كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي   الخميس أكتوبر 17, 2013 7:51 am

حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي

الخميس, 17 أكتوبر 2013 09:48
إنصاف بريس

إرسال إلى صديق
طباعة
PDF

Submit to Facebook Submit to Twitter

في هذا الحوار الذي أجراه الأساتذة مصطفى بوعزيز، المعطي منجب، وسليمان بنشيخ، لمجلة «زمان»، يتحدث المفكر والمؤرخ عبد الله العروي عن قضايا راهنةٍ: عن الملكية والإسلام السياسي وحركة 20 فبراير والمغرب الكبير.

كتابك «L'Histoire du Maghreb»، هل كان رد فعلٍ على تسمية شمال إفريقيا، التي أطلقها المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان؟ من ناحية أخرى هل كانت رؤيتك للمغرب هي تلك الرؤية الفدرالية التي كان يحملها الطلبة المغاربيون في فرنسا، أم كانت رؤيةً اندماجيةً من قبيل تلك التي كانت سائدةً في القاهرة؟

لإزالة كل التباس، أؤكد بأنه لو طلب مني اليوم كتابة تاريخ المغرب الكبير سأرفض، بل سأتحدث عن المغرب وحده، تاركاً للآخرين أن يتحدثوا عن بلدانهم.

لماذا مثل هذا الاختيار اليوم؟

لأن فكرة إقامة مغرب عربي متحد، والرغبة في ذلك، والدعوة إلى إقامة الوحدة، كل هذا لا يثبت وجود مغرب عربي في الوقائع، ولا يجعل المغربي يتحدث عن الجزائر وتونس كما يمكن أن يتحدث عنهما جزائري أو تونسي. غالباً ما نخلط بين تجانس نخبة معينة وبين تجانس الشعوب. هذا صحيح بالنسبة إلى مناطق أخرى وليس بالنسبة إلى المغرب الكبير. انظروا إلى ما يحدث في أوروبا اليوم. الخطاب الأوروبي للنخب السياسية أصبح مطعوناً فيه في كل مكان، لأسباب معقولة أو غير معقولة، من قبل الشعوب. أنا مثلاً يمكنني أن أحس بأنني أقرب إلى مثقف تونسي، لأننا قمنا بدراسات مقارنةً، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن يحس شخص من مدينة آسفي بنفسه قريباً من مدينة سوسة التونسية. لطالما تأسفت لعدم توفرنا على سوسيولوجيا حقيقية تعنى بالنخب المغاربية. إذ كان من الممكن أن تقوم بتنوير رجال السياسة عندنا.

لكن الفضاء المغاربي الذي تتحدث عنه لم يكن مغلقاً. إذ كان بالإمكان التنقل داخله بكل حرية.

هذه هي الصورة التي يحلو لنا أن نعطيها لأنفسنا. في الواقع، في الوقت الذي كان ليوطي، لم تكن الحدود بين المغرب والجزائر سهلة العبور. ليوطي الذي سبق أن اشتغل في الجزائر، وكان عارفاً بشهية المستوطنين في وهران، قام بكل شيء ليبقي المغرب معزولاً. وعندما تم استبدال ليوطي بحاكم عام سابق للجزائر، تيودور ستيك، الذي أراد تسوية الوضعية المغربية، بمعنى جعل المغرب جزائرياً، وجد الكثير من عدم الرغبة عند فرنسيي المغرب.

نحن شاهدون على أن الحدود مع الجزائر لم تكن أبدا حدوداً، بل كانت هناك علاقات ومصالح مشتركة من الجانبين. لنكن أكثر تحديداً، فلم تكن التنقلات مراقبة.

نعم، لكن هذا لا يعني شيئاً. حتى يومنا هذا فالتنقلات غير مراقبة.

لكن في تلك الفترة لم يكن عبور الحدود يعتبر تسللاً؟

هذا لا علاقة له بالواقع السياسي. يمكننا أن نتخذ قراراً سياسياً دون أن نكون قادرين، ميدانياً، على مراقبة ما يحدث. الوضعية نفسها توجد على الحدود مع موريتانيا. حتى نختم هذه المقدمة الصغيرة، أؤكد أن الإطار الذي كتبت فيه كتابي عن المغرب العربي، سنة 1969، كان مختلفاً تماماً عما هو عليه اليوم. الدول الوطنية لم تكن مهيكلة بشكل قوي.

هل تظن أن وطنية الدولة تساهم في تطوير الرؤى حول الهوية المغاربية؟

فكروا في هذا الواقع البسيط: هل يمكن أن تكون لنا نفس الرؤية عن أنفسنا وعن الآخرين في نفس البلد حينما ينخفض معدل الأمية من 70 في المائة إلى 30 في المائة؟ البلد كان يبدو أكثر استقراراً وتجانساً في الحالة الأولى. كما كانت فكرة الوحدة مع شعوب أخرى أكثر انتشاراً. هذا هو السبب، حسب رأيي المتواضع، في ضعف المثال النموذجي العربي. الأمر نفسه عند الفلامانيين. إذ حينما كانوا أقل تعلماً كانوا يقولون عن أنفسهم بكل عفوية إنهم بلجيكيون. بالتعليم يدرك الناس الفروق بينهم وبين الآخرين. يقولون إذن إنهم يعيدون اكتشاف هويتهم. في وضعية الأمية، تكون الأسطورة ملِكاً. هذه حجة للاعتراض على ما قاله المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف. في القرون الوسطى لم يكن الأوروبيون يحسون بأنفسهم أوروبيين، بل كانوا يحسون بأنفسهم مسيحيين، لأن المعتقد المسيحي كان ثقافتهم الوحيدة. عندما يقال إن فكرة المغرب الكبير نابعة من الشعب، أتساءل: في أي وسط يوجد هذا؟ الإبقاء على علاقات متواصلة في شعاع ممتد على 30 كيلومتراً على جانبي الحدود لا يعني وجود رؤية موحدة للمستقبل.

هذه ظاهرة تتسم بها كل الحدود؟

بالفعل. مخافة أن نقع في التكرار أؤكد مرة أخرى بأنني إذا كنت كتبت كتابي حول المغرب الكبير في سياق معين، فإن هذا السياق تغير تماماً اليوم...

هذا مفهوم. المغرب الكبير كان في تلك الفترة ممكناً في التاريخ. ما الذي كان يمثله بالنسبة إليك في تلك الفترة؟ عندما نقرأ عن مواقفك المتعلقة بالتعريب، نفهم أنها كانت تندرج ضمن إطار رؤية عالم عربي متحد، حيث لغة التواصل هي العربية الكلاسيكية. ما هي الرؤية السياسية التي تقف خلف هذا التصور؟ وهل رؤيتك اندماجية أم فدرالية؟

لم تكن لدي أبدا رؤية اندماجية للمغرب الكبير. في تلك الفترة كانت مثاليتي الوحدوية، عربية أو مغاربية، أقلوية، (minoritaire) كانت رغبة، وتوجها شخصياً. تمنيت تلك الوحدة، لكنني لم أناضل من أجل تحقيقها. ككل جيلي، كنت واعياً بالسياسة التي ينبغي اتباعها حتى نتمكن من تحقيق رغباتنا، وفي نفس الوقت كنا نعلم بأن الواقع كان ضدنا، وكان اختيار المحافظة مريحاً أكثر. كان الأمر يستدعي إذن إرادة. كان يجب تعنيف الواقع. ومن هنا كان انتظارنا لقائد. أما فيما يخص التعريب، فقد كنت أدافع عنه لأنني كنت أفكر بأنه الطريق الأقصر لمحاربة الأمية وسط الساكنة؛ ولهذا كنت أطلب كذلك تبسيطاً، على جميع المستويات، لهذه اللغة المشتركة السيارة غير أنه، حتى في هذا المستوى، كنت أتوقع أنه في مرحلة معينة ستؤدي محاربة الأمية تلقائياً إلى خلق تنوع ما، وأن اللغة العربية المغربية ستصبح مختلفة عن مثيلاتها العربية. بعد ذلك تم اتخاذ اختيارات أخرى خلال أربعين سنة. اختيارات كانت لها عواقب ينبغي الحكم عليها بناء على ما تستحقه، وليس بناء على النتائج الافتراضية التي كانت ستنتج اختياراتنا المفضلة. الاختيارات التي تم اتخاذها كانت تحت ضغط عوامل داخلية وأخرى خارجية بالأساس. أنا أتحفظ على إعطاء حكم لأنني واع تمام الوعي بهذه العوامل الخارجية. ولكن الأمور أخذت مجراها...

هل الحركات الإسلامية، التي صعد نجمها في بلدنا المغرب الكبير، تؤكد أن مجتمعاتنا المغاربية متقاربة وتتطور في نفس الاتجاه؟

لكن، ماهي مميزات هذه الحركات الإسلامية، كل واحدة في إطارها الوطني؟ إلى حدود الآن لا أرى أي شيء إسلامي في أداء الحكومة المغربية، التي يجب التذكير بأنها نتاج تحالف. لقد ارتكبنا نفس الخطأ الذي ارتكبناه تجاه حكومة اليوسفي، حينما نسينا بأنها هي الأخرى مشكلة من تحالف. يجب الحكم على هذه الحكومة بناء على أدائها وليس بناء على ما تقوله أو ما قالته في الماضي. ينبغي الاحتراس من الخطابات المهيمنة. لنأخذ كمثال: خلال حكم بورقيبة، عندما كنت أزور تونس، كان لدي انطباع بأن المغربيات، من الناحية النفسية، أكثر تحرراً من التونسيات. مع أن الكل كانوا يقولون إن التونسيات كن الأكثر تحرراً ضمن النساء العربيات. أنا أقتصر على مراقبة الوقائع والأفعال. هذا ليس تواضعاً زائفاً، لكنني أعترف بأنه في كل حدث يقع في المغرب أكون متفاجئاً. فخلال كل هذه السنوات التي كنت أحاول فيها فهم النظام (le système) لازلت في كل مرة أجدني مندهشا. هذا هو ما يصنع التاريخ. التاريخ موجود لأن لا شيء متوقع.

هل تقول كذلك إنك متفاجئ بقرارات الدولة؟

نعم، في كل مرة أجدني مندهشا بسرعة اتخاذ القرارات. مثلاً، تتبعت خطوة بخطوة، على الأقل، النصف الثاني من حكم الحسن الثاني، الذي كان يتصرف بناء على حدسه. وليس هناك واحد من أفعال الحسن الثاني لم يثر اندهاشي، بسبب أنه لم يكن متوقعاً.

هل تشكل ملكية الدولة عائقا أمام بناء مغرب كبير موحد، بالمعنى الذي يتم فيه النظر إلى الملكية كوريث لنوع من السيطرة؟

إذا كان جيراننا يفكرون هكذا، لا يمكننا أن نغير رأيهم. الآن المغرب الكبير يتقدم حسب السرعة التي تسير بها الدول التي تشكله. كل بلد عليه أن يلتزم بجدليته الخاصة. فيما يتعلق بالمغرب، في وضعيته الحالية، أنا متأكد أن السلطة الملكية لها دور ضامن للاستقرار، خصوصا أنها تسمح بتفريق الديني عن السياسي.

هل تنادي بملكية برلمانية؟

رؤيتي هي رؤية لملكية دستورية بالفعل، دورها هو حماية الحداثة ضد القوى التقليدية والمحافظة. على الملك أن يهتم بالأسئلة الدينية، لتفادي استئثار شخص آخر بها، ثم تحريف اللعبة السياسية. في النظام المثالي كما أراه، الملك هو المؤهل الوحيد لحل المسائل الدينية، وتلك التي يمكن أن تنشأ من الهيكلة الجهوية الجديدة. لقد أتيحت لي الفرصة لاقتراح أن تكون الغرفة الثانية غرفة مستشاري الملك لتحل محل مختلف المجالس الاستشارية. لكن يبدو أن هذا الاقتراح لم يسترع أي اهتمام. مع أن الاقتراح كان سيساهم في تقوية سلطة مجلس النواب حتى تكون له الصلاحية لمناقشة كل المسائل باستثناء المسائل الدينية والبين جهوية (interregionale)

لكن هل تظن أن الملك سيقبل الاكتفاء بحصر سلطته في هذين المجالين؟ لقد كان محمد الخامس يقول إنه لا يريد أن يحصر نفسه في دور مدشّن المساجد.

هذا ليس بالدور الصغير بتاتاً. لا يجب أن ننسى أن المظاهر الجهوية أساسية. إذ سيتعلق الأمر، مثلا، بتسوية بعض المسائل التي تمس بالهوية الوطنية. كذلك، فإن الجيش والديبلوماسية سيبقيان بيد الملك. يجب التأكيد هنا بأنني أتحدث عن إمكانية بعيدة جداً. بالنسبة إلي، بكل صدق، المغرب الكبير هو إمكانية بعيدة. لا أريد أن أٌعاد إلى حلول لا أعتبرها فحسب متجاوزة، بل كذلك غير قابلة للتطبيق. ينبغي أن يقبل المغرب الكبير، في مجمله، بالتوجه نحو فصل السلط السياسية عن الدينية، كما تحدثت، وإذا لم يرد الآخرون ملكاً، فليتخذوا على الأقل سلطة دينية لا يكون حولها نزاع.

لماذا لم يبدأ مشروع الوحدة المغرب الكبير من الاقتصاد؟

هذا هو ما أتحدث عنه بالضبط. يجب البدء بتسوية المشاكل التجارية والاقتصادية، والعمل على تنقل فعلي للأموال. أنا لا أتحدث عن تحرير تنقل الأشخاص، الذين من شأنهم أن يخلقوا مشاكل حقيقية، بل عن تنقل مجموعات محددة. يمكن أن نفكر أيضا في خلق منظمات دولتية مشتركة مثل غرف التجارة والفلاحة والصناعة، أو حتى نقابات، عبر خلق مكتب مغاربي للعمل. وأيضا خلق المؤسسات التقنية المحضة، التي ينبغي أن تكون بالأساس محايدة، من قبيل مكتب للإحصاء، أو مجلس اقتصادي واجتماعي، يمكن أن تكون مشتركة. لنقل في كلمة واحدة إنه بإمكاننا مغربة كل ما يتعلق بإدارة الأمور، ولنترك، مرحلياً، ما يتعلق بسياسة الأشخاص، أو «السياسة» بمعناها في اللغة العربية الكلاسيكية. للأسف هذا لا يقنع أبداً مناشدي الوحدة؛ فهؤلاء عندما يبدؤون الحديث عن المغرب الكبير، يفكرون مباشرة في برلمان جامع، وفي انتخابات عامة، مع أن هذا صعب المنال في الوقت الحالي.

من الذي يعرقل هذا التطور الذي تدافع عنه؟

حسب علمي، ليس النظام الملكي المغربي، ولكنها ثقافة النخب السياسية، التي تختلف كثيراً من بلد لآخر.

أحياناً تبدو كمن يعطي تصوراً عن التاريخ آت من فوق. وأحيانا كثيرة لام عليك البعض كونك لم تجعل القبيلة تتكلم. أليس للقبيلة دور في تاريخ المغرب؟

هل هو خطئي إن كانت القبيلة خرساء. من السهل أن نجعلها تقول كل ما نريده. أنا لم أرد أبدا أن أخوض في هذه اللعبة. نفس المشكل يطرح بخصوص مفهوم الطبقة. ولهذا كان الراحل المأسوف عليه أبراهام السرفاتي يخون نفسه مرتين، عن حسن نية بدون شك، بحديثه عن القبيلة-الطبقة. ليست القبيلة من يصنع، إيجابياً، التاريخ، لكن يمكن للقبيلة أن تصنع التاريخ سلبياً. يعلم الجميع جيدا بأن الاكتشاف الكبير في العلوم الفيزيائة هو أن «القصور» ليس بدون تأثير. الأمر نفسه متعلق بالتاريخ. لقد رأينا ذلك للتو مع شباب 20 فبراير. ليسوا هم من كتب الدستور الجديد، الذي سيكون الوثيقة الوحيدة التي سيدرسها المؤرخون القادمون. مؤرخو الثورة الفرنسية يؤكدون على دور الحشد (la foule)، ودور تجمعات الأحياء... لكنهم يتوقفون أكثر عند أثر الدستور، لأنه ترك العديد من الوثائق، بينما تكلم الحشد وكلامه ذهب في مهب ريح التاريخ.

كيف تنظر إلى مسألة الصحراء من خلال المغرب العربي الذي تأمله؟

إلى حدود الآن، لم تكف الجزائر عن استعمال الصحراء كوسيلة ضغط سياسي. ولم تكن الوحيدة في ذلك. لقد كانت الجزائر ولازالت تتكئ على قواعد دولية، وعلى وضعية جيو سياسية جد صعبة بالنسبة إلى المغرب. موقف المغرب غير مفهوم بالنسبة إلى البلدان الأخرى، لأن القليل من هذه البلدان لها نفس البنية ونفس التجربة التاريخية. لكن السياسة الجديدة القائمة على الجهوية، وخصوصا الطريقة التي تفسر بها من طرف الهيئات الدولية تغير المعطى. يتعلق الأمر الآن بالدولة المغربية والمجموعات السكانية المحلية، وهذا الآن مكتسب. لنفترض أن الجزائر تبنت جهوية تقترح نفس المنطق التاريخي الذي اختاره المغرب، فإننا سنتمكن حينها من رؤية ظهور تدريجي لمنطقة صحراوية عابرة للحدود، ولِمَ لا مغربا كبيرا مكونا من جهات تقتسم نفس المصالح التنموية. بفضل الجهة، يمكن للدولة القومية (l'état –nation) أن تتفوق وتعيش في انسجام مع تنظيم أكثر أو أقل فيدرالية.

[عن"مجلة زمان".]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي   الأربعاء أبريل 29, 2015 3:49 am

admin كتب:


أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 22 نونبر 2013

عبد الله العرويانطلاقا مما أدليتم به إلى حد الآن و أنتم تقاربون هذا الموضوع الشائك الذي يعنيكم شخصيا، أين يكمن المشكل لدى أصحاب الدعوة إلى اعتماد الدارجة في التدريس و الكتابة ؟

لأجيب عن هذا السؤال، أنطلق من كوني ألاقي صعوبة في استيعاب كيف يغامر هؤلاء الأشخاص و يدعون هكذا ببساطة إلى التدريس بالدارجة و اعتمادها لغة للتعلم و الكتابة، دون احتساب عواقب ما يدعون إليه،فإما أنهم لم يمروا من مرحلة التعلم كما مر منها أغلب المغاربة، و إما أنهم لم يمارسوا التعليم و لم يخبروا مجاله المعقد، و إما أنهم لم يشرفوا على تربية أبنائهم و تتبع مسارهم التعليمي و ما يعترضهم من مشاكل في تطور اكتسابهم للغة، أو أنهم لم يجربوا الكتابة و لم يخبروا مجال الكتابة الفنية المعقد. أقول كل هذا لأستخلص الخلاصة التي تهمني، و هي أنهم لم يمارسوا كل ما سردته ليقفوا بالملموس على مستوى و محدودية ما يدعون إليه، و أنه لا يمكن أن يحل المشكل اللغوي القائم. سأضطر هنا إلى العودة إلى تاريخ هذا المشكل، و سأكتفي بإعطاء مثال كاف للدلالة على الاستخلاص الذي استخلصته و خرجت به من هذه الدراسة التي أنجزتها حول الموضوع. أريد أن أقول إن مشكل اللغة العربية و الدارجة و الدعوة إلى اعتماد الدارجة بدل العربية، لا يطرح إلا في بداية المسيرة الثقافية لشعب معين، و كان اللبنانيون سباقون إلى طرح هذا المشكل في ثلاثينيات و أربعينيات القرن الماضي، و كان الشاعر الكبير سعيد عقل، من دعاة اعتماد اللبنانية لغة للكتابة و الإبداع، و لم يقف عند حدود الدعوة، بل انتقل إلى كتابة الشعر باللبنانية. ماذا حدث بعد ذلك بلبنان ؟ بعد ستين سنة، لم يعد اللبنانيون يطرحون هذا المشكل.

كيف تخلص اللبنانيون من هذا المشكل ؟ نطرح هذا السؤال حتى يستفيد الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس و الكتابة من التجربة اللبنانية و الحل الذي انتهت إليه.

أقول لك إن اللبنانيين تخلصوا من مشكل الدارجة و العربية لأن مستوى اللغتين تقارب، و لم يعد هناك من يتحدث بلغة العلماء أو يكتب بها، لا في الجامعة و لا في الصحافة المكتوبة و لا في وسائل الإعلام السمعي و البصري، و لأن البنات و النساء تعلمن في المدارس و صرن يتحدثن إلى أبنائهن بلغة راقية، بحيث كل جيل يساهم في اقتراب لغة الدار من لغة الصحافة، و خاص الصحافة اليومية و التلفزيون اللذين تلتقي فيهما اللغة الدارجة و العربية و يقتربان من بعضهما البعض. التجربة نفسها، مر منها المصريون فما نسميه اللهجة المصري فهي في حقيقتها لهجة قاهرية، و ليست لها أي علاقة باللهجات الأخرى التي يتحدث بها باقي المصريين في المناطق الأخرى في مصر. انتقل في السياق نفسه إلى اللغة التي يتحدث بها البغداديون، لأقول هي لغة العاصمة العراقية و ليست لها أي علاقة باللغة التي تستعملها كل منطقة من مناطق العراق خارج بغداد. أقول هذا من باب التمهيد إلى الإجابة عن السؤال، و أنتقل مباشرة إلى الموضوع الذي يهمني. يقول الدعاة إلى اعتماد الدارجة المغربية إنهم يحتاجون إلى مائة عام لبناء اللغة التي يتحدث بها المغاربة حتى تصير لغة مخدومة و قادرة على أن تصير لغة للتدريس و الكتابة، أقول لك، امنحني هذه المائة عام حتى أبني اللغة المعربة و أخدمها، و ستصير هي اللغة التي يتحدث بها أي مغربي في البيت و الشارع، و ستصير هي لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و الكتابة.

ألا ترون أنها مهمة مستحيلة التحقق ؟

امنحني مائة عام و تسلح بالنفس الطويل، و سترى النتيجة بالملموس. الدعاة إلى اعتماد الدارجة يطلبون مائة سنة ليبنوا الدارجة حتى تصير لغة الحديث اليومي و لغة التدريس و كتابة نصوص يمكن أن يفوز نص منها بجائزة نوبل للآداب، إذن فليمنحوا هذه المدة الزمنية لبناء اللغة المعربة و خدمتها، ليروا النتيجة دون إحداث قطيعة ثقافية مع إرث الثقافة العربية و ما تزخر به من كنوز، لا يمكن للدارجة أن تعوضها. مائة عام مدة كافية لحدوث التراكم الكافي لتطور العربية و ملء الشرخ بينها و بين الدارجة.

إذا سمحتم، لنرفع اللبس الذي يظهر أنه ما زال يحكم دردشتنا، ليس هناك طرف ينادي بإقصاء العربية، و إنما المطلوب هو خدمة اللغة الوطنية التي هي المغربية حتى يقع التعاون بينها و بين ما تسمونه اللغة المعربة، في أفق حل المعضلة اللغوية بالمغرب.

الذين ينادون باعتماد الدارجة، هل يخدمون هذه اللغة ؟

قضية اللغة الوطنية، لا علاقة لها بالأفراد، و إنما هي مشروع حضاري و قضية دولة، الدولة المغربية و هي تسعى إلى تأسيس لغتها الوطنية باعتبارها شرطا من شروط اكتمال بناء الدولة الوطنية.

يظهر أنك لم تستوعب ما قلته منذ البداية. هل لديك أو لدى الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة وطنية، قناعة أن هذه القضية تستحق أن تتفرغ الدولة للاهتمام بها و جعلها من أوليات اهتمامها لأنها شرط من شروط بنائها و اكتمالها؟ ! قبل أي شروع في الإجابة عن هذا السؤال، هل تضمن نتيجة هذه المغامرة غير محسوبة العواقب ؟

ستصير لنا نحن المغاربة، لغة وطنية خاصة بنا، تميزنا عن شعوب المنطقة.

يظهر أنك لم تسايرني في ما ذهبت إليه منذ انطلاق الحوار. لغتك تظهر أنك يا سيدي، لم تستوعب أنني أتفق معك مائة في المائة، و لكن عليك أن تستشرف النتيجة من هذه اللحظة، لأن وضعك سيكون في جميع الأحوال كوضع هولندا التي استقلت بلغتها عن إسبانيا و اللغة الإسبانية، من سيهتم بك و بلغتك المغربية في دنيا اللغات ؟!

ستظل العربية الفصحى لغة معتمدة لضمان ما تسمونه التربية الثقافية حتى لا تقع القطيعة مع الإرث الأدبي العربي.

لنفرض ذلك، و أن العربية استمرت إلى جانب اللغة الدارجة، يقول المثل ما معناه أن قلبين لا يمكن لهما أن يوجدا في صدر واحد. كنت سأتفق معك لو ذهبت في قولك إلى أننا سنبني اللغة الدارجة و سنعدم العربية و نعوضها باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، أما أن تعتمد اللغة الدارجة و تحتفظ بالعربية إلى جانب بالعربية إلى جانبها فكأنك تحتفظ بالأم إلى جانب ابنتها لتضمن الأصل و الإرث و كذا الامتداد. أسألك هنا، هل تضمن الحفاظ على ضمان اتفاق البنت و أمها بعد انفصال الأولى و الثانية و استقلالها بذاتها و حياتها و مستقبلها ؟ ! نعيش في الحياة اليومية و العادية، وقائع المخاصمات المستمرة بين البنت بحياتها بعيدا عن الأم. هذا ما سيقع إذا ما انفصلت الدارجة عن العربية و صارت لغة مستقلة بذاتها، إذ لا يمكن لهما أن يستمرا في تصالحهما و تساكنهما كما هو الحال الآن، فإما أن تهيمن الدارجة على العربية، و إما أن تستمر العربية في فرض وصايتها على الدارجة و تسيطر على ابنتها و تتحكم في حاضرها و مستقبلها.

يمكن للفصحى المحصورة في فعل القراءة و الكتابة فقط، أن تسيطر على المغربية الحية و المتطورة دائما ؟!

أولا، أنا لا أتحدث عن العربية الفصحى و إنما عن العربية المعربة. اللغة العربية الفصحى هي اللغة المكتوبة في كتاب واحد، لا يقرؤه الكثيرون و لا يستعمله أحد، و هذا الكتاب هو « مقامات الحريري ». هذا الكتاب هو وحده يمثل اللغة الفصحى. القرآن ليس لغة فصحى لأن لغته في متناول الجميع، و لا يحتاج إلى القواميس و المعاجم لفهم لغته.

كيف تحقق الفصحى في مقامات الحريري دون سائر المؤلفات التي كتبت بالعربية ؟

سأوضح لك كيف تحققت الفصحى في مقامات الحريري. كان هدف الحريري من تأليف مقاماته، هو تعليم قارئه المفردات الخاصة كي تنجح في التأليف و كتابة الشعر و غيره، و لم يكن هدفه من المقامات الكتابة الفنية. كان هدفه لغويا صرفا، على العكس تماما من الهمذاني الذي كان هدفه فنيا لأنه كتب مقاماته لغاية فنية لا دخل للتعليم فيها.

على العكس، مقامات الحريري ناضجة فنيا مقارنة بمقامات الهمذاني.

غير صحيح. مقامات الحريري مكتوبة بكلمات غير مفهومة و متروكة و لا يستعملها أي متكلم في لغته. جرب أن تقرأ مقامات الحريري، و اختبر مدى قدرته على استعمال المفردات التي كتبها بها في ما ستكتبه و توجهه إلى القراء ليقرؤوه و يفهموه دون حاجة إلى القواميس و المعاجم.

قلتم إن القرآن نفسه ليس عربية فصحى، كيف ؟!

بدليل أن القرآن يتضمن كلمات كثيرة ليست عربية فصيحة. لن أدخل هنا في التفاصيل التي تحتاج إلى دراسة مستقلة عما نحن في غمار الخوض فيه، لكنني سأكتفي بالقول إن لغة القرآن تتضمن كلمات كثيرة ليست فصيحة، كلمات خاصة به. أريد في هذه النقطة بالذات الوقوف عند مسألة إعجاز القرآن، لأقول إن إعجازه يتحقق في كون لغته لا تشبه أي لغة عربية أخرى. هنا أشير بالمناسبة إلى كون ما أطلق عليه القدامى العربية الفصيحة، لا يعدون أن يكون لغة البدو التي لم تخالطها لغة الحضر أو المدينة، و لا أعتقد أن الفصيح له علاقة بالتمجيد، على العكس تماما، ففي القرن الثاني و الثالث الهجري صارت لغة البدو تعتبر لغة « الهمج ».

هذا الكلام ينافي كون رواة اللغة العربية و علمائها كانوا يقطعون الفيافي و الأراضي القفار ليتصلوا بالبدو و يسمعوا منهم مباشرة و دون وسائط، العربية الحقيقة و النقية من فساد عربية سكان المدن التي أصابها النحل أو آفة التطور و الاستعمال اليومي، و أظن أننا لم نبتعد عن موضوعنا لأن ذلك النحل هو أصل العربية الأخرى التي صارت دارجة أو عامية مقارنة بالعربية الفصحى.

قضية تأسيس العربية الفصحى كما وصلتنا لها علاقة بالسياسة، لأن الحكام كانوا عربا و خضعوا لمدة قصيرة، لنوع من الابتزاز من طرف العرب الأقحاح الذين كانوا يطالبون بنصيبهم من موقع كون الدين الإسلامي دينهم و اللغة العربية لغتهم، و أنهم هم من أوصلوا الأمويين إلى سدة الحكم، و على الحاكمين أن يخضعوا لمطالب الذين أوصلوهم إلى سدة الحكم. أظن أن لا غرض لنا بالدخول في هذه التفاصيل و الحيثيات التي لن تفيدنا في موضوعنا الذي نحن بصدد دراسته.

لنترك هذا الموضوع الشائك لمؤرخي اللغة العربية و أسباب مشاكلها، و لنعد إلى توصية ندوة « سبيل النجاح » التي دعا فيها رجل التواصل، نور الدين عيوش، إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس في المدرسة المغربية.

طيب، أعود إلى موضوع حوارنا لأقول إن الذين خاضوا في موضوع العربية و الدارجة، سقطوا في الخلط بين شقين اثنين. هناك الشق التقني التربوي، و أقول في هذا الشق إن ما يطلب به الدعاة إلى اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، هو الحد الأدنى، و هذا الحد موجود و متحقق، و حتى إن لم يكن موجودا فعلينا أن نعمل على إيجاد و تحقيقه على أرض الواقع.

ما هو هذا الحد الأدنى الذي تتحدثون عنه الآن على مستوى اعتماد التدريس بالدارجة المغربية في المدرسة المغربية عوض العربية ؟

هذا الحد الأدنى هو ما يدعو إليه الراغبون في اعتماد اللغة الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، و يحددون مجاله في مسألة ضمان حدوث التواصل، و ضمان سبيل نجاح الطفل لما يلتحق بالمدرسة، في تحقيق الفهم و الاستيعاب بلغته الأم. لمزيد من التوضيح فالحد الأدنى الذي يطالب به الدعاة إلى اعتماد الدارجة في التدريس، يتمثل حسب ما يدعون إليه، في التحدث إلى الطفل بلغته الأم التي تربى على التحدث بها و اكتسب مهارات فهمها و استيعاب معانيها، في مرحلة روض الأطفال و السنوات الثلاث الأولى من التعليم الابتدائي. هذا المستوى الذي هو الحد الأدنى لما يطالبون به، إما هو موجود و متحقق عمليا في تدريس الطفل لما يلتحق بالمدرسة، و لا يحتاج إلى تلك الدعوة التي لا محل لها مما هو عليه الأمر الواقع في العملية التعليمية بالمدرسة المغربية، و إما أنه غير موجود و علينا العمل على إيجاده و تحقيقه بالملموس حتى نجد حلا لهذا المشكل، و نضع نقطة نهاية لدعوة اعتماد الدارجة التي لا تحمد عواقبها على مستوى قطع صلة المغربي بإرثه الثقافي العربي و إنجازاته التي لا يمكن للدارجة أن تعوضه و تحل محله.

بالتالي أين يكمن المشكل ؟ و لماذا خرجتم من مقبعكم لتعارضوا الدعوة إلى اعتماد الدارجة المغربية لغة للتدريس ؟

المشكل يا سيدي، يتمثل في المستويات التي ستلي السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، لأن الدعاة إلى اعتماد الدارجة لغة للتدريس، لا يستوعبون أنهم سيدخلون الطفل في متاهات لا قدرة له على العثور على سبيل النجاح في الخروج منها سالما و غانما. أوضح أكثر، سيورط أصحاب هذه الدعوة الطفل في متاهات أننا نريد اعتماد الدارجة لأنها لغة التواصل و الفهم السريع، و أننا لا نحارب الفصحى، و إنما نسعى إلى أن نخدم اللغة التي يتواصل بها المغاربة، و نعمل على أن تكون لغتنا الوطنية الخاصة بنا، و سننتج بها أدبا خاصا بنا و يميزنا عنا سوانا من شعوب الجوار الذين كانت تجمعنا بهم لغة لم تعد قادرة على ضمان التواصل و الغاية المتوخاة منه. هذا لن يتحقق إلا في المستقبل المستحيل. تعدني بمستقل لغوي وردي، بينه و بين التحقق على أرض الواقع، ما بين الأرض و القمر. لهذه الأسباب التي ذكرتها فأنا واقعي على هذا المستوى، و لم يسبق لي أن وصل إلى علمي، نجاح تجربة من التجارب التي دعت إلى التخلص من لغة قائمة الذات، و تبني لغة محلية ما زالت مادة في حكم الخام، و تحتاج إلى البناء و تحقيق التراكمات التاريخية حتى تقف على قدميها، و تنافس اللغة التي تسعى إلى إزاحتها.



إقرأ أيضا:
الجزء الأول – عبد الله العروي: التدريس بالدارجة يروم تقويض الوحدة الوطنية
الجزء الثاني – عبد الله العروي: الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة
الحزء الأخير – عبد الله العروي: مشكلنا هو مشكل تأخر فكري


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي   الأربعاء أبريل 29, 2015 3:51 am

admin كتب:


أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 20 نونبر 2013



عبد الله العرويقلتم قبل انطلاق الحوار إن موضوع التدريس بالدارجة المغربية هو الذي أخرجكم من المخبئ حيث تقبعون. كيف ذلك ؟

أخرجني من مقبعي لأنني أنظر إلى أبعاده التي تروم تقويض الوحدة الوطنية. هذه قناعتي الراسخة في ما يخص موضوع التدريس بالدارجة. سبق لي منذ شهرين، أن تحدثت في هذا الموضوع مع ابن شقيقي الكاتب فؤاد العروي المغترب في هولندا، و قلت له صراحة أنا لا أتفق معك في ما كتبته حول الدارجة، و أن هذه القضية أنجزت حولها بحوثا، و أعلم أنه لم يطلع على ما كتبته في كتاب « ديوان السياسة » حيث لخصت جميع آرائي حول الدارجة، و قدمت له أمثلة لا تعد و لا تحصى لأبين له أن هذه القضية لن تطبًّق، و أن نتائجها ستكون عكس ما كان يتوخى منها، و أنها تقوم على خلط كبير.

ما هو هذا الخلط ؟

الدارجة لكي ترسم يجب أن تكتب بحروف مناسبة. ما هي هذه الحروف ؟ إما أن تكتبها بالحرف العربي و إما أن تكتبها بالحرف اللاتيني، لكن إذا اخترت كتابتها بالحرف اللاتيني فعليك أن تخلق حروفا جديدة كما فعل الأتراك لما اختاروا كتابة اللغة التركية بالحرف اللاتيني، و حتى عندما تنجح في هذه المهمة، فهل هذا ممكن أو غير ممكن. إذا كان ذلك ممكنا فحينها ستستقل الدارجة و تصير لغة قائمة الذات، و تنفصل حينئذ عن اللغة الأم. هذا ما حصل في جميع البلدان التي انفصلت فيها اللغات الشفوية عن اللغة الأم. هذا موضوع يهمني و أهتم به كثيرا، و يحتاج مني إلى ثلاثة أيام و ليس إلى ثلاث ساعات.

لنعد الآن إلى أصل هذا النقاش ككل، لنعد إلى توصية التدريس بالدارجة.

إذا كانت النقطة الأولى تتمثل في مشكل التلميذ الذي يلتحق بالمدرسة، و تمر عليه خمس سنوات و لا يحسن لا القراءة و لا الكتابة مقارنة بالتلميذ الإنجليزي أو الفرنسي و الإسباني. إذن المشكل المطروح هو قضية التواصل، و هنا تدخل توصية التدريس بالدارجة المغربية التي خرجت بها ندوة « سبيل النجاح ». لكن يا سادتي، التواصل هو موضوع الشفوي و الثقافة الشفوية لها آلاف السنين لما انفصل الإنسان عن الحيوان، و وقف على قدميه و صار يستعمل يديه و يشتغل بهما، و بدأ يستعمل حنجرته في إنتاج الأصوات. هنا دخل الإنسان في الحضارة الشفوية، التي لها تعابير مختلفة و مواصفات خاصة بها، ثم دار الزمان و انتقل الإنسان منذ سبعة آلاف سنة إلى مستوى الكتابة أو استعمال الرمز في بلاد الرافدين. لا غرض لنا بالدخول في تفاصيل هذا الموضوع، ما يهمنا أن الشفوي لم ينحسر و لم ينته أمره بانتقال الإنسان إلى عهد جديد هو عهد الكتابة، بل على العكس، استمر في الوجود إلى جانب الكتابة. استمر الشفوي في الوجود على مستوى معين، إما على مستوى العائلة أو القبيلة الصغرى أو الكبرى، ليضمن التفاهم على هذا المستوى، إذ لا يمكن التفاهم مع قبيلة أخرى أو منطقة أخرى، خارج القبيلة. لضمان التفاهم مع هذا الخارج لابد من الرمز، الذي هو الكتابة، و الكتابة هنا كانت إما مسمارية أو هيروغليفية، و إما أبجدية أو فنا، و كما فعل ذلك الملك في حكاية ألف ليلة و ليلة، لما حلق شعر شخص بكيفية مخصوصة و أرسله إلى الشخص المعني على أساس أن تلك الكيفية في حلق شعره رسالة موجهة إليه، و عليه أن يقرأ رمزها و يفهمه. ما أريد قوله هنا إن انفصال الإنسان عن الحيوان لم يلغ حيوانية الإنسان، و لكنه أضاف إليها شيئا آخر، كذلك الأمر بالنسبة للكتابة التي لم تلغ الشفوي، و استمر هذا الأخير إلى جانب الكتابة. الكتابة أضافت شيئا جديدا إلى الشفوي.

هذه النقطة تحتاج إلى المزيد من التوضيح حتى يستوعبها القارئ.

نسمي المكتوب كتابا، و نسمي المدرسة كُتّابا، و المتعلم هو الذي يعرف الحروف و تعلم كيف يفك رموزها بقراءتها و فهمها. لذلك جاءت المدرسة، و هذه هي الغاية المتوخاة من المدرسة. المدرسة لا علاقة لها بالبيت، و المدرسة لا تربطها أدنى صلة بمسائل التفاهم خارج البيت و في الشارع. هنا تدخل رجل متخصص في الشفوي و أموره العينية، في شؤون المدرسة التي هي شؤون الكتابة، و لا علاقة لها بالشفوي و التواصل في البيت و الشارع. العربية هي لغة الكتابة، و لا دخل لها في شؤون التواصل في البيت و الشارع، و هي لغة المدرسة. إذا كان الطفل يبلغ خمس سنوات، و بدأ تفسر له الأمور تفسيرا شفويا، عليك أن تعلمه الرمز. ينبغي تعليم الطفل الرموز الكتابية. أقدم هنا مثالا نادرا ما يفكر فيه المهتمون بهذا الشأن، يتعلق الأمر بالموسيقى، و الموسيقى الشعبية على الخصوص، الجميع يعلم أن هذه الموسيقى تلقائية، و حتى يتم الحفاظ عليها ينبغي كتابتها حتى لا تضيع.

كتاب الأغاني للأصفهاني لم يدون الأغاني بالنوتة المعروفة الآن فضاعت تلك الألحان لأننا لا نعرف كيف نفك تلك الرموز التي كتبت بها الأغاني أيام العباسيين. الأمر نفسه بالنسبة للأوربيين الذين يجهلون كيف كان الغناء لدى الإغريق القدامى، لأن تلك الأغاني لم تكتب كتابة موسيقية تحافظ عليها، و تنقلها للأجيال.

ما علاقة هذا الكلام بالتدريس بالدارجة عوض العربية ؟

إذا سايرنا هذا المنطق، و أردنا أن نحافظ على موسيقانا المغربية، هل نقول « ماذا سنستفيد من تعليم الطفل و هو يتعلم رموز تلك الكتابة الموسيقية؟ لا غرض له بكل ذلك و لن ينفعه في تعلم تلك الموسيقى، يكفيه أن يتعلم تلك الأغاني تعلما شفويا » ! هل ستقبل هذا القول؟ ! لا فرق بين هذا المثال و قضية تعليم الطفل رموز اللغة المكتوبة. المشكل أننا لا نهتم بهذا الموضوع و لا نفكر فيه. ابني يبلغ خمس سنوات و ألحقته بالمدرسة و طالبت المعلم بأن يتحدث إليه بلغته التي هي الدارجة، ماذا سيعلمه بتلك اللغة ؟! هل سيتحدث المعلم إلى الطفل ليعلمه لغته التي تربى عليها و يتقن التحدث بها ؟! هل سيلقنه الكلام الذي يتكلم به؟! هذه هي الأسئلة التي لا يطرحها المطالبون بتعليم الطفل أمورا أخرى غير لغته التي يتحدث بها في البيت. سيعلمه القراءة و الحساب. سيعلمه الحروف و كيف يقرؤها و يربط بينها في الكلمات، و سيعلمه قراءة الأرقام و الأعداد. هذه هي مهمة المدرسة و دورها عندما يلتحق بها الطفل. دور المدرسة ليس هو تعليم الطفل اللغة التي يتحدث بها في البيت. أطرح هذا السؤال، ألا يقوم الأستاذ بتعليم الحساب و اللغات للطفل بالدارجة في المستوى الأول و الثاني و الثالث ؟ هل يعلمه ذلك بلغة سيبويه؟! و بالتالي فالدعوة إلى تدريس الطفل بالدارجة، إما هي زائدة، أو أن لها توخيات أخرى غير تلك المعبر عنها في الظاهر، و التي لا علاقة لها بالتعليم و لغته.

في هذه النقطة بالذات، كيف تردون على صاحب الدعوة إلى التدريس بالدارجة ؟

يمكن أن نتوجه إلى صاحب الدعوة إلى التدريس بالدارجة، و نقول له « نتفق معك في ما تدعو إليه، و سنتحدث في المدرسة مع الطفل الذي يبلغ عامه الخامس بلغته الأم، و سنعلمه كيف يقرأ و يكتب، يعني أننا سنعلمه الحروف، فهل هذه الحروف ستكون حروف الدارجة أم ستكون حروف لغة أخرى، إما العربية أو البربرية أو الإنجليزية؟ و سنعلمه رموز الحساب، و التمييز بين الرمز 4 و 5 أو 6، و نفسر له الفروق بينها و العمليات الممكنة بينها، سنعلمه كل هذا الدارجة، و سيقى المضمون هو الحساب. سيقضي الطفل ثلاث سنوات الأولى في التعلم بهذه الطريقة، و إذا قارناه بتلميذ إسباني في سنه، سنجد أنهما يتوفران على نفس المستوى. هنا لن يعترضنا أدنى مشكل على مستوى تدريس الطفل بلغته، و ليس هناك جهة تحارب تعليم الطفل بالدارجة في السنوات الأولى، و هذه الطريقة هي المعمول بها في المدرسة المغربية، و إذا اختار المسؤولون فرضها على المدرسين فلا بأس في ذلك، و سنلزمهم بألا يتحدثوا إلى الطفل عن الإعراب و النحو أو الصرف، و أي معلم خرق هذا الأسلوب في التعليم، سنخصم من أجرته نسبة معينة. عندما سيبلغ هذا الطفل عامه الثامن، سيكون قد أتقن الحساب و عملياته بالدارجة مثله في ذلك مثل البقال، و أتقن التعبير عن نفسه بلغته. أريد هنا تسجيل ملاحظة أراها غاية في الأهمية، و هي أن الطفل سيعبر عن نفسه أحسن بالعربية المعربة، و لكم أن تجربوا قراءة الدارجة مكتوبة بحروف عربية، فأكيد أنكم ستلاقون صعوبة كبيرة أثناء قراءة كلمات الدارجة. بل حتى كتابة الدارجة بحروف لاتينية لن يحل هذا المشكل، مقارنة بسهولة قراءة كلمات العربية المعربة.

من الأفضل أن نعود إلى ذلك الطفل و هو يتابع تعلمه بالدارجة.

أعود إلى الطفل و قد بلغ عامه الثامن، و قضى ثلاث سنوات في التعلم بلغته الأم، كيف سنتعامل معه ؟ هل نستمر في تدريسه بالدارجة ؟ هل نمر إلى تعليمه التربية الفنية و التربية العلمية و الثقافية ؟ ليس هناك مشكل من تدريس الطفل الموسيقى و الرسم بلغته الدارجة. أما بالنسبة للتربية العلمية فعكس ما يقال حول المشاكل التي تواجه العربية في تدريس العلوم، لأن التربية العلمية ليس لها مشكل مع أي لغة، لا مع العربية و لا مع الدارجة أو أي لغة أخرى، لأنها مبنية على رموز خاصة كالرقم 5 أو 6، و لأنها رموز كونية يستعملها الجميع، نحن في المغرب اخترنا الرقم العربي، بينما اختار المشارقة الرقم الهندي. كلما تقدم الطفل في التعلم كلما توسعت الرموز و تقدمت معرفته بها في الحساب و الرياضيات و علوم الحياة.

أين سيعترضنا المشكل بالتالي ؟

المشكل سيعترضنا في التربية الأدبية، لأن هذا الطفل الذي بلغ الآن عامه الثاني عشر، و علمته في السنوات الأولى بلغته الدارجة، و تقدم في مستويات تعلم الكتابة بالحرف العربي و حتى الحرف اللاتيني كما نادى بذلك بعض اللبنانيين، و صادر قادرا على كتابة الدارجة و قراءتها، هنا ستنقطع صلته بالعربية المكتوبة و نصوصها. يمكن أن ينجح في حفظ بعض الآيات القرآنية في حصة التربية الدينية، مثله في ذلك مثل أي تلميذ أوربي ينجح في حفظ مقاطع من الإنجيل باللغة اللاتينية، دون أن ينجح في فهم معناها. سيصير التلميذ هنا كأي مسلم غير عربي في ماليزيا أو أندونيسيا، ينجح في حفظ تلك الآيات و ترديدها صوتيا دون فهمها. يمكن أن يكون هذا التلميذ متفوقا في عامه الثاني عشر، في العلوم و التربية الفنية، و لكن ما هي النصوص التي سيتفوق في قراءتها في القسم و البيت ؟ بل، ما هي النصوص التي سيعتمد عليها ليتعلم ؟ ستعلمه قراءة ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب ؟! و هو شاعر كبير بالدارجة. أنا أستاذ اللغة العربية، و أمامي تلميذ تعلم بالدارجة في سنواته الأولى، و قررت أن أدرسه ديوان هذا الشاعر المغربي الكبير، لأنني لا أتوفر على نصوص أخرى، كيف سأفسر له أدبيا أبيات قصائد ذلك الديوان (لا تحسبوها رخصية راه كل معشوق غالي)؟ ما هو معناها ؟ ما هو مغزاها ؟ سأضطر إلى ربط تلك القصائد بالتصوف و سأعمل على تلقين تلامذتي ما هو التصوف و تاريخه، و سأجدني مجبرا على تدريس التربية الدينية التي اعتقدت أن الدارجة ستبعدني عنها. أكثر من ذلك، فإن أنا أردت تربية الذوق الفني لدى التلميذ، علي أن أفسر له ذلك الشعر المكتوب بالدارجة، و لا يمكن أن أفسره إلا بالعودة إلى الوزن العربي الأصيل. هذه العملية ضرورية لتحقق الفهم لدى ذلك التلميذ إذا كان ناطقا بالعربية، أما إذا كان أمازيغيا فذلك أمر آخر. ما أريد الوصول إليه من هذا الكلام، أن المشكل لن يكون مطروحا في السنوات الأولى من التعليم بالدارجة، و أن التلميذ سيتفوق في الرياضيات و علوم الحياة. المشكل سيطرح في السنوات الأخرى لما يتقدم ذلك التلميذ في مستويات التعلم، حين يجد الأستاذ نفسه أمام سؤال « ما هي النصوص التي سأدرسها لهذا التلميذ؟ »، سيرد الدعاة إلى التدريس بالدارجة، بالقول « خاصنا نخدمو الداريجا و نصوصها ». طيب، نتفق معكم في هذه الدعوة، لكن كم سنحتاج من الوقت لنخدم هذه اللغة حتى تصير قائمة الذات و قادرة على أن تكون لغة تدريس و ثقافة؟ مائة عام على الأقل ! حينها إلى أين سيصل الآخرون في المشرق، مقارنة بنا نحن الذين تفرغنا لخدمة الدارجة ؟!


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي   الأربعاء أبريل 29, 2015 3:53 am

admin كتب:


أجري هذا الحوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي من طرف جريدة الأحداث المغربية في عدد 21 نونبر 2013

عبد الله العرويوقفنا بالأمس عند سؤال نصوص الدارجة التي سيدرسها التلميذ عندما يصل إلى مستوى دراسي معين، و أن الدارجة فقيرة على هذا المستوى، و لن يجد التلميذ ما يدرسه، عكس العربية الغنية بنصوصها و ما تحمله من معاني و إيحاءات.

أنا مسكون بهذه القضية و مثقل بأسئلتها لأنني حلت في المشروع الأصلي لرواية « اليتيم » أن أكتب بالدارجة بلا نقطة و لا فاصلة، و لكن شيئا فشيئا بدأت مستويات الكتابة تختلف. مستوى الدارجة خاص بالتواصل فقط، ثم مستوى العربية لما ترتفع و تتعقد تعابيرها و إيحاءاتها و إحالاتها. يمكن أن أقرأ مقطعا من هذه الرواية لتقف بالملموس على ما قلت. لا يحضرني الآن مقطع التواصل بالدارجة، و لكن المقطع المكتوب بالعربية يقول:

« و ماذا تركت لتشاهديه معي ؟ بجانبك أشاهد كل شيء من جديد، انتظرت هذه الدقيقة منذ خمس عشرة سنة. نعم طالما تمنيت أن ترى البندقية في الشتاء. ها فصل الشتاء و أنت في البندقية. ماذا فعلت في الغربة طوال هذه السنين ؟ حسبت الأيام، ثم تخيلتك، و عشت مع غيري، لقد أعانوني على الحياة. نسيتك فتذكرتك، ثم نسيتك فتذكرتك. هذه دقائق مفصولة من الماضي، و عن المستقبل، و هذه مدينة مقطوعة عن الغرب و الشرق، كنائسها كالمساجد، لنبتعد برهة عما قد وقع، و عما قد وقع. إننا هنا بسبب أشياء وقعت منذ أزمان متقادمة، لنفرض أنها حدثت البارحة، لنفرض، و لنذهب حيث يجتمع الشباب. أفضل أن أرى امرأة مسنة، شعرها أبيض، تشده سفيفة زرقاء، ينظر إليها زوجها، قميصه من الصوف الملون و كأن لم يمر على زواجهما إلا يوم. سنبحث اليوم أو غدا عن السقاية المشؤومة، سقاية الموت في البندقية. سنذهب إلى الأكاديمية لنرى العاصفة و انفجار الساعة، و في متحف كوكنهاي لوحة ماكريت، زرقة ماكريت، و القبر الصغير المكتوب على رخامه « إلى أولادي الأعزاء »، و من هم هؤلاء أصحاب الأسماء اليونانية، أولاد يتامى، بل كلاب. العطف على الحيوان سخط على الإنسان، و العطف على الإنسان سخط على القدر، و تعلو وجه ماريا موجة من اليأس ».

كيف كنت سأكتب كل هذا بالدارجة ؟! لا يمكن كتابته بالدارجة لأن فيه إيحاءات، إيحاءات البندقية و همنغواي و توماس مان. هذا تراكم مائتي سنة، و تلاقح بين هذه الحضارة و اللغة العربية المكتوبة التي استطاعت أن تستوعب هذه المعطيات في عمقها، و تعبر به بهذا الأسلوب. بالتالي، علينا أن ننتظر مائتي سنة أخرى حتى ننجح في التعبير بالدارجة تعبيرا أدبيا محملا بالإيحاءات ! هل نملك الزمان الكافي لتحقيق هذه النتيجة التي تستطيع العربية تحقيقها دون مشاكل؟ هل استوعب نور الدين عيوش و كل الدعاة إلى التعبير بالدارجة هذه الحقائق؟ هل فكروا فيها و في مضيعة الوقت التي يستدعيها بناء الدارجة ؟ ما يدعون له ليس بالبساطة التي يتصورونها، و القضية لا صلة له باستعمال بعض التعابير بالدارجة مثل « ما تقيش ولادي »، و انتهى الأمر. هذه القضية يجب أن يبتعد عنها الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالثقافة لا من قريب و لا من بعيد، و لا حق لهم في أن يتدخلوا في أمور كبرى تقتضي التسيير و التخطيط لمستقبل شعب بكامله. الثقافة ليست قضية سياسية أو اقتصادية عابرة، الثقافة أكبر بكثير.

و ماذا عن تمغربيت و الخصوصية المغربية ؟

أما مسألة « تمغربيت » فأقول عنها إنها تعود إلى نوع من الانعزالية، و أظن أن رجل السياسة بالمغرب لا يمكنه اليوم أن يطبق هذه السياسة الانعزالية، و لكن أنا باعتباري رجل ثقافة لدي الحق في أن أميل مع هذا الاتجاه أو ذاك. لهذا أقول في قضية الدعوة إلى التدريس بالدارجة، أرفضها و أنا أعتز بمغربيتي و خصوصيتي، و هذه مسألة لا علاقة لها بقبول تلك الدعوة، و لا بشعوب الشرق، و إنما لها علاقة بثقافة و بمخزون ثقافي، يضم كتاب « ألف ليلة و ليلة » و « بخلاء » الجاحظ و « كليلة و دمنة ». في قراءاتي الكثيرة لبخلاء الجاحظ، أقف في كل قراءة علي أنني أقرأ كتابا جديدا لم يسبق لي أن قرأته. هل نتخلص من هذا الكتاب و نمحوه من ثقافتنا بدعوى أنه لا يمت بصلة إلينا، و أنه كتاب كتب في البصرة ؟! نتخلص من البخلاء و من ألف ليلة و ليلة و الأدب الأندلسي، فماذا سيتبقى لنا في المغرب؟! ستبقى لنا تمغربيت؟! أسأل هنا، ما هي الثقافة المغربية ؟ ستقول الثقافة المغربية هي اليوسي، سأرد عليك بأن اليوسي كتب محاضراته باللغة العربية، و لم يكتبها بالدارجة أو الأمازيغية، و الأمر نفسه بالنسبة للمختار السوسي. هل نطوي صفحة هذه الثقافة المغربية المكتوبة بالعربية و نبدأ من جديد كأننا شعب ليست له ثقافة مكتوبة، و يريد أن يخدم ثقافته الشفوية ؟ ! لهذا السبب رفضت منذ أو كتاب كتبته، و هو « الإيديولوجيا العربية »، ما أسميته « الثقافة الفلكلورية ». لماذا رفضت هذه الثقافة؟ حتى لا نجد أنفسنا في ذلك المستوى البدائي الذي هو في طور الانفتاح على الكتابة و المكتوب اللذين التحق بهما الإغريق منذ ثلاثين قرنا، و العرب منذ ما يقرب من عشرين قرنا، و يأتي البعض منا و يقول، الآن في القرن الواحد و العشرين، علينا أن نبدأ ن الصفر و نهتم بتمغربيت و اللغة المغربية الشفوية كأننا لا نتوفر على لغة مكتوبة و على ثقافة مكتوبة ! نتنكر لتلك اللغة و تلك الثقافة و ندعو إلى الاهتمام بالدارجة و نكتبها و نخدمها لتصير بعد مائتي عام لغة وطنية قادرة على إنتاج الثقافة المكتوبة !

و لكن هناك تجارب عدة شعوب استطاعت أن تستقل بلغاتها الوطنية.

يا سيدي، أنا مستعد لتقديم أمثلة على هذا الصعيد. هناك مثال الهولنديين الذين مرت عليهم الآن أربعة قرون حين سعوا إلى الانفصال عن إسبانيا التي لا يجمعهم بها لا دين و لا اللغة، فكتبوا لغتهم المحلية، و صارت الهولندية كما كتبت تدل على مستوى أعمق من اللهجات الألمانية الأخرى، لأن تلك اللهجات ظلت شفوية، بينما الهولندية صارت لغة مكتوبة، لكنها بالمقابل حفظت و جمدت في هذا المستوى و لم تتجاوزه مقارنة بتلك اللهجات التي استمرت حية. الهولنديون متقدمون الآن اقتصاديا و سياسيا، و لكن من يهتم في العالم بالثقافة الهولندية ؟ ! و من يقرأ ما يكتبه الكتاب الهولنديون بلغتهم الوطنية ؟ ! هل سبق لك أن قرأت لشاعر هولندي ما كتبه من شعر بلغته الهولندية ؟ هل قرأت لروائي هولندي؟ الجواب معروف على أن الثقافة الهولندية أنتجت شعراء و قصاصين و روائيين من الطراز الرفيع، لكن لغتهم المحلية حالت دون شهرتهم على الصعيد العالمي. مبدعون كبار و لا أحد يعرفهم خارج هولندا، بل منهم من اضطر إلى الكتابة بالإنجليزية حتى ينجح في مغادرة لغته الوطنية التي تحكم عليه بالانغلاق، و هذا ما قام به المختار السوسي حين قرر الكتابة بالعربية حتى تعرف كتاباته انتشارا أوسع. المختار السوسي كان يتحدث في بيته و حياته اليومية بالسوسية، فتخيل معي لو أنه كتب « المعسول » بالسوسية فمن كان سيقرأ ذلك الكتاب الذي ما زال إلى اليوم مقروءا و يثير أسئلة قرائه من غير السوسيين. هنا أنتقل إلى المثال الثاني، يتعلق الأمر بجيمس جويس الذي عاش في محيط ايرلندي يعادي اللغة الإنجليزية و يدافع عن اللغة الوطنية اللسلتية القديمة و الخصوصية الايرلندية مقارنة بثقافة الإنجليز و لغتهم. عاش جويس في هذا المحيط الذي يحتفي باللغة المحلية على مستوى الشعر و الأغاني و المسرح، و كتابة هذه المستويات، لكن الروائي ارتأى ألا يؤدي ثمن الخطأ الذي ارتكبه أجداده الأبعدون الذين لم يطوروا لغتهم و لم يكتبوا بها، و فضل أن يعيش خارج وطنه الأم، و أن يتعامل مع اللغة الإنجليزية كأنها لغة قابلة للافتراس. تعامل معها كأنها لغة مفترَسة، يفترسها أثناء الكتابة بها، بحيث لو قرأها إنجليزي فسيقول هذه ليست لغتي الإنجليزية التي أعرفها و أتقنها. لو كتب جويس روايته المشهورة الآن بلغته الوطنية، من كان سيطلع عليها و يقف على براعة روائي من الطراز الرفيع ؟ سيقرؤه الإيرلنديون الذين لا يتجاوز عددهم أربعة ملايين نسمة، و أما الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة فلا يعرفون لغتهم الأم. أنتقل إلى الهند التي تصل لغاتها المحلية إلى مائتي لغة، كل مقاطعة تتحدث لغتها الخاصة بها، و اللغة الرسمية ليست هي السنسكريتية، اللغة الدينية القديمة، و إنما الهندوستانية التي يتحدث بها أكثر من مائتي مليون هندي، و مع ذلك لا يعرف من الهنود إلا من يكتب بالإنجليزية. أكثر من ذلك، اللغة البنغالية التي يتحدث بها أكثر من ثلاثمائة مليون من البشر، فطاغور الكاتب البنغالي الشهير، ألف كتبه بالإنجليزية، و لم يكتبها بالبنغالية التي تزخر بثقافة و آداب عريقة، لو كتبها بلغته الوطنية لظل حبيس بلاده و لن يعرف الشهرة العالمية التي حازها.

حتى لا نبتعد عن موضوعنا، اللغة العربية الفصحى لغة رسمية رسمها الدستور، أما خانة اللغة الوطنية فما زالت شاغرة، و تنتظر الملء باعتماد اللغة المغربية التي تتحدث بها الأغلبية الساحقة من المغاربة.

تمعن في ما سأصرح به. ذهبت بعيدا في قبول أن تكون الدارجة لغة التدريس في السنوات الأولى من التدريس الابتدائي. هذا ما يطلبه نور الدين عيوش. بل ذهبت أبعد من ذلك، حين دعوت إلى كتابة الدارجة بحرف خاص بها يميزها عما سواها. لم أقف عند هذا الحد، بل ذهبت بأن اعتماد الدارجة في التعليم الابتدائي، لا يمنع من نبوغ في العلوم و التقنيات و الفنون. هناك نقطة واحدة ظلت معلقة، و هي الثقافة الأدبية. إذا اعتمدنا الدارجة لغة مكتوبة سينقطع المغاربة عن الثقافة العربية و ما أنتجته طيلة قرون من إرث ثقافي و أدبي، و ما زالت تنتجه. الأمر هنا لا يتعلق فقط بقطيعة مع الشرق العربي و شعوبه، و إنما سيتعلق بقطيعة مع الحضارة العربية و مع ما ساهم به المغاربة و أهل الأندلس في تلك الحضارة. إذا اكتفينا بتعليم الطفل الدارجة فستنقطع صلته انقطاعا كليا بتلك الحضارة و ثقافتها.

ستحدث هذه القطيعة إذا تم إقصاء العربية الكلاسيكية من الحقل اللغوي المغربي، إما إذا لم يقع ذلك الإقصاء و استمر استعمال تلك العربية فلن تحدث تلك القطيعة و سيستمر اتصال المغربي بالثقافة العربية و التفاعل مع ما أنتجته و ما زالت تنتجه.

حاول أن تستوعب تصوري للقضية. سيكون ذلك بالتدرج كأنك تقود سيارتك و تنتقل من السرعة الأولى إلى السرعة الثانية فالثالثة و الرابعة. إذا انطلقت في تعليم الطفل بالدارجة فقط، لا يمكن أن تنتقل به بعد ثلاث سنوات، إلى أن يختار بين إحدى اللغات الأجنبية و اللغة العربية الموحدة و ليست العربية الكلاسيكية. أنا لا أسميها عربية كلاسيكية، و من هذا الذي يتكلم العربية الكلاسيكية الآن ؟! لا يوجد شخص يتحدث بها، و إنما هناك من يكتب بها. في دردشتنا الآن، لا نتحدث بالدارجة كما يتحدث بها الناس في الشارع و حتى في البيت، و إنما نتحدث بلغة بين بين، بين الدارجة و العربية، إنها اللغة الوسطى. لنأخذ الصفحة الساخرة التي تنشرها يوميا جريدة « الأحداث المغربية »، و هي بالمناسبة صفحة مكتوبة بغير العربية، و أتمنى أن تعرضوها على شخص مستواه التعليمي بسيط لم يتجاوز المستوى الثالث ابتدائي، و تطلبوا منه قراءة ما كتب فيها، أكيد سيلاقي صعوبة كبيرة في قراءة ما تسمونه دارجة. اللغة التي تكتبون بها تلك الصفحة الساخرة، لغة لا يمكن أن يقرأها إلا الذي يقرأ بالعربية الفصحى. إذن ما معنى هذا الاستنساخ؟ إذا كانت هناك صعوبات في تدريس العربية التي أسميها معربة، و كانت هذه اللغة تعاني من مشاكل، فعلينا أن نقوم بتيسير تلك الصعوبات و إصلاح المشاكل التي تعاني مها، و إصلاح تلك العربية ليس بإبدالها بالدارجة، لأن الدارجة لا تصلح لهذه المهمة التي تطلبون منها، فهي أكبر منها بكثير.

إذن، تعترفون بكون العربية تعاني من مشاكل و تعيش أزمة حقيقة.

نعم، و لكن هذا لا يعني إصلاح مشكل بمشكل أكبر منه. لا يمكن إصلاح مشاكل العربية بالدارجة، لأن الدارجة تعاني من أزمة أكبر، بل أخطر من أزمة العربية. مع ذلك يمكن أن أجيب عما طرحته. الذين ينادون بتبني الدارجة لغة للتدريس و الكتابة، لم يطلعوا على ما كتبه ابن خلدون في مقدمته. ابن خلدون عرض نقاشا طويلا و عريضا حول الدارجة، و يقول إن الدارجة لغة قائمة بذاتها، و لكن ابن خلدون يفسر في الوقت نفسه، لماذا تأخر المغاربة في النطق بأصوات العربية مقارنة بالمشارقة، و يستحضر الكتاتيب القرآنية و قراءة القرآن جهرا، لأن الغاية من تلك القراءة ليست الحفظ و لا الفهم أو التدين، و إنما بغاية إصلاح النطق و مخارج الحروف نتيجة ما أصابها من تأثيرات الأمازيغية و أدت بالمغربي إلى كثرة الإدغام و غياب المصوتات، و أبعدته عن النطق السليم لأصوات العربية كما ينطقها السوريون و المصريون. الغاية إذن هي توحيد النطق و مخارج الحروف، بحيث يمكن أن تكون قادما من موريتانيا أو من العراق، و لكن تنطق الحرف العربي كما ينطقه الآخرون. هذا نظريا لأنه صعب الحدوث، و مع ذلك كان الرهان على التوحيد على مستوى مخارج الحروف. أقول هذا لأتوجه إلى الدعاة إلى تبني الدارجة لغة التدريس و الكتابة، و أستحضر عبارة « ما تقيش ولادي »، لو كانوا يتقنون النطق بمخارج حروف الدارجة كما ينبغي النطق بها لما كتبوا « ما تقيش ».

ماذا أصاب هذه العبارة ؟

كل مغربي ينطق لغته نطقا سليما و يحافظ على مخارج الحروف كما هي، سيقول « ما تقيسش »، و ليس « ما تقيش ». ماذا سيفعل الدعاة إلى تدريس الدارجة و هم يتوجهون إلى طفل صغير السن، هل سيقولون له « ما تقيش »، أو « ما تقيسش » حتى يستوعب النفي الواقع في فعل « تقيس » قبل أن تدخل عليه « ما » المستعلمة للنفي، و أن « ش » لحقت بـ « تقيس » لرسم ذلك النفي للفعل. لاحظ هنا أنك لم تغادر لغة سيبويه و لم تتخلص منها و أنت تسعى إلى تدريس الدارجة و وضع نحو لها. زيادة على مناطق كثيرة من المغرب، لن تستعمل عبارة « ما تقيسش »، و إنما ستستعمل عبارة « ما تمسش »، و أكتفي بالتلميح إلى من يستعمل عبارة « ما تقيسش ».

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
حوار شامل مع المفكر المغربي عبد الله العروي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات-
انتقل الى: