كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  مقاربة الحقول الدلالية لديوان: "مواقد الروح " للشاعر عبد العزيز أمزيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1792
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: مقاربة الحقول الدلالية لديوان: "مواقد الروح " للشاعر عبد العزيز أمزيان   الثلاثاء مارس 18, 2014 2:58 am

مقاربة الحقول الدلالية لديوان: "مواقد الروح " للشاعر عبد العزيز أمزيان
من خلال الحقول المعجمية.*

عتبة:
"مواقد الروح"، الباكورة الشعرية الأولى للشاعر المغربي عبد العزيز أمزيان، والذي كان لي شرف تقديمه. يتكون الديوان من 67 صفحة، من الحجم الصغير. هو من صنف كتاب الجيب، ويتضمن 27 عنوانا، كلها وردت بصيغة الجمل الاسمية، أو شبه جملة..باستثناء عنوان واحد جاء جملة فعلية: "أحضن وهجي". فإذا كان الاسم يدل على ما هو ثابت وقار، والفعل يدل على الحركة والصيرورة..وهيمنة الجمل الاسمية على الجمل الفعلية يشي بطبيعة الشاعر التي تبدو أميل إلى الهدوء والسكون اللذان يشكلان ركنان أسياسيان من أركان التوحد والتأمل والتعايش مع الواقع في كل أبعاده..ولعل قارئ ديوان "مواقد الروح" سيلمس هذا البعد بوضوح، ففي قمة الانفعال تأتي القصيدة هادئة، وفي قمة المعاناة، تنبثق روح التفاؤل.
علاقة الشاعر بالشعر:
ليس من باب الصدفة أن يختار المبدع جنسا إبداعيا جسرا يعَبِّر فيه، ومنه، وبه عن ذاته، بهواجسها وأحلامها ورغباتها وتطلعاتها وانكساراتها ورؤاها..فالإبداع طريقة تمكن المبدع من رتق صدوع ذاته الواعية وغير الواعية، إنه وسيلة لإعادة التوازن والتوافق والانسجام بين الذاتين في بعديهما الوجودي المعقد. ويكشف لنا الحقل المعجمي طبيعة العلاقة القائمة بين الشعر والشاعر عبد العزيز أمزيان الذي يستعمل مترادفات تحيل على الشعر أكثر من استعماله للفظة الشعر في حد ذاتها والتي وردت (مرة واحدة) في الديوان، ولفظة شاعر (03 مرات)، النغم (مرة واحدة)، القصيدة (05 مرات)، الأهازيج (مرة واحدة)، اللحن (04 مرات)، الحروف (03 مرات) الكلمات (05 مرات)، النشيد 12 مرة). كما أن الديوان يتضمن نصين يحيلان على الشعر وهما: الأول: "إلى شاعرة". والثاني: "إلى شاعر". ومن خلال قراءة سريعة للحقل المعجمي، نلاحظ أن الشاعر يميل إلى استعمال كلمة "النشيد" للدلالة على الشعر أو القصيدة، وهي كلمة توحي بالتفاؤل والامتلاء بالحياة..فالنشيد وسيلة للتعبير تتجاور فيها الكلمة الملتزمة باللحن الحماسي، فيكون الأمل حتى في أقصى حالات الألم. والنشيد لا ينشد إلا جماعيا، وكأني بالشاعر يدعوننا لمشاركته قصائده، وترديدها معا، والاستمتاع بأنغامها..
يتلون الشعر بألوان نفسية الشاعر ورؤيته، ووجدانه، فتبدو القصيدة نور، وهج، يتدفق من أعماق الشاعر، وفيها، ليضيء هذه الأعماق، ويجعلها أكثر إشراقا وتوهجا، ويبقى هذا الوهج نتاج معاناة عميقة تستوطن ذات الشاعر وتحرك رمادها..وتكون القصيدة لحظة خاطفة تسمح للشاعر بالتخلص من شحنة الألم. فما بين ديمومة الحزن، وإشراقة القصيدة يتجدد مصير الشاعر:
ها أنا أحضن وهجي
في كلمات تحشد الأحزان
تشعل نجومها روحي
بهنيهات وامضة
(قصيدة: أحضن وهجي. ص. 17).
تتعمق معاناة الشاعر وتأخذ بعدا مأساويا حينما يعبِّر الشاعر عن شروخ الذات وتمزقها بين واقع صعب وقاس ومحبط، وبين واقع القصيدة الجميل والرحب والواعد، فتعمل الذات على اقتناص اللحظة المنفلتة لتعيش ألقها، وتستعيد بريقها، لكن الذات تعجز على الاندماج في اللحظة، فتصاب بالإخفاق. يقول الشاعر في أسلوب أميل إلى الاستغاثة منه إلى الاستفهام:
كيف أرقص على جمر
يحرق أصابعي؟
كيف أدفن موتي
في رحيق الكلمات؟
(قصيدة: شظايا على الرحيق. ص. 20).
زتتحول القصيدة في أوقات كثيرة من زمن الكتابة الشعرية إلى أغنية أبدية تمنح للشاعر مبررا لمواصلة الكتابة وإدمانها، إنها تختزل تاريخه الشخصي وتختزله، تربطه بماضيه، تشعره بكينونته وحضوره، تمنحه أملا وهدفا لمواصلة الحياة، وهي أيضا من يمكنه من الارتباط بالعالم، تشعره بامتداداته اللامتناهية في كون لا متناه:
اللحن يسافر في الكون
كشعاع
يمشي في مفاصل القصيدة
كنزق
يوقد الكلمات من تخوم الذاكرة.
(قصيدة: نزق اللحن. ص. 53).
ويبقى الشعر في نظر الشاعر الوطن البديل الذي أوجده الشعراء ليحققوا فيه وجودهم الأمثل، ربما لأنهم لم يجدوا وطنا يأوون إليه، يحضنهم، يحتفي بهم:
ونمسي وطنا
يرسب قصائده
ويزرع بذورا
لشعر يغفو في جفون الشعراء.
(قصيدة: إلى شاعر. ص. 58).
علاقة الشاعر بالمدينة:
رغم أن المعجم الذي يحيل على المدينة وما يرتبط بها يحضر بشكل متواضع..فكلمة المدينة والإسمنت والأرصفة والدروب، تتردد (16 مرة)، إلا أن المدينة حاضرة في تجربة الشاعر، وتبقى العلاقة بينه وبينها متأرجحة بين القبول والرفض، بين التواصل والانفصال.
إذا كانت المدينة في الشعر العربي الحديث تحضر باعتبارها فضاء يحيل على الغربة والضياع والعزلة، فضاء يقتل إنسانية الإنسان ويُشيئه..فإنها بالنسبة للشاعر فضاء مشرق وملهم، فضاء للبعث والتجدد والولادة المتكررة:
صباح الخير
يا مدينة حطت أوارها في رحلي
في خطو الشمس
وأرسلت فتيل الشمع
....
أخدش وجه مركبي في عاصفة الرماد
فأولد من رحمط
رمحا وملاكا.
(قصيدة: البيضاء..مدينة القبس. ص 69).
وقد تتحول المدينة أيضا إلى فضاء يبعث على النفور، والقلق، فضاء يخنق، يأخذ كل ما جميل:
وجه السماء حزني
يلاحقني ضجيج المدينة
كقطار يرسم أنفاق سحائب
في ذاكرتي المتعبة
ودوائر لظلال روحي
كأغصان نهر مائلة
تطوق تيهي.
(قصيدة: دوائر الطين. ص. 39)
علاقة الشاعر بالبحر:
يبدو أن الشاعر عبد العزيز أمزيان يسكن البحر، أو أن البحر يسكنه، أو ربما هي علاقة جدلية بينهما، وحدهما من يفهمانها، السحر الذي يمارسه البحر على الشاعر لا تخطئه العين، والإحساس، فلا تكاد تخلو قصيدة من لفظة لها علاقة بالبحر، أو توحي به. وردت كلمة القوارب، والزوارق، والسفن، والشراع، والمجاديف، والمراكب (16 مرة). وكلمة العباب، والموج (16 مرة)، وكلمة البحر (11 مرة)، واستعمل كلمة المراسي (مرة واحدة)، والسباحة (مرة واحدة). وقراءة سريعة للمعجم نستنتج أن البحر شكل جزء أساسيا من تجربة الشاعر، إنه لا يلقي بنفسه فيه، بل يكتفي بتأمله، متتبعا حالاته وتحولاته، يراقب الحياة التي ينبض به، ويحضنها، هو أيضا مصدر إلهامه، هو من يسند طاقته الإبداعية ويرفدها، هو من يشحنها لتفرغ في القصيدة:
كيف أطوي سفنا
سكنت بحوري؟
كيف أمدّ جرحي
جسرا لعبير الروح؟
كيف أشرع جسدي
لفرحة النوارس
تأتيني حالمة
تحفني بريشها
تترك الضوء
في معصمي
ثم تهيم في رذاذ عطر الزبد.
(قصيدة: شظايا على الرحيق. 20/21).
على شاكلة هذا التعبير الغني بالإيحاء، وباعتماده بالصور الشعرية المركبة، يعبر بنا الشاعر الحدود الفاصلة بيننا وبين البحر لنراها بعيون الشاعر. ففيه يكمن مبدأنا ومنتهانا.
علاقة الشاعر بالكينونة:
تشكل تجربة الكينونة بؤرة مركزية في تجربة الشاعر، وعلى امتداد الديوان، تعلن عن حضورها. فتيمة الكينونة أشبه بالخيوط التي تلف النصوص لتجعل منها شرانق تحتاج إلى وقت لتغادر شرانقها، وتعرض أجنحتها للضوء، ثم تحلق بنا في فضاء المعنى. هذا ما يفسر الحضور المكثف للمعجم المرتبط بكلمة الروح (30 مرة)، واختار للديوان عنون "مواقد الروح" وتحضر مفردة الروح في عنوانين: نسائم الروح، وأرواح على صهوات العمر. إضافة إلى معجم آخر مرتبط بالكينونة في بعدها المتحول حيث شكلت الرغبة في الغياب والتلاشي عمودا لتجربة الكينونة هذه، فمفردة السفر تتردد (16 مرة)، والرحيل، وما يحيل عليه كالمشي، والمضي، والمسافات..(33 مرة). والديوان يزخر بالقصائد التي تتضمن وقفات تأملية ووجودية. فالذات الشاعرة تقف متحيرة وقلقة وهي تبحث عن صفائها الروحي والوجودي:
أرواح على صهوات العمر
في مرايا الروح
أتمزق كزورق من خشب
وأعود أنشد صفوي
في ملاك يسكنني.
(قصيدة: نشيد الصفو. ص. 52).
هكذا تبدو الذات منفلتة في الزمان والمكان، وهي تسافر وترحل في كل الاتجاهات، وتمشي كل المسارات ساعية لاستكناه جوهرها، واستعادة ما يهرب منها ساعة الصحو، وساعة السهو. أما أشياء الكون وعناصره فأنها تحيد عن وظيفتها التي من أجلها وجدت، وتتحول إلى عناصر تلهم، توحي، تصطبغ بألوان عوالم الشاعر الباطنية ربما وجد فيها تفسيرا أو معنى للرحيل الذي لا يتوقف لروحه. فالشمس تغير لونها، وتسفر الشاعر إلى عوالم مدهشة، إنها تعيد خلقه من جديد كائنا هلاميا يتشكل بحسب ما يتماهى به:
ها هي ذي زرقة الشمس
تشعل روحي بمواقد التيه
أرفرف كنبع مطر
ينهمر على السهوب
في كفي
فأومض كوجنة ورد
كلوح يتهاوى في بركة ماء.
(قصيدة: مجاديف على الماء. ص. 31).
علاقة الشاعر بالحياة والموت:
تحضر تجربة الموت والحياة في "مواقد الروح" بعمق ملقية بظلالها على النصوص، حيث تتجلى رؤية الشاعر إلى الوجود في تجلياته وغموضه، في بساطته وتعقيداته، في ظاهره وباطنه..فحضور مفردات الموت وما يرتبط به كالاحتضار والمراثي (11 مرة)، في مقابل مفردات الحياة (مرة واحدة)، قد يولد لدينا الانطباع بأن الشاعر ينظر إلى الحياة نظرة سوداوية ومتشائمة، لكن عندما نتأمل المعجم المرتبط بالبعث والتجدد والإشراق تترجح الكفة لصالح التفاؤلية..فالشاعر قادر على تجاوز حالات القلق واليأس اللذان يطفوان بين الحين والآخر على سطح القصيدة. هكذا تتكرر لفظة الريح (23 مرة)، والماء وما يحيل عليه كالسحاب والمطر والندى..(78 مرة)، والمعجم الذي يحيل على النور والإشراق كالشمس والنهار والشرارة (31 مرة)، ومعجم الطبيعة من طيور وأزهار وأشجار..ونذكر ـ ها هنا ـ أكثر عناصر الطبيعة حضورا: الرحيق وما يتعلق به كالعطر والعبير..(20 مرة)، الشجر وما يرتبط به كالأوراق والجذور (28 مرة)، والورد ومشتقاته (25 مرة).كثيرة هي التساؤلات التي تطرها قصائد الديوان تتعلق بالمصير والقدر..
أين ترحل عصافير الشمس
حين نشيخ في بيادر الحصاد؟
وأين تداس حنطة أجسادنا؟
حين تدركنا أرصفة رحى الطين؟
(قصيدة: ارتعاشات العمر. ص. 55).
وتبقى إرادة الحياة والعيش والاستمرار لا تنكسر، إن الشاعر يظهر إصرارا كبيرا على تحدي الموت لتنتصر الحياة:
لن تسقط في عفن الموت
لن يحنطك احتضار المسافات
رغم الأنين.
قصيدة: أرواح على صهوات العمر. ص. 55).
خاتمة:
حاولت في هذه القراءة أن أنطلق من الحقول المعجمية في محاولة للكشف عن الحقول الدلالية. إيمانا منا بأن اللغة الشعرية بكل أبعادها، المركب الآمن لسبر أغوار المعنى الذي يبقى على الدوام في حالة انفلات، ولا يمكن لأي قراءة أن تدعي الإمساك به، حسبها أن تحاول فحسب. ولعل هذا المقطع الذي اجتزأته من قصيدة" "مواقد الروح" يشكل نموذجا لتجاور المعجم الذي عبر عن حضوره القوي في الديوان كالروح والسفر والسحب والريح والبحر وغيرها:
امتداد الروح
يطوي مسافات العمر
أوراق وعصافير
تتوق سحب في عينيه
مواقد الريح
للبحر في ذاكرته
هواجس
تسأم
من أشرعته المنكسرة.
(قصيدة: مواقد الروح. ص. 73).
ويبقى الشاعر عبد العزيز أمزيان، يعاند قدره بقوة الإرادة، متيقنا أنه المنتصر دوما مهما قسا الواقع:
لن أترك زلازلي
تسبقني إلى ارتجاجي
سأهزم أنيني
سأعصر حزني في طواف العمر
سأرقص مع النوارس.
(قصيدة: نوارس أحلامي. ص. 13).
المصطفى فرحات
ابزو: فبراير 2014
...........................................................................................................................
* ألقيت هذه القراءة بثانوية فاطمة الزهراء بالدار البيضاء يوم 14/03/2014. بمناسبة توقيع ديوان "مواقد الروح" للشاعر عبد العزيز أمزيان والاحتفاء باليوم العالمي للشعر.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
مقاربة الحقول الدلالية لديوان: "مواقد الروح " للشاعر عبد العزيز أمزيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: