعدا، يتنفس التاعس الصعداء كأنما كان تحت الماء
الحمد لله لقد نجونا هذه المرة فلنرحل أيها العنيد لنرحل بسرعة بسرعة.
يقبل كهل من بعيد على ملامحه حزن، يجر التاعس الناعس من ذراعه خائفا
أرجوك لنغادر بسرعة
لم الخوف ونحن غريبان؟ لا دخل لنا فيما وقع.. أو سيقع.
يسمع الكهل كلامهما فيتدخل مجيبا بحزن
لكن النار تأكل الأخضر واليابس.. والفتنة تحرق القريب والغريب.
يتشجع التاعس قائلا:
أرأيت؟ ألم أقل لك؟
ينزع الناعس منه ذراعه صائحا فيه
لن أخرج ولتحرقني النار.
يندفع التاعس نحو الكهل يترجاه
أخبره سيدي أرجوك، أخبره بما ينتظرنا
لقد عمت الفتنة كامل المدينة.. الباقي فيها مقتول والخارج منها مقتول.
يضرب التاعس على جبهته بكفه حسرة وندما
أسمعت مايقول؟ أسمعت؟ يا ويلي ما أحمقني حين صدقت كلام أحمق مثلك، ياويلي، كنت هانئا مطمئنا آكل من عرق جبيني، جئت أسعى وراء الوهم، آمنت بغبائي ما لايؤمن به إلا المجانين.
يشتد الصخب فجأة وترفع أصوات مهدده
سنقتلهم..
نذبحكم..
نمص دماءكم..
تقترب الأصوات سريعا، فيلتصق التاعس بصاحبه
لقد وصلوا وصلوا، هيا أرجوك لنغادر المكان سريعا.
يدفعه الناعس بعنف
لن أغادر المدينة، قلت لك لن أغادر المدينة ولو قتلت
عد معي واسترح كما كنت، سأخدمك ما حييت
يلتفت الناعس إلى الكهل مستفسرا:
بالله عليك ياسيدي أخبرنا بما وقع في المدينة؟
ألم تسمعوا بعد؟ لقد مات الملك.
يرحمه الله... كلنا نموت.. لكني لا أرى مظاهر للحزن.
يندفع شاب بينهم فجأة في حماسة وتحد
فلتموتوا.. المهم ان نكون نحن الخلف.
فعلا معك حق، وأنتم أحق.
يجيب التاعس فيفاجئه شاب ثان
بل نحن
يبحلق فيه التاعس مرعوبا وقد هزته المفاجأة
وأنتم أحق وأجدر.
يتخاصم الشابان
بل نحن أحق وأجدر
بل نحن أحق وأجدر
يندفع الناعس يفصل بينهما
ياجماعة ياجماعة ما هكذا يكون الخلاف، أعني ياتاعس.
وما دخلنا نحن؟ فلنغادر.
يزداد عدد المختلفين وترتفع أصواتهم متخاصمين، يصرخ الكل فيهم
ياقوم حكموا العقل.. الفتنة نار.. والنار شر وشنار.
يبتعد عنهم الناعس بصعوبه وقد كادوا يعصرونه
صدقت.. صدقت...
يبتعد الطرفان عن بعضهما.. يصيح الشاب الأول
لن نقبل إلا بالملك.
يرد عليه الثاني ملوحا بعصاه في وجوه خصومه
بل الملك لنا.
يقف الناعس بينهم
ياقوم تعقلوا وأفهمونا القصة...
تختلط أصواتهم فلا يفهم منها شيء، يوجه الناعس سؤاله للشاب الأول
أفهمنا أنت القصة، ما الذي وقع؟
مات الملك.
علمنا يرحمه الله
يجب أن نختار خليفة له.
عين الصواب.
ولنا طريقة في ذلك يعرفها العام والخاص.. توارثها الأحفاد عن الأجداد وعملنا بها قرونا من الزمن.
يقاطعه الشاب الثاني
ولكن هذه الطريقة ظالمة منحت الملك لهؤلاء عقودا.
هل يمكن أن تفهماني هذه الطريقة، إن كانت خيرا استمروا فيها، وإن كانت شرا بحثنا معكم على طريقة جديدة، أليس كذك يا تاعس؟
يسر إليه التاعس في قلق
ومادخلنا نحن؟ دعنا ننجو بأنفسنا ونعود إلى ديارنا
اسكت عليك اللعنة، إنها فرصتنا لنركب على ظهور هؤلاء الأغبياء
يقبل شيخ وقور من بعيد، فيلتفت إليه الجميع صامتين، فيما يتشجع الكهل فيندفع قائلا:
الرأي الحكيم أن نبقى على ماورثناه من الأجداد.أليس كذلك أيها الشيخ الحكيم؟
يهز الشيخ رأسه مؤيدا
بلى... بلى... صدقت لن نحيد عن إرث الآباء والأجداد، لقد أعزنا الله بنهجهم، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
يهمهم الجميع مؤيدين الشيخ، فيما ترتسم علامات الحيرة على التاعس والناعس الذي يندفع مستفسرا.
وما الذي ورثتموه من الأجداد؟
يندفع الشاب الأول بحماس
أن يجمع الناس في صعيد واحد ويؤتى بغراب مقدس يحمله أكبر أهل المملكة ثم يدفع به في الجو ليحط على أحد الحاضرين فيكون ملكنا وسيدنا.
الجميع دون استثناء؟
الجميع.. الجميع دون استثناء.. الكبار والصغار.. النساء والرجال.. وحتى الغرباء أيضا.
يشرق وجه الناعس ابتهاجا ويصيح
ما أعظم هذا الموروث! لأجدادكم أعظم منكم وأذكى، والله الذي لا إله إلا هو، والذي نفسي بيده، ما وجدت طريقة عبقرية مثلها أبدا، أنتم مدرسة مدرسة عظيمة في تنظيم شؤون الحكم، لا بد أن تتمسكوا بإرث الأجداد، ولا بد أن تنشروه في العالم أجمع.
يقترب منه التاعس مندهشا، يسر في أذنه
مالك ياناعس تحولت خطيبا متحمسا هكذا؟ ماذا يعنيك أنت من أمرهم؟
اسكت يا تاعس.. أعدك إن صرت ملكا أن أجد لك عملا يستمر ليلا ونهارا.
يقطع الشيخ على الجميع كلامهم فينصتون إليه
أدعو كل سكان المدينة إلى الحضور الآن في صعيد واحد، فقد حان وقت إطلاق الغراب المقدس، وليخرجوا إلى هذا اليوم المبارك في زينتهم وأفراحهم، ليبارك الله مسعانا، ولتكن قلوبهم صافية ومشاعرهم تجاه الغراب طاهرة.
ينشط الناس في التوافد على المكان وقد تغير كل شيء فيهم، ومالوا إلى الصمت والتضرع بأدعية تتحرك بها شفاههم
بعد زمن يقف الشيخ في مكان مرتفع وبجواره شاب يحمل غرابا معصوب العينين، يتأمل التاعس المشهد في دهشة كبيرة، يسر للناعس
لو يقع الغراب علي لحققت حلمي في إقامة العدل بين هؤلا المساكين
ينتظر ردا من صاحبه الذي ظل يتابع المشهد، ثم يستمر في الحديث
وسأقضي على هذه العادة الخبيثة.
يلتفت إليه الناعس غاضبا
تصل بها إلى الملك ثم تقضي عليها لتحرم غيرك؟ يا لك من أناني.
وأنت ماذا تفعل حين تصل إلى الحكم؟
حين يختارني الغراب سأرسلك سفيرا.
يقبله التاعس بحرارة
الله ما أعظمك! ما أكرمك!
يتغير مزاج التاعس ويبدو عليه الغضب
كنت أنتظر أن تجعلني نائبك، رئيسا للوزراء
أنا أعرف ما يليق بك، أنت تصلح أن تكون سفيرا مفوضا فوق العادة
شكرا شكرا، أنت أخي حقا، أين تبعث بي سفيرا؟ في أي دولة؟
إلى جمهورية القبر.. وإن شئت إلى مملكة الجحيم.. اسكت اسكت للشيخ مايقول.
يتمتم الشيخ بكلمات غير مفهومة ثم يطلق الغراب.. تتعلق به العيون يرفع بعضهم أكف الضراعة.. يحلق الغراب لحظات ثم يقع رأس أحدهم ويعود الطيران لحظات ليحط على رأس الناعس.. ينظر الجميع إليه بدهشة منتظرين طيران الغراب دون جدوى، يحيط به الجميع يرفعونه ويهتفون
عاش الملك.. يحيا الملك.. عاش الملك.. يحيا الملك.. عاش الملك.. يحيا الملك..
يبتعد الجميع تاركين التاعس وقد سمرته الدهشة لحظات، يفطن فجأة فلا يرى أحدا حوله، ينطلق صائحا
ياناعس.. ياناعس.. ياناعس.. خذني معك ياناعس
لا أحد يرد.. يجهش بالبكاء الحار.. يجثو على ركبتيه
ما أحقر الدنيا! ما أحقر الصدف! أقضي معظم حياتي عاملا جادا وأبقى تعيسا.. ويقضي هذا الحقير معظم حياته ناعسا متطفلا لينصب ملكا عظيما؟
يرتفع صياحه
عليك اللعنة أيتها الحياة... عليكم اللعنة أيها الجبناء الأوغاد التافهون.. عباد الغراب
يسقط أرضا دون حراك
*****

اللوحة الثالثة

في قصر المملكة يظهر الناعس في زي الملك يجلس على عرش ضخم في تعال وأبهة..
حواليه يقف الجنود للحراسة مدججين بالأسلحة...
وأمامه يقف جمع من كبار القوم في صمت تام.
لحظات يدخل الشيخ وبيده أوراق وخلفه مساعدون، يركعون إجلالا للملك، يشير إليهم فيستقيمون.
يقف الملك يتجه إلى الشيخ بالسؤال
بما عدت أيها الشيخ؟
بكل ما يرضيك مولانا، لقد طبقت
تعليماتك حرفيا
أعدها علي من فضلك
بالنسبة للتعليم، غيرنا مناهجه ومواده جذريا، لن يتعلم أبناؤنا من الآن فصاعدا إلا فن المدح، نريد جيشا من الإعلاميين والشعراء والخطباء يتقنون فن المدح وقد رحبت الرعية بعبقرية مولانا وحرصه على مصلحة الأمة.
حفظ الله رعيتي لا نريد إلا مصلحتها
يشتد حماس الشيخ، فيشرق وجهه وينطلق كالخطيب وهو يلوح بيده شارحا
قلت لهم بالضبط ماقلت يامولاي، قلت لهم لا يجوز أن نرهق جيل المستقبل بناة الوطن وحماته بما يفسد عقولهم، كما لا بد أن نبعد عنهم التيارات الهدامة التي تدفعهم إلى الحقد والنقد وكثرة السؤال، المدح هو غايتنا وهو هدفنا، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
أحسنت أحسنت، والعمل
فعلا سيدي ومولاي، طبقنا تعليماتك حرفيا، لا عمل اليوم إلا في ساعات الصباح، الأمة بحاجة إلى التقارب والتحابب والتزاور، لتشتد ألفتها ومحبتها، العمل الكثير مجهد للنفس، مرهق للبدن.
سلمتم، سلمتم
الله ! لقد هلل الجميع لعبقرية مولانا
يصفق الجميع اعترافا بعبقرية الملك، ينسحب هو عائدا إلى عرشه، يجلس عليه متباهيا، يتناهى إليه أصوات ضجيج خارج القصر، فيصيح في الشيخ
كأني أسمع ضوضاء خارج القصر، ما الذي يحدث أيها الشيخ؟
يبتسم مطمئنا وهو يقترب خطوات من الملك
لا تهتم يا سيدي الملك، مئات من شعراء يتدافعون عند الباب علك تتكرم فتسمح لهم بمدحك يا سيد الملوك.
يشير بيده في غضب
اصرفهم لهم الويل، وهل أسمع إليهم كل يوم؟ لقد وصفوا كل شيء في، وكل عضو من أعضائي، ألا يشبع هؤلاء من الهذر، رغم أنهم لم ينالوا منا غير ابتسامات
لا يريدون سيدي إلا رضاك، رضاك غايتنا جميعا
يلهج جميع الحاضرين بصوت واحد كأنهم يتغنون
رضاكم، رضاكم، رضاكم رضاكم
يدخل عليه الحاجب راكعا، فيسكت الجميع ويلتفتون إليه
سيدي ومولاي.
يشير إليه الملك بالرفع من ركوعه
زائر سيدي
يهتم الملك للأمر، يعتدل في جلسته، يعدل تاجه
من أهل رعيتي؟
يقاطعه الشيخ الذي كان يجلس في مكان قريب منه
كل الرعية قدمت تهانيها وولاءها سيدي ومولاي.
من هو إذن؟
رفض أن يعرف بنفسه...
يقف الملك غاضبا
هل يجرؤ اللعين؟
في البداية سيدي ثم...
ثم ماذا؟
ثم.. ولكنه يا سيدي...
انطق عليك اللعنة.
نعم سيدي...
يضطرب الحاجب وتخون العبارات
و.. و.. و.. و.. و......
يشتد غضب الملك فيصيح في حراسه
اقتلوا الزائر والحاجب.
يهرع إليه الحراس، غير أن الحاجب أسرع يقاطعهم
لقد ادعى يا مولاي أن سيدي الملك ظالم
يوقف الملك بإشارة من يده اندفاع الحراس ويسأل الحاجب مرة أخرى
هل يجرؤ اللعين؟
وزعم ياسيدي أن ما فعلته ضد المتمردين جور وطغيان.
الويل لهذا الأفاك.
وأنك دعي متطفل لا تفقه شيئا.
وبماذا أجبته؟
أكدت له يا سيدي أنك أعظم الخلق.. وأنك أحكمهم.. وأنك أرحمهم.. وأن ما فعلته من قتل المتمردين الأوباش هو عين الرحمة والعدل،
فقط؟
وأكدت له يا سيدي الملك أن الغراب المقدس أعرف بمصلحتنا منا، وأن اختياره لملكنا الجديد إلهام من الله العلي القدير.
أحسنت لك رضانا
ادخل هذا الزائر اللعين
يخرج الحارس ويعود بعد لحظات بالتاعس الذي يقف وسط الإيوان وقد بدت الدهشة عليه.. يتأمل صاحبه وقد تغير كلية.. يفرك عينيه يومئ إليه الجندي بالركوع فيركع يواصل الملك حديثه غير آبه بصاحبه، يتجه الملك بالحديث إلى الشيخ
وما رأيك أيها الشيخ الحكيم؟
لاحكيم غيرك يا سيدي..
لقد تجرأ هذا الغريب وطعن في ملككم
الولاء لك ياسيدي، الطعن في الملك طعن في الغراب
يضج الجميع مستنكرين، ويستمر التناوب بينهم وبين الشيخ كأنهم في حضرة إله جبار
نعوذ بالله من الطعن في الغراب.
والغراب يا سيدي هو أول حكيم علم الإنسان ما لم يعلم.
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.
لقد عجز الإنسان أن يستر عورته فعلمه الغراب.
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.
وعلم الغراب لادني.. علم الغراب وحي من عرش الله.. الغراب أول من أوحي إليه
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.
الغراب لا ينطق عن الهوى.
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.
وقد اتخذناه هادينا على مدى الحقب.
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.
يتأثر الملك بما يسمع فيندفع بحماسة
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.. أقيموا للغراب في كل زاوية من المملكة تمثالا عظيما..وهذا أول تمثال أقيمه في قصري..
يكشف الغطاء عن تمثال غراب عن يمينه
واتخذوا من يوم تنصيبي ملكا عليكم عيدا أسموه عيد الغراب، وازرعوا حبه في القلوب.. وأعلنوا أني خصصت صندوقا أسميته صندوق الغراب يضع فيه كل فرد من الرعية نصف مدخوله
غمغمة استنكار وسط الجميع، يضرب الملك بعصاه على الأرض، فيسكت الجميع
هل أسمعكم؟
يرد الشيخ مسترضيا
لا حكيم غيرك سيدي.
يتدخل شاب مقاطعا
ولكن ياسيدي الملك.
يشير الملك بعصاه للشاب غاضبا
جزوا رأس هذا المتمرد اللعين.
يجر بعض الحرس الشاب، فيلهج الجميع بالولاء في صوت واحد مرتفع
الولاء للغراب.. الولاء للغراب.. عاش الملك.. يحيا الملك.. عاش الملك.. يحيا الملك.. عاش الملك.. يحيا الملك..
يبتسم الملك رضى بما سمع، فيشير إليهم بالانصراف
أما الآن فيمكنكم الانصراف..
ينصرف الجميع فيما يبقى التاعس مندهشا لا يحرك ساكنا كتمثال بارد
ما رأيك يا صديقي العزيز؟
يلزم الصمت ولا يرد.. يشير إليه بيديه ثم يخضه
قل لي.. ما رأيك يا صديقي؟
يستمر في دهشته وهو ينظر إلى أبهة القصر
ولكن هذا مستحيل مستحيل يا صاحبي.. مستحيل.
ليس هناك مستحيل يا صديقي، كل شيء ممكن، والمستحيل وهم نضعه قيدا في أعناقنا.
هل يمكن للإنسان الناعس المتطفل الفاشل أن يصير ملكا؟
وهــا أنت ترى.
يأمر وينهى؟ وتحنى له الرؤوس وتسجد له الجباه؟
وهــا أنت ترى.
لا أكاد أصدق يا ناعس، لا أكاد أصدق.
ولماذا لا تصدق؟
الملوك عظمة وعبقرية وسمو كأنهم من جنس الملائكة؟
ومن أدراك يا تاعس؟
نراهم جميعا هكذا، كل الناس يرونهم هكذا.
لأنكم تعساء يا صاحبي، الرعية.. دائما تعيسة.. وبتعاستها ترى العظمة في هؤلاء.. ولكن تأكد أنه لا أتفه من الملوك.
وعلام عزمت في حكمك هؤلاء التعساء؟
يضحك الملك مقهقها، وهو يربت كتف الملك
لقد بدأت في استعبادهم.. سأمعن في إذلالهم وإهانتهم حتى أحولهم كلابا تُجوَّع وتهان لتتبع وتطيع.
أما لو حكمتهم أنا، آه لو حكمتهم؟
يعض يده متأسفا
وما عساك تفعل؟
سأملأ البلد عدلا.. سأحارب الظلم وأشيع الخير والمحبة والفضيلة.. سأفرغ خزائن المال وأوزعه على الرعية كلها.. كلها.. سأحول الجميع إلى جيش من....
لو أراد الله لهم خيرا لوقع الغراب عليك يا صاحبي.. أما مادام قد وقع علي فإن قدر الله قد سبق بعقابهم وهلاكم.
ولكن جزاء الإحسان الإحسان.. وهم نصبوك عليهم ملكا.. رفعوك مكانا عليا لم تكن تحلم به أبدا.
أنت مخطئ يا صاحبي.. إن الذي نصبني ملكا هو الغراب.. وأمة تؤمن بالغراب وتفوضه في اختيار حاكمها أمة ليست جديرة بالاحترام..هيا هيا نخرج لأعرفك على رعيتي وأكشف لك بعضا من طغياني وجبروتي هيا.
يهمان بالخروج.. عند الباب يتراجع التاعس
لم نكصت على عقبيك ياصاحبي؟
غاضبا وهو يصيح
قلبي يرفض ظلمك وطغيانك.
ويحك ماذا تقصد؟
لن أسكت عن ظلمك، الساكت عن الحق شيطان أخرس
ثم ماذا؟
وأنك مجرد ناعس، تافه، متطفل.
أرجو ياصاحبي أن تؤجل فكرتك إلى وقت لاحق وأنصحك لا تتعب نفسك لأنك خاسر
ولماذا أؤجلها؟
من الغد سأمنحك فرصة لتكون ملكا عليهم، وأرجو أن تطبق فيهم إصلاحك، ولننظر النتيجة.
يندهش التاعس فتجحظ عيناه، يقترب من الملك.
هل أنت صادق سيدي الملك، أشكرك أشكرك
يتمتم الملك بكلمات لم يسمعها التاعس
فجأة صرت سيدك الملك أيها التافه، سنرى
ماذا قلت؟ تحدث نفسك؟
لا شيء، لا شيء.
يتمتم التاعس بكلمات لا يسمعها الملك
لا شيء لا شيء، سأعصف بك قريبا، هذه الأمة لن تبقى نائمة
بماذا تتمتم؟
لاشيء، لا شيء
إذن، دعنا نذهب الآن، سنبيت معا، منذ الغد أنت ملك هذه البلاد وسيدها
يدخلان من باب خلفي
*****

اللوحة الرابعة

القصر ذاته، غير أنه تخلى عن كثير من مظاهر الزينة، بدا العرش كرسيا عاديا، وبدا الملك دون صولجان ولا تاج.
جمع من الوجهاء يقف قريبا منه سكوت مطأطئي الرؤوس كأن هما شديدا ألم بهم.
يدور الملك جيئة وذهابا وقد بدا عليه الإحباط الشديد، يضرب جبهته أحيانا، يزفر أحيانا أخرى.
تتعالى الأصوات من خارج القصر متقطعة ترتفع أحيانا وتخفت أحيانا أخرى، تصل بعض عباراتها إلى الآذان
الغراب هو
العمل
فليسقط
يحيا الملك... يحيا الملك
نريد إسقاط
يتوقف الملك وسط الحاضرين لحظات يمطط شفتيه قائلا
أيها الإخوان أنا في حيرة من أمري، أردت لهذه الأمة الخير، أردت لها الرقي والتقدم، أردتها أن تكون في طليعة الأمم جميعا، وأنتم تعرفون أن ذلك لن يتحقق إلا بطريقين اثنين لا ثالث لهما: العلم والعمل، وهما أخوان متلازمان حتى في نوع الحروف، أما الكسل والجهل فلا يؤديان إلا إلى التخلف، وماكنتم فيه هو الضلال المبين كنتم تلهثون خلف السراب، خلف الأوهام خلف القشور.
يلزم الجميع الصمت، يتوجه الملك إلى الشيخ بغضب وقد رآه مطرقا
قل تكلم أيها الشيخ الحكيم، لم أنت ساكت أخرس، ما رأيك؟
الغراب يا مولاي
ياقوم هذه خرافة، عقولهم أرقى وأسمى من الغراب، إن هو إلا طائر بليد
يضج القوم بالاستغفار وقد بدا عليهم الغضب
أنتم ياشيخ تختارون قائدكم بعقولكم
أستغفر الله العظيم، بل يختاره الغراب يا مولاي.
لا تقدم لكم إلا بالعلم والعمل
أعزنا الله بالغراب يا مولاي فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله
ولكن يا شيخ، ولكن ياقوم
نحن لن نخون أجدادنا، ستبقى على نهجهم أبد الآبدين، عليه نحيا وعليه نموت وفي سبيله نجاهد وعليه نلقى الله
هل توافقونه ياقوم على ما يقول؟
يسكت الجميع فيتشجع شاب منهم
إن أردت أن تكون منا فعليك أن تقرأ موروثنا وتحسن عقيدتك المنحرفة، وتترك ما أنت فيه من بدع وخرافات
يندفع إليه الملك غاضبا
ماذا تقول يا أحمق؟ ما ذا تقول؟ لك الويل والثبور
تتعالى الأصوات من خارج القصر بشكل مزلزل ولكنه منسجم ومتناغم
نريد إسقاط النظام، نريد إسقاط النظام، نريد إسقاط النظام....
يهرع الملك إلى الباب وقد هزته المفاجأة، يدور في هياج ساعيا بين الباب ومن حوله، لحظات يدخل عليه الناعس في كامل زينته، وقد لبس التاج وحمل الدرة الذهبية، يركع له الجميع، وتسكت الأصوات من الخارج، يشير لهم بيده ليرفعوا من ركوعهم، يهرعون لإعادة الأبهة إلى القصر، خاصة عرش الملك المحاط بالحراس، يجمد التاعس في مكانه يتابع المشهد، يحييهم الملك بيده
شكرا لوفائكم يا شعبي العظيم، شكرا لوفائكم
كدنا نختنق ياسيدي، شعبك يطالب بإعادة الشرعية إلى الحكم، لقد أحس أن حريته قد سلبت منه، كدنا نتحول إلى عبيد، إلى آلات منتجة
لقد ولى عهد العبودية إلى الأبد، فلتنعموا يا شعبي العظيم بالحرية، إكراما لوفائكم وإخلاصكم أمنحكم أسبوعا من الراحة، غنوا فيه وارقصوا وروحوا عن نفوسكم، فإن النفوس إذا كلت عميت.
يتقدم التاعس إلى الملك وعلى وجهه حيرة شديدة، يهم بالحديث غير أن الملك يعترضه مقاطعا
قد أذنت لكم في الانصراف أيها الأوفياء، انصرفوا انصرفوا
ينطلقون يغادرون القصر وقد علتهم البهجة، يوقف الملك الشيخ
وزع على شعرائنا ما يسرهم ويكفيهم من بيت المال
حاضر مولاي الملك حاضر
ينصرف الجميع فلا يبقى إلا التاعس والناعس، ينطلق قريبا من العرش قائلا:
ماذا أرى يا صديقي الناعس، ماذا أرى؟
يغضب الملك ويثور في وجه الناعس
احترم نفسك والزم مكانك بعيدا، أنا جلالة الملك
حاضر حاضر جلالة الملك، أفهمني ما الذي وقع للناس؟
سأخيرك بين أمر من ثلاثة، إما أن تهجر هذه البلاد إلى غير رجعة، وإما أن تخرج إلى الشوارع وتنادي فيها، نريد إسقاط الشعوب، وإما أن....
يتردد الملك زمنا في الحديث متأملا التاعس ثم يواصل
وإما أن، وإما أن أقتلك
يندفع التاعس ثائرا في وجه الملك
بل لن يهنأ لي بال حتى أقضي عليك، وأعيد الحق إلى نصابه
إذن أنت حسود لدود، لقد جنيت على نفسك
يصرخ طالبا الحراس
أيها الحراس.
يقبل الحراس سريعا مدججين بالسلاح مرددين بصوت واحد
لبيك مولانا لبيك سيدنا، بالروح بالدم نفديك، بالروح بالدم نفديك.
يصرخ فيهم التاعس محرضا على الملك
لا تأمنوه، إنه مجرد لص حقير، مجرد ناعس متطفل مخادع.
يلقي عليه الحراس القبض تحت صراخ الملك، واستجابة الحراس بصوت واحد
جروا هذا اللعين إلى السجن.
لبيك مولانا لبيك سيدنا.
وفي الغد جزوا رأسه أمام الملأ ليكون عبرة لكل المغفلين.
لبيك مولانا.. لبيك سيدنا.
يصرخ فيهم التاعس وهو يحاول التملص من قبضتهم
مالكم هل انقلبت الدنيا ياقوم؟ هل انقلبت الدنيا؟
يقهقه الملك قائلا:
ياله من حسود غبي! ومتى استقامت الدنيا؟ متى استقامت الدنيا متى؟ متى؟
ينتبه التاعس إلى نفسه، ينظر في اتجاهات مختلفة قائلا:
صدقت، صدقت، ومتى استقامت الدنيا؟
ينفلت التاعس من بين أيديهم وينطلق مبتعدا، يسير كجندي سيرا صارما مرددا
النظام يريد إسقاط الشعوب، النظام يريد إسقاط الشعوب
ينطلق خارجا، وخلفه يندفع الحرس وقد أشار إليهم الملك أن لا يلمسوه، في حين ينطلق الملك إلى باب جانبي مرددا وهو يضحك:
أههه، لقد جن الرجل، النظام يريد إسقاط الشعوب، النظام يريد إسقاط الشعوب
خارج القصر تتعالى الهتافات معلنة فرحها بعودة الملك
*****

من أعمال الأديب الروائية:
1. الفراشات والغيلان
2. سرادق الحلم والفجيعة
3. راس المحنه 1+1=0
4. الرماد الذي غسل الماء
5. حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر
6. العشق المقذنـــــــــــــس
ومن أعماله المسرحية:
1. الأقنعة المثقوبة
2. البحث عن الشمس
3. النخلة وسلطان الميدنة
4. التاعس والناعس
5. الفجاج الشائكة
6. حب بين الصخور
7. هستريا الدم
8. أحلام الغول الكبير
ومن أعماله النقدية:
1. النص المسرحي في الأدب الجزائري
2. المسرحية الشعرية ي الأدب المغاربي المعاصر
للاتصال بالمؤلف
djelaoudji@yahoo.fr
772359314 (00213)
0550443030 (00213)

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
عزالدين جلاوجي التاعس والناعس مسردية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: