كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفنان جبران الشداني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الفنان جبران الشداني   الأربعاء فبراير 19, 2014 7:39 am



الفنان
جبران الشداني

مهما قالوا عن الحب و الفضيلة ، لا أرى حبا اكبر من حب الحياة ذاتها ، و لا أرى فضيلة اكبر منكره معشر الأحياء ، لقد عشت أكثر من كل هؤلاء ، بما لا يقاس ، و كنت أحب صنع هذه الدمى المتحركة ، المتكلمة ، ذات القدمين الاثنتين ..التي تشبه في كل شيء عالم البشر ،ثم القيها بعد ذلك كيفما اتفق ، في أي اتجاه ، و في أي مكان مررت به في أسفاري الطويلة ، و كنت أعود أحيانا لنفس المدن و القرى التي زرتها سابقا ، فأراها قد اختفت دون أن تترك أثرا يدل عليها في غيابها ......
فصنعت دمى أخرى ، تبحث عنها و تعيدها لمكانها الأول ،و لم يكن لهذا أية علاقة بحبي للأمكنة ، فكل العالم بالنسبة لي ليس أكثر من رف صغير ، أحب ان أرى فيه ما صنعت ، حيثما قدرت انه يجب أن يكون ، و كثيرا ما سألني الناس عن سري و أمري ، فكنت أجيبهم بما تقدر عقولهم على احتماله ، لأني لا أرى حكمة في اطلاع الغوغاء على أسرار مهنتي التي لا يفهمها غيري .
و كيف يفهمونني ، و أنا اكره اللوحات المعلقة ،و لا انتشي إلا برؤية ريشتي تعبث في نسيج الحياة المتدفقة ،لقد أحرقت بيوتا بكاملها في غفلة عن أهلها ، لأتملى برؤية الإنسان في مواجهة موته ، و أقمت حروبا بأبطالها و أشلائها ، فلم أجد لها ذكرا في كتب الفن ، و انما عثرت عليها بين بيانات التاريخ و أوراقه ، و أمرت الموج أحيانا كثيرة بان يثور ضد قرى الساحل و الجزر الصغيرة ، فلم تتحدث عن ذلك غير نشرات الطقس ..
ها أنا اليوم أيضا ، اصنع أكثر من دمية ، و انظر بحزن سرمدي لعالم البشر ، و أفكر في الساعة التي أحقق فيها وعدي بالنهاية ، أليس لكل عمل فني نهاية ؟ .. رغم اقتناعي بان الجميع ساعتها لن يفكروا إلا في قبعاتهم الخاصة ، و أن أحدا منهم لن يتوقف أبدا لتأمل هذا المشهد الفريد ..لعالم ينتهي ..


يقدم لنا الأديب جبران الشداني أقصوصة تختلف عن كل ما كتبه.. وهي أقصوصة(الفنان).. ولكنها تحمل دلالات كثيرة، وقد وظف فيها إيديولوجيته ، ومنظومته الفكرية. وبالتالي أصبحت لحمولتها الفكرية الخفية من الكتابات النويزيبل ، المشوشة nuisible، والتي تتطلب مجهودا فكريا عند قراءتها...
والسؤال الذي نستهل به ولوجنا لأقصوصة المبدع جبران ، هو :لم الفنان؟.. ماذا يقصد جبران بهذا العنوان؟.. ما هي خلفياته؟... ماذا يخفي وراءه؟...كيف ينظر جبران من خلال هذا العنوان إلى الزمان والمكان؟.. ما نوعية النفسية التي يخفيها جبران وهو يكتب الفنان؟...
عندما نتتبع مسار الأديب جبران الشداني، ونقرأ بعضا من سيرته، نجد ان نفسيته تعاني الغربة، والحنين...ولذا نفسيته مرهونة بنظرة الآخر إليه، ونظرته للآخر...
العنوان يحيلنا إلى أن النص يتكلم عن شخص غير عادي.. شخص يمتاز بالخلق والإبداع والتميز...إنه فنان تختلف نظرته عن نظرة الإنسان العادي.. شديد الحساسية...
هكذا يعرض لنا الأديب جبران صورة هذا الفنان ، وهو في حالة تفكير، وتداع،ومناجاة... وتساؤل.. حول الحب والإنسان، والمحبة، والموت، والوجود، والحياة، والفن...
وهذه الأمور التي يتساءل فيها بوعي فلسفي، ونظرة عقلانية، هي من محركات هذا الوجود...
إنه نوع من التفلسف الشفاف، الذي يجعل من هذه الأقصوصة نصا تأمليا.. وأقصوصة فلسفية تنحو نحو الوجودية والعبث...
إن هذا الفنان شخص مثالي.. له نظرته الوضعانية المختلفة عن نظرة الإنسان العادي... يجد نفسه فجأة في أزمة.. يمكن اعتبارها أزمة قيم.. وأزمة فكر... من خلالها نستشف السؤال الخفي العريض (لم أنا موجود في هذا الوجود)...؟ هل هي نوع من الغربة النفسية، والوجودية يستشعرها هذا الفنان، فتدفع به إلى الخلق والتساؤل؟...
لكن.. سؤاله لن يزيد الأمر إلا تعقيدا.. وتأزما.. خاصة عندما يكتشف أن ذاته مرهونة بهذا الوجود...وأن فنه سبب في هذا الوجود... وهنا تتعالى ماشوسيته، ويتعالى شعوره بالألم والضيق،...فهل هي نوع من النيرفانا؟.. هل هي نوع من حب تعذيب النفس؟...
أمام هذا الشعور ، وأمام القلق المتولد تسقط كل القيم.. وتنظر النظرة إلى الإنسان باعتباره قيمة وجودية.. فيتحول الإنسان إلى دمية تحركها قوى يسكت الكاتب/ الفنان عن تحديدها.. وهنا يتبادر السؤال:
- هل الإنسان في هذا الكون مخير أم مسير؟...
- هل الإنسان مسؤول عن خياراته، وحركاته، وتصرفاته، واختياراته؟..
- ما مصير الإنسان في عالم انمحت منه العلاقة الإنسانية؟..
إنها حالة من الحيرة، والقلق، والعدمية، يجد فيها الفنان نفسه.. حالة لا تتعالى فيها انهزاميته، وغربته، وقلقه...
ماذا رأى هذا الفنان حتى كانت ردة فعله قوية هكذا؟...
أول ما يثير انتباهنا، ويرفع من دهشتنا ، هو الجملة التي افتتح بها النص القصصي( مهما قالوا عن الحب والفضيلة، لا أرى حبا أكبر من حب الحياة ذاتها.. ولا أرى فضيلة أكبر من كره معشر الأحياء)...
شيء غريب يدفع هذا الفنان إلى التنكر إلى قيمتين وجوديتين: الحب والفضيلة. ما السبب الذي جعله يجزم بان الحب نرجسية، وماديات؟ والفضيلة كره للبشر؟...
إنها سوداوية شديدة ن تغلف نفسه، وتطبع حياته....
هنا يدخلنا نوع من الريبة ، تجعلنا نتساءل: أي نوع من الفنانين صاحبنا هذا؟...
من خلال جملته التالية( كنت أحب صنع هذه الدمى المتحركة(...)فصنعت دمى أخرى(...) ها أنا اليوم أيضا أصنع أكثر من دمية)، نتعرف هوية الرجل، ونعرف هوايته...
إنه فنان من نوع خاص.. فنان يحمل القلق الدائم.. فيدفقه في فضاءاته البيضاء.. خالقا عوالم سردية، يؤثثها بشخوص يعتبرها دمى يحركها كيفما يشاء...إنه كاتب، يسبح في عوالمه السردية والخطابية...يفرحها ويبكيها.. يغضبها ويبهجها.. إنه يتحكم في مسارها. إنه عالم بحالها.. متحكم في مصيرها.. إنه خالق عوالمها الخاصة...( و كيف يفهمونني ، و أنا أكره اللوحات المعلقة ،و لا أنتشي إلا برؤية ريشتي تعبث في نسيج الحياة المتدفقة ،لقد أحرقت بيوتا بكاملها في غفلة عن أهلها ، لأتملى برؤية الإنسان في مواجهة موته ، و أقمت حروبا بأبطالها و أشلائها ، فلم أجد لها ذكرا في كتب الفن ، و إنما عثرت عليها بين بيانات التاريخ و أوراقه ، و أمرت الموج أحيانا كثيرة بأن يثور ضد قرى الساحل و الجزر الصغيرة ، فلم تتحدث عن ذلك غير نشرات الطقس) ..
حالة القلق الذي تنتابه، تفسرها تساؤلاته.. أو على الأصح تبريراتهSad فصنعت دمى أخرى ، تبحث عنها و تعيدها لمكانها الأول ،و لم يكن لهذا أية علاقة بحبي للأمكنة ، فكل العالم بالنسبة لي ليس أكثر من رف صغير ، أحب أن أرى فيه ما صنعت ، حيثما قدرت انه يجب أن يكون ، و كثيرا ما سألني الناس عن سري و أمري ، فكنت أجيبهم بما تقدر عقولهم على احتماله ، لأني لا أرى حكمة في اطلاع الغوغاء على أسرار مهنتي التي لا يفهمها غيري .)...
إنه يواجه النكران.. والتهميش، والإقصاء... يبحث عن الاعتراف والأحقية... ويزداد قلقه وغضبه عندما يرى الآخرين لا يفهمونه.. ولا يقدرون عمله الإبداعي...ولذا يقف أمام عمله، يتملاه.. ينظر دماه/ شخوصه وهي تتحرك في عوالمها...تلهث وراء حياتها المادية، ناسية كل القيم الجميلة، والفضيلة، والمحبة...


يتبع

محمد داني, ‏21 سبتمبر 2013


إنه يرفض الرفض الشديد هذا التفسخ الذي أصاب الحياة.. وطغت الماديات على الإنسان، فأصبح لا يفكر في شيء، ولا يهتم بشيء غير اللهاث وراء المادة، والحياة السعيدة، ومتعها.. مبتعدا عن الجمال والفن، والقيم، وإنسانية الإنسان...
هنا يتقزز من تحول الإنسان إلى دمية، تلعب به المادة ، والتفسخ، والحياة الجديدة...فيضيع كل قيمه، ويضيع علاقته، وروابطه، وإنسانيته...فيقف هذا الفنان أمام دماه، يتأملها ويتساءل: لم فعلت هذا؟... فيتقزز مما صنع.. ولكن لا يلبث أن يعاود العم ثانية، ويستمر في صنع الدمى كان شيئا لم يكن...
السؤال: لم هذا الفنان عندما يغضب من دماه يعود ثانية لصنعها؟...هل هو نوع من العشق الخفي؟...هلل هو استحباب لتعذيب الذات؟...هل يأمل في أن يخلق دمى يجد فيها بعضا من أمانيه وأحلامه؟...هل يكتشف بالصدفة نماذج جديدة تختلف عن الموجودة؟...
إنها نوع من البيجمالونية...الدفينة في أعماق هذا الفنان...إنه يصنع دماهن فيعشقها،ويبحث فيها عن النموذج والمثال، الذي يرغب فيه.. وعندما لا يجد يكره هذه النماذج... ولا يلبث أن يعود لصنع أخرى عله يجد النموذج الذي يبحث عنه...إنها الضرورة والحتمية.. المقيدة لحرية الفرد.. هي ما يدفعنا جبران الشداني إلى الإقرار بها...
إنها حركة داخلية.. تتماوج في داخل الفنان، تدفعه إلى التأمل، والتساؤل ، ثم استئناف نفس العمل رغم انه في داخله قد تولدت عنده قناعات، واقتناعات بأن هذا العالم ابشري عالم مادي، لن يهتم بالفكر، والمثل، والقيم التي يتضمنها فنه...( ها أنا اليوم أيضا ، أصنع أكثر من دمية ، و أنظر بحزن سرمدي لعالم البشر ، و أفكر في الساعة التي أحقق فيها وعدي بالنهاية ، أليس لكل عمل فني نهاية ؟ .. رغم اقتناعي بأن الجميع ساعتها لن يفكروا إلا في قبعاتهم الخاصة ، و أن أحدا منهم لن يتوقف أبدا لتأمل هذا المشهد الفريد ..لعالم ينتهي ..)...
إنها نوع من العبثية، والتي نلحظ من خلالها خلق القلق وصناعته...
وجبران الشداني، ومن خلال هذا النص القصصي، ومن خلال نصوص أخرى، نجده مهووسا بالتجريب ، لإيمانه بلا قواعدية النص الأدبي ...
"و أن الخلق الأدبي العظيم إنما هو تجاوز للقواعد الفنية التقليدية، والتمرد عليها" ...
إن المتمعن في هذا المقطع القصصي ليدرك أن الخطاب بمفهومه الأسلوبي ، لم يعد وصفا قواعديا للمفردات المعجمية، أو توليدا لمعان معهودة تثبتها البلاغة التقليدية قديما ، بل أضحى تمردا على المتن الكلاسيكي ...
" ليحقق إضافة بالصياغة على مستوى الدلالات ، حيث يتشكل في حركة انتظام البنية، فتتولد المعانين ويصبح القول فضاء حجمه في الدلالات التي يولدها نهوض التعبير في بنية الجنس الأدبي ....
فالحيرة ن والقلق والغربة، والطيرة التي ركبت نفسية الشخصية الساردة، شكلت فضاء لغويا متكاملا، ينتظم في بنية أسلوبية يتحكم فيها التصوير المشهدي، والصورة السردية، والمكونتان للخطاب القصصي الذي تغياه الكاتب، والخارج عن القالب المألوف.
ومن هنا لم تبق اللغة قناة يتم عبرها حمل الدلالات، وإنها أصبحت في الأقصوصة غاية القص والسرد الفني...وهي لغة صادرة عن وعي.. ومن تم جاءت الصور المشهدية والسردية مقننة، ودقيقة.. وذات فنية، تحقق لذة النص.. ولذة القراءة... وبالتالي فهي تتجاوز الواقع...
لقد مزج الكاتب جبران الشداني وباقتدار بين الأخيولة والسوريالية:" على أن المخيلة عماد الدفق السردي في رؤية معضلات الوجود واستحقاقاته القيمية المنثورة في تلك الاشتراطات المبهمة غاليا عن معنى الحياة، والغامضة أحيانا قليلة عن عسر المعرفة الذاتية والواقعية عند الإنسان" ...
إن الأقصوصة في سردها وخطابها تعبير عن عبثية السلوك الإنساني المستلب، والمقيد بالاغتراب وتحول الواقع.. الذي يجعل النفس تغرق في الغرائبية، والعجائبية التي لا تختلف عن الحلم، والوهم، والمصادفة... وبالتالي يتدفق التداعي على شكل هذيان..أو انفعال.. والتي تتحول إلى ما يشبه الهلوسة أمام صدمة الواقع، وإفرازاته...
إن السارد/ الشخصية يثور على عالمه، وعلى هذه الدمى التي هي من صنع يديه..تولد في داخله غربة وقلقا من هذا الوجود المتفسخ الذي طغت فيه المادة، والقيم المبتذلة..فقد بدأ يكره هؤلاء البشر لتحوها إلى دمى بلا روح... أو شعور أو قيم...
ثورة السارد/ الشخصية هذه، وتمرده، يشبهان إلى حد كبير ثورة وتمرد ألبير كامي.. بل نجد توظيفا لبعض كلماته العشر التي يحبها، فنجد منها( العالم- الأرض- العذاب)...
في هذا العالم الذي يتجاذبه ما بين تمرد وثورة، يجعل السارد/ الشارد يرى أن عالمه مزقته التناقضات، والماديات... وتفسخ القيم، واندحار الأخلاق...فيكتشف أنه يعيش في عالم متناقض...
ورغم هذا الشعور يستمر في الخلق دونما عون ميتافيزيقي.. فليست هناك قوى خارقة يعتمد عليها ، ولا قيم متوارثة يلجأ إليها... فهو قد ترك ليصوغ قدره بنفسه..وينسجه وفق هواه.. وحيدا بلا عون أو نصير.... وهذا ما كان يشعره ألبير كامي... والشخصية الساردة تشبه شخصية ميرسو في رواية الغريب...
كما يشبه السارد/ الشخصية ، شخصية سيزيف في رواية ( أسطورة سيزيف)، الذي يدفع بحجر العبث إلى أعلى سفح شديد الانحدار، ليعود فيدفعه من جديد...
وهذا ما نراه عند هذا الفنان.. فهو يصنع دماه، ويثور عليها.. ثم يعود ليصنع أخرى... وهكذا....
ويظهر لنا العبث واضحا عندما يسخط.. ويتمرد... ولكن لا يستسلم، ليعود إلى سابق عادته.. وبعودته ثانية يتجاوز عبثهن ويتجاوز سخطه، واستنكاره...
إنه يستنكر المشهد المأساوي المكون لعلاقة الإنسان مع عصره..وبالتالي يرفض : صمت الكون...المنعكس على البشر...
وهنا يتبادرنا سؤال: هل هذا السخط، وهذا الشعور بالقلق، هو نوع من الكوجيطو الكاميوي(نسبة إلى ألبير كامي)Sadأنا أتمرد أنا موجود)...
والتمرد الذي نراه ، هو ما يسميه ألبير كامي بالتمرد الميتافيزيقي، وهو تمرد على الحالة التي يستشعرها حالة القلق، والغربة، والضيم، والاستلاب، وعبث الوجود...
كما نستشف أن تمرده، وسخطه، ينتزع هذا الفنان من كل إحساس بالغربة والاغتراب...
إن الأديب جبران الشداني يبهرنا بكتاباته التي تخرج عن المألوف ، رؤيا ولغة...وتصورا..وهذا يجعل منه كاتبا مغربيا مهجريا متميزا، كتاباته تشهي بالقراءة والمتابعة...



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
الفنان جبران الشداني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: