كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً    الثلاثاء أغسطس 20, 2013 3:33 am

في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً (4)

فاطمة بن محمود تطلّ على الوطن

“من ثقب الباب”

د. يوسف حطينيCouv Bab2

يكتب المبدع حين يكتب، بثقافته الكلية، وبذائقته الشاملة، فإذا جرّب شاعرٌ كتابة مقالة سياسية تسرّبت لغة الشعر، رغماً عنه، إلى مقالته، وإن كتب مفكّرٌ قصيدةً هربت مفردات الفكر الذهنية إلى قصيدته التي حاول كتابتها ذات وحي إبداعي. وهكذا فإن منتج الأدب والفكر لا ينجح دائماً في فصل ذواته المتعددة عن بعضها، بقرار منه؛ إذ تتم الكتابة في حالة من الاندغام غير الواعي بين ثقافات المرء وذائقاته الأدبية والسياسية والفكرية، وتنتج نصّاً لا يعبّر عن (أنا) مختلفة في كلّ مرة، بل يعبّر عن كل الأنَوات المتناقضة المتصارعة داخل المبدع.

في تجربة فاطمة بن محمود، الشاعرة والناقدة والصحفية والقاصة، تمتزج الأنوات لتنتج نصوصاً ذات خصائص متشابهة، وذات بنى فكرية يستطيع القارئ تلمّسها في أشكال الكتابة المختلفة؛ إذ ثمة إصرار على حرية المرء الشخصية والوطنية والإنسانية، وثمة قرار بالإسهام في تجديد الكتابة الإبداعية شكلاً ومحتوى، في الشعر والقصة على حدّ سواء.

ولأننا سنطلّ على تجربة فاطمة بن محمود القصصية (من ثقب الباب[1]) فإن من المؤكّد أنّ وجود النقد السياسي اللاذع الجريء، والانتصار للقضايا القومية والإنسانية، لن يكون مفاجئاً للمتلقي الذي ألِفَ عندها هذه الأفكار في النصوص المختلفة التي أنتجتها.

تقدّم فاطمة بن محمود للقارئ في مجموعتها بضعاً وستين قصة قصيرة جداً تنفتح على الحب والحياة والحرية، وتطلّ على القضايا الوطنية والقومية للإنسان العربي، وتبدأ بإهداء للكاتبة الكويتية ليلى العثمان، بما يعنيه هذا الاسم من انتماء للحداثة والتحرر، تليه مقدّمة كتبها الناقد المغربي الأستاذ حميد ركاطة، يحدّد فيها الأطر الموضوعية والفنية التي تدور المبدعة في فلكها.

في قصصها القصيرة جداً تدقّ فاطمة أبوابَنا، وهي تطل من ثقب بابها الموصد بأصفاد الجهل والتخلف والضعف، لتعالج موضوعات سياسية واجتماعية، بجرأة لاذعة، وسخرية مرة، نجد مثالاً لها في قصة “القيء” التي تتناول قضية الوعود الانتخابية:

“كان يمشي متثاقلاً يلفّه خدر خفيف عندما فجأة باغتته رغبة حادة في القيء لم يستطع ردّها… مال إلى الجدار، واخرج كلّ أمعائه… انتبه أن جرعات القيء اندلقت على الجدار وتحديداً لطّخت صورة معلّقة انتخابية تزخر بالوعود…

أطلق قهقهة عالية ثم حاول هذه المرة أن يجهد نفسه، ليتقيّأ ثانية!![2]“.

ومن بابها تطلّ بعيداً على فلسطين (أو لعلها تطلّ قريباً بحكم المسافة الوجدانية)، فتقدّم قصصاً تمجّد نضال الفلسطينيين، وتفضح همجية الاحتلال الصهيوني، على نحو ما نجد في قصة “الغارة”، وهي قصة جميلة موحية، تعالج فيها القاصة لحظة من لحظات الدهشة التي يمر بها الفلسطينيون إثر كلّ قصف، حيث يتفقدون أحبابهم وأشياءهم:

“انتهت الغارة الإسرائيلية منذ لحظات، خلّفت وراءها دخاناً يتصاعد، محمّلاً بغبار الجدران المتساقطة.

اقتنصت الغارة روح الزوج الشاب. كان أشلاء مبعثرة تنظر إليها الزوجة وقد صُعقت.. بين ذهول وصراخ كانت شبه مجنونة وهي ترى بيتها ركاماً وزوجها قطعاً متناثرة.

ولم تنتبه لشظية كادت تقضي على رجلها، فكانت تجرها وهي لا تدري، تولول وبين يديها صغيرتها التي كانت تبكي بشدّة وتجتهد في أن تنفلت من بين ذراعي أمها. كان صراخ الطفلة شديداً وهي تحاول أن تتخلّص من حضن أمها لتلتقط دميتها من بين الأنقاض[3]“.

غير أننا إذ نتحدث عن القصة القصيرة جداً، فإننا نشير إلى أنّ هذه القصة تحتمل بعض الاختصار، أو التجزيء، أو التعدد، إذ نلاحظ مثلاً أن الجملة الأخيرة فقط، تشكّل حافزاً مهماً يمكن أن تبنى عليه قصة قصيرة جداً. ولعلنا نشير هنا إلى قصة كتبها أحمد جميل الحسن، بعنوان: “دمية” يبني فيها قصة على حافز مشابه. يقول فيها:

“دمرت الطائرات الإسرائيلية البيت على أصحابه، بدأت عملية الإنقاذ وانتشال الجثث، وخلال ذلك شوهدت قدم صغيرة تحت طرف السرير..

رفعوا السرير.. وجدوا تحته طفلة مضرجة بدمها، تحتضن دميتها لتحميها من الطائرات[4]“.

وعلى الرغم من أن أجواء الطفولة تبعد النصوص الإبداعية عن خطابية مفترضة، فإنّ القاصة تستند في بعض قصصها إلى خطابية، تؤذي شاعرية الفكرة التي تسعى إلى ترسيخها، على نحو ما نجد في قصة “عندما أكبر”؛ إذ تقدّم إنشاءً ذهنياً يمجّد فعل المقاومة بعيداً عن العلاقات الإنسانية للشخصيات التي تسوّغ هذا الموقف:

“جمعت المعلمة حولها الأطفال وقالت: ماذا تفكّرون أن تشتغلوا عندما تكبرون؟

فكّر الأول وقال: صيدلانياً.

برق في بال الثاني والده، فقال: معلّماً.

تردد الثالث قليلاً وقال: تاجراً.

هتف الطفل الفلسطيني: مقاوماً…[5]“.

ولا يبدو الموقف الذي ينتصر للقضية الفلسطيني بعيداً عن مواقف فاطمة التي تنتصر فيها للإنسان عامة، في لحظات ضعفه التي تحوّلها إلى نصوص إبداعية تهتم بأدقّ التفاصيل المؤثرة، على نحو ما نجد في قصة “اللاعب” التي أراها دّرة هذه المجموعة وواسطة عقدها، لما تختزنه أحداث تجسّد ألم الإنسان وأمله، وتقدّمها القاصة في ثوب فني بديع:

“يجلس وحده في مكان مرتفع، يتحسس ببصره رجليه الممدودتين أمامه ثم يصوّب البصر هناك حيث رفاقه يتقاذفون الكرة بينهم بمرح، وبسرعة وجد نفسه بينهم يفتكّ الكرة من هذا، ويراوغ ذاك، يسجّل هدفاً بحركة بارعة من رجليه، يصفّق قلبه طرباً، ويعود إلى بيته راكضاً، ليُفتح له الباب ولا يصبر، فيقفز على سور المنزل، تعترضه أمه حانقة من تصرفاته الرعناء، يرشوها بقبلة سريعة، ويفتح باب المطبخ بركلة من قدمه.

لا يزال جالساً في مكانه… رفاقه في هرجهم وهو وحيد يتحسس ببصره رجليه الضامرتين، ثم يستعين كعادته بالعكازين، ويقفل عائداً إلى بيته[6]“.

وفي لقطة إنسانية أخرى، تقدّم القاصة في قصة “أمل” مفارقة نادرة، ناتجة عن التناقض بين الفرح الذي يجنيه حفار القبور من دموع الناس، والحزن الذي يسيطر عليهم نتيجة فقدان أحبائهم:

“حفّار القبور انتظر يومه الثاني، ولم يدعُهُ أحدٌ لحفر قبر، لو صغير… تألم كثيراً لغياب الحركة في المقبرة، فهو يريد أن يشتري الفرح لعائلته!

مرّ النهار… جمع نفسه بتثاقل واقفل عائداً يحدوه أمل أن يكون الغد أفضل، فيفتح قبوراً كثيرة…[7]“.

وتأسيساً على مفهوم الثنائيات الضدّية الذي قامت عليه القصة السابقة، حيث الفرح يقابل الحزن، أقامت القاصة عدداً آخر من الثنائيات الأخرى لبناء المفارقة التي تعطي القصة القصيرة جداً جوهر وجودها، فانطلاقاً من المقابلة بين الحرية والسجن قدّمت القاصة قصة جميلة بعنوان “طيور ـ 1 ” تقول فيها:

“خاف الملك من رعيته أن تتوق للحرية.. حبس كل الطيور في أقفاص.

وعندما أعياه خوفه أتى بأقفاص أخرى وحبس فيها بيض الطيور[8]“.

كما بنت القاصة مفارقات أخرى استناداً إلى اللغة ذاتها، فشكّلت نهايات قصصها، ولحظة تنويرها اعتماداً على الأفعال المتضادة في المعنى، على نحو ما نجد في قصة “براءة”:

“كان الطفل في الثالثة من عمره تقريباً، يمسك كفّ والده العريضة، وبيده الأخرى كيس يفيض بالفشار كبُرَ على قبضته الصغيرة.

كان الطفل يبدو لذيذاً في سعادته الطفولية الغامرة بما يملك، عنّت منه التفاتةٌ فرآني أنظر إليه. ابتسمت له، ردّ بابتسامة جميلة. لوّحت له بيدي، لوّح الطفل بيده… تناثر الفشار على الأرض…

بكى الطفل، ضحكت أنا[9]“.

ها هنا تقوم المفارقة من تقابل فعلي (بكى، ضحكت)، وهي مفارقة لغوية مألوفة، قريبة المنال، كان قد لجأ إليها عدد من الكتاب، من مثل طلعت سقيرق الذي كتب قصة قصيرة جداً عنوانها “الفاعل” يقول فيها:

“اصطف الطلاب.. دخلوا بنظام، جلسوا على مقاعدهم بهدوء، قال المعلم: درسنا اليوم عن الفاعل.. من منكم يعرّف الفاعل؟؟

رفع أحد الطلاب إصبعه.. وقف.. تثاءب.. قال: الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا.. ضحك الطلاب، وبكى المعلم..[10]”

وتعدّ المرآة مصدراً من مصادر الإلهام لكتاب القصة القصيرة جداً، إذ تحفّز الناظر إليها على صناعة مفارقة من نوع ما، فقد يقوم برؤية شخص لا يشبهه في المرآة، وقد يرفض نفسه، ليشكّل في كل مرة إضافة جديدة للعلاقة بينه وبين صورته المنعكسة فيها. في قصة “تطابق” يرفض البطل ألفة الصورة التي يراها في المرآة، فيلجأ إلى حل سرعان ما يكتشف أنه مجرد سراب:

“رفع بصره ببطء فطالعه ككل مرة وجه مرهق رسم الزمن بعض الخطوط الجافة عليه، وجه اعتاد أن يطالعه في المرآة بنفس الملامح المتعبة[11].. بنفس النظرة الفاترة[12]، كم ملَّ هذا التطابق الكبير بينه وبين ذاته.. وفي لحظة خاطفة مدّ قبضته في اتجاه وجهه المنعكس أمامه.. فتطايرت قطع المرآة في الغرفة الضيقة… تطلّع إليها.. وجد وجهه قد انعكس في جميع القطع المتناثرة…[13]”

وتفيد الكاتبة، ما وسعها ذلك، من الإمكانات التي تتيحها الروافع المشتركة للغة الأدبية، بين الشعر والنثر، فتوظف الألوان في قصصها، وتقيم علاقات غير متوقعة بين الحواس المتعددة، من أجل إنتاج نص غني بالإيحاءات. ففي قصة “بالألوان” يرسم الطفل من وحي طفولة بريئة ألواناً تثير الفرح، ولكنه في لحظة فارقة يعود إلى طفولة فلسطينية تختلف عن طفولة الآخرين، ليضيف للوحته ألواناً تليق بجلال النكبة التي ما زال يعاني آثارها:

“في حصة التصوير، انكبّ الطفل على ورقته البيضاء بألوانه المختلفة.. كانت اللحظات تمرّ تدريجياً فتكشف عن طائرة جميلة بشبابيك متتالية، وأسفل الورقة مكعبات صغيرة يفترضها منازل.

ينظر الطفل إلى رسمه بإعجاب، أي لون يختار لذيل طائرته؟

وعنّت منه التفاتة فرأى المعلمة تجمع الأوراق التي عليها الرسوم من الأطفال… استعجله الأمر، بسرعة أخذ قلمه الأحمر، وأضاف زخّات نارية هي قنابل متساقطة على المنازل أسفل الورقة.

هكذا هي الطائرة التي اعتاد أن يراها في وطنه فلسطين[14]“.

وفي قصة “الفنان” تقدّم الكاتبة شكلاً بنائياً مبدعاً للقصة القصيرة جداً، إذ تعتمد على مزاوجة غير مألوفة بين اللوحة، وصانعها، فاللوحة جزء لا يتجزأ من عالم الفنان الحقيقي، يستعين به على جوع الدهر وظمئه اللذين يصبغان الحياة بطابع سوداوي:

“كان على جوع وظمأ شديدين ولم يكن لديه مال كافٍ.. لذا رسم على الصفحة البيضاء للورقة أطباقاً شهية وشراباً لذيذاً.. ازدرد الورقة ثم مصّ أصابعه من مرق الطعام المتقاطر…

ـ ما ألذّ الحياة.. لولا وخزات الفقر!!.[15]”

* * *

غير أن ثمة أمرين يبدوان ناشزين في صفحة الجمال التي تسطرها الكاتبة في قصصها القصيرة جداً، يتعلّق الأول بقدرتها على التكثيف، بينما يحيل الآخر على تكرار الفكرة ذاتها مرة بعد أخرى. ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المطعم[16]” التي تعاني من طول مقدّمتها، وتشبه تخطيطاً لقصة قصيرة، على الرغم من نبل الفكرة وطرافتها التي يمكن أن يحتملها شكل آخر من الكتابة، كما تمكن الإشارة إلى قصة “دورية الشرطة” التي تحكي حكاية مراوَدَتين تجريان في ليل بهيم:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها. وصفها بأبشع النعوت… ولم تلن. جثم عليها بقوة عضلاته وضغط القانون واغتصبها.

في الصباح بدأ التحقيق معها بتهمة المراودة، فأضافت اتهام حارس الأمن باغتصابها. وطالبت بتتبعه، مثلها، قانونياً. صُعق حارس الأمن… نظر إليها برعب مرة، وباستجادء مرة أخرى.

نظرت إليه بدهاء وهمست: “ما هكذا يُؤخذ الجسد يا سيدي[17]“.

إن هذه القصة التي تلجأ فيها الكاتبة للتفاصيل تحت ضغط الفكرة، تقدّم حوافز حكائية صغرى لا يجري استثمارها فيما بعد، في حين أن الفكرة ذاتها، يمكن تقديمها في مساحة نصية أصغر بكثير؛ إذ يمكن حذف ثلاثة أرباعها، وتقديم قصة قصيرة جداً أكثر نجاحاً وتكثيفاً وألقاً، تقول:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها.”

ويصدق الأمر نفسه على قصة “حنين” إذ يمكن للقاصة أن تستغني عن السطرين الأولين في القصة، دون تأثير يذكر على بنية القص، بل إن تأثير ذلك سيكون إيجابياً، ذلك أنّ التكثيف هو من أخص خصائص القصة القصيرة جداً. تقول القصة:

“في الغرفة الماجورة ينام طفلهما بسلام.

الآن هما… في الفراش.

في عمق الظلام يتعانقان في صمت.

تتحسس رقبته بكف ناعمة، ويضغط على خصرها برقّة، ويلتحمان…

بعيون مغمضة… كل واحد يترك جسده للآخر

في منتهى السكون أنفاس حارة وآهات مشدودة.

كلّ منهما يتخيّل حبيباً أضاعه في رحلة العمر[18].”

وهذه القصة تقدّم حكاية تشبه حكاية أخرى قدّمتها القاصة في “الفانوس المظلم[19]” من حيث الفكرة، ومن حيث التكنيك، وإن كانت قصة الفانوس المظلم تقدم زوجاً محباً وزوجة خائنة.

ويذكر هنا أن هذا التشابه بين القصتين ليس وحيداً، إذ ثمة تشابهات أخرى، يبدو أنها تؤرق الكاتبة، فتعمد إلى الإلحاح عليها، ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المقهى” التي تقول:

“لا يوجد في المقهى إلا هما الاثنان: رجل يرتشف قهةته ببطء، ويتربّص بامرأة في الطرف الآخر من المقهى علّه يظفر بلقاء لذيذ معها، ويرتشف عن قرب ابتسامتها.

هي ترتشف قهوتها بهدوء، وتتربص بفكرة ممكنة تصلح لتكون موضوعاً جميلاً على طاولة السرد اللذيذ.

لا يزال هو ينتظر، لا تزال هي تأمل.

السارد وحده نجح في مهمته[20]“.

ونشير هنا أنّ هذه القصة تشبه إلى حد كبير قصة أخرى عنوانها “فكرة[21]” تحكي عن أمراة في المقهى، تتربص بها العيون، بينما تتربص هي بفكرة ممكنة لقصة قصيرة جداً.

* * *

نحن إذاً أمام قاصة تختزل الوطن (اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً) في قصصص قصيرة جداً، تبني مفارقاتها، بكل نجاح، استناداً إلى تناقضات الواقع ذاته، وتقدّم حكاية تنجح في تكثيفها في معظم الأحيان، ولكنها تلحّ على ما يواجه المجتمع من مشكلات، فتكررها حتى تقرّع آذاننا، ربما من أجل أن تدفعنا إلى الإسهام في حلّها..

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً    الثلاثاء أغسطس 20, 2013 3:34 am

admin كتب:
في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً (4)

فاطمة بن محمود تطلّ على الوطن

“من ثقب الباب”

د. يوسف حطينيCouv Bab2

يكتب المبدع حين يكتب، بثقافته الكلية، وبذائقته الشاملة، فإذا جرّب شاعرٌ كتابة مقالة سياسية تسرّبت لغة الشعر، رغماً عنه، إلى مقالته، وإن كتب مفكّرٌ قصيدةً هربت مفردات الفكر الذهنية إلى قصيدته التي حاول كتابتها ذات وحي إبداعي. وهكذا فإن منتج الأدب والفكر لا ينجح دائماً في فصل ذواته المتعددة عن بعضها، بقرار منه؛ إذ تتم الكتابة في حالة من الاندغام غير الواعي بين ثقافات المرء وذائقاته الأدبية والسياسية والفكرية، وتنتج نصّاً لا يعبّر عن (أنا) مختلفة في كلّ مرة، بل يعبّر عن كل الأنَوات المتناقضة المتصارعة داخل المبدع.

في تجربة فاطمة بن محمود، الشاعرة والناقدة والصحفية والقاصة، تمتزج الأنوات لتنتج نصوصاً ذات خصائص متشابهة، وذات بنى فكرية يستطيع القارئ تلمّسها في أشكال الكتابة المختلفة؛ إذ ثمة إصرار على حرية المرء الشخصية والوطنية والإنسانية، وثمة قرار بالإسهام في تجديد الكتابة الإبداعية شكلاً ومحتوى، في الشعر والقصة على حدّ سواء.

ولأننا سنطلّ على تجربة فاطمة بن محمود القصصية (من ثقب الباب[1]) فإن من المؤكّد أنّ وجود النقد السياسي اللاذع الجريء، والانتصار للقضايا القومية والإنسانية، لن يكون مفاجئاً للمتلقي الذي ألِفَ عندها هذه الأفكار في النصوص المختلفة التي أنتجتها.

تقدّم فاطمة بن محمود للقارئ في مجموعتها بضعاً وستين قصة قصيرة جداً تنفتح على الحب والحياة والحرية، وتطلّ على القضايا الوطنية والقومية للإنسان العربي، وتبدأ بإهداء للكاتبة الكويتية ليلى العثمان، بما يعنيه هذا الاسم من انتماء للحداثة والتحرر، تليه مقدّمة كتبها الناقد المغربي الأستاذ حميد ركاطة، يحدّد فيها الأطر الموضوعية والفنية التي تدور المبدعة في فلكها.

في قصصها القصيرة جداً تدقّ فاطمة أبوابَنا، وهي تطل من ثقب بابها الموصد بأصفاد الجهل والتخلف والضعف، لتعالج موضوعات سياسية واجتماعية، بجرأة لاذعة، وسخرية مرة، نجد مثالاً لها في قصة “القيء” التي تتناول قضية الوعود الانتخابية:

“كان يمشي متثاقلاً يلفّه خدر خفيف عندما فجأة باغتته رغبة حادة في القيء لم يستطع ردّها… مال إلى الجدار، واخرج كلّ أمعائه… انتبه أن جرعات القيء اندلقت على الجدار وتحديداً لطّخت صورة معلّقة انتخابية تزخر بالوعود…

أطلق قهقهة عالية ثم حاول هذه المرة أن يجهد نفسه، ليتقيّأ ثانية!![2]“.

ومن بابها تطلّ بعيداً على فلسطين (أو لعلها تطلّ قريباً بحكم المسافة الوجدانية)، فتقدّم قصصاً تمجّد نضال الفلسطينيين، وتفضح همجية الاحتلال الصهيوني، على نحو ما نجد في قصة “الغارة”، وهي قصة جميلة موحية، تعالج فيها القاصة لحظة من لحظات الدهشة التي يمر بها الفلسطينيون إثر كلّ قصف، حيث يتفقدون أحبابهم وأشياءهم:

“انتهت الغارة الإسرائيلية منذ لحظات، خلّفت وراءها دخاناً يتصاعد، محمّلاً بغبار الجدران المتساقطة.

اقتنصت الغارة روح الزوج الشاب. كان أشلاء مبعثرة تنظر إليها الزوجة وقد صُعقت.. بين ذهول وصراخ كانت شبه مجنونة وهي ترى بيتها ركاماً وزوجها قطعاً متناثرة.

ولم تنتبه لشظية كادت تقضي على رجلها، فكانت تجرها وهي لا تدري، تولول وبين يديها صغيرتها التي كانت تبكي بشدّة وتجتهد في أن تنفلت من بين ذراعي أمها. كان صراخ الطفلة شديداً وهي تحاول أن تتخلّص من حضن أمها لتلتقط دميتها من بين الأنقاض[3]“.

غير أننا إذ نتحدث عن القصة القصيرة جداً، فإننا نشير إلى أنّ هذه القصة تحتمل بعض الاختصار، أو التجزيء، أو التعدد، إذ نلاحظ مثلاً أن الجملة الأخيرة فقط، تشكّل حافزاً مهماً يمكن أن تبنى عليه قصة قصيرة جداً. ولعلنا نشير هنا إلى قصة كتبها أحمد جميل الحسن، بعنوان: “دمية” يبني فيها قصة على حافز مشابه. يقول فيها:

“دمرت الطائرات الإسرائيلية البيت على أصحابه، بدأت عملية الإنقاذ وانتشال الجثث، وخلال ذلك شوهدت قدم صغيرة تحت طرف السرير..

رفعوا السرير.. وجدوا تحته طفلة مضرجة بدمها، تحتضن دميتها لتحميها من الطائرات[4]“.

وعلى الرغم من أن أجواء الطفولة تبعد النصوص الإبداعية عن خطابية مفترضة، فإنّ القاصة تستند في بعض قصصها إلى خطابية، تؤذي شاعرية الفكرة التي تسعى إلى ترسيخها، على نحو ما نجد في قصة “عندما أكبر”؛ إذ تقدّم إنشاءً ذهنياً يمجّد فعل المقاومة بعيداً عن العلاقات الإنسانية للشخصيات التي تسوّغ هذا الموقف:

“جمعت المعلمة حولها الأطفال وقالت: ماذا تفكّرون أن تشتغلوا عندما تكبرون؟

فكّر الأول وقال: صيدلانياً.

برق في بال الثاني والده، فقال: معلّماً.

تردد الثالث قليلاً وقال: تاجراً.

هتف الطفل الفلسطيني: مقاوماً…[5]“.

ولا يبدو الموقف الذي ينتصر للقضية الفلسطيني بعيداً عن مواقف فاطمة التي تنتصر فيها للإنسان عامة، في لحظات ضعفه التي تحوّلها إلى نصوص إبداعية تهتم بأدقّ التفاصيل المؤثرة، على نحو ما نجد في قصة “اللاعب” التي أراها دّرة هذه المجموعة وواسطة عقدها، لما تختزنه أحداث تجسّد ألم الإنسان وأمله، وتقدّمها القاصة في ثوب فني بديع:

“يجلس وحده في مكان مرتفع، يتحسس ببصره رجليه الممدودتين أمامه ثم يصوّب البصر هناك حيث رفاقه يتقاذفون الكرة بينهم بمرح، وبسرعة وجد نفسه بينهم يفتكّ الكرة من هذا، ويراوغ ذاك، يسجّل هدفاً بحركة بارعة من رجليه، يصفّق قلبه طرباً، ويعود إلى بيته راكضاً، ليُفتح له الباب ولا يصبر، فيقفز على سور المنزل، تعترضه أمه حانقة من تصرفاته الرعناء، يرشوها بقبلة سريعة، ويفتح باب المطبخ بركلة من قدمه.

لا يزال جالساً في مكانه… رفاقه في هرجهم وهو وحيد يتحسس ببصره رجليه الضامرتين، ثم يستعين كعادته بالعكازين، ويقفل عائداً إلى بيته[6]“.

وفي لقطة إنسانية أخرى، تقدّم القاصة في قصة “أمل” مفارقة نادرة، ناتجة عن التناقض بين الفرح الذي يجنيه حفار القبور من دموع الناس، والحزن الذي يسيطر عليهم نتيجة فقدان أحبائهم:

“حفّار القبور انتظر يومه الثاني، ولم يدعُهُ أحدٌ لحفر قبر، لو صغير… تألم كثيراً لغياب الحركة في المقبرة، فهو يريد أن يشتري الفرح لعائلته!

مرّ النهار… جمع نفسه بتثاقل واقفل عائداً يحدوه أمل أن يكون الغد أفضل، فيفتح قبوراً كثيرة…[7]“.

وتأسيساً على مفهوم الثنائيات الضدّية الذي قامت عليه القصة السابقة، حيث الفرح يقابل الحزن، أقامت القاصة عدداً آخر من الثنائيات الأخرى لبناء المفارقة التي تعطي القصة القصيرة جداً جوهر وجودها، فانطلاقاً من المقابلة بين الحرية والسجن قدّمت القاصة قصة جميلة بعنوان “طيور ـ 1 ” تقول فيها:

“خاف الملك من رعيته أن تتوق للحرية.. حبس كل الطيور في أقفاص.

وعندما أعياه خوفه أتى بأقفاص أخرى وحبس فيها بيض الطيور[8]“.

كما بنت القاصة مفارقات أخرى استناداً إلى اللغة ذاتها، فشكّلت نهايات قصصها، ولحظة تنويرها اعتماداً على الأفعال المتضادة في المعنى، على نحو ما نجد في قصة “براءة”:

“كان الطفل في الثالثة من عمره تقريباً، يمسك كفّ والده العريضة، وبيده الأخرى كيس يفيض بالفشار كبُرَ على قبضته الصغيرة.

كان الطفل يبدو لذيذاً في سعادته الطفولية الغامرة بما يملك، عنّت منه التفاتةٌ فرآني أنظر إليه. ابتسمت له، ردّ بابتسامة جميلة. لوّحت له بيدي، لوّح الطفل بيده… تناثر الفشار على الأرض…

بكى الطفل، ضحكت أنا[9]“.

ها هنا تقوم المفارقة من تقابل فعلي (بكى، ضحكت)، وهي مفارقة لغوية مألوفة، قريبة المنال، كان قد لجأ إليها عدد من الكتاب، من مثل طلعت سقيرق الذي كتب قصة قصيرة جداً عنوانها “الفاعل” يقول فيها:

“اصطف الطلاب.. دخلوا بنظام، جلسوا على مقاعدهم بهدوء، قال المعلم: درسنا اليوم عن الفاعل.. من منكم يعرّف الفاعل؟؟

رفع أحد الطلاب إصبعه.. وقف.. تثاءب.. قال: الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا.. ضحك الطلاب، وبكى المعلم..[10]”

وتعدّ المرآة مصدراً من مصادر الإلهام لكتاب القصة القصيرة جداً، إذ تحفّز الناظر إليها على صناعة مفارقة من نوع ما، فقد يقوم برؤية شخص لا يشبهه في المرآة، وقد يرفض نفسه، ليشكّل في كل مرة إضافة جديدة للعلاقة بينه وبين صورته المنعكسة فيها. في قصة “تطابق” يرفض البطل ألفة الصورة التي يراها في المرآة، فيلجأ إلى حل سرعان ما يكتشف أنه مجرد سراب:

“رفع بصره ببطء فطالعه ككل مرة وجه مرهق رسم الزمن بعض الخطوط الجافة عليه، وجه اعتاد أن يطالعه في المرآة بنفس الملامح المتعبة[11].. بنفس النظرة الفاترة[12]، كم ملَّ هذا التطابق الكبير بينه وبين ذاته.. وفي لحظة خاطفة مدّ قبضته في اتجاه وجهه المنعكس أمامه.. فتطايرت قطع المرآة في الغرفة الضيقة… تطلّع إليها.. وجد وجهه قد انعكس في جميع القطع المتناثرة…[13]”

وتفيد الكاتبة، ما وسعها ذلك، من الإمكانات التي تتيحها الروافع المشتركة للغة الأدبية، بين الشعر والنثر، فتوظف الألوان في قصصها، وتقيم علاقات غير متوقعة بين الحواس المتعددة، من أجل إنتاج نص غني بالإيحاءات. ففي قصة “بالألوان” يرسم الطفل من وحي طفولة بريئة ألواناً تثير الفرح، ولكنه في لحظة فارقة يعود إلى طفولة فلسطينية تختلف عن طفولة الآخرين، ليضيف للوحته ألواناً تليق بجلال النكبة التي ما زال يعاني آثارها:

“في حصة التصوير، انكبّ الطفل على ورقته البيضاء بألوانه المختلفة.. كانت اللحظات تمرّ تدريجياً فتكشف عن طائرة جميلة بشبابيك متتالية، وأسفل الورقة مكعبات صغيرة يفترضها منازل.

ينظر الطفل إلى رسمه بإعجاب، أي لون يختار لذيل طائرته؟

وعنّت منه التفاتة فرأى المعلمة تجمع الأوراق التي عليها الرسوم من الأطفال… استعجله الأمر، بسرعة أخذ قلمه الأحمر، وأضاف زخّات نارية هي قنابل متساقطة على المنازل أسفل الورقة.

هكذا هي الطائرة التي اعتاد أن يراها في وطنه فلسطين[14]“.

وفي قصة “الفنان” تقدّم الكاتبة شكلاً بنائياً مبدعاً للقصة القصيرة جداً، إذ تعتمد على مزاوجة غير مألوفة بين اللوحة، وصانعها، فاللوحة جزء لا يتجزأ من عالم الفنان الحقيقي، يستعين به على جوع الدهر وظمئه اللذين يصبغان الحياة بطابع سوداوي:

“كان على جوع وظمأ شديدين ولم يكن لديه مال كافٍ.. لذا رسم على الصفحة البيضاء للورقة أطباقاً شهية وشراباً لذيذاً.. ازدرد الورقة ثم مصّ أصابعه من مرق الطعام المتقاطر…

ـ ما ألذّ الحياة.. لولا وخزات الفقر!!.[15]”

* * *

غير أن ثمة أمرين يبدوان ناشزين في صفحة الجمال التي تسطرها الكاتبة في قصصها القصيرة جداً، يتعلّق الأول بقدرتها على التكثيف، بينما يحيل الآخر على تكرار الفكرة ذاتها مرة بعد أخرى. ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المطعم[16]” التي تعاني من طول مقدّمتها، وتشبه تخطيطاً لقصة قصيرة، على الرغم من نبل الفكرة وطرافتها التي يمكن أن يحتملها شكل آخر من الكتابة، كما تمكن الإشارة إلى قصة “دورية الشرطة” التي تحكي حكاية مراوَدَتين تجريان في ليل بهيم:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها. وصفها بأبشع النعوت… ولم تلن. جثم عليها بقوة عضلاته وضغط القانون واغتصبها.

في الصباح بدأ التحقيق معها بتهمة المراودة، فأضافت اتهام حارس الأمن باغتصابها. وطالبت بتتبعه، مثلها، قانونياً. صُعق حارس الأمن… نظر إليها برعب مرة، وباستجادء مرة أخرى.

نظرت إليه بدهاء وهمست: “ما هكذا يُؤخذ الجسد يا سيدي[17]“.

إن هذه القصة التي تلجأ فيها الكاتبة للتفاصيل تحت ضغط الفكرة، تقدّم حوافز حكائية صغرى لا يجري استثمارها فيما بعد، في حين أن الفكرة ذاتها، يمكن تقديمها في مساحة نصية أصغر بكثير؛ إذ يمكن حذف ثلاثة أرباعها، وتقديم قصة قصيرة جداً أكثر نجاحاً وتكثيفاً وألقاً، تقول:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها.”

ويصدق الأمر نفسه على قصة “حنين” إذ يمكن للقاصة أن تستغني عن السطرين الأولين في القصة، دون تأثير يذكر على بنية القص، بل إن تأثير ذلك سيكون إيجابياً، ذلك أنّ التكثيف هو من أخص خصائص القصة القصيرة جداً. تقول القصة:

“في الغرفة الماجورة ينام طفلهما بسلام.

الآن هما… في الفراش.

في عمق الظلام يتعانقان في صمت.

تتحسس رقبته بكف ناعمة، ويضغط على خصرها برقّة، ويلتحمان…

بعيون مغمضة… كل واحد يترك جسده للآخر

في منتهى السكون أنفاس حارة وآهات مشدودة.

كلّ منهما يتخيّل حبيباً أضاعه في رحلة العمر[18].”

وهذه القصة تقدّم حكاية تشبه حكاية أخرى قدّمتها القاصة في “الفانوس المظلم[19]” من حيث الفكرة، ومن حيث التكنيك، وإن كانت قصة الفانوس المظلم تقدم زوجاً محباً وزوجة خائنة.

ويذكر هنا أن هذا التشابه بين القصتين ليس وحيداً، إذ ثمة تشابهات أخرى، يبدو أنها تؤرق الكاتبة، فتعمد إلى الإلحاح عليها، ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المقهى” التي تقول:

“لا يوجد في المقهى إلا هما الاثنان: رجل يرتشف قهةته ببطء، ويتربّص بامرأة في الطرف الآخر من المقهى علّه يظفر بلقاء لذيذ معها، ويرتشف عن قرب ابتسامتها.

هي ترتشف قهوتها بهدوء، وتتربص بفكرة ممكنة تصلح لتكون موضوعاً جميلاً على طاولة السرد اللذيذ.

لا يزال هو ينتظر، لا تزال هي تأمل.

السارد وحده نجح في مهمته[20]“.

ونشير هنا أنّ هذه القصة تشبه إلى حد كبير قصة أخرى عنوانها “فكرة[21]” تحكي عن أمراة في المقهى، تتربص بها العيون، بينما تتربص هي بفكرة ممكنة لقصة قصيرة جداً.

* * *

نحن إذاً أمام قاصة تختزل الوطن (اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً) في قصصص قصيرة جداً، تبني مفارقاتها، بكل نجاح، استناداً إلى تناقضات الواقع ذاته، وتقدّم حكاية تنجح في تكثيفها في معظم الأحيان، ولكنها تلحّ على ما يواجه المجتمع من مشكلات، فتكررها حتى تقرّع آذاننا، ربما من أجل أن تدفعنا إلى الإسهام في حلّها..

*
عن فاطمة بن محمود

سيرة ذاتية من مواليد العاصمة خرّيجة كلية الأداب بتونس " قسم الفلسفة " عضوة بالهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب التونسيين / مستقيلة ( 2011 -2013 ) عضوة مؤسسة للرابطة العربية لكُتّاب القصة القصيرة جدا مراسلة مجلة " الامارات الثقافية " بتونس لها بطاقة اسبوعية بعنوان " فاطميات ". تكتب القصيد النثري و القصة القصيرة جدا و المقالة النقدية و لها اهتمام بالتصوير الفوتوغرافي و السينما. اختارها المجمع التونسي للعلوم و الآداب و الفنون " بيت الحكمة " من أبرز الشخصيات الأدبية التونسية في النصف الثاني من القرن العشرين. أصدرت 3 مجموعات شعرية على نفقتها الخاصة : الأولى بعنوان " رغبة أخرى لا تعنيني " و الثانية بعنوان "ما لم يقله القصيد" و الثالثة بعنوان " الوردة التي لا .. أسمّيها " و صدر لها أخيرا في السيرة الذاتية الروائية كتاب " امرأة في زمن الثورة " عن منشورات كارم الشريف. و كتاب بعنوان " احلام تمدّ اصابعها " بالاشتراك مع الكاتب المغربي عبد الله المتقي و كتاب قصصي بعنوان " من ثقب الباب " قصص قصيرة جدا شاركت في العديد من المهرجانات الأدبية في تونس و خارجها . متزوجة و أم لثلاث أطفال.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً    الإثنين سبتمبر 23, 2013 5:26 pm

admin كتب:
في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً (4)

فاطمة بن محمود تطلّ على الوطن

“من ثقب الباب”

د. يوسف حطينيCouv Bab2

يكتب المبدع حين يكتب، بثقافته الكلية، وبذائقته الشاملة، فإذا جرّب شاعرٌ كتابة مقالة سياسية تسرّبت لغة الشعر، رغماً عنه، إلى مقالته، وإن كتب مفكّرٌ قصيدةً هربت مفردات الفكر الذهنية إلى قصيدته التي حاول كتابتها ذات وحي إبداعي. وهكذا فإن منتج الأدب والفكر لا ينجح دائماً في فصل ذواته المتعددة عن بعضها، بقرار منه؛ إذ تتم الكتابة في حالة من الاندغام غير الواعي بين ثقافات المرء وذائقاته الأدبية والسياسية والفكرية، وتنتج نصّاً لا يعبّر عن (أنا) مختلفة في كلّ مرة، بل يعبّر عن كل الأنَوات المتناقضة المتصارعة داخل المبدع.

في تجربة فاطمة بن محمود، الشاعرة والناقدة والصحفية والقاصة، تمتزج الأنوات لتنتج نصوصاً ذات خصائص متشابهة، وذات بنى فكرية يستطيع القارئ تلمّسها في أشكال الكتابة المختلفة؛ إذ ثمة إصرار على حرية المرء الشخصية والوطنية والإنسانية، وثمة قرار بالإسهام في تجديد الكتابة الإبداعية شكلاً ومحتوى، في الشعر والقصة على حدّ سواء.

ولأننا سنطلّ على تجربة فاطمة بن محمود القصصية (من ثقب الباب[1]) فإن من المؤكّد أنّ وجود النقد السياسي اللاذع الجريء، والانتصار للقضايا القومية والإنسانية، لن يكون مفاجئاً للمتلقي الذي ألِفَ عندها هذه الأفكار في النصوص المختلفة التي أنتجتها.

تقدّم فاطمة بن محمود للقارئ في مجموعتها بضعاً وستين قصة قصيرة جداً تنفتح على الحب والحياة والحرية، وتطلّ على القضايا الوطنية والقومية للإنسان العربي، وتبدأ بإهداء للكاتبة الكويتية ليلى العثمان، بما يعنيه هذا الاسم من انتماء للحداثة والتحرر، تليه مقدّمة كتبها الناقد المغربي الأستاذ حميد ركاطة، يحدّد فيها الأطر الموضوعية والفنية التي تدور المبدعة في فلكها.

في قصصها القصيرة جداً تدقّ فاطمة أبوابَنا، وهي تطل من ثقب بابها الموصد بأصفاد الجهل والتخلف والضعف، لتعالج موضوعات سياسية واجتماعية، بجرأة لاذعة، وسخرية مرة، نجد مثالاً لها في قصة “القيء” التي تتناول قضية الوعود الانتخابية:

“كان يمشي متثاقلاً يلفّه خدر خفيف عندما فجأة باغتته رغبة حادة في القيء لم يستطع ردّها… مال إلى الجدار، واخرج كلّ أمعائه… انتبه أن جرعات القيء اندلقت على الجدار وتحديداً لطّخت صورة معلّقة انتخابية تزخر بالوعود…

أطلق قهقهة عالية ثم حاول هذه المرة أن يجهد نفسه، ليتقيّأ ثانية!![2]“.

ومن بابها تطلّ بعيداً على فلسطين (أو لعلها تطلّ قريباً بحكم المسافة الوجدانية)، فتقدّم قصصاً تمجّد نضال الفلسطينيين، وتفضح همجية الاحتلال الصهيوني، على نحو ما نجد في قصة “الغارة”، وهي قصة جميلة موحية، تعالج فيها القاصة لحظة من لحظات الدهشة التي يمر بها الفلسطينيون إثر كلّ قصف، حيث يتفقدون أحبابهم وأشياءهم:

“انتهت الغارة الإسرائيلية منذ لحظات، خلّفت وراءها دخاناً يتصاعد، محمّلاً بغبار الجدران المتساقطة.

اقتنصت الغارة روح الزوج الشاب. كان أشلاء مبعثرة تنظر إليها الزوجة وقد صُعقت.. بين ذهول وصراخ كانت شبه مجنونة وهي ترى بيتها ركاماً وزوجها قطعاً متناثرة.

ولم تنتبه لشظية كادت تقضي على رجلها، فكانت تجرها وهي لا تدري، تولول وبين يديها صغيرتها التي كانت تبكي بشدّة وتجتهد في أن تنفلت من بين ذراعي أمها. كان صراخ الطفلة شديداً وهي تحاول أن تتخلّص من حضن أمها لتلتقط دميتها من بين الأنقاض[3]“.

غير أننا إذ نتحدث عن القصة القصيرة جداً، فإننا نشير إلى أنّ هذه القصة تحتمل بعض الاختصار، أو التجزيء، أو التعدد، إذ نلاحظ مثلاً أن الجملة الأخيرة فقط، تشكّل حافزاً مهماً يمكن أن تبنى عليه قصة قصيرة جداً. ولعلنا نشير هنا إلى قصة كتبها أحمد جميل الحسن، بعنوان: “دمية” يبني فيها قصة على حافز مشابه. يقول فيها:

“دمرت الطائرات الإسرائيلية البيت على أصحابه، بدأت عملية الإنقاذ وانتشال الجثث، وخلال ذلك شوهدت قدم صغيرة تحت طرف السرير..

رفعوا السرير.. وجدوا تحته طفلة مضرجة بدمها، تحتضن دميتها لتحميها من الطائرات[4]“.

وعلى الرغم من أن أجواء الطفولة تبعد النصوص الإبداعية عن خطابية مفترضة، فإنّ القاصة تستند في بعض قصصها إلى خطابية، تؤذي شاعرية الفكرة التي تسعى إلى ترسيخها، على نحو ما نجد في قصة “عندما أكبر”؛ إذ تقدّم إنشاءً ذهنياً يمجّد فعل المقاومة بعيداً عن العلاقات الإنسانية للشخصيات التي تسوّغ هذا الموقف:

“جمعت المعلمة حولها الأطفال وقالت: ماذا تفكّرون أن تشتغلوا عندما تكبرون؟

فكّر الأول وقال: صيدلانياً.

برق في بال الثاني والده، فقال: معلّماً.

تردد الثالث قليلاً وقال: تاجراً.

هتف الطفل الفلسطيني: مقاوماً…[5]“.

ولا يبدو الموقف الذي ينتصر للقضية الفلسطيني بعيداً عن مواقف فاطمة التي تنتصر فيها للإنسان عامة، في لحظات ضعفه التي تحوّلها إلى نصوص إبداعية تهتم بأدقّ التفاصيل المؤثرة، على نحو ما نجد في قصة “اللاعب” التي أراها دّرة هذه المجموعة وواسطة عقدها، لما تختزنه أحداث تجسّد ألم الإنسان وأمله، وتقدّمها القاصة في ثوب فني بديع:

“يجلس وحده في مكان مرتفع، يتحسس ببصره رجليه الممدودتين أمامه ثم يصوّب البصر هناك حيث رفاقه يتقاذفون الكرة بينهم بمرح، وبسرعة وجد نفسه بينهم يفتكّ الكرة من هذا، ويراوغ ذاك، يسجّل هدفاً بحركة بارعة من رجليه، يصفّق قلبه طرباً، ويعود إلى بيته راكضاً، ليُفتح له الباب ولا يصبر، فيقفز على سور المنزل، تعترضه أمه حانقة من تصرفاته الرعناء، يرشوها بقبلة سريعة، ويفتح باب المطبخ بركلة من قدمه.

لا يزال جالساً في مكانه… رفاقه في هرجهم وهو وحيد يتحسس ببصره رجليه الضامرتين، ثم يستعين كعادته بالعكازين، ويقفل عائداً إلى بيته[6]“.

وفي لقطة إنسانية أخرى، تقدّم القاصة في قصة “أمل” مفارقة نادرة، ناتجة عن التناقض بين الفرح الذي يجنيه حفار القبور من دموع الناس، والحزن الذي يسيطر عليهم نتيجة فقدان أحبائهم:

“حفّار القبور انتظر يومه الثاني، ولم يدعُهُ أحدٌ لحفر قبر، لو صغير… تألم كثيراً لغياب الحركة في المقبرة، فهو يريد أن يشتري الفرح لعائلته!

مرّ النهار… جمع نفسه بتثاقل واقفل عائداً يحدوه أمل أن يكون الغد أفضل، فيفتح قبوراً كثيرة…[7]“.

وتأسيساً على مفهوم الثنائيات الضدّية الذي قامت عليه القصة السابقة، حيث الفرح يقابل الحزن، أقامت القاصة عدداً آخر من الثنائيات الأخرى لبناء المفارقة التي تعطي القصة القصيرة جداً جوهر وجودها، فانطلاقاً من المقابلة بين الحرية والسجن قدّمت القاصة قصة جميلة بعنوان “طيور ـ 1 ” تقول فيها:

“خاف الملك من رعيته أن تتوق للحرية.. حبس كل الطيور في أقفاص.

وعندما أعياه خوفه أتى بأقفاص أخرى وحبس فيها بيض الطيور[8]“.

كما بنت القاصة مفارقات أخرى استناداً إلى اللغة ذاتها، فشكّلت نهايات قصصها، ولحظة تنويرها اعتماداً على الأفعال المتضادة في المعنى، على نحو ما نجد في قصة “براءة”:

“كان الطفل في الثالثة من عمره تقريباً، يمسك كفّ والده العريضة، وبيده الأخرى كيس يفيض بالفشار كبُرَ على قبضته الصغيرة.

كان الطفل يبدو لذيذاً في سعادته الطفولية الغامرة بما يملك، عنّت منه التفاتةٌ فرآني أنظر إليه. ابتسمت له، ردّ بابتسامة جميلة. لوّحت له بيدي، لوّح الطفل بيده… تناثر الفشار على الأرض…

بكى الطفل، ضحكت أنا[9]“.

ها هنا تقوم المفارقة من تقابل فعلي (بكى، ضحكت)، وهي مفارقة لغوية مألوفة، قريبة المنال، كان قد لجأ إليها عدد من الكتاب، من مثل طلعت سقيرق الذي كتب قصة قصيرة جداً عنوانها “الفاعل” يقول فيها:

“اصطف الطلاب.. دخلوا بنظام، جلسوا على مقاعدهم بهدوء، قال المعلم: درسنا اليوم عن الفاعل.. من منكم يعرّف الفاعل؟؟

رفع أحد الطلاب إصبعه.. وقف.. تثاءب.. قال: الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا.. ضحك الطلاب، وبكى المعلم..[10]”

وتعدّ المرآة مصدراً من مصادر الإلهام لكتاب القصة القصيرة جداً، إذ تحفّز الناظر إليها على صناعة مفارقة من نوع ما، فقد يقوم برؤية شخص لا يشبهه في المرآة، وقد يرفض نفسه، ليشكّل في كل مرة إضافة جديدة للعلاقة بينه وبين صورته المنعكسة فيها. في قصة “تطابق” يرفض البطل ألفة الصورة التي يراها في المرآة، فيلجأ إلى حل سرعان ما يكتشف أنه مجرد سراب:

“رفع بصره ببطء فطالعه ككل مرة وجه مرهق رسم الزمن بعض الخطوط الجافة عليه، وجه اعتاد أن يطالعه في المرآة بنفس الملامح المتعبة[11].. بنفس النظرة الفاترة[12]، كم ملَّ هذا التطابق الكبير بينه وبين ذاته.. وفي لحظة خاطفة مدّ قبضته في اتجاه وجهه المنعكس أمامه.. فتطايرت قطع المرآة في الغرفة الضيقة… تطلّع إليها.. وجد وجهه قد انعكس في جميع القطع المتناثرة…[13]”

وتفيد الكاتبة، ما وسعها ذلك، من الإمكانات التي تتيحها الروافع المشتركة للغة الأدبية، بين الشعر والنثر، فتوظف الألوان في قصصها، وتقيم علاقات غير متوقعة بين الحواس المتعددة، من أجل إنتاج نص غني بالإيحاءات. ففي قصة “بالألوان” يرسم الطفل من وحي طفولة بريئة ألواناً تثير الفرح، ولكنه في لحظة فارقة يعود إلى طفولة فلسطينية تختلف عن طفولة الآخرين، ليضيف للوحته ألواناً تليق بجلال النكبة التي ما زال يعاني آثارها:

“في حصة التصوير، انكبّ الطفل على ورقته البيضاء بألوانه المختلفة.. كانت اللحظات تمرّ تدريجياً فتكشف عن طائرة جميلة بشبابيك متتالية، وأسفل الورقة مكعبات صغيرة يفترضها منازل.

ينظر الطفل إلى رسمه بإعجاب، أي لون يختار لذيل طائرته؟

وعنّت منه التفاتة فرأى المعلمة تجمع الأوراق التي عليها الرسوم من الأطفال… استعجله الأمر، بسرعة أخذ قلمه الأحمر، وأضاف زخّات نارية هي قنابل متساقطة على المنازل أسفل الورقة.

هكذا هي الطائرة التي اعتاد أن يراها في وطنه فلسطين[14]“.

وفي قصة “الفنان” تقدّم الكاتبة شكلاً بنائياً مبدعاً للقصة القصيرة جداً، إذ تعتمد على مزاوجة غير مألوفة بين اللوحة، وصانعها، فاللوحة جزء لا يتجزأ من عالم الفنان الحقيقي، يستعين به على جوع الدهر وظمئه اللذين يصبغان الحياة بطابع سوداوي:

“كان على جوع وظمأ شديدين ولم يكن لديه مال كافٍ.. لذا رسم على الصفحة البيضاء للورقة أطباقاً شهية وشراباً لذيذاً.. ازدرد الورقة ثم مصّ أصابعه من مرق الطعام المتقاطر…

ـ ما ألذّ الحياة.. لولا وخزات الفقر!!.[15]”

* * *

غير أن ثمة أمرين يبدوان ناشزين في صفحة الجمال التي تسطرها الكاتبة في قصصها القصيرة جداً، يتعلّق الأول بقدرتها على التكثيف، بينما يحيل الآخر على تكرار الفكرة ذاتها مرة بعد أخرى. ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المطعم[16]” التي تعاني من طول مقدّمتها، وتشبه تخطيطاً لقصة قصيرة، على الرغم من نبل الفكرة وطرافتها التي يمكن أن يحتملها شكل آخر من الكتابة، كما تمكن الإشارة إلى قصة “دورية الشرطة” التي تحكي حكاية مراوَدَتين تجريان في ليل بهيم:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها. وصفها بأبشع النعوت… ولم تلن. جثم عليها بقوة عضلاته وضغط القانون واغتصبها.

في الصباح بدأ التحقيق معها بتهمة المراودة، فأضافت اتهام حارس الأمن باغتصابها. وطالبت بتتبعه، مثلها، قانونياً. صُعق حارس الأمن… نظر إليها برعب مرة، وباستجادء مرة أخرى.

نظرت إليه بدهاء وهمست: “ما هكذا يُؤخذ الجسد يا سيدي[17]“.

إن هذه القصة التي تلجأ فيها الكاتبة للتفاصيل تحت ضغط الفكرة، تقدّم حوافز حكائية صغرى لا يجري استثمارها فيما بعد، في حين أن الفكرة ذاتها، يمكن تقديمها في مساحة نصية أصغر بكثير؛ إذ يمكن حذف ثلاثة أرباعها، وتقديم قصة قصيرة جداً أكثر نجاحاً وتكثيفاً وألقاً، تقول:

“في عمق الليل رمت بها دورية الشرطة في زنزانة المركز الامني بتهمة المراودة.. تكوّرت في إحدى الزوايا … وحيدة.

آخر الليل راودها الحارس الأمني عن نفسها.”

ويصدق الأمر نفسه على قصة “حنين” إذ يمكن للقاصة أن تستغني عن السطرين الأولين في القصة، دون تأثير يذكر على بنية القص، بل إن تأثير ذلك سيكون إيجابياً، ذلك أنّ التكثيف هو من أخص خصائص القصة القصيرة جداً. تقول القصة:

“في الغرفة الماجورة ينام طفلهما بسلام.

الآن هما… في الفراش.

في عمق الظلام يتعانقان في صمت.

تتحسس رقبته بكف ناعمة، ويضغط على خصرها برقّة، ويلتحمان…

بعيون مغمضة… كل واحد يترك جسده للآخر

في منتهى السكون أنفاس حارة وآهات مشدودة.

كلّ منهما يتخيّل حبيباً أضاعه في رحلة العمر[18].”

وهذه القصة تقدّم حكاية تشبه حكاية أخرى قدّمتها القاصة في “الفانوس المظلم[19]” من حيث الفكرة، ومن حيث التكنيك، وإن كانت قصة الفانوس المظلم تقدم زوجاً محباً وزوجة خائنة.

ويذكر هنا أن هذا التشابه بين القصتين ليس وحيداً، إذ ثمة تشابهات أخرى، يبدو أنها تؤرق الكاتبة، فتعمد إلى الإلحاح عليها، ويمكن هنا أن نشير إلى قصة “في المقهى” التي تقول:

“لا يوجد في المقهى إلا هما الاثنان: رجل يرتشف قهةته ببطء، ويتربّص بامرأة في الطرف الآخر من المقهى علّه يظفر بلقاء لذيذ معها، ويرتشف عن قرب ابتسامتها.

هي ترتشف قهوتها بهدوء، وتتربص بفكرة ممكنة تصلح لتكون موضوعاً جميلاً على طاولة السرد اللذيذ.

لا يزال هو ينتظر، لا تزال هي تأمل.

السارد وحده نجح في مهمته[20]“.

ونشير هنا أنّ هذه القصة تشبه إلى حد كبير قصة أخرى عنوانها “فكرة[21]” تحكي عن أمراة في المقهى، تتربص بها العيون، بينما تتربص هي بفكرة ممكنة لقصة قصيرة جداً.

* * *

نحن إذاً أمام قاصة تختزل الوطن (اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً) في قصصص قصيرة جداً، تبني مفارقاتها، بكل نجاح، استناداً إلى تناقضات الواقع ذاته، وتقدّم حكاية تنجح في تكثيفها في معظم الأحيان، ولكنها تلحّ على ما يواجه المجتمع من مشكلات، فتكررها حتى تقرّع آذاننا، ربما من أجل أن تدفعنا إلى الإسهام في حلّها.

*

عتبة الغواية

بقلم ــ محمد الأشعري ــ

العنوان هو الدلالة الفعلية للمكان والذي نستدلُ بهِ على مبتغانا : مدينة . شارع . حارة . بيت أو مزرعة , ولطالما كان للعنوان أهميته العملية في حياة الشعوب , , وقد كان العنوان يطول في وصفه لتأكيد الدلالة , ولكن كلما تقدمت الحضارة الإنسانية , قَصُرَ العنوان وزادت دلالته , وهذا ما حدث في النصِ الأدبي تماماً , فكلما تقدمت الثقافة والمعرفة , كلما أُخْتِصرَ عنوان النص وزادت دلالته , فبينما نرى اليوم عناوين لكتبٍ أو قصصٍ , لاتتعدى كلمة واحدة , نرى الكُتَّاب في الماضي يتباهون بطولِ العنوان وجزالته وإسهابه , وعرفنا " عناوين طويلة مشهورة في تاريخنا الأدبي كمقدمة ابن خلدون : "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" ) وأظن إن العنوان قد يشكل مقدمة أخرى لكتاب إبن خلدون بسبب طوله .
واهمية العنوان الأدبي للنص تتعدى مجرد التسمية إلى الدلالة و إعطاء فكرة عن المحتوى لارتباطها الوثيق بالمحتوى والمتن وأفكار النص وأيضاً فالعنوان الموفَقْ يعطي القاريء الصدمة والدهشة والإيقاع ويخلب لبه , وهو يشكل العتبة الأولى للنص فمنه يستدل القاريء على ما سيقرأه وليس فقط للحفظ والتفريق والفهرسة , وتُعَد مقدمة الكتاب او البحث هي العتبة الثانيةِ للنص , وبالنسبة للقصة القصيرة يختلف الأمر, فالقصة القصيرة جداً والومضة لاتحتاج ولا تحتمل مقدمة بسبب نصها القصيرو اختصار متنها .
ولهذا تعد الجملة الأولى في السرد القصير هي مقدمة النص و عتيبة الثانية بعد العنوان , و يليها المتن أو الحشو , ثم ـ القفلة ـ التي هي مخرج القصة وتحل محل الخاتمة , ولكنها في القصة القصيرة تحمل عبئاً وافراً من التعبير , فهي الكفيلة بمفاجاة القاريء بالدهشة وهي من الشروط الأساسية للقصة القصيرة جداً , ولهذا نرى إن العنوان اللامع المُمَيَّز والمُختصر والمرتَبِط بالمضمون , يشكل عتبةً قويةً وثابتةً ومغرية لدخول النص , كما تشكل الجملة الاولى العتبة الثانية التي تجذب القارئ للمتنِ و للنهاية المدهشة والمفاجأة التي تحدد نجاح القصة القصيرة أو فشلها , ونحن هنا لانحدد شروط القصة القصيرة جداً ولكن نلملم أطرافها ومكوناتها , فاختيارك للعنوان المناسب قد يكون سبباً في نجاح قصتك , وقد صدق المثل العامي ـ يعرف المكتوب من عنوانه ـ والذي سبقنا الأجداد بملاحظت وصياغته , ويعبر تعبيراً رائعاً قد يغني عن بحثٍ مطول عن العنوان , فتاكد حين تكتب قصة قصيرة جداً , أو قصة قصيرة أو بحثاً وخلافه , إن عنوانك يشكل عتبة تجر المتلقي لغواية القراءة .
ـ محمد الأشعري - أبو علاء - إربد ـ
.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً    الأربعاء يوليو 30, 2014 1:07 pm

admin كتب:
حميد ركاطة
3 h ·

القصة القصيرة بين المفهوم النظري والنص القصصي قراءة في مجموعة "حذاء بثلاث أرجل" للقاص والناقد عبد الرحيم مؤذن
حميد ركاطة
عمل القاص عبد الرحيم مؤذن في مجموعته " حذاء بثلاث أرجل " على الاشتغال على سؤال القصة القصيرة ، وماهيتها ومفاهيمها ، انطلاقا من نسج حوار بينها، وبين أجناس أخرى ، في صورة عائلة مكونة من الأم والجدة والجارة والأب ..سؤال بقدر ما أرق الطفلة المدللة بطلة النص أرق السارد . بتركه أسئلة مفتوحة على بياض كالجرح للقارئ .
في حين كانت إثارة الواقع الاجتماعي داخل المجموعة محط انتقاد سلس للمنظومة الاجتماعية والأخلاقية ، و شكل إدانة واضحة للواقع الأسري بسبب التفكك ناهيك تضمين اللغة العامية المغربية بنوع من التجريب السلس حولها إلى لغة استطاعت في بعض الأحيان فرض وجودها بحيث لا نشعر بكونها هجينة .
لقد تميزت نصوص المجموعة بالاشتغال على الفضاء بما يحويه من أمكنة أثيرة تمت إعادة تشيدها وفق بناء رام الحفاظ على عدم هيمنتها ، وتوظيف كان الهدف من ورائه إقامة مقارنة بين زمنين ( الماضي والحاضر ) ضمن استرجاع للحظات الطفولة أو من خلال حوار بين أكثر من نص ( أثناء الحديث عن مدينة القنيطرة ) مركزا في أكثر من نص على واقع فئات طالها التهميش ، وعلى أطفال يعيشون في وضعيات أبرزت نوعا من العزلة والقهر ، ضمن محاولة براز تحولات المجتمع المغربي ومواكبته للتقدم كخروج المرأة إلى العمل وغياب الزوج ..وهي تحولات بقدر ما طالت المجال والنفسية تشكلت فيه عقليات محدودة وغير مواكبة .كما لمسنا توظيف الحكاية والقصة البوليسية وتقنيات الرصد السينمائي المفعم بالإثارة والتشويق . لنتساءل عن جمالية هذه النصوص وبأية خلفية ابداعية كتبت ؟
1) القصة القصيرة بين المفهوم النظري والنص القصصي
يمكن اعتبار مجموعة حذاء بثلاث أرجل من أجمل المجاميع القصصية المغربية التي عملت على الربط بين التنظير للقصة وأسئلتها الراهنة من خلال مجموعة من النصوص ك" قصة قصيرة " ص 7 و"فراشات سوداء وبيضاء " ص 25 " و "من قتل الشيخة " ص 47 و العجوز والطريق " ص 52 . ففي النص الأول " قضة قصيرة " نلمس طرح سؤال محوري حول ماهية القصة القصيرة وعلاقتها ببقية الأجناس الأخرى ، في محاولة لتحديد بعض مقوماتها وأركانها، وأسسها عبر اللجوء إلى الأنسنة بتحويل القصة طفلة صغيرة سيقابلها داخل النص شخوصا أخرين ( الجدة / الرواية ، الأم / القصة الكلاسيكية ، والجارة / القصيدة ، وهو ما سنلمسه من خلال الحوار داخل النص . فالغيرة من الجارة ذات الشعر الطويل الذي يقارب السقف هي وصف سيحدد بالانتماء والتاكيد على الجنس كما في ص 9 " الحليب هو الحليب ..الحكمة هي الحكمة " . وبالتالي ابراز الخصوصية المتجلية في الحجم والقصر الذي يميز القصة القصيرة ، و سيتحدد انطلاقا من اصطدامها داخل حيزها الضيق وهي تحاول اختراقه نحو أفق آخر " اصطدم راسها ببلاط السيراميك الذي شغل نصف الصفحة .حاولت تحريك رأسها في كل الاتجاهات ، فاصطدمت بعلبة كارطونية تشخر زيتا يقاوم الكوليسترول " ص 10 ، وهو ما سيدفعها إلى العودة إلى وضعها الأول بعد الاحساس بالغثيان دلالة على الالم والقلق ، وشعورها باحساس مقيت يعيدها بعد كل محاولة إلى وضعها الاعتباري . وستكتشف أن مجالها بقدر ما يرتكز على الوصف والرصد الخاطف لمؤثثات المكان يحيطها دون إطناب يقول السارد " تناهى إلى سمعها نداء الأم لتناول طعام الفطور ، بعد أن انتهت ...من صب آ خر قطرة من القهوة السوداء ,وبلغ إلى سمعها ..الرنة الصامته لحبات مسبحة الجدة ..وصوص العصفور,,(و) مواء القط (و) صوت المدذياع " ص 15 وهي إشارات دالة بقوة على ارتكازها على الوصف غير المبرح ومؤثثات أمكنة محدودة مجاليا ، ما سيدفع بها للتساؤل عن حدود اشتغالها وبالتالي البحث عن آفاق أخرى من خلال تساؤلها الملغم " هل أنا قصيرة ، أم ؟ " ص
إن الحذف في النص يظل ذاته سؤالا عنيفا من أسئلة القصة ضمن هدير أسئلة أخرى غير متوقعة ستكشف عن فهم الذات ( القصة لذاتها) ، وحدود اشتغالها وممكنات كتابتها وتوظيفها كذلك .
في حين سنلمس في نص " فراشات سوداء وبيضاء " ص 25 الإجابة عن ممكنات اشتغال القصة من خلال رصدها للواقع الاجتماعي والسياسي بالمغرب عبر اللجوء إلى الترميز كوسيلة لإبراز اختلال رهيب ومناخ سياسي مأزوم بين اليمين واليسار .
فالارتكاز على الايحاء والترميز بقدر ما فتح النص على الواقع السياسي العصيب بالمغرب عمل على تقديم صوره القاتمة يقول السارد " كان الفصل ربيعا ، والفراشة تتجول في السوق بسلتها الأنيقة وأسعار الزهور في هذا الفصل في متناول الجميع . فالزهور في كل مكان حتى في الزنازن ومراكز الشرطة ومعازل المجانين " ص 25 .
إن مكونات النص بقدر ما انفتحت في اشتغالها على السخرية بدلالتها العميقة ستعمل على نقل التوثر الداخلي لبطل النص " الرسام " من خلال تجسيدها على لوحة تشكيلية برصد لحركاته المجنونة والباطشة ، ويعيد ترتيب فضاء النص بشكل مزاجي يقول السارد " وأخذ يمررها عند الأفق يمينا ويسارا ، ثم يسارا ويمينا ..أظلم الجو وغابت الفراشة البيضاء في السواد " ص 25
ولعل الحوار الصامت في النص بين الرسام والفراشة سيبرز غبنا كبيرا ، وإحساسا بالقهر ، وبالتالي النظرة الدونية للبسطاء . وهو ما سيدفع الفراشة للحديث بلسان الأخرين من خلال ردها على استيهامات الفنان وجنونه واصفة حالته " بأعلى مراحل العتة والجنون " ص 27 وضع سيجسده شخص " الطفل / البراءة كرمز لجيل سيدفع الثمن في أزمنة القهر من خلال إنشاده الذي سيتحول لانكسار رهيب . في البستان زهر جميل ..عليه الفراش يلهو ويطير " ص 27 وهو ما جسد الحلم الجميل الذي سيتحول لكابوس من خلال توليد لغة التذمر والرفض والقهر وانتقاد الواقع كما في المقطع التالي ، يقول السارد" وعند اقترابه من مدخل المدرسة ، فرمل أمام كومة قمامة ، لم تكن موجودة البارحة ..وأخذت كلمات الغنية تتراجع إلى الوراء " ص 27
فالقصة في هذه المجموعة ستشيد معالمها وستبحث عن هويتها وممكنات كتابتها الجديدة انطلاقا من الانفتاح على تقنيات ومواضيع أخرى ، أكثر إثارة ومفعمة بالأسئلة المريرة ،وهي أسئلة مرحلة جسدت مخاضا صعبا ، وبالتالي انقلابا سواء بالنظر إلى الواقع أو إلى الحلم ذاته ، لتتحول إلى قصة رمادية تتعقب المقصي والمهمش والمنبوذ والمثير ...
في نص " من قتل الشيخة ؟ " ص 47 مثلا سنلمس بدء من العتبة محاولات لتطوير موضع القصة من خلال الاشتغال داخل عيارها ربما بتأثير القصة الغربية لكن ملمحها وروحها ورؤيتها اتشحت بميسم محلي فالعتبة تفتح النص على سؤال مزلزل منذ البداية ، سؤال بقدر ما يضعنا داخل أحداث جريمة قتل غامضة على إيقاع حوار بين محقق ومساعده ، وتأويلاتهما وفرضياتهما حول الحادث يضع القارئ على سكتة كتابة جديدة وعلى مسار اعتمد تقنيات سينمائية ،( فلاش باك ..التركيز على القرائن ..اسقراء لمسرح الجريمة ..التكهنات ...النفي والاثباث ..وهو ما ولد متعة وخلق تشويقا وفضولا كبيرا .
وإلى جانب توظيف تقنايت الكتابة السينمائية والقراءة بالعين سيم (تحويل المنطوق لصور عبر الوصف ) واعتماد كتابة حوارية ( حوارت قصيرة ) سنلمس محاولة لأبراز هوية القصة وجنسها وانتماؤها لشجرة الأدب " كقصة " تعتمد تقنيات وقدرة هائلة على رصد م ملامح الشخوص الهامشية أو المنبوذة داخل حيزها الفضائي سواء المغلق أو المفتوح بحيث ستتحول معه الشخصية ( المهشمة ) إلى إيقونة محورية ، كما بدا في نص " العجوز والطريق " ص 53 من خلال نقل حركاتها وسكناتها وهي تلوح للسيارات العابرة أو المتوقفة بجانبها راصدة متغيرات عالم بوثيرة سريعة ..في مقابل الشخصية المحورية الثابة بشكل مقرف في مكانها ..هذا التشييد التقابلي منح المتن نفسا أخر وفتح أفاقا أخرى بما يفتحه النص القصصي ذاته من تأويل متعدد .
والى جانب هذا التشييد اللافت نلمس أن النص عمل على انتقاد وضع اجتماعي مشوب باللامبالاة تجاه كبار السن من جهة ولأوضاع المدنية المعاصرة التي انتقدت بقوة وتم فضح واقعها بوضعها داخل قفص اتهام رمزي .تعبيرا عن موت القيم وإنسانية الانسان .
2) ملامح المكان داخل القصة القصيرة (نص " ويكا " أنموذجا )
تتجلى ملامح المكان بجلاء في نص " ويكا " ص 43 سواء من خلال المقارنة بين الماضي والحاضر وذلك بالعودة إلى الطفولة مع ابراز التحول والمسخ الذي طرأ عليه
"ويكا " كلمة بقدر ما هي صيحة لبائع " جبان كول وبان " ستكون نداء سحريا للتحول إلى زمن ولى عمل من خلاله الكاتب على إعادة رسم ملامح المكان وتأثيثه بأحداث شيد معالمها نطلاقا من الذاكرة .
ولعل عملية الاسترجاع بقدر ما ساعدت على القبض على لحظات منفلتة لطفولة أثيرة من خلال إشارات نذكر منها " سينما الرياض / الصحن القصديري المزلج بمربعات حمراء وخضراء / السراويل القصيرة ، روائح القهوة " ص 44 عملت على تشييد مقارن للمكان بين الماضي والحاضر ورصدت ما طاله من تغييرات وتعديلات لم ترق السارد أو بطل النص يقول " ارتفع البيت طبقة .تركته في الطبقة الثانية وهاهي الثالثة تناطح السحاب ...لم يلحم الطابقين فبدت مثل شرخ لم يبرأ كسره ، ولكنه جبر مرات ومرات " ص 45
فالنص بقدر ما اعتمد على تقنية الاسترجاع عمل على نثر ملامح من السيرة الذاتية ورصد معالم المكان المكان بموازاة مع التحولات التي طالت شخوص النص كذلك يقول السارد " قال : كان ذلك في ... الستين " ص 46 ومن خلال ما برز من أثر على نفسية المخاطب " صديق السارد " إذ داك رفت عيناه بكلام كظيم ، انسكب دمعا مدرار ، ويده لا تكف عن رسم أثار عجلة داهبة " ص 46 .في إشارة لزمن هارب .
فالاشتغال على المكان وازه في نص " قراءات قصصية " ص 19 الاشتغال على المجال ، من خلال إبراز تحولات مدينة القنيطرة " المدينة التي " استعصت عن الحرف الأول ...لا هي بمدينة ..الشروق الدائم ..( فاس) ولا هي بأنغام وتر " غرناطة " ص 19
فالانفتاح على الرصد المجالي للمدينة بشكل بانورامي عمل من خلاله الكاتب على إقامة مقارنة بينها وبين مدن أخرى . فالتحولات السريعة لم توازيها تحولات في عقلية ساكنتها التي ظلت كما هي موغلة في التخلف ليتحول الرصد من الوصف إلى السخرية يقول السارد " الجالس الأول : مدينة الأف شهيد .وهذه المدينة...أجاب الجالس الثاني : ألم تسمع عن مدينة الألف ..شاعر ؟ .." ص 22
فالتشييد هنا سيبرز مفارقة سرعان ما ستشمل المجال وتحولاته الرهيبة " أنظر إلى الخبازات ..الم تكن إلى عهد قريب بحيرة الصمت ، والطيور النادرة ؟ " ص 22 سؤال يضمر إجابة حول واقع بائس يكشف اسفا بالغا يقول السارد " ذهب زمن الماء وجاء زمن الإسمنت" ص 23
سنلمس أن فضاء النص سيضمن محاورات لنصوص أو مواقف كتاب آخرين " ابراهيم أصلان ، نجيب محفوظ ، جرجي زيدان " مع تضمين لشذرات من عناوين بعض أعمال الراحل محمد زفزاف بثقل دلالتها ك " الأفعى والبحر " / والثعلب الذي يظهر ويختفي " فالحديث عن المدينة هو حديث جاء بدروه هامشيا ضمن حوار على الهامش مع صاحب الحانوت والبطل يستفسر عن " علبة السردين الشهيرة " ص 29
إن الحديث عن المكان في بعض نصوص المجموعة يبرز تحولات الواقع المعيش كذلك كما هو الأمر في نص " حمير جدتي " ص 29 حيث سيتم رصد تحولات المكان وتخلف العقلية ضمن قالب جديد عبر توظيف الحكاية الشعبية على لسان الجدة وسيتحول السارد لشخص مشارك في كل أطوار اللعبة السردية من خلال تقمص شخص الحكاء الماهر يسرد تفاصيل عديدة مستقاة من الواقع المعاش بمركزة النص حول حشرة " صغيرة " فاللعب على توظيف المعنى العامي للدلالة على البطء ضمن سياق لعبة الميتاسرد سيجعله يمتح من المتن الشعبي أزهى مظاهره بل سيضاهيه إلى حدود قصوى لاستنبات الحكاية ضمن تربة القص ، كاشفا عن تردي الخدمات بالمدينة وعدم فعاليتها بالمقارنة مع اعتماد الجدة على امكانياتها الذاتية وحميرها نكاية في صخب الواقع وعدم جدوى التقدم المحفوف بالخلل في كل مظاهره ..يقول السارد " مرت ( الجدة ) بتوقف الحافلة ..تم انقطعت عدادات الكهرباء والماء ..توقفت سيارة الاسعاف ..كان بيتها مضاء في الوقت الذي ساد فيه الظلام المدينة ..." ص 33
فالنص بقدر ما ينفتح على أسئلة متعددة يضع التطور المجالي محط تساؤل مرير كما يحول مفهوم "حمير جدة " إلى مفهوم ملتبس لم يستطع السارد نفسه تحديد هويته وهو ما حدا به إلى طرحه في نهاية النص كسؤال مفتوح على الاكتشاف لشريحة القراء " هل تعرفون أنتم ذلك ؟ أنا لا أعرف شكله أو فصله بعت حماري " ص 34 كما يكشف انفتاح النص القصصي على توظيف الألغاز .
3) صورة المهمش
تقدم نصوص المجموعة صورة عن نماذج مهمشة ،ويمكن أن ندرج في هذا الصدد " حذاء بثلاث أرجل " ص 35 و"كاتب عمومي " ص 13 وهما نصان عملا على رصد مظاهر الواقع الاجتماعي، وترديه من جهة وتقديم صورة عن القيم من جهة ثانية . ففي النص الأول نلمس أن منطق الغرابة يتجلى انطلاقا من عتبة العنوان الذي يضعنا داخل متاهة اولى ، وبالتالي نوع العلاقة المنسوجة بين الحذاء وصاحبه ، علاقة حميمة دامت أمدا طويلا بكل ما شابها من قلق وإعجاب . فالنص يطرح إشكال تقاعد الموظف البسيط وما يتسبب فيه الفراغ من خلل وأثار نفسية تصل أحيانا حد الهلوسة ليظل الحذاء الشاهد الوحيد على جنون صاحبه يقول السارد " كأنه صنع لرجلي هاتين ..الحذاء مثل القبر ..الحذاء . يعرفني وأنا في يومي الأول من التقاعد ..كأنه ولد معي ..أو لعلني منه ولدت ..(35) " يكفي أن ألف اللفة الأخيرة من أحد السيرين فيطير بي نحو المكان المعلوم ..إنه يعرف الطريق " ص 36
إن هذه القرائن تجعل علاقة البطل بالحذاء علاقة أكثر من حميمية إلى حد صار معه الحذاء جزء منه باعتباره يعيش في عزلة ( لم يتزوج ) فالواقع السردي يبرز حالة انشطارية لبطل مقهور ، كما أنا حالة تفرض التساؤل حول ملازمة الحذاء لصاحبه لمدة أربعين سنة كدلالة عن وضع إنسان بقدر ما ارتبط بأشيائه توهم أنه حداء لحدائه الرجل هو الحذاء ..لا..لا ..الحذاء هو الرجل ..أنا المسمى " ص 37 إن تكرار لازمة الحديث عن الماهية والعتبة تضعنا أمام بطل انشطاري بامتياز يعيش في قوقعة من الوهم في ظل تحول الأشياء من حوله ليبقى متمركزا حول ذاته وأشيائه الخاصة وهو ما لمسناه من خلال العديد من المفارقات داخل النص " لا هو بالحي ولا هو بالميت " ص 36 وهي نافذة ستمكن الكاتب من فتح كوة كالجرح للحديث عن الواقع الاجتماعي لفئة من المسحوقين من خلال مركزة أطوار النص حول زاوية محددة فالالتقاط ( من الأعلى نحو الأسفل ، ونحو الحذاء تحديدا ) مع كل ما يحيط به يقول السارد " العيون كلها مصوبة نحو الحذاء لا يهم ..الخطوة الأولى هي الأهم " ص 37
إن زاوية الرصد من الأعلى نحو الأسفل بقدر ما تدل على ضعف تبرز انسحاقا طال المتقاعد الذي ظل أسرا لوضعه لا يستمد القوة سوى من حذائه كرمز لكينونته وسببا حقيقيا لوجوده ، وضع يجد امتداده في فئات آخرى من المسحوقين كماسح الأحذية من خلال رصد حركاته وهو ينتقل لحذاء زبون آخر " لم ينس اللعين وهو يتحرك في اتجاه احد الزبناء ، كشط مقدمة الحذاء بنعله الحامل لكل قاذورات الأرض " ص 37
ويتم انتقاد الوضع الاجتماعي بشدة من خلال نص " كاتب عمومي " س 13 الذي جاءت على لسانه العديد من الانتقادات الضمنية للواقع الاجتماعي من رشوة وفساد وغلاء المعيشة مبرزا واقع العدالة بالبلاد والصعوبات التي تقف عائقا أمام كل مطالب في الحصول على حقه بسبب نظام بيروقراطي وهو ما ابرز انهزاما بغيضا وتحولا في طرق المراوغة للحصول على الحقوق المشروعة أصلا " الله يرحمنا ، لولا القهوجي لما وصلت عند ..الشاوش ، ولولا الشاوش ..لما وصلت إلى باب المحكمة " ص 16
في نص " الأوتوروت الثانية " ص 57 ستتم الاشارة إلى التحولات التي عرفتها فترة السبعينيات من القرن الماضي وقد أبرز السارد تفاوتا طبقيا صارخا حيث يعتبرها ، تحولا نحو تكريس مزيد من المصالح في يد أقلية ، على حساب شرائح واسعة من المحرومين ..كما يعري عن سياسة الوعود ، والتسويف وما عقبه من " إحباط عام ، وقد لمسنا تضمينا لنص زجلي ساخر تجلت دلالته في الفضح بلسان الأغلبية المسحوقة يقول "
الأوتوروت لا ميكا لا بوط
غير النشاط والكاسكروط ....وهزان البوط " ص 58
فالطريق السيار بقدر ما اعتبر مشروعا واعدا في نظر البعض ( أصحاب المصالح) عمق من أوجاع فئات أخرى ، بتهريب مواردهم و القضاء عليها " ضيعوا الذين والدنيا ..صراعهم على الشبر أو الشبرين والجاجة أو الدجاجتين ، والقفة ذات الأذن أو الأذنين " ص 59
هذا المشروع ترك حسب السارد خلافات عديدة وصراعات ، كما أنه شكل حصارا للعديد من المناطق وعزلها عن بعضها ، وقد أضحت حاجزا يصعب تجاوزه بسهولة يقول السارد "
نزلت المعبر الأول ، فوجدت أطفالا معلقين بين السماء والأرض ، قبل الذهاب إلى المدرسة التي أصبحت أثر بعد عين " ص 59 ، ناهيك عما تسببت فيه من مآسي وأحزان بسبب حوادث السير .
4) صورة الطفل في المجموعة
تبرز صورة الطفل في نصوص المجموعة كطفولة مقهورة ومحرومة من كل اهتمام جدير بها ، صور لأطفال تتقاطع رغباتهم واستياؤهم بسب ما عرفته البلاد من تحولات في بنيتها ونسيجها ، في واقع سياسي بغيض ، وظروف إقليمية متوثرة جدا . في نص " رغبات المستمعين " ص 9 حيث تتعارض رغبة الأب في الاستماع إلى الأخبار في المذياع ، مع رغبة ابنته في القيام بنزهة إلى الحديقة . وقد شيد النص التعارض بمفارقاته الساخرة وأبرز ما كدر صفو يوم العيد . لقد خلف هذا الأمر تعارضا بين رغبتين، يحاول طرفيها بإصرار على تنفيذها، وهو ما ابرز عنفا في حق كل منهما ، وإحساسا بالغبن ترجمته بالنسبة للأب " الحرمان من معرفة تفاصيل الحرب المستعرة في المشرق العربي " وبالنسبة للبنت "الحرمان من النزهة والإفطار الجماعي يوم العيد " .
فمشاهد المأساة نقلها السارد بشكل متواز بتفاصيلها التي كانت كتمثل في ذهن البطل عن أوضاع الحرب وتقاطعه معها عبر مطاردة محطات إذاعية متمنعة تبرز حربا نفسية أحرى ، إلى جانب الجبهة المفتوحة مع الابنة في البيت ، حول الذهاب إلى الحديقة ، وهو ما حول كلمات أغنية مطرب العيد نفسها ، بسبب تقطعها إلى كلمات فاقدة لمعنى الفرح " قنابل ...وقذائف ..قناصل ..وقنافذ .وقواعد " ص 41 .
فالنص بقدر ما يجسد انكسار الطفولة يبرز الواقع العربي وانكساراته المريرة داخليا ويجسد تفككا وعنفا وغياب التواصل والرأفة والحب والسعادة ، وهي أمور تجسدت بسخرية بسبب عنف مصادر للفرح ، وللرغبات الآنية ، والواقعية ، بالبحث عن تحقيق رغبات أخرى بعيدة عن متناول اليد .
أما في نص " واحد إثنان " ص 55 سنلمس نوعا من اللعب على الثنائيات الضدية ، التي بقدر ما نفحت النص بلمسة تجريبية ، عملت على خلق تشييد خاص ، أبرز عزلة الطفل المحفوف بالكثير من مباهج الحياة والألعاب ، وبالتالي حرمانه من العطف ، والحب ، والحنان ، والاهتمام . وهو رفقة مربيته الشاردة الذهن ، العابسة ، والهائمة في عالمها الخاص . فالنص يشيد مفارقته انطلاقا من الاعتماد على ثنائيات ضدية تؤثث حياة البطل ومحيطه في ظل انتظار، وعزلة، دلالة على طفولة تعيش داخل قوقعة من الوهم ، والانتظار، والتمزق ، والتيه .
لقد استطاع القاص عبد الرحيم مؤذن من خلال هذه المجموعة رسم أفاق القصة القصيرة بالمغرب ، في ظل التحولات الكبرى ، ضمن اشتغال داخل القالب القصصي، ومعياره ، بتجريب مارسه كاختلاف ليؤسس من خلاله لنظرة جديدة للقصة ، بأدوات، وآليات ، ومعايير ناتجة عن تفاعلات مستمدة من واقع معاش ، ومن خلال ترجيح آليات الكتابة على الايدولوجيا وهو ما ضخ دينامكية وخلق توترا في الكثير من نصوص مجموعته ، فطرح أسئلة القصة القصيرة ، وأسئلتها ، وآفاقها الممكنة، نزوحا بها نحو التطوير، مانحا إياها رمزية ، ووجودا. ضدا على الاغتراب ، والرفض . وهو يعيد بناء الواقع بسيولة وحركية منسابة ، هدف من خلالها خلق تواصل مع شريحة واسعة من القراء . استنادا على تفجير اللغة بدلالات جديدة ومد جسورا للتواصل بناء ارتكازا على معايير أبرزت أصالة عمله، وتجدره في تربة القص المغربي ، وتحقيقه لنقلة نوعية كذلك في زمنه .

ـــــــــــــــــــــــــ
عبد الرحيم المؤذن " حذاء بثلاث أرجل " قصص منشورات سعد الورزازي 2005
‎القصة القصيرة بين المفهوم النظري والنص القصصي قراءة في مجموعة "حذاء بثلاث أرجل" للقاص والناقد عبد الرحيم مؤذن حميد ركاطة عمل القاص عبد الرحيم مؤذن في مجموعته " حذاء بثلاث أرجل " على الاشتغال على سؤال القصة القصيرة ، وماهيتها ومفاهيمها ، انطلاقا من نسج حوار بينها، وبين أجناس أخرى ، في صورة عائلة مكونة من الأم والجدة والجارة والأب ..سؤال بقدر ما أرق الطفلة المدللة بطلة النص أرق السارد . بتركه أسئلة مفتوحة على بياض كالجرح للقارئ . في حين كانت إثارة الواقع الاجتماعي داخل المجموعة محط انتقاد سلس للمنظومة الاجتماعية والأخلاقية ، و شكل إدانة واضحة للواقع الأسري بسبب التفكك ناهيك تضمين اللغة العامية المغربية بنوع من التجريب السلس حولها إلى لغة استطاعت في بعض الأحيان فرض وجودها بحيث لا نشعر بكونها هجينة . لقد تميزت نصوص المجموعة بالاشتغال على الفضاء بما يحويه من أمكنة أثيرة تمت إعادة تشيدها وفق بناء رام الحفاظ على عدم هيمنتها ، وتوظيف كان الهدف من ورائه إقامة مقارنة بين زمنين ( الماضي والحاضر ) ضمن استرجاع للحظات الطفولة أو من خلال حوار بين أكثر من نص ( أثناء الحديث عن مدينة القنيطرة ) مركزا في أكثر من نص على واقع فئات طالها التهميش ، وعلى أطفال يعيشون في وضعيات أبرزت نوعا من العزلة والقهر ، ضمن محاولة براز تحولات المجتمع المغربي ومواكبته للتقدم كخروج المرأة إلى العمل وغياب الزوج ..وهي تحولات بقدر ما طالت المجال والنفسية تشكلت فيه عقليات محدودة وغير مواكبة .كما لمسنا توظيف الحكاية والقصة البوليسية وتقنيات الرصد السينمائي المفعم بالإثارة والتشويق . لنتساءل عن جمالية هذه النصوص وبأية خلفية ابداعية كتبت ؟ 1) القصة القصيرة بين المفهوم النظري والنص القصصي يمكن اعتبار مجموعة حذاء بثلاث أرجل من أجمل المجاميع القصصية المغربية التي عملت على الربط بين التنظير للقصة وأسئلتها الراهنة من خلال مجموعة من النصوص ك" قصة قصيرة " ص 7 و"فراشات سوداء وبيضاء " ص 25 " و "من قتل الشيخة " ص 47 و العجوز والطريق " ص 52 . ففي النص الأول " قضة قصيرة " نلمس طرح سؤال محوري حول ماهية القصة القصيرة وعلاقتها ببقية الأجناس الأخرى ، في محاولة لتحديد بعض مقوماتها وأركانها، وأسسها عبر اللجوء إلى الأنسنة بتحويل القصة طفلة صغيرة سيقابلها داخل النص شخوصا أخرين ( الجدة / الرواية ، الأم / القصة الكلاسيكية ، والجارة / القصيدة ، وهو ما سنلمسه من خلال الحوار داخل النص . فالغيرة من الجارة ذات الشعر الطويل الذي يقارب السقف هي وصف سيحدد بالانتماء والتاكيد على الجنس كما في ص 9 " الحليب هو الحليب ..الحكمة هي الحكمة " . وبالتالي ابراز الخصوصية المتجلية في الحجم والقصر الذي يميز القصة القصيرة ، و سيتحدد انطلاقا من اصطدامها داخل حيزها الضيق وهي تحاول اختراقه نحو أفق آخر " اصطدم راسها ببلاط السيراميك الذي شغل نصف الصفحة .حاولت تحريك رأسها في كل الاتجاهات ، فاصطدمت بعلبة كارطونية تشخر زيتا يقاوم الكوليسترول " ص 10 ، وهو ما سيدفعها إلى العودة إلى وضعها الأول بعد الاحساس بالغثيان دلالة على الالم والقلق ، وشعورها باحساس مقيت يعيدها بعد كل محاولة إلى وضعها الاعتباري . وستكتشف أن مجالها بقدر ما يرتكز على الوصف والرصد الخاطف لمؤثثات المكان يحيطها دون إطناب يقول السارد " تناهى إلى سمعها نداء الأم لتناول طعام الفطور ، بعد أن انتهت ...من صب آ خر قطرة من القهوة السوداء ,وبلغ إلى سمعها ..الرنة الصامته لحبات مسبحة الجدة ..وصوص العصفور,,(و) مواء القط (و) صوت المدذياع " ص 15 وهي إشارات دالة بقوة على ارتكازها على الوصف غير المبرح ومؤثثات أمكنة محدودة مجاليا ، ما سيدفع بها للتساؤل عن حدود اشتغالها وبالتالي البحث عن آفاق أخرى من خلال تساؤلها الملغم " هل أنا قصيرة ، أم ؟ " ص إن الحذف في النص يظل ذاته سؤالا عنيفا من أسئلة القصة ضمن هدير أسئلة أخرى غير متوقعة ستكشف عن فهم الذات ( القصة لذاتها) ، وحدود اشتغالها وممكنات كتابتها وتوظيفها كذلك . في حين سنلمس في نص " فراشات سوداء وبيضاء " ص 25 الإجابة عن ممكنات اشتغال القصة من خلال رصدها للواقع الاجتماعي والسياسي بالمغرب عبر اللجوء إلى الترميز كوسيلة لإبراز اختلال رهيب ومناخ سياسي مأزوم بين اليمين واليسار . فالارتكاز على الايحاء والترميز بقدر ما فتح النص على الواقع السياسي العصيب بالمغرب عمل على تقديم صوره القاتمة يقول السارد " كان الفصل ربيعا ، والفراشة تتجول في السوق بسلتها الأنيقة وأسعار الزهور في هذا الفصل في متناول الجميع . فالزهور في كل مكان حتى في الزنازن ومراكز الشرطة ومعازل المجانين " ص 25 . إن مكونات النص بقدر ما انفتحت في اشتغالها على السخرية بدلالتها العميقة ستعمل على نقل التوثر الداخلي لبطل النص " الرسام " من خلال تجسيدها على لوحة تشكيلية برصد لحركاته المجنونة والباطشة ، ويعيد ترتيب فضاء النص بشكل مزاجي يقول السارد " وأخذ يمررها عند الأفق يمينا ويسارا ، ثم يسارا ويمينا ..أظلم الجو وغابت الفراشة البيضاء في السواد " ص 25 ولعل الحوار الصامت في النص بين الرسام والفراشة سيبرز غبنا كبيرا ، وإحساسا بالقهر ، وبالتالي النظرة الدونية للبسطاء . وهو ما سيدفع الفراشة للحديث بلسان الأخرين من خلال ردها على استيهامات الفنان وجنونه واصفة حالته " بأعلى مراحل العتة والجنون " ص 27 وضع سيجسده شخص " الطفل / البراءة كرمز لجيل سيدفع الثمن في أزمنة القهر من خلال إنشاده الذي سيتحول لانكسار رهيب . في البستان زهر جميل ..عليه الفراش يلهو ويطير " ص 27 وهو ما جسد الحلم الجميل الذي سيتحول لكابوس من خلال توليد لغة التذمر والرفض والقهر وانتقاد الواقع كما في المقطع التالي ، يقول السارد" وعند اقترابه من مدخل المدرسة ، فرمل أمام كومة قمامة ، لم تكن موجودة البارحة ..وأخذت كلمات الغنية تتراجع إلى الوراء " ص 27 فالقصة في هذه المجموعة ستشيد معالمها وستبحث عن هويتها وممكنات كتابتها الجديدة انطلاقا من الانفتاح على تقنيات ومواضيع أخرى ، أكثر إثارة ومفعمة بالأسئلة المريرة ،وهي أسئلة مرحلة جسدت مخاضا صعبا ، وبالتالي انقلابا سواء بالنظر إلى الواقع أو إلى الحلم ذاته ، لتتحول إلى قصة رمادية تتعقب المقصي والمهمش والمنبوذ والمثير ... في نص " من قتل الشيخة ؟ " ص 47 مثلا سنلمس بدء من العتبة محاولات لتطوير موضع القصة من خلال الاشتغال داخل عيارها ربما بتأثير القصة الغربية لكن ملمحها وروحها ورؤيتها اتشحت بميسم محلي فالعتبة تفتح النص على سؤال مزلزل منذ البداية ، سؤال بقدر ما يضعنا داخل أحداث جريمة قتل غامضة على إيقاع حوار بين محقق ومساعده ، وتأويلاتهما وفرضياتهما حول الحادث يضع القارئ على سكتة كتابة جديدة وعلى مسار اعتمد تقنيات سينمائية ،( فلاش باك ..التركيز على القرائن ..اسقراء لمسرح الجريمة ..التكهنات ...النفي والاثباث ..وهو ما ولد متعة وخلق تشويقا وفضولا كبيرا . وإلى جانب توظيف تقنايت الكتابة السينمائية والقراءة بالعين سيم (تحويل المنطوق لصور عبر الوصف ) واعتماد كتابة حوارية ( حوارت قصيرة ) سنلمس محاولة لأبراز هوية القصة وجنسها وانتماؤها لشجرة الأدب " كقصة " تعتمد تقنيات وقدرة هائلة على رصد م ملامح الشخوص الهامشية أو المنبوذة داخل حيزها الفضائي سواء المغلق أو المفتوح بحيث ستتحول معه الشخصية ( المهشمة ) إلى إيقونة محورية ، كما بدا في نص " العجوز والطريق " ص 53 من خلال نقل حركاتها وسكناتها وهي تلوح للسيارات العابرة أو المتوقفة بجانبها راصدة متغيرات عالم بوثيرة سريعة ..في مقابل الشخصية المحورية الثابة بشكل مقرف في مكانها ..هذا التشييد التقابلي منح المتن نفسا أخر وفتح أفاقا أخرى بما يفتحه النص القصصي ذاته من تأويل متعدد . والى جانب هذا التشييد اللافت نلمس أن النص عمل على انتقاد وضع اجتماعي مشوب باللامبالاة تجاه كبار السن من جهة ولأوضاع المدنية المعاصرة التي انتقدت بقوة وتم فضح واقعها بوضعها داخل قفص اتهام رمزي .تعبيرا عن موت القيم وإنسانية الانسان . 2) ملامح المكان داخل القصة القصيرة (نص " ويكا " أنموذجا ) تتجلى ملامح المكان بجلاء في نص " ويكا " ص 43 سواء من خلال المقارنة بين الماضي والحاضر وذلك بالعودة إلى الطفولة مع ابراز التحول والمسخ الذي طرأ عليه "ويكا " كلمة بقدر ما هي صيحة لبائع " جبان كول وبان " ستكون نداء سحريا للتحول إلى زمن ولى عمل من خلاله الكاتب على إعادة رسم ملامح المكان وتأثيثه بأحداث شيد معالمها نطلاقا من الذاكرة . ولعل عملية الاسترجاع بقدر ما ساعدت على القبض على لحظات منفلتة لطفولة أثيرة من خلال إشارات نذكر منها " سينما الرياض / الصحن القصديري المزلج بمربعات حمراء وخضراء / السراويل القصيرة ، روائح القهوة " ص 44 عملت على تشييد مقارن للمكان بين الماضي والحاضر ورصدت ما طاله من تغييرات وتعديلات لم ترق السارد أو بطل النص يقول " ارتفع البيت طبقة .تركته في الطبقة الثانية وهاهي الثالثة تناطح السحاب ...لم يلحم الطابقين فبدت مثل شرخ لم يبرأ كسره ، ولكنه جبر مرات ومرات " ص 45 فالنص بقدر ما اعتمد على تقنية الاسترجاع عمل على نثر ملامح من السيرة الذاتية ورصد معالم المكان المكان بموازاة مع التحولات التي طالت شخوص النص كذلك يقول السارد " قال : كان ذلك في ... الستين " ص 46 ومن خلال ما برز من أثر على نفسية المخاطب " صديق السارد " إذ داك رفت عيناه بكلام كظيم ، انسكب دمعا مدرار ، ويده لا تكف عن رسم أثار عجلة داهبة " ص 46 .في إشارة لزمن هارب . فالاشتغال على المكان وازه في نص " قراءات قصصية " ص 19 الاشتغال على المجال ، من خلال إبراز تحولات مدينة القنيطرة " المدينة التي " استعصت عن الحرف الأول ...لا هي بمدينة ..الشروق الدائم ..( فاس) ولا هي بأنغام وتر " غرناطة " ص 19 فالانفتاح على الرصد المجالي للمدينة بشكل بانورامي عمل من خلاله الكاتب على إقامة مقارنة بينها وبين مدن أخرى . فالتحولات السريعة لم توازيها تحولات في عقلية ساكنتها التي ظلت كما هي موغلة في التخلف ليتحول الرصد من الوصف إلى السخرية يقول السارد " الجالس الأول : مدينة الأف شهيد .وهذه المدينة...أجاب الجالس الثاني : ألم تسمع عن مدينة الألف ..شاعر ؟ .." ص 22 فالتشييد هنا سيبرز مفارقة سرعان ما ستشمل المجال وتحولاته الرهيبة " أنظر إلى الخبازات ..الم تكن إلى عهد قريب بحيرة الصمت ، والطيور النادرة ؟ " ص 22 سؤال يضمر إجابة حول واقع بائس يكشف اسفا بالغا يقول السارد " ذهب زمن الماء وجاء زمن الإسمنت" ص 23 سنلمس أن فضاء النص سيضمن محاورات لنصوص أو مواقف كتاب آخرين " ابراهيم أصلان ، نجيب محفوظ ، جرجي زيدان " مع تضمين لشذرات من عناوين بعض أعمال الراحل محمد زفزاف بثقل دلالتها ك " الأفعى والبحر " / والثعلب الذي يظهر ويختفي " فالحديث عن المدينة هو حديث جاء بدروه هامشيا ضمن حوار على الهامش مع صاحب الحانوت والبطل يستفسر عن " علبة السردين الشهيرة " ص 29 إن الحديث عن المكان في بعض نصوص المجموعة يبرز تحولات الواقع المعيش كذلك كما هو الأمر في نص " حمير جدتي " ص 29 حيث سيتم رصد تحولات المكان وتخلف العقلية ضمن قالب جديد عبر توظيف الحكاية الشعبية على لسان الجدة وسيتحول السارد لشخص مشارك في كل أطوار اللعبة السردية من خلال تقمص شخص الحكاء الماهر يسرد تفاصيل عديدة مستقاة من الواقع المعاش بمركزة النص حول حشرة " صغيرة " فاللعب على توظيف المعنى العامي للدلالة على البطء ضمن سياق لعبة الميتاسرد سيجعله يمتح من المتن الشعبي أزهى مظاهره بل سيضاهيه إلى حدود قصوى لاستنبات الحكاية ضمن تربة القص ، كاشفا عن تردي الخدمات بالمدينة وعدم فعاليتها بالمقارنة مع اعتماد الجدة على امكانياتها الذاتية وحميرها نكاية في صخب الواقع وعدم جدوى التقدم المحفوف بالخلل في كل مظاهره ..يقول السارد " مرت ( الجدة ) بتوقف الحافلة ..تم انقطعت عدادات الكهرباء والماء ..توقفت سيارة الاسعاف ..كان بيتها مضاء في الوقت الذي ساد فيه الظلام المدينة ..." ص 33 فالنص بقدر ما ينفتح على أسئلة متعددة يضع التطور المجالي محط تساؤل مرير كما يحول مفهوم "حمير جدة " إلى مفهوم ملتبس لم يستطع السارد نفسه تحديد هويته وهو ما حدا به إلى طرحه في نهاية النص كسؤال مفتوح على الاكتشاف لشريحة القراء " هل تعرفون أنتم ذلك ؟ أنا لا أعرف شكله أو فصله بعت حماري " ص 34 كما يكشف انفتاح النص القصصي على توظيف الألغاز . 3) صورة المهمش تقدم نصوص المجموعة صورة عن نماذج مهمشة ،ويمكن أن ندرج في هذا الصدد " حذاء بثلاث أرجل " ص 35 و"كاتب عمومي " ص 13 وهما نصان عملا على رصد مظاهر الواقع الاجتماعي، وترديه من جهة وتقديم صورة عن القيم من جهة ثانية . ففي النص الأول نلمس أن منطق الغرابة يتجلى انطلاقا من عتبة العنوان الذي يضعنا داخل متاهة اولى ، وبالتالي نوع العلاقة المنسوجة بين الحذاء وصاحبه ، علاقة حميمة دامت أمدا طويلا بكل ما شابها من قلق وإعجاب . فالنص يطرح إشكال تقاعد الموظف البسيط وما يتسبب فيه الفراغ من خلل وأثار نفسية تصل أحيانا حد الهلوسة ليظل الحذاء الشاهد الوحيد على جنون صاحبه يقول السارد " كأنه صنع لرجلي هاتين ..الحذاء مثل القبر ..الحذاء . يعرفني وأنا في يومي الأول من التقاعد ..كأنه ولد معي ..أو لعلني منه ولدت ..(35) " يكفي أن ألف اللفة الأخيرة من أحد السيرين فيطير بي نحو المكان المعلوم ..إنه يعرف الطريق " ص 36 إن هذه القرائن تجعل علاقة البطل بالحذاء علاقة أكثر من حميمية إلى حد صار معه الحذاء جزء منه باعتباره يعيش في عزلة ( لم يتزوج ) فالواقع السردي يبرز حالة انشطارية لبطل مقهور ، كما أنا حالة تفرض التساؤل حول ملازمة الحذاء لصاحبه لمدة أربعين سنة كدلالة عن وضع إنسان بقدر ما ارتبط بأشيائه توهم أنه حداء لحدائه الرجل هو الحذاء ..لا..لا ..الحذاء هو الرجل ..أنا المسمى " ص 37 إن تكرار لازمة الحديث عن الماهية والعتبة تضعنا أمام بطل انشطاري بامتياز يعيش في قوقعة من الوهم في ظل تحول الأشياء من حوله ليبقى متمركزا حول ذاته وأشيائه الخاصة وهو ما لمسناه من خلال العديد من المفارقات داخل النص " لا هو بالحي ولا هو بالميت " ص 36 وهي نافذة ستمكن الكاتب من فتح كوة كالجرح للحديث عن الواقع الاجتماعي لفئة من المسحوقين من خلال مركزة أطوار النص حول زاوية محددة فالالتقاط ( من الأعلى نحو الأسفل ، ونحو الحذاء تحديدا ) مع كل ما يحيط به يقول السارد " العيون كلها مصوبة نحو الحذاء لا يهم ..الخطوة الأولى هي الأهم " ص 37 إن زاوية الرصد من الأعلى نحو الأسفل بقدر ما تدل على ضعف تبرز انسحاقا طال المتقاعد الذي ظل أسرا لوضعه لا يستمد القوة سوى من حذائه كرمز لكينونته وسببا حقيقيا لوجوده ، وضع يجد امتداده في فئات آخرى من المسحوقين كماسح الأحذية من خلال رصد حركاته وهو ينتقل لحذاء زبون آخر " لم ينس اللعين وهو يتحرك في اتجاه احد الزبناء ، كشط مقدمة الحذاء بنعله الحامل لكل قاذورات الأرض " ص 37 ويتم انتقاد الوضع الاجتماعي بشدة من خلال نص " كاتب عمومي " س 13 الذي جاءت على لسانه العديد من الانتقادات الضمنية للواقع الاجتماعي من رشوة وفساد وغلاء المعيشة مبرزا واقع العدالة بالبلاد والصعوبات التي تقف عائقا أمام كل مطالب في الحصول على حقه بسبب نظام بيروقراطي وهو ما ابرز انهزاما بغيضا وتحولا في طرق المراوغة للحصول على الحقوق المشروعة أصلا " الله يرحمنا ، لولا القهوجي لما وصلت عند ..الشاوش ، ولولا الشاوش ..لما وصلت إلى باب المحكمة " ص 16 في نص " الأوتوروت الثانية " ص 57 ستتم الاشارة إلى التحولات التي عرفتها فترة السبعينيات من القرن الماضي وقد أبرز السارد تفاوتا طبقيا صارخا حيث يعتبرها ، تحولا نحو تكريس مزيد من المصالح في يد أقلية ، على حساب شرائح واسعة من المحرومين ..كما يعري عن سياسة الوعود ، والتسويف وما عقبه من " إحباط عام ، وقد لمسنا تضمينا لنص زجلي ساخر تجلت دلالته في الفضح بلسان الأغلبية المسحوقة يقول " الأوتوروت لا ميكا لا بوط غير النشاط والكاسكروط ....وهزان البوط " ص 58 فالطريق السيار بقدر ما اعتبر مشروعا واعدا في نظر البعض ( أصحاب المصالح) عمق من أوجاع فئات أخرى ، بتهريب مواردهم و القضاء عليها " ضيعوا الذين والدنيا ..صراعهم على الشبر أو الشبرين والجاجة أو الدجاجتين ، والقفة ذات الأذن أو الأذنين " ص 59 هذا المشروع ترك حسب السارد خلافات عديدة وصراعات ، كما أنه شكل حصارا للعديد من المناطق وعزلها عن بعضها ، وقد أضحت حاجزا يصعب تجاوزه بسهولة يقول السارد " نزلت المعبر الأول ، فوجدت أطفالا معلقين بين السماء والأرض ، قبل الذهاب إلى المدرسة التي أصبحت أثر بعد عين " ص 59 ، ناهيك عما تسببت فيه من مآسي وأحزان بسبب حوادث السير . 4) صورة الطفل في المجموعة تبرز صورة الطفل في نصوص المجموعة كطفولة مقهورة ومحرومة من كل اهتمام جدير بها ، صور لأطفال تتقاطع رغباتهم واستياؤهم بسب ما عرفته البلاد من تحولات في بنيتها ونسيجها ، في واقع سياسي بغيض ، وظروف إقليمية متوثرة جدا . في نص " رغبات المستمعين " ص 9 حيث تتعارض رغبة الأب في الاستماع إلى الأخبار في المذياع ، مع رغبة ابنته في القيام بنزهة إلى الحديقة . وقد شيد النص التعارض بمفارقاته الساخرة وأبرز ما كدر صفو يوم العيد . لقد خلف هذا الأمر تعارضا بين رغبتين، يحاول طرفيها بإصرار على تنفيذها، وهو ما ابرز عنفا في حق كل منهما ، وإحساسا بالغبن ترجمته بالنسبة للأب " الحرمان من معرفة تفاصيل الحرب المستعرة في المشرق العربي " وبالنسبة للبنت "الحرمان من النزهة والإفطار الجماعي يوم العيد " . فمشاهد المأساة نقلها السارد بشكل متواز بتفاصيلها التي كانت كتمثل في ذهن البطل عن أوضاع الحرب وتقاطعه معها عبر مطاردة محطات إذاعية متمنعة تبرز حربا نفسية أحرى ، إلى جانب الجبهة المفتوحة مع الابنة في البيت ، حول الذهاب إلى الحديقة ، وهو ما حول كلمات أغنية مطرب العيد نفسها ، بسبب تقطعها إلى كلمات فاقدة لمعنى الفرح " قنابل ...وقذائف ..قناصل ..وقنافذ .وقواعد " ص 41 . فالنص بقدر ما يجسد انكسار الطفولة يبرز الواقع العربي وانكساراته المريرة داخليا ويجسد تفككا وعنفا وغياب التواصل والرأفة والحب والسعادة ، وهي أمور تجسدت بسخرية بسبب عنف مصادر للفرح ، وللرغبات الآنية ، والواقعية ، بالبحث عن تحقيق رغبات أخرى بعيدة عن متناول اليد . أما في نص " واحد إثنان " ص 55 سنلمس نوعا من اللعب على الثنائيات الضدية ، التي بقدر ما نفحت النص بلمسة تجريبية ، عملت على خلق تشييد خاص ، أبرز عزلة الطفل المحفوف بالكثير من مباهج الحياة والألعاب ، وبالتالي حرمانه من العطف ، والحب ، والحنان ، والاهتمام . وهو رفقة مربيته الشاردة الذهن ، العابسة ، والهائمة في عالمها الخاص . فالنص يشيد مفارقته انطلاقا من الاعتماد على ثنائيات ضدية تؤثث حياة البطل ومحيطه في ظل انتظار، وعزلة، دلالة على طفولة تعيش داخل قوقعة من الوهم ، والانتظار، والتمزق ، والتيه . لقد استطاع القاص عبد الرحيم مؤذن من خلال هذه المجموعة رسم أفاق القصة القصيرة بالمغرب ، في ظل التحولات الكبرى ، ضمن اشتغال داخل القالب القصصي، ومعياره ، بتجريب مارسه كاختلاف ليؤسس من خلاله لنظرة جديدة للقصة ، بأدوات، وآليات ، ومعايير ناتجة عن تفاعلات مستمدة من واقع معاش ، ومن خلال ترجيح آليات الكتابة على الايدولوجيا وهو ما ضخ دينامكية وخلق توترا في الكثير من نصوص مجموعته ، فطرح أسئلة القصة القصيرة ، وأسئلتها ، وآفاقها الممكنة، نزوحا بها نحو التطوير، مانحا إياها رمزية ، ووجودا. ضدا على الاغتراب ، والرفض . وهو يعيد بناء الواقع بسيولة وحركية منسابة ، هدف من خلالها خلق تواصل مع شريحة واسعة من القراء . استنادا على تفجير اللغة بدلالات جديدة ومد جسورا للتواصل بناء ارتكازا على معايير أبرزت أصالة عمله، وتجدره في تربة القص المغربي ، وتحقيقه لنقلة نوعية كذلك في زمنه . ـــــــــــــــــــــــــ عبد الرحيم المؤذن " حذاء بثلاث أرجل " قصص منشورات سعد الورزازي 2005‎.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: