كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة    الثلاثاء أغسطس 06, 2013 5:47 pm

خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الشريف ايت البشير- المغرب
الثلاثاء, 06 أغسطس 2013 23:00

الشريف ايت البشير- المغرب: تكرس ليلى مهيدرة اسميتها في الإبداع المغربي عن طريق إصدار مجموعتها القصصية (عيون القلب) بعد ديوان شعري تحت عنوان (هوس الحلم).نخصص هذه المقالة هنا لتحليل مجموعتها القصصية التي صدرت في طبعتها الأولى من سنة 2013 عن مطبعة safigraphe باسفي يخطفنا ، للتو، عنوان هذه المجموعة القصصية إلى ريبيرتوارالأغنية العربية مع الرائعة ذات البحة المتفردة : نجاة الصغيرة. في رائعتها : (عيون القلب سهرانة ما بتنامشي). من خلال ذلك تعلن وبشكل مباشر عن أن إحدى إمكاناتها النصية هي الاعتماد على التضمين أو ما يسمى بالمتناص في مفهوم النقد الحديث. وهو تناص لايتم بالنظر إلى الحالة المحايثة وإنما هو تضمين مباشر . يتأكد ذلك بالعودة إلى القصة – البؤرة التي تحمل العنوان ذاته . وهي القصة رقم 9، حيث تتم إعادة مقطع بالكامل من هذه الأغنية مع نجاة الصغيرة . الصفحات 35 – 36 – 37 .
وإذا كان العنوان بالمعنى الذي يطرحه جيرارجنيت. بمثابة النص الموازي ، و بالنظر إلى الطبيعة اللفظية التي يحوزها ،فانه يعلن أيضا عن كون المجموعة القصصية تتكئ في غرف معرفتها من الحدس باعتباره معرفة عرفانية مبنية على الإشراق و الإحساس . وكان الدليل الذي يقودها في" غابة السرد" ومتاهاته هو القلب ،وليس أبدا العقل لان الأمر لايتعلق هنا بالنزوع نحو النظام الأكسيوماتي . كما لايتعلق الأمر بمعرفة الوجود المنتزعة من التجربة . إنما هي معرفة الحدس ومعرفة القلب .
لكن لماذا التركيز على لفظ العين في خاصية القلب؟ ثم هل حقا للقلب عين؟و ما الخلفية التي تقوم وراء اعتماد صيغة الجمع (عيون) هكذا ؟
يشير عبد الفتاح كيليطو في دراسته لقصة بورخيس : (بحث ابن رشد) إلى أن أول معجم في العربية كان من إنتاج الخليل بن احمد الفراهيدي المشهوربتقعيده لإيقاعية الشعر في مجموعة من البحور تتشكل من تفعيلات مخصوصة بكل منها على حدة . هذا المعجم سماه (معجم العين) . سمي كذلك لأنه لا يحترم فيه الترتيب الأبجدي للعربية . لقد ابتداه بحرف العين . قد يكون السبب وراء ذلك هو أن الخليل كان اعور . كما اهتم بعده ابن سيدة بالمعجم وكان هو الآخر يعاني من عاهة في العين . لم يكتف بورخيس بالإشارة إلى هذين المعجميين في الثقافة العربية الوسيطة بل أشار إلى ابن رشيق الذي كان به حول أيضا ، فضلاعن الجاحظ الذي سمي كذلك لجحوظ عينيه .... كما تمت الإشارة إلى بشار و إلى المعري ثم إلى هوميروس باعتبارهم عميانا . ليصبح العمى هو الموضوعة الأثيرة لدى بورخيس . لدا قام بتمجيدها و العناية بها لان فقد البصر كان ايذانا حقيقيا بانجاز الرؤية الوجودية بواسطة الكيان . و التي تكون حقيقية و صادقة . مادام العالم يدرك من خلال الرؤية الخاصة وبواسطة النبض المباشر دون وساطات قد تكون بمثابة الرؤية االبصرية . ستكون حتما حالة بورخيس شبيهة بحالة طه حسين في التفكير الإنساني الحديث و المعاصر . لان كليهما حول إخفاق النظر إلى انتصار بواسطة الكتابة . فهما ينظران إلى العالم بنصوص مكتوبة في مختلف المجالات .
بالنسبة لحالة الخليل فانه استبدل العين الجارحة بعين أخرى هي العين المعجمية . ونظر بواسطتها كمكون : قاعدة و أساس للغة و إلى العالم . ومن خلال كل ذلك تصبح القاصة ليلى مهيدرة أيضا مورطة في هذا التحول من النظر إلى العالم بواسطة العين . إلى النظر إليه بواسطة القلب باعتباره عين الحس و الحدس والعاطفة.... معها نكون أمام معرفة تتأتى عن طريق الكشف و التجلي مادام شفيعها القلب . وليس أبدا العقل لأن هذا الأخير وأثناء اعتماده في الرؤية إلى جغرافيا الكون يصادر لذاذاتها ومتعها ويمنح مباشرة على شكل أوجاع ومنغصات . إن العقل مصدر حقيقي للتعب و الألم والقلق . وكأن تعاسة العالم ليست إلا نتيجة طبيعية للرؤية العقلية إليه . قد تكون الرؤية القلبية رؤية حالمة و طفولية وأكثر إنسانية . وهو ما جعل القاصة هنا في كثير من نصوصها تصدر عن هذه الرؤية الطفولية القاضية بالتفاعل مع الوجود على علاته دون سبق و إصرار . تكون محكومة بمبدأ التفاعل و الانفعال ..... إذ بدت في الغالب الساردة ذاتا متأثرة بكل ما يقع حولها دون أن يكون لها التدخل لتصحيح الأوضاع و تغييرها . وهو ما جعل مسحة الكآبة تطبع سماء أغلب القصص أسلمتها لنزعة مأساوية أكثر حزنا على ما يجري حول الذات وعليها .
في المجموعة القصصية (عيون القلب) لاتوجد الخلفية الإيديولوجية ولا النزعة البرغماتية في تعاطي الوجود. إذ عبر الرؤية بواسطة عين القلب يكون التوق نحو الصدق ونحو العمق والشفافية . مادامت الرؤية بواسطة البصيرة هي الأعمق وهي الأكثر نبلا في ألقها الإنساني . والتاريخ العربي شاهد على ذلك من خلال حالات بشار والمعري و طه حسين- كما أشرنا سابقا –
يتقاطع عنوان المجموعة إذن ، مع عنوان القصة التاسعة. و كأن عنوان هذه الأخيرة يشع في مساحة المتن. إنها القصة – البؤرة والمركز والنواة التي تمتص بقية الأجزاء وتذوبها فيها . فكيف تحقق ذلك بالنظر إلى صناعة السرد وجماليتها ؟
تبئر هذه القصة التاسعة في متخيلها السردي القضية الفلسطينية من خلال حوار الذات الساردة مع عازف موسيقي على آلة العود:هويته فلسطين . وهي هوية تنشر ظلالها على السارد . والتي هي المحاورة في الآن نفسه . وكأن هذا الانتماء ليس مخصوصا . و إنما هو مشاع في جغرافيا الوطن العربي . كما أنه يتم تبئير هذه القصة في أغنية من روائع نجاة الصغيرة يجعل عنوانها يتصادى مع عنوان المجموعة ويكرره و كأنها رغبة في إعادة الاستماع إلى هذه الأغنية . ما دام كل تكرار هو اكتشاف للذات بطعم آخر وبنكهة أخرى؟
تتحكم الذات الساردة في خيوط السرد في مقابل هشاشتها واضطرابها أمام الموضوعة . فكان وضعها مزدوجا: في الداخل يكون الإحساس غامضا ،إذ لايتم الكشف عن ذلك و لا عن سببه . و لكن من خلال التحول في الدلالة . وبإيعاز من العازف يتضح بأن سبب الاضطراب هو العشق ما دام الأمر متعلقا بالبحث عن ملاذ في أغنية نجاة الصغيرة. ليتبين بعدها أن الموضوع ليس إنسانيا. فقط يرتبط بلوعة الهجر فقط ، وإنما ،وأيضا يرتبط بوضع فلسطين في إطار حالة الغطرسة الإسرائيلية التي تستحوذ على كل شيْء ،ولا تترك للفلسطيني أي شيْْْء .
يكون ذلك بمتابة الإعلان الحقيقي عن أن ما يحقق الوجود الفلسطيني وفي الآن نفسه الذات الساردة في مرجعيتها القومية ليست المهرجانات الخطابية و لا المؤتمرات ، وإنما العمل عبر الإنتاج الجمالي لإظهار الفرادة والتميز والخصوصية ... وتأكيد الشخصية الفلسطينية من خلال الخالد و الأبقى والشاهد على تاريخ أبدي في ذلك . وليس أبدا من كلام يتم إنتاجه في الليل العربي يمحوه النهار العربي أيضا .
وعليه فان موضوع هذه القصة متراكب فيه ما يرتبط بالذات وفيه ما يرتبط بالموضوع ، الأول يحيل على الإنساني في إطار القلق الوجودي و مايستتبعه من طرح أسئلة تتغيى اقتناص خيمة دلالية تطمئن إليها الذات وتستكين . أما الثاني ففيه ألم الإنسان ومحنته تجاه الزج به في مسارات من التهميش و الإقصاء والتشريد ... لتنشأ العلاقة بينهما مرآويا . يكون الموضوع مرآة للذات لتقتنع بأن ما تعانيه لاشيء أمام فداحة الوجود بالنسبة للثاني المتصل بالموضوع. وكأن هذا الأخير أيضا هو المشجب الذي تعلق عليه الذات أعطابها والذي عبره تمتص غضبها وتعمل على تذويبه من باب الإقتناع بان آخرين هناك أكثر تراجيدية من الذات هنا.
يظهر أيضا من خلال هذه القصة البِؤرة ، ومنها يمكن تعميم الأحكام أيضا ، أن القاصة تحتمي في كتابتها بمرجعية سردية أساسها الوضع المفارق والمزدوج بين:التقشف في التعبير يصل إلى حد الإشارة والإيحاء . في مقابل الاشتغال على مواضيع ثرية ،وأكثر فسحة في الدلالة ... اذ هنا يرتبط الأمر بالإنسان ووضعه بفلسطين الممهور بالمنغصات قد يكون أساس ذلك التقشف هو البحث عن بديل تعبيري للاحتجاج، أي تعبير يكون أبلغ من الكلام هو الصمت . ليس ذلك وحسب . فما الذي يقدر أن يفعله الإنسان تجاه هذا الوضع؟
يمكن أن يفعل شيئا واحدا إذا استطاع أن يخرج من جلده .
أو أن يفعل شيئا آخر إذا استطاع الفيل أن يدخل الشق.
وهما أمران مستحيلان،وكأنها تقول لنا بما أن ذلك يستحيل فلنعمل معا على العبور باتجاه فظاعة العالم وفداحته بأقل تكلفة ممكنة من اللغة . باعتبارها الحكمة التي يمكن استخلاصها من استقراء أوضاع القضية.
في القصة التاسعة أيضا هناك أصالة لغوية عن طريق المزج بين كتابة السرد وكتابة الشعر . كما هو الأمر في النصوص المقامية، و التي يلجأ فيها إلى الاستشهاد بالشعر من شأنه أن يختزل وأن يلمح وأن يبلغ باطنيا الفكرة في حالة من التكثيف والتلخيص ، والتي تكون مشتركا بين متلقين كثر كحالة اغنية" نجاة". عبرها يتم الإعلان عما يلي :
هذه جراحي الذاتية / الإنسانية والقومية معلقة على جسد الكلمات ومشروخة في بحة الصوت المترجم باقتدار فداحة العالم وأوديسا الوجود.
وعليه فان عشق فلسطين الأرض والوطن ضارب في التاريخ القديم وهو الذي يطرح في أشكال التشبث والتمسك به. كما أنه يترجم في الحركة والنضال والمقاومة من أجل التحرير. وكأن الأرض ، ومن خلال عاطفتها وحنوها النبيلين تحفز الإنسان كي يسعى "إذا استطاع إلى ذلك سبيلا"و كي يحافظ عليها : (أعدي لي الأرض كي أستريح، فاني أحبك حتى التعب) كما يقول محمود.درويش.
وعليه فان الساردة من جهة ،وأغنية نجاة من جهة أخرى،هما الشيء ذاته في إطار تبادل المواقع، أساسه الرمز و الإيحاء إلى التقارب والتقاطع على نفس الهاجس و الإحساس الذي يطفح بنبض الإنسان تجاه وجوده.
إن الأغنية شجية، وهي في منتهى تفتيق الجرح وتوسيع دائرة الشجن والجهر به. تصلح أن تكون بمثابة التعبير الحقيقي عن حالات الذات هي هنا مزدوجة: ذات مغربية وذات فلسطينية. كلاهما مترع في اتجاه الآتي الناهض بالألق وبالغلال وبالوعد،وان تعددت الأسباب فالوضع يخضع لحالة من التصادي يجعل المغربي يحس بالوضع الفلسطيني في إطار تمثل الخطاب القومي وأنواع الخطاب الأخرى التي تمشي في ركابه، و التي جعلت القضية الفلسطينية هي قضية الأوطان العربية قاطبة. يكون التوحد والانصهار لتذويب الحزن والتقليل من فداحته بتعاطي الفن باعتباره الأكثر تعبيرا عن إنسانية الإنسان. وكيفما كانت الحال فبالفن يحيا الإنسان.
يتشوف الفلسطيني هنا مستقبله في ما تحمله الأغنية من وعد يتفتق من الثنائية الحادة التي تنبني عليها: فهي تحت سلطة السهاد والأرق وجفاء النوم... وهو في حالة اللامبالاة بسبب لا مسؤوليته تجاه الكلام الذي يقولهSadأنت بتقول وبتمشي.وأنا أسهر ما نامشي. ياللي ما بتسهرشي ليلة يا حبيبي).إن الساردة تتشوف ما تؤول إليه الأغنية،في الوقت الذي يتشوف الفلسطيني غده أيضا في الأغنية ذاتها. عملهما الهدف منه هوتذويب فداحة الألم والاغتراب الوجوديين. تماما كحالة عبد الرحمان الداخل الذي تشوف إلى الشرق حين نفي إلى الغرب،قال مخاطبا نخلة بالأندلس:
نشأت بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
هكذا يمكن التأكيد على خاصية بنيوية تستغلها القصة في صناعة نصها والمرتبطة بمسألة المعادل الموضوعي أو الرمزي سيان بلغة ت.س.اليوت.
وبالنظر الى المواضيع التي تستأثر باهتمام هذه المجموعة يمكن التأكيد على خاصيتها الذاتية عن طريق تسريد الحياة الخاصة للساردة. وعلى خاصيتها الموضوعية بالتقاط علامات البؤس وتجلياته في بنية المجتمع.

هكذا فإن القصة الأولى( خطة التراجع عن قرار التراجع) و إن بأرت موضوعة الحرب. والتي تترجم من خلال عنوان مواز آخر ملحق بالمركز فيه السخرية من قرارات الحرب التي يظهر بأن أجندتها تخدم لغة الانتصار، في حين هي، في العمق ، ترجمة لكل ما يعمل على إذلال الإنسان وقهره. على اعتبار أن ما يتحكم في الوجود هي قرارات عبثية وممعنة في السوريالية.
ترسم هذه القصة إذن،عوالم مختلفة لفئات وأجيال من المجتمع:
- شخصية المرأة باعتبارها النموذج الذي يجني كبوات الرجل و إخفاقاته وأخطاءه كأوديسا قاهرة زجت به في أتون الانزواء والصمت والإحساس القاهر بالذل.
- شخصية الرجل الذي يجعل المسار الذي وضع فيه ليصبح الأداة العمياء التي تنفذ الاستراتيجيات المرسومة والتي هي مغرضة وماكرة وملتبسة. وحدهم مهندسو الحروب يعرفون خياناتها كما يعرفون الفظاعات التي تؤول إليها.
- شخصية الابن: الذي يرمز للجيل الجديد والواعد، والذي يتخذ من الوعي بالذات عن طريق مركزتها منطلقا لامتلاك الوجود والعيش دون الاكتراث بالغير ولا بالماضي.
وفي الوقت الذي لايكترث الابن بأقوال الناس ولا بتعليقاتهم،فان الزوجة "زينب" أحست الخزي و الإذلال فكان لذلك أثره على نفسيتها التي أفضت بها إلى الانهيار والإحساس بالهشاشة تجاه العلاقة مع الجارات. في حين البطل وهو هنا الرجل، فإنه يكون بمثابة جسد التاريخ الذي يكتب عليه التحول الذي خضع له،والذي يترجم التحول في وجدان المجتمع تجاه البطل من الاعتبار والتمجيد والأمل في النصر،إلى الإذلال والخزي والخذلان وكل
أشكال الاحتقار... وفي الوقت الذي تعملق إحساسا بالمشاركة في الحرب، أصبح كالخرتوت وهو يجر أذيال الخيبة كل يوم وسط جيرانه الذين يحسون بأنه أخلف موعده مع رغبتهم في التمثل الوجداني للنصر.
تعتمد ليلى مهيدرة هنا،في هذه القصة الأولى،على تقنية المونولوج لترجمة العوالم النفسية والعقل الباطن لخيبة الانتصار بالنسبة للبطل.كما تعتمد خاصية أسلوبية تتمثل في ما يسمى باللكسيم بالنظر الى لفظ (التراجع) الذي حولته من قيمة السلب الى قيمة الإيجاب حينما أصبح استراتيجية في الحرب بغية توقيف النزيف.واعتماده أيضا كاستراتيجية مجتمعية في السلوك اليومي بالنسبة للفرد الذي يحس بالمهانة جراء ما وقع، وهو لا يد له فيه كما مع شخصية الزوجة:زينب.
وتستمر القاصة في طرق مواضيع مأهولة بفسحة المعرفة؛ففي قصة "الدولاب" هناك رسالة تقضي برفض تهريب الوطن من خلال سرقة ذاكرته. حيث تعمل على اختزال تاريخ الذات و الهوية وتاريخ الوطن في رمزية الدولاب الذي كان في حوزة أحد المعمرين لتتم استعادته عن طريق اقتنائه للحفاظ على كرامة الذات وهويتها.كما أنها في قصة (قلم أحمر) تتناول موضوعة وطنية تتصل بسعة الحلم. والحلم بضيق الزنزانة، عن طريق تسريد موضوعة البطالة في علاقتها بمشروع الحلم في توفير الأمن الغذائي. ومشروع البحث عن وظيفة. والتي تفتحها على الواقع الذي يجعلها من نصيب من لم يكتمل علمه. وذلك باستغلال المنعطفات التاريخية والظروف المواتية لتحويل الذات إلى النزوع البرغماتي الفج. ليصبح الحصول على وظيفة مرتبطا بانتهاز الفرص. وليس أبدا الانتظار حتى يتقوى الرصيد العلمي.
وبالانتقال إلى قصة (انسلاخات) نجد الساردة مفعمة بالحياة، إذ تعمل على تمجيدها والإعلاء من شأنها. وكأن الانسلاخ عن الذات يصبح حالة من الفارمكون. حيث تصبح القرارات حاسمة تظهر صلابة الشخصية بسبب ما تخزنه من وعي مرجعي لما يجري حولها .إنها ذات متيقظة ومتمسكة بإنسانيتها وبهويتها. من ثم كان الإحساس بالاغتباط تجاه ما تنجزه من حركة في الوجود كما هو الأمر مع الجولات المنجزة. وفي مفارقية مأهولة بالألم يتم الوصف الفظيع للإحساس الذي انتابها قبل إجراء العملية الجراحية وما اسلم السرد الى إيقاف كل علاقة باللوغوس في مقابل تعليق كل شيء على التيولوجي.وتخلل ذلك بتناول محفلين سرديين يرتبطان بالانسلاخ تجاه البيت وإحالته على الأم و الإخوة،
وآخر تجاه الزوج وما يرتبط به من إحساس مبني على العلاقة المؤسسية من خلال تسريد الرابط المتصل بالدعم وبالوثائق ... وفي لاوعي القصة يمكن رصد حالة العلاقة بين الناس وما وصلت إليه من فظاعات تترجم في العزلة و الوحدة و أحيانا في سوء التفاهم. حيث يحضر الزوج هنا بخلفية اجتماعية فقط، دون ان يكون الدافع من منطلق الحميمي والسيكولوجي.وكأن الذات المسردة تعاني من صقيع الواقع، وتفتقد السكن الدافئ لطرده.
و لعل قصة (المصارحة) تترجم ذلك بوضوح؛ ففي الوقت الذي تظهرفيه المرأة هشة أمام الرجل، تكون ماكرة،على اعتبار أنها حقيقة اجتماعية،في حين على العكس من ذلك يكون الرجل وهما. من ثم تحاكم المرأة الرجل،لأنها تريده واقعيا ،في حين هو يريد أن يكون حالما. يريد أن يكون شخصية افتراضية تتمتع بخصوبة في الخيال وجفاف في الواقع. وكأن الرجل هو نموذج كذبة المجتمع ووهمه. في حين المرأة هي حقيقته وواقعه. من ثم كان تفويض الأمور للرجل خطورة، في حين المرأة هي بر الأمان وهي الحماية الأكيدة.
ومن ثم فان هذه القصة تترجم حالات الاغتراب التي يستشعرها الإنسان المعاصر في وجوده. كما تترجم العلاقات الدفينة بين الأزواج إذ في لاوعي كل منهما قلب للصورة الكسولة التي يرسمها عنهما المجتمع.
في قصة (هواجس) اشتغال سردي على هاجس مختلف هو موضوع الكتابة؛ ذلك أن الشخصية المسردة تعيش حالة انفصام من خلال استيهامها هذا الفعل وكيفية تدبيره في إطار الجمالية المسرحية ،وما يكتنفها من قلق أمام ثنائيات حادة كالقبول والرفض. الواقع و الخيال. الجمال والفقرأو القبح ثم صناعة النص في مقابل كتابته. لينشأ السؤال جارحا في سوسيولوجيته: ما جدوى الكتابة في وجود لا يؤمن بالفكر؟
وفي نفس الموضوعة، أو في اطار تسريد النص الواصف المتصل بالجمال،نجد قصة (خطوط عمودية) وتبئيرها لشخصية الفنان في إطار خطاب التشكيل الذي ينخطف تجاه الومضة. وتجاه الهارب و اللايفسر لتشكيل رؤيته بواسطة الجمال باللون والخطوط.يكون ذلك عماء مطبقا لدى الدهماء والدوكسا. الذي يعد، أحيانا،بمثابة الشخصية الطفولية ذات الإحساس المرهف، والتي لاتتذوق الجمال و لاتستكنه عمقه، بعملها ذاك تعمق اغتراب الفنان وعزلته.
تنزاح قصة (تخيلات)عن الموضوعات السابقة، لترتبط بالمحلي في فضائه؛حيث تم تفضيء مدينة الصويرة بالنظر إلى الجزيرة وإلى "المكانة"... وأيضا في ثقافته بالإشارة إلى أن المرأة الصويرية تعيش حالة من الاقتدار الوجودي مأهولا بالمعاصرة والتحديث وإنتاج لغة الجسد حينما تخلق من الرجل موضوعا للرغبة و استيهام الجنس.
وبالعودة إلى قصة (الوثيقة الوهمية) نجدها ترصد موضوعة مجتمعية تتصل بسوء التفاهم بين الأزواج.وانعدام التواصل بينهم. حيث يبدو هنا بأن لكل من الطرفين همومه وأحلامه واستشرافاته الخاصة. أنتجت حوارا متقطعا به يستعيد حالة من العبث كما هي مطروحة لدى أغلب كتاب العبث في المسرح خاصة. نجد ذلك مبلورا في مسرحيات الثالوث الدراماتورجي المعروف: يونسكو، بيكيت و أداموف. كما نجده مع كتاب العبث في المسرح العربي كما في تجربة (يا طالع الشجرة) و (الطعام لكل فم) لتوفيق الحكيم. و (اسمع يا عبد السميع) لعبد الكريم برشيد.
واعتماد هذه التقنية في قصة (الوثيقة الوهمية) احتجاج واضح على الوضع المأزوم عن طريق تضعيف أزمته و تحليكها أكثر لإظهار فداحته الماتحة من اغتراب الإنسان في وجوده.
وإذا كانت نصوص كتاب العبث تنبني في أغلبها على شخصيتين،فهو الشيء ذاته مع هذه القصة التي يتم تبئير متخيلها في وثيقة تشكل مادة الحلم.وهي طريقة إيحائية بامتلاك "رسالة إنسانية"تحضر بنفس المعنى في الأعمال المسرحية المشار إليها سابقا.
تتم أيضا صياغة قصة "ضيفة العيد" وفق بنية سردية تقليدية تحوز نموا منطقيا ثلاثي المحطات شأن التتابع المتحكم في منطقة أرسطو؛ حيث البداية المحددة لقدوم امرأة في زمن مخصوص. ودائرة التحول وما ترتبط به من أزمة حادة بين البنت و الأم وما فرضته على هذه الأخيرة من عزلة وانكماش. ثم نهاية جعلتها القاصة سعيدة بإعادة المياه إلى ماجرياتها بين الأم وبنتها.
وتستمر في تسريد الموضوعات الكبرى كمسألة الزمن في (الخريف الأخير)حيث الحياة تخضع لتحول في فصولها. وتستبد بها رهبة الزمن. هذا الذي يكون بمثابة النهر الذي يجرفنا كما يقول هيرقليطس.
ومع قصة (بلاغ عن طفلة ضائعة) تعود القاصة إلى موضوعاتها الأثيرة ذات النسغ المجتمعي، حيث تتبع حالات من التفكك الأسري بوجود مشاكل ترتبط بالانفصال عادة ما بين الزوجين. أو الفقد والعيش في حالة الترمل. أو نتيجة الثقافة الابيسية للمجتمع؛ ذلك أن الأب أثناء زيارته لها وهي طريحة الفراش كان يترجم نموذج الشرقي المتسلط، فهو يأمر أمها بإنهاء الزيارة ويرغمها على كفكفة الدمع... وقد بدت العلاقة بين الأم و البنت ممعنة في الصمت والهامشية،فهي لم تنعم بدفء يد الأم الذي أحسته...
وعليه فإن العلاقات الاجتماعية في هذه المحاولات تعيش حالات جد متوترة وفادحة في غياب الإحساس بالدفء تجاه أفراد الأسرة بعضهم البعض. وقس على ذلك بالنسبة للعلاقات المجتمعية. و أمام الإحساس بالضياع لايملك الإنسان إلا التشبت بحالته الطفولية مادامت الطفولة هي الشيء الحقيقي في الإنسان. إن الوجود يدرك بالألم و الشغب في قصة (طفل صغير).
تتناول القاصة موضوعات اجتماعية،لكنها لا تفسرها وجوديا، هناك حالة من الوقف المترجمة بجدار التدين ؛ ذلك أن زمن الولادة في قصة (إحساس الأمومة) تغلفه بالخطاب الديني في ارتباطه بالموت. فمحطات المخاض والحقن والمجسات والعملية القيصرية كانت تحضر لزمن الموت. لكن الحياة تغلبت بعد صراع مرير لأجل البقاء، يتم تفسيرها ثيولوجيا وردها إلى المشيئة الإلهية. وكيفما كانت الحال فإننا نعتبر هذه القصة محاولة لتناول عالم المرأة من الداخل. حيث الإحساس المتضارب والموزع بين الفرحة و الألم بين تحقيق ثقافة المجتمع في الإنجاب كشكل من أشكال الجدارة الاجتماعية. وبين تحقيق الذات في اطار الغريزة والتشبث بإحساس الأمومة اللايفسر.
مع ليلى مهيدرة في (عيون القلب) تبدو الحياة سريرا من الموت أمام استفحال الموضوعات المأساوية في حالتها المجتمعية؛ فهناك الطلاق. والعطالة والفقر والعجز البدني بل الاستقالة من الحياة على جميع المستويات. إن أبطال قصصها مأساويين ما داموا يحملون بؤسهم على أكتافهم وينظرون إلى جراحهم وهي تتفتق أكثر ويلوحون من تعب شارة الوداع إلى الحتف الأخير و النهائي.
ما خطفنا كثيرا في هذه المجموعة القصصية هو قصة (الفائز بالشهادة) لأنها تدشن الدخول الحقيقي إلى عالم القص وما يرتبط به من دهشة ناتجة عن تضمين البرنامج السردي كما هو معروف في الأدبيات السردية الفرنسية حيث مواصفات الشخصية، رغبتها.امتلاك القدرة على تنفيد الموضوع وحيازته أي الاتصال به. يتعلق الأمر هنا بالانخطاف إلى اللون والجمال والتعبير عن الإحساس باللوحة. الهدف منه هو الإيحاء إلى ان الوضع الفلسطيني سوريالي،فهو فن معطى على علاته. ولا يحتاج إلى اشتغال وتحويل كي يصبح فنا. فغزة تعد مرتعا خصبا لاستحصال فظاعة الحرب ووجود الإنسان وتحويلها إلى خطاب ماتع في إيحائه واستعارتيه.
لقد كانت النهاية متخمة بالدهشة وبالفجائية، وعملت على تضعيف الألم وترك الغصة في الحلق.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة    الثلاثاء أغسطس 06, 2013 5:49 pm




admin كتب:
خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الشريف ايت البشير- المغرب  
الثلاثاء, 06 أغسطس 2013 23:00

الشريف ايت البشير- المغرب: تكرس ليلى مهيدرة اسميتها في الإبداع المغربي عن طريق إصدار مجموعتها القصصية (عيون القلب) بعد ديوان شعري تحت عنوان (هوس الحلم).نخصص هذه المقالة هنا لتحليل مجموعتها القصصية التي صدرت في طبعتها الأولى من سنة 2013 عن مطبعة  safigraphe باسفي يخطفنا ، للتو، عنوان هذه المجموعة القصصية إلى ريبيرتوارالأغنية العربية مع الرائعة ذات البحة المتفردة : نجاة الصغيرة. في رائعتها : (عيون القلب سهرانة ما بتنامشي). من خلال ذلك تعلن وبشكل مباشر عن أن إحدى إمكاناتها النصية هي الاعتماد على التضمين أو ما يسمى بالمتناص في مفهوم النقد الحديث. وهو تناص لايتم بالنظر إلى الحالة المحايثة وإنما هو تضمين مباشر . يتأكد ذلك بالعودة إلى القصة – البؤرة التي تحمل العنوان ذاته . وهي القصة رقم 9، حيث تتم إعادة مقطع بالكامل من هذه الأغنية مع نجاة الصغيرة . الصفحات 35 – 36 – 37 .
وإذا كان العنوان بالمعنى الذي يطرحه جيرارجنيت. بمثابة النص الموازي ، و بالنظر إلى الطبيعة اللفظية التي يحوزها ،فانه يعلن أيضا عن كون المجموعة القصصية تتكئ  في غرف معرفتها من الحدس باعتباره معرفة عرفانية مبنية على الإشراق و الإحساس . وكان الدليل الذي يقودها في" غابة السرد" ومتاهاته هو القلب ،وليس أبدا العقل لان الأمر لايتعلق هنا بالنزوع نحو النظام الأكسيوماتي . كما لايتعلق الأمر بمعرفة الوجود المنتزعة من التجربة . إنما هي معرفة الحدس ومعرفة القلب .
لكن لماذا التركيز على لفظ العين في خاصية القلب؟ ثم هل حقا للقلب عين؟و ما الخلفية التي تقوم وراء اعتماد صيغة الجمع (عيون) هكذا ؟
يشير عبد الفتاح كيليطو في دراسته لقصة بورخيس : (بحث ابن رشد) إلى أن أول معجم في العربية كان من إنتاج الخليل بن احمد الفراهيدي المشهوربتقعيده لإيقاعية الشعر في مجموعة من البحور تتشكل من تفعيلات مخصوصة بكل منها على حدة . هذا المعجم سماه (معجم العين) . سمي كذلك لأنه لا يحترم فيه الترتيب الأبجدي للعربية . لقد ابتداه بحرف العين . قد يكون السبب وراء ذلك هو أن الخليل كان اعور . كما اهتم بعده ابن سيدة بالمعجم وكان هو الآخر يعاني من عاهة في العين . لم يكتف بورخيس بالإشارة إلى هذين المعجميين في الثقافة العربية الوسيطة بل أشار إلى ابن رشيق الذي كان به حول أيضا ، فضلاعن الجاحظ الذي سمي كذلك لجحوظ عينيه .... كما تمت الإشارة إلى بشار و إلى المعري ثم إلى هوميروس باعتبارهم عميانا . ليصبح العمى هو الموضوعة الأثيرة لدى بورخيس . لدا قام بتمجيدها و العناية بها لان فقد البصر كان ايذانا حقيقيا بانجاز الرؤية الوجودية بواسطة الكيان . و التي تكون حقيقية و صادقة . مادام العالم يدرك من خلال الرؤية الخاصة وبواسطة النبض المباشر دون وساطات قد تكون بمثابة الرؤية االبصرية  . ستكون حتما حالة بورخيس شبيهة بحالة طه حسين في التفكير الإنساني الحديث و المعاصر . لان كليهما حول إخفاق النظر إلى انتصار بواسطة الكتابة . فهما ينظران إلى العالم بنصوص مكتوبة في مختلف المجالات .
بالنسبة لحالة الخليل فانه استبدل العين الجارحة بعين أخرى هي العين المعجمية . ونظر بواسطتها كمكون : قاعدة و أساس للغة و إلى العالم . ومن خلال كل  ذلك تصبح القاصة ليلى مهيدرة أيضا مورطة في هذا التحول من النظر إلى العالم بواسطة العين . إلى النظر إليه بواسطة القلب باعتباره  عين الحس و الحدس والعاطفة.... معها نكون أمام معرفة تتأتى عن طريق الكشف و التجلي  مادام شفيعها القلب . وليس أبدا العقل لأن هذا الأخير وأثناء اعتماده في الرؤية إلى جغرافيا الكون يصادر لذاذاتها ومتعها ويمنح مباشرة على شكل أوجاع ومنغصات . إن العقل مصدر حقيقي للتعب و الألم والقلق . وكأن تعاسة العالم ليست إلا نتيجة طبيعية للرؤية العقلية إليه . قد تكون الرؤية القلبية رؤية حالمة و طفولية وأكثر إنسانية . وهو ما جعل القاصة هنا في كثير من نصوصها تصدر عن هذه الرؤية الطفولية القاضية بالتفاعل مع الوجود على علاته دون سبق و إصرار . تكون محكومة بمبدأ التفاعل و الانفعال ..... إذ بدت في الغالب الساردة ذاتا متأثرة بكل ما يقع حولها دون أن  يكون لها التدخل لتصحيح الأوضاع   و تغييرها . وهو ما جعل مسحة الكآبة تطبع سماء أغلب القصص أسلمتها لنزعة مأساوية أكثر حزنا على ما يجري حول الذات وعليها .
في المجموعة القصصية (عيون القلب) لاتوجد الخلفية الإيديولوجية ولا النزعة البرغماتية في تعاطي الوجود. إذ عبر الرؤية بواسطة عين القلب يكون التوق نحو الصدق ونحو العمق والشفافية . مادامت الرؤية بواسطة البصيرة هي الأعمق وهي الأكثر نبلا في ألقها الإنساني . والتاريخ العربي شاهد على ذلك من خلال حالات بشار والمعري و طه حسين- كما أشرنا سابقا –
يتقاطع عنوان المجموعة إذن ، مع عنوان القصة التاسعة. و كأن عنوان هذه الأخيرة يشع في مساحة  المتن. إنها القصة – البؤرة والمركز والنواة التي تمتص بقية الأجزاء وتذوبها فيها . فكيف تحقق ذلك بالنظر إلى صناعة السرد وجماليتها ؟
تبئر هذه القصة التاسعة في متخيلها السردي القضية الفلسطينية من خلال حوار الذات الساردة مع عازف موسيقي على آلة العود:هويته فلسطين . وهي هوية تنشر ظلالها على السارد . والتي هي المحاورة في الآن نفسه . وكأن هذا الانتماء ليس مخصوصا . و إنما هو مشاع في جغرافيا الوطن العربي . كما أنه يتم تبئير هذه القصة في أغنية من روائع نجاة الصغيرة يجعل عنوانها يتصادى مع عنوان المجموعة ويكرره و كأنها رغبة في إعادة الاستماع إلى هذه الأغنية . ما دام كل تكرار هو اكتشاف للذات بطعم آخر وبنكهة أخرى؟
تتحكم الذات الساردة في خيوط السرد في مقابل هشاشتها واضطرابها أمام الموضوعة . فكان وضعها مزدوجا: في الداخل يكون الإحساس غامضا ،إذ لايتم الكشف عن ذلك و لا عن سببه . و لكن من خلال التحول في الدلالة . وبإيعاز من العازف يتضح بأن سبب الاضطراب هو العشق ما دام الأمر متعلقا بالبحث عن ملاذ في أغنية نجاة الصغيرة. ليتبين بعدها أن الموضوع ليس إنسانيا. فقط يرتبط بلوعة الهجر فقط ، وإنما ،وأيضا يرتبط بوضع فلسطين في إطار حالة الغطرسة الإسرائيلية التي تستحوذ على كل شيْء ،ولا تترك للفلسطيني أي شيْْْء .
يكون ذلك بمتابة الإعلان الحقيقي عن أن ما يحقق الوجود الفلسطيني وفي الآن نفسه الذات الساردة في مرجعيتها القومية ليست المهرجانات الخطابية و لا المؤتمرات ، وإنما العمل عبر الإنتاج الجمالي لإظهار الفرادة والتميز والخصوصية ... وتأكيد الشخصية الفلسطينية من خلال الخالد و الأبقى والشاهد على تاريخ أبدي في ذلك . وليس أبدا من كلام يتم إنتاجه في الليل العربي يمحوه النهار العربي أيضا .
وعليه فان موضوع هذه القصة متراكب فيه ما يرتبط بالذات وفيه ما يرتبط بالموضوع ، الأول يحيل على الإنساني في إطار القلق الوجودي و مايستتبعه من طرح أسئلة تتغيى اقتناص خيمة  دلالية تطمئن  إليها الذات وتستكين . أما الثاني ففيه ألم الإنسان ومحنته تجاه الزج به في مسارات من التهميش و الإقصاء والتشريد ... لتنشأ العلاقة بينهما مرآويا . يكون الموضوع مرآة للذات لتقتنع بأن ما تعانيه لاشيء أمام فداحة  الوجود بالنسبة للثاني المتصل بالموضوع. وكأن هذا الأخير أيضا هو المشجب الذي تعلق عليه الذات أعطابها والذي عبره تمتص غضبها وتعمل على تذويبه من باب الإقتناع بان آخرين هناك أكثر تراجيدية من الذات هنا.
يظهر أيضا من خلال هذه القصة البِؤرة ، ومنها يمكن تعميم الأحكام أيضا ، أن القاصة تحتمي في كتابتها بمرجعية سردية أساسها الوضع المفارق والمزدوج بين:التقشف في التعبير يصل إلى حد الإشارة والإيحاء . في مقابل الاشتغال على مواضيع ثرية ،وأكثر فسحة في الدلالة ... اذ هنا يرتبط الأمر بالإنسان ووضعه بفلسطين الممهور بالمنغصات قد يكون أساس ذلك التقشف هو البحث عن بديل تعبيري للاحتجاج، أي تعبير يكون أبلغ من الكلام هو الصمت . ليس ذلك وحسب . فما الذي يقدر أن يفعله الإنسان تجاه هذا الوضع؟
يمكن أن يفعل شيئا واحدا إذا استطاع أن يخرج من جلده .
أو أن يفعل شيئا آخر إذا استطاع الفيل أن يدخل الشق.
وهما أمران مستحيلان،وكأنها تقول لنا بما أن ذلك يستحيل فلنعمل معا على العبور باتجاه فظاعة العالم وفداحته بأقل تكلفة ممكنة من اللغة . باعتبارها الحكمة التي يمكن استخلاصها من استقراء أوضاع القضية.
في القصة التاسعة أيضا هناك أصالة لغوية عن طريق المزج بين كتابة السرد وكتابة الشعر . كما هو الأمر في النصوص المقامية، و التي يلجأ فيها إلى الاستشهاد بالشعر من شأنه أن يختزل وأن يلمح وأن يبلغ باطنيا الفكرة في حالة من التكثيف والتلخيص ، والتي تكون مشتركا بين متلقين كثر كحالة اغنية" نجاة". عبرها يتم الإعلان عما يلي :
هذه جراحي الذاتية  / الإنسانية والقومية معلقة على جسد الكلمات ومشروخة في بحة الصوت المترجم باقتدار فداحة العالم وأوديسا الوجود.
وعليه فان عشق فلسطين الأرض والوطن ضارب في التاريخ القديم وهو الذي يطرح في أشكال التشبث والتمسك به. كما أنه يترجم في الحركة والنضال والمقاومة من أجل التحرير. وكأن الأرض ، ومن خلال عاطفتها وحنوها النبيلين تحفز الإنسان كي يسعى "إذا استطاع إلى ذلك سبيلا"و كي يحافظ عليها : (أعدي لي الأرض كي أستريح، فاني أحبك حتى التعب) كما يقول محمود.درويش.
وعليه فان الساردة من جهة ،وأغنية نجاة من جهة أخرى،هما الشيء ذاته في إطار تبادل المواقع، أساسه الرمز و الإيحاء إلى التقارب والتقاطع على نفس الهاجس و الإحساس الذي يطفح بنبض الإنسان تجاه وجوده.
إن الأغنية شجية، وهي في منتهى تفتيق الجرح وتوسيع دائرة الشجن والجهر به. تصلح أن تكون بمثابة التعبير الحقيقي عن حالات الذات هي هنا مزدوجة: ذات مغربية وذات فلسطينية. كلاهما مترع في اتجاه الآتي الناهض بالألق وبالغلال وبالوعد،وان تعددت الأسباب فالوضع يخضع لحالة من التصادي يجعل المغربي يحس بالوضع الفلسطيني في إطار تمثل الخطاب القومي وأنواع الخطاب الأخرى التي تمشي في ركابه، و التي جعلت القضية الفلسطينية هي قضية الأوطان العربية قاطبة. يكون التوحد والانصهار لتذويب الحزن والتقليل من فداحته بتعاطي الفن باعتباره الأكثر تعبيرا عن إنسانية الإنسان. وكيفما كانت الحال فبالفن يحيا الإنسان.
يتشوف الفلسطيني هنا مستقبله في ما تحمله الأغنية من وعد يتفتق من الثنائية الحادة التي تنبني عليها: فهي تحت سلطة السهاد والأرق وجفاء النوم... وهو في حالة اللامبالاة بسبب لا مسؤوليته تجاه الكلام الذي يقولهSadأنت بتقول وبتمشي.وأنا أسهر ما نامشي. ياللي ما بتسهرشي ليلة يا حبيبي).إن الساردة تتشوف ما تؤول إليه الأغنية،في الوقت الذي يتشوف الفلسطيني غده أيضا في الأغنية ذاتها. عملهما الهدف منه هوتذويب فداحة الألم والاغتراب الوجوديين. تماما كحالة عبد الرحمان الداخل الذي تشوف إلى الشرق حين نفي إلى الغرب،قال مخاطبا نخلة بالأندلس:
نشأت بأرض أنت فيها غريبة        فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
هكذا يمكن التأكيد على خاصية بنيوية تستغلها القصة في صناعة نصها والمرتبطة بمسألة المعادل الموضوعي أو الرمزي سيان بلغة ت.س.اليوت.
وبالنظر الى المواضيع التي تستأثر باهتمام هذه المجموعة يمكن التأكيد على خاصيتها الذاتية عن طريق تسريد الحياة الخاصة للساردة. وعلى خاصيتها الموضوعية بالتقاط علامات البؤس وتجلياته في بنية المجتمع.

هكذا فإن القصة الأولى( خطة التراجع عن قرار التراجع) و إن بأرت موضوعة الحرب. والتي تترجم من خلال عنوان مواز آخر ملحق بالمركز فيه السخرية من قرارات الحرب التي يظهر بأن أجندتها تخدم لغة الانتصار، في حين هي، في العمق ، ترجمة لكل ما يعمل  على إذلال الإنسان وقهره. على اعتبار أن ما يتحكم في الوجود هي قرارات عبثية وممعنة في السوريالية.
ترسم هذه القصة إذن،عوالم مختلفة لفئات وأجيال من المجتمع:
- شخصية المرأة باعتبارها النموذج الذي يجني كبوات الرجل و إخفاقاته وأخطاءه  كأوديسا قاهرة زجت به في أتون الانزواء والصمت والإحساس القاهر بالذل.
- شخصية الرجل الذي يجعل المسار الذي وضع فيه ليصبح الأداة العمياء التي تنفذ  الاستراتيجيات المرسومة والتي هي مغرضة وماكرة وملتبسة. وحدهم مهندسو الحروب يعرفون خياناتها كما يعرفون الفظاعات التي تؤول إليها.
- شخصية الابن: الذي يرمز للجيل الجديد والواعد، والذي يتخذ من الوعي بالذات عن طريق مركزتها منطلقا لامتلاك الوجود والعيش دون الاكتراث بالغير ولا بالماضي.
وفي الوقت الذي لايكترث الابن بأقوال الناس ولا بتعليقاتهم،فان الزوجة "زينب" أحست الخزي و الإذلال فكان لذلك أثره على نفسيتها التي أفضت بها إلى الانهيار والإحساس بالهشاشة تجاه  العلاقة مع الجارات. في حين البطل وهو هنا الرجل، فإنه يكون بمثابة جسد التاريخ الذي يكتب عليه التحول الذي خضع له،والذي يترجم التحول في وجدان المجتمع تجاه البطل من الاعتبار والتمجيد والأمل في النصر،إلى الإذلال والخزي والخذلان وكل
أشكال الاحتقار... وفي الوقت الذي تعملق إحساسا بالمشاركة في الحرب، أصبح كالخرتوت وهو يجر أذيال الخيبة كل يوم وسط جيرانه الذين يحسون بأنه أخلف موعده مع رغبتهم في التمثل الوجداني للنصر.
تعتمد ليلى مهيدرة هنا،في هذه القصة الأولى،على تقنية المونولوج لترجمة العوالم النفسية والعقل الباطن لخيبة الانتصار بالنسبة للبطل.كما تعتمد خاصية أسلوبية تتمثل في ما يسمى باللكسيم  بالنظر الى لفظ (التراجع) الذي حولته من قيمة السلب الى قيمة الإيجاب حينما أصبح استراتيجية في الحرب بغية توقيف النزيف.واعتماده أيضا كاستراتيجية مجتمعية في السلوك اليومي بالنسبة للفرد الذي يحس بالمهانة جراء ما وقع، وهو لا يد له فيه كما مع شخصية الزوجة:زينب.
وتستمر القاصة في طرق مواضيع مأهولة بفسحة المعرفة؛ففي قصة "الدولاب" هناك رسالة تقضي برفض تهريب الوطن من خلال سرقة ذاكرته. حيث تعمل على اختزال تاريخ الذات و الهوية وتاريخ الوطن في رمزية الدولاب الذي كان في حوزة أحد المعمرين لتتم استعادته عن طريق اقتنائه للحفاظ على كرامة الذات وهويتها.كما أنها  في قصة (قلم أحمر) تتناول موضوعة وطنية تتصل بسعة الحلم. والحلم بضيق الزنزانة، عن طريق تسريد  موضوعة البطالة في علاقتها بمشروع الحلم في توفير الأمن الغذائي. ومشروع البحث عن وظيفة. والتي تفتحها على الواقع الذي يجعلها من نصيب من لم يكتمل علمه. وذلك باستغلال المنعطفات التاريخية والظروف المواتية لتحويل الذات إلى النزوع البرغماتي الفج. ليصبح الحصول على وظيفة مرتبطا بانتهاز الفرص. وليس أبدا الانتظار حتى يتقوى الرصيد العلمي.
وبالانتقال إلى قصة (انسلاخات) نجد الساردة مفعمة بالحياة، إذ تعمل على تمجيدها والإعلاء من شأنها. وكأن الانسلاخ عن الذات يصبح حالة من الفارمكون. حيث تصبح القرارات حاسمة تظهر صلابة الشخصية بسبب ما تخزنه من وعي مرجعي لما يجري حولها .إنها ذات متيقظة ومتمسكة بإنسانيتها وبهويتها. من ثم كان الإحساس بالاغتباط تجاه ما تنجزه من حركة في الوجود كما هو الأمر مع الجولات المنجزة. وفي مفارقية مأهولة بالألم يتم الوصف الفظيع للإحساس الذي انتابها قبل إجراء العملية الجراحية وما اسلم السرد الى إيقاف كل علاقة باللوغوس في مقابل تعليق كل شيء على التيولوجي.وتخلل ذلك بتناول محفلين سرديين يرتبطان بالانسلاخ تجاه البيت وإحالته على الأم و الإخوة،
وآخر تجاه الزوج وما يرتبط به من إحساس مبني على العلاقة المؤسسية من خلال تسريد الرابط المتصل بالدعم وبالوثائق ... وفي لاوعي القصة يمكن رصد حالة العلاقة بين الناس وما وصلت إليه من فظاعات تترجم في العزلة و الوحدة و أحيانا في سوء التفاهم. حيث يحضر الزوج هنا بخلفية اجتماعية فقط، دون ان يكون الدافع من منطلق الحميمي والسيكولوجي.وكأن الذات المسردة تعاني من صقيع الواقع، وتفتقد السكن الدافئ لطرده.
و لعل قصة (المصارحة) تترجم ذلك بوضوح؛ ففي الوقت الذي تظهرفيه المرأة هشة أمام الرجل، تكون ماكرة،على اعتبار أنها حقيقة اجتماعية،في حين على العكس من ذلك يكون الرجل وهما. من ثم تحاكم المرأة الرجل،لأنها تريده واقعيا ،في حين هو يريد أن يكون حالما. يريد أن يكون شخصية افتراضية تتمتع بخصوبة في الخيال وجفاف في الواقع. وكأن الرجل هو نموذج كذبة المجتمع ووهمه. في حين المرأة هي حقيقته وواقعه. من ثم كان تفويض الأمور للرجل خطورة، في حين المرأة هي بر الأمان وهي الحماية الأكيدة.
ومن ثم فان هذه القصة تترجم حالات الاغتراب التي يستشعرها الإنسان المعاصر في وجوده. كما تترجم العلاقات الدفينة بين الأزواج إذ في لاوعي كل منهما قلب للصورة الكسولة التي يرسمها عنهما المجتمع.
في قصة (هواجس) اشتغال سردي على هاجس مختلف هو موضوع الكتابة؛ ذلك أن الشخصية المسردة تعيش حالة انفصام من خلال استيهامها هذا الفعل وكيفية تدبيره في إطار الجمالية المسرحية ،وما يكتنفها من قلق أمام ثنائيات حادة كالقبول والرفض. الواقع و الخيال. الجمال والفقرأو القبح ثم صناعة النص في مقابل كتابته. لينشأ السؤال جارحا في سوسيولوجيته: ما جدوى الكتابة في وجود لا يؤمن بالفكر؟
وفي نفس الموضوعة، أو في اطار تسريد النص الواصف المتصل بالجمال،نجد قصة (خطوط عمودية) وتبئيرها لشخصية الفنان في إطار خطاب التشكيل الذي ينخطف تجاه الومضة. وتجاه الهارب و اللايفسر لتشكيل رؤيته بواسطة الجمال باللون والخطوط.يكون ذلك عماء مطبقا لدى الدهماء والدوكسا. الذي يعد، أحيانا،بمثابة الشخصية الطفولية ذات الإحساس المرهف، والتي لاتتذوق الجمال و لاتستكنه عمقه، بعملها ذاك تعمق اغتراب الفنان وعزلته.
تنزاح قصة (تخيلات)عن الموضوعات السابقة، لترتبط بالمحلي في فضائه؛حيث تم تفضيء مدينة الصويرة بالنظر إلى الجزيرة وإلى "المكانة"... وأيضا في ثقافته بالإشارة إلى أن المرأة الصويرية تعيش حالة من الاقتدار الوجودي مأهولا بالمعاصرة والتحديث وإنتاج لغة الجسد حينما تخلق من الرجل موضوعا للرغبة و استيهام الجنس.
وبالعودة إلى قصة (الوثيقة الوهمية) نجدها ترصد موضوعة مجتمعية تتصل بسوء التفاهم بين الأزواج.وانعدام التواصل بينهم. حيث يبدو هنا بأن لكل من الطرفين همومه وأحلامه واستشرافاته الخاصة. أنتجت حوارا متقطعا به يستعيد حالة من العبث كما هي مطروحة لدى أغلب كتاب العبث في المسرح خاصة. نجد ذلك مبلورا في مسرحيات الثالوث الدراماتورجي المعروف: يونسكو، بيكيت و أداموف. كما نجده مع كتاب العبث في المسرح العربي كما في تجربة (يا طالع الشجرة) و (الطعام لكل فم) لتوفيق الحكيم. و (اسمع يا عبد السميع) لعبد الكريم برشيد.
واعتماد هذه التقنية في قصة (الوثيقة الوهمية) احتجاج واضح على الوضع المأزوم عن طريق تضعيف أزمته و تحليكها أكثر لإظهار فداحته الماتحة من اغتراب الإنسان في وجوده.
وإذا كانت نصوص كتاب العبث تنبني في أغلبها على شخصيتين،فهو الشيء ذاته مع هذه القصة التي يتم تبئير متخيلها في وثيقة تشكل مادة الحلم.وهي طريقة إيحائية بامتلاك "رسالة إنسانية"تحضر بنفس المعنى في الأعمال المسرحية المشار إليها سابقا.
تتم أيضا صياغة قصة "ضيفة العيد" وفق بنية سردية تقليدية تحوز نموا منطقيا ثلاثي المحطات شأن التتابع المتحكم في منطقة أرسطو؛ حيث البداية المحددة لقدوم امرأة في زمن مخصوص. ودائرة التحول وما ترتبط به من أزمة حادة بين البنت و الأم وما فرضته على هذه الأخيرة من عزلة وانكماش. ثم نهاية جعلتها القاصة سعيدة بإعادة المياه إلى ماجرياتها بين الأم وبنتها.
وتستمر في تسريد الموضوعات الكبرى كمسألة الزمن في (الخريف الأخير)حيث الحياة تخضع لتحول في فصولها. وتستبد بها رهبة الزمن. هذا الذي يكون بمثابة النهر الذي يجرفنا كما يقول هيرقليطس.
ومع قصة (بلاغ عن طفلة ضائعة) تعود القاصة إلى موضوعاتها الأثيرة ذات النسغ المجتمعي، حيث تتبع حالات من التفكك الأسري بوجود مشاكل ترتبط بالانفصال عادة ما بين الزوجين. أو الفقد والعيش في حالة الترمل. أو نتيجة الثقافة الابيسية للمجتمع؛ ذلك أن الأب أثناء زيارته لها وهي طريحة الفراش كان يترجم نموذج الشرقي المتسلط، فهو يأمر أمها بإنهاء الزيارة ويرغمها على كفكفة الدمع... وقد بدت العلاقة بين الأم و البنت ممعنة في الصمت والهامشية،فهي لم تنعم بدفء يد الأم الذي أحسته...
وعليه فإن العلاقات الاجتماعية في هذه المحاولات تعيش  حالات جد متوترة وفادحة في غياب الإحساس بالدفء تجاه أفراد الأسرة بعضهم البعض. وقس على ذلك بالنسبة للعلاقات المجتمعية. و أمام الإحساس بالضياع لايملك الإنسان إلا التشبت بحالته الطفولية مادامت الطفولة هي الشيء الحقيقي في الإنسان. إن الوجود يدرك بالألم و الشغب في قصة (طفل صغير).
تتناول القاصة موضوعات اجتماعية،لكنها لا تفسرها وجوديا، هناك حالة من الوقف المترجمة بجدار التدين ؛ ذلك أن زمن الولادة في قصة (إحساس الأمومة) تغلفه بالخطاب الديني في ارتباطه بالموت. فمحطات المخاض والحقن والمجسات والعملية القيصرية كانت تحضر لزمن الموت. لكن الحياة تغلبت بعد صراع مرير لأجل البقاء، يتم تفسيرها ثيولوجيا وردها إلى المشيئة الإلهية. وكيفما كانت الحال فإننا نعتبر هذه القصة  محاولة لتناول عالم المرأة من الداخل. حيث الإحساس المتضارب والموزع بين الفرحة و الألم بين تحقيق ثقافة المجتمع في الإنجاب كشكل من أشكال الجدارة الاجتماعية. وبين تحقيق الذات في اطار الغريزة والتشبث بإحساس الأمومة اللايفسر.
مع ليلى مهيدرة في (عيون القلب) تبدو الحياة سريرا من الموت أمام استفحال الموضوعات المأساوية في حالتها المجتمعية؛ فهناك الطلاق. والعطالة والفقر والعجز البدني بل الاستقالة من الحياة على جميع المستويات. إن أبطال قصصها مأساويين ما داموا يحملون بؤسهم على أكتافهم وينظرون إلى جراحهم وهي تتفتق أكثر ويلوحون من تعب شارة الوداع إلى الحتف الأخير و النهائي.
ما خطفنا كثيرا في هذه المجموعة القصصية هو قصة (الفائز بالشهادة) لأنها تدشن الدخول الحقيقي إلى عالم القص وما يرتبط به من دهشة ناتجة عن تضمين البرنامج السردي كما هو معروف في الأدبيات السردية الفرنسية حيث مواصفات الشخصية، رغبتها.امتلاك القدرة على تنفيد الموضوع وحيازته أي الاتصال به. يتعلق الأمر هنا بالانخطاف إلى اللون والجمال والتعبير عن الإحساس باللوحة. الهدف منه هو الإيحاء إلى ان الوضع الفلسطيني سوريالي،فهو فن معطى على علاته. ولا يحتاج إلى اشتغال وتحويل كي يصبح فنا. فغزة تعد مرتعا خصبا لاستحصال فظاعة الحرب ووجود الإنسان وتحويلها إلى خطاب ماتع في إيحائه واستعارتيه.
لقد كانت النهاية متخمة بالدهشة وبالفجائية، وعملت على تضعيف الألم وترك الغصة في الحلق.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة    الأحد مايو 10, 2015 9:59 am

admin كتب:
دراســة "التنصُّص" و تناسخ المحافل في "ساق الريح" للكاتبة ليلى مهيدرة - الحبيب الدائم ربي
2015/05/10 الساعة 16:54 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


نحاول في هذه الورقة رصد آليات النص الذاتي أو التنصص Autotexte، في رواية الأستاذة ليلى مهيدرة "ساق الريح"، وفقما بسطه لوسيان دالينباخ وهو يشخص تمرّي (من المرآة) النص، حيث يبني "تعالقات مونولوجية تأملية مع ذاته أو مع جزء أو أجزاء من هذه الذات" عبر فعل انشطاري La mise en abyme باعتباره رهانا حواريا (مونولوجيا) يجريه النص ذاتيا، عبر التلخيص والتكرار والتضعيف والتعرية والتكثيف والاستباق والاسترداد" . . وتكمن قيمة هذه الظاهرة التناصية في كونها قابلة للقراءة على وجهين مجتمعين: محافظة التنصص " على دلالته النصية الخاصة، و"قيامه كذلك بدور تضعيفي ميتانصي". وهو وإن كان "مرتزقا نصيا" حسب توصيف داليباخ إلا أنه يساهم في تضفيرات نصية محايثة قد تمنح النص كثافة شعرية ودلالية.


في التباسات العنوان: ساق الريح


تنفتح رواية "ساق الريح " للكاتبة المغربية ليلى مهيدرة على عوالم متماوجة، مليئة بالدهشة والانتظار، بدءا من مناص العنوان الذي وإن كان يتناص، مع عناوين فنية مختلفة منها أغنية " ساق الريح"للمطرب الشعبي اليمني علي بن علي بن يحيى الآنسي المزداد بصنعاء سنة 1933، وهي من كلمات الشاعر سعيد الشحي،.وديوان الشاعرة المغربية نجاة الزباير " أقبض قدم الريح"(2007)،و رواية "ساق البامبو" للكاتب الكويتي سعيد السنعوسي (الفائزة بجائزة البوكر العربية برسم دورة 2013 )، إلا أنه، مع ذلك، يطرح سؤال إضافة الساق إلى الريح، التي هي "أَسْطَقِس" لم يثبت أن كانت له ساق، ولو على سبيل المجاز. هذا عدا استحضار مصطلح "ساق الريح"wind leg المتداول في مجال الطيران بالمدرجات حيث الإقلاع والهبوط بخلاف اتجاه الريح. وأيضا العبارة الفرنسية pied-de-vent (قدم الريح) التي تطلق على ظاهرة اختراق شلالات الأشعة للغيوم. والتي يقول بشأنها المأثور الكندي" حينما نرى "قدم الريح" فتلك تجليات نزول الله إلى الأرض". وإذا كان من السهل استيعاب أن تكون لأشجار البامبو سُوقٌ وجذوع فإنه يظل من الصعب تخمين طبيعة العلاقة بين ساقِ وريحٍ. ولو أن ذلك الترجيح قد يدخل، في الحالتين، ضمن الوجوه البلاغية التي ينزاح فيها الكلام عن معناه الحقيقي. علما بأن "الساق" المفترضة للريح قد لا تعني بالضرورة ذلك المقطع المعلوم من الأجساد الحية، أو كما يُجملها "لسان العرب" في الإنسان: ما بين الركبة والقدم، ومن الخيل والبغال والحمير والإبل: ما فوق الوَظِيف، ومن البقر والغنم والظباء: ما فوق الكُراع" ، لأن فهمنا لها ، على هذا الأساس سيظل مشوشا وغير مقبوض عليه بما يكفي من دقة، فيما المراد قد يكون، ربما، قريبا من كون الساق المعنية( وهي مؤنثة طبعا) ، وحسب المعاجم العربية أيضا ، هي "التنفس"و "النفـَس" إذ ورد عن علي بن أبي طالب أنه قال في حرب الشُّراة "لا بُدَّ لي من قتالهم ولو تَلِفَتْ ساقي" أي أنفاسي، ليس هذا وحسب، بل إن الساق الأقرب إلى منطق النص ، ودائما وفق المعنى المعجمي،هي " ذكـَـرُ الحَمام" أو فرخُه الحُرّ، هذا إذا ما استحضرنا العلاقة القديمة بين الحَمام الزاجل والرسائل، وبالنظر إلى كون الحكاية في الرواية تدور حول رسائل مجهولة، ولا يدري أحد أي ريح ساقتها(من السوْق والسياق)أو أي صُدفة قادتها على ساق الحمام (ككناية ) إلى صندوق بريد في عمارة تقطنها سيدة تعاني من عنوسة ووحدة قاسيتين. لهذا فإننا في هذه الرواية أمام عنوان يضع أفق انتظار القراءة أمام كافة الاحتمالات، كشأن الرسائل المريبة التي باتت ترِد على سيدة يفترض أن تكون قاطنة بعمارة أغلب شققها غير مأهول، " إلا من رَجُل عجوز أجنبي ، و من أسرة حديثة العهد بالزواج والإقامة".

ورغم أن الرسائل موجَّهة باسم سيدة لاوجود لها بالعمارة، وبما أن شخصية الرواية ،كما ذكرنا، كانت تقاسي "حياة جافة" فقد استبد بها فضول التلصص على فحوى هذه الرسائل. صحيح أنها قاومت نزوع حب الاستطلاع بوخز ضمير، وأجلت فتح الرسالة الأولى، والثانية والثالثة،إلا أنها لم تنجح في لجم فضولها مع ورود الرسالة الرابعة، ملتمسة لنفسها أعذارا منها كونُِ القدر اختارها لتكون "شاهدة" على قصة حب بين رجل وامرأة غير معلومين. بل أكثر من ذلك فإن ما تحويه الرسائل قد أيقظ فيها حس الأنوثة، و التي يبدو أنها فرّطت فيها منذ مدة غير قصيرة. تقول الساردة- البطلة:

" والأهم أنها حررتني من حياة رتيبة أعشيها، وجعلت الأنثى بداخلي تنتفض و تعود لتتودد لمرآتها وتجدد علاقتها بأشياء تناستها منذ زمن، لأجدني في لحظة ما متشوقة لمقابلة المرأة التي تتغنى بها الرسائل". ولئن كانت الرسائل الثلاث "مبهمة" ولا تكشف عن معطيات أو تفاصيل من شأنها إجلاء "حقيقة" حُب واقعي يسمي الأشياء والأفعال والصفات والأحوال، فإن الرسالة الرابعة فتحت أفقا لـ"تناص ذاتي أو "تنصص" ، وفقما حدده لوسيان دالينباخ، تتناسخ فيه المحافل والحكايات بشكل تضعيفي.


المحفل الأول: حين تختلق الحكاية مرجعها


لربما هي حكاية عادية بين رجل وامرأة، ومِثلها يقع كل يوم،من دون إثارة انتباه أحد. بيد أن تسريدها هو الذي منحها أبعادا قد تتجاوز حدود بساطتها. بمعنى أن المثير فيها ليس ما وقع، إنْ وقعَ فعلا، وإنما ما لم يقع. إنها حكاية بياضٍ يبحث عن سواده، وعن صمت يستفز الكلام. والمفارق في هذه الحكاية هو أنها بلا محددات مرجعية مفصولة عن روايتها، و من دون إحالة واقعية يُمكن الارتكازُ عليها. فالحكاية نسجتْ مراجعَها الخاصة من خلال بضع رسائل كتبها عاشق إلى معشوقته، فجنحت، بالخطإ، لجهة أخرى. لقد عملت علاقة ُ الحب المفترضة بين عاشقين مجهولين على تنشيط أفق التخييل، في الرواية، وفتحتْ كوىً لتضافر تساهم فيه أطراف مختلفة في إعادة تشكيل متن حكائي مفتوح بشكل حلزوني، انطلاقا من معطيات شحيحة قدمتها الرسائل الأربع الجانحة، وهي مجرد انطباعات عامة مليئة بالفجوات، سيما وأنها لا تكشف عن هوية الفواعل ولا الإحداثيات المرجعية من زمان ومكان ووقائع بالوسع الارتكاز عليها. ولعل هذا التقتير، هو الذي حرر الخيال ليحلّق عاليا بلا قيود تكبّل شطحه.و ليست حكاية ُ الحب إلا ما خلـّفه الأثرُ أو ما تفصح عنه الرسائل.


المحفل الثاني: الساردة البطلة.


كما بطلِ رواية "الريش" لسليم بركات الذي أجّل انتحاره إلى حين البت في أمر ريشة مريبة ظهرت، فجأة، في حقيبة ثيابه، فإن الساردة- البطلة في رواية "ساق الريح"، ومع ظهور الرسائل، بصندوق بريد العمارة، بل وفي عتبة شقتها، قررت تعليق تعاستِها حتى تتقصى أحوال "المغامرات" التي باتت ترويها الرسائل أو سترويها.. ولئن كان جنوحُ الرسائل عن وجهتها المطلوبة قد وضع حدا لحكاية "واقعية" من المحتمل أن تكون حادثا متحققا في الزمان والمكان أو لاتكون. فإنه بالمقابل دشن لدى الساردة مسارا حياتيا (حكائيا) جديدا ستستعيد بموجبه إنسانيها وحس"الأنثى" المهجورة بداخلها لزمن غير قصير.. لتجد نفسها كما لو "استيقظت من غفوة"، بحيث صارت أكثر إقبالا على العمل والحياة، وبدل أن تعمد إلى الدفع في اتجاه بلوغ الرسائل إلى وجهتها بالتماس " دليل للجهة الموجهة إليها أو القادمة منها"فإنها باتت تعتبر الرسائل غنيمة َ مصادفةٍ رحيمة، ما لم تكن هي المستهدفة بها. وعليه غدت متطلعة إلى مزيد من البوح في رسائل أخرى قادمة قد تجود بها أشواق العاشق الجسور، من خلف حجاب.


المحفل الثالث: الرواية في الرواية


لأن الساردة- البطلة وبحكم حيازتها لرسائل- ليست لها، وقعت في يدها- صارت متشبثة بحقها في الامتلاك. وتلافيا للمنازعة في هذا الامتلاك فإنها، وللاحتماء من تهمة الاستحواذ، راحت تتوغل في قصة العاشقين في التخييل لا في الواقع. وهكذا بحثت في مكتبتها الخاصة عن رواية قديمة لنجيب محفوظ(لم تسمّها) سبق لها أن قرأتها في عز شبابها وتماهت مع بطلتها، المسحورة بعاشق " شاب مكتمل الرجولة، فارس أحلام كل فتاة" أحبته وباتت تناجي "طيفه ممسكة بيديه مخترقة شوارع مدينتها، تشاركه تفاصيل حياته". هذه الشخصية الروائية التي فتنتها في مرحلةٍ من عُمْرها بدتْ لها، والحال هذه، ولكأن القدر قد ابتعثها لها من جديد، وها هو يبث إليها أشواقه عبر رسائل تصلها تباعا. في تماهٍ بوفاري(نسبة إلى إيما بوفاري بطلة رواية فلوبير الشهيرة) بين الواقعي والتخييلي. إلى حد أنها بادرتْ بالرد على الرسائل الأربع التي وصلتها بأربع رسائل جوابية تستعيد فيها "مغامراتها" السابقة(التي لم تتم) مع باعث الرسالة.. وبما أن الساردة لم تتلقَّ ردودا على رسائلها فقد خطرت ببالها قصة(قصة أخرى من مقروءاتها) قرأتها حول " امرأة توصلت برسالة بعد سنوات عدة من عزلتها مما أثار فضول الحي وساعي البريد حتى كانت حديث الشارع لأكثر من أسبوع" وفي الأخير انكشف سرُّها.

فقد كانت هي من بعث الرسالة إلى نفسها "لتوهم نفسها أن هناك أحدا ما في مكان ما يهتم لحالها وينقش لها حروفا من حبر ويرسلها لها". ويتكرر وهْم التقمص في كتاب "الكرسي الوهمي" الذي شكّل ذريعة للمحاورة بين الساردة وشخص قادم من تجربة ربما لم تعشها ولكنها تسعى إلى نسجها من استيهامات وأحلام.


المحفل الرابع: الساردة في المرآة


للمرآة في الواقع والحلم، لدى المبدعين والفلاسفة، دلالات رمزية كثيرة منها أنها تكشف الحقيقة وتعكس الخبايا. بل إنها أداة للتأمل في الدواخل والأسرار. وهكذا نلحظ في رواية الأستاذة مهيدرة، أنه كلما نما حس الساردة بأنوثتها، جراء الحفز الخارجي الذي أحدثته فيها الرسائل، غاصت أكثر في عمق ذاتها لتتأمل التغيرات التي طرأت على مظهرها ومخبرها جراء فترة أشبه بالبيات. من ثم كانت الحوارية التي تبادلتها مع المرآة بليغة ودالة. فبعد قطيعة عادت لتتأمل صورتها المنعكسة في عين المرآة. إنه حوار داخلي (مونولوج) حاولت من خلاله الساردة تبرير استعادتها لـ"الضوء الهارب" و "الزمن الضائع"، وترميم الصورة في مرآة الذات، في جو متسم بالجرأة المشوبة بالخجل، حيث البوح والعتاب.


المحفل الرابع: الساردة والبحر


لربما كان عنوان الرواية اثناء تخلقها هو "رسائل البحر" إلا أن تفريعات طارئة جعلت عاصفة الريح تهيمن على البحر من دون أن تلغيه من الخلفية مادام حضوره قائما في مجرى الوقائع بقوة. وبقدرما يشكل البحر ملاذا للبوح فإنه يوحي باللامتوقع والمجهول كما أنه يحرّك الأسئلة الملغزة والشجون، وهو بالتالي يسمح بتضعيف الأنا حين التأمل وحين الشكوى. لهذا وجدنا الساردة وهي تستعيد محطات من حياتها تخاطب البحر وتبثه لواعجها.


المحفل الخامس :الساردة وبطلتها


وهي ترسم سيرة عشق بطلتها ستجد الكاتبة - الساردة نفسها واقعة في تناقض ظاهري كما هو حال النحات اليوناني بيجماليون الذي أغواه تمثال امرأة أبدع نحتها. مما خلق لديها نوعا من الإعجاب والغيرة في آن. لأنها وإن كانت تعيش تجارب عشق ليس بمقدور الكاتبة- الساردة الانخراط فيها إلا أنها، مع ذلك، كانت "تحقق رغائبها" المسيجة بالقيود الاجتماعية. ومعناه أن الفن عموما ، والكتابة على وجه الخصوص، يمنحاننا إمكانية أن نحيا "حيوات متجاورة" ومتداخلة، و " جمالية اللحظات تقاس بإحساسنا بها لا ببكائنا على ضياعها". ذلك أن "الاختراع" الفني يضفي على "لواقع" أثرا من شأنه أن يثريه ويعمقه.


المحفل السادس أو المحفل الجامع: الكتابة والتلقي


لقد رأينا كيف أن موتيفا (حافزا) سرديا بسيطا: (رسائل إلى عنوان خاطئ)، ولّد مسارات كثيرة من الدوائر والأمواج على صعد مختلفة كلها كانت تصب في أفق الرهانات التي خاضتها الكاتبة وهي تبني عوالمها التخييلية. فتداخلت المحافل وتخارجت، تداوليا وسرديا وسيميائيا، لتورط المتلقي، أو تشركه على الأقل، في لعبة الكتابة،بما هي فعالية غائية، خاصة وأن الساردة- الكاتبة(وهي هنا محفل من محافل الكتابة) ألفت نفسها هي أيضا واقعة في شرك شخوصها، ضمن أطروحة ما انفكت الرواية تحيك خيوطها وفق السؤال الإشكالي التالي:" هل يمكن للصورة أن تنتصر على الحقيقة وأن تظل الحكايات فينا أقوى من كل الواقع الذي نعيشه؟" تقول الكاتبة الساردة "فالنار التي أشعلتها بعض حروف على ورقة شفافة قد لا ينطفئ إلا بحقيقة شفافة".


هكذا إذن تغدو حصاة صغيرة في بحر السرد دوائرَ مرآوية متناسلة لبناء متخيل جميل محلق في سماء الرواية على "ساق الريح"..

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة    الخميس يناير 21, 2016 6:07 pm

admin كتب:
‎‎عبد المالك ابو الأنوار‎ avec Saida Lakrari et 8 autres personnes‎.
5 h ·

رؤية الأنا في مرأة الذات
في رواية المغربية ليلى مهيدرة (ساق الريح)
سامي البدري/ روائي وناقد
ثمة سلطتان تنطلق منهما ليلى مهيدرة، الروائية المغربية، في كتابة روايتها (ساق الريح)، هما التعري أمام مرآة الذات والتحديق فيها بصبر وأمانة، والثانية هي عدم الرهبة من غلاظة أدوات النقد، أثناء إرتكاب فعل الكتابة وبوعي كامل.
هي المرة الأولى التي أتعامل فيها (في حدود قراءاتي المتواضعة) مع نص نسوي (رغم عدم قبولي لهذه التسمية) وأقف أمام إمرأة تقبض بيد من حديد على أدواتها وتحمي نفسها من الإنسياق خلف مشاعرها وتحصر حدود كتابتها الروائية داخل حدود الحواس، وهو شرط من بين أهم شروط الكتابة الإبداعية المحكمة، رغم إعتمادها لتقانة الميتاسرد أو الكتابة النرجسية التي تتمحور حول الذات ووتمركز حول الذاتي في أضيق صوره، كما في الرواية التي بين أيدينا (ساق الريح)، والتي تجعل من الأنا مرآة للتحديق في الذات وتفحصها عن قرب.
ليلى مهيدرة في رواية (ساق الريح) والصادرة عن مؤسسة الرحاب في لبنان عام 2014 ) تنضو عن الكتابة النسوية رداء تأنيث فعل الكتابة النسوية لتطلقها في فضاء الإبداع الحر دون تجنيس، ودون إدعاء قفز على المالوفات، التي صارت ـ وبالتراكم ـ دمغة أو صفة لأغلب الأعمال الإبداعية التي تنتجها الأقلام النسوية، في حقل السرد على وجه التخصيص.. كما إنها تركز على عرض صراع أنا الأنثى مع الوجود عبر مواجهتها بمرآة الذات، كأنا مطلقة خارج حدود هويتها الجنسية، قبل أن تكون ضمن حدود تلك الهوية وخصوصيتها.
وطبعا تعد تقانة التشخيص الذاتي من بين أهم إشتغالات وحفريات الميتاسرد، وتستخدمها ليلى مهيدة بصيغة عين الكاميرا أو الإخراج، إذ تكون الذات الراوية راصدة لتحولات ولإنسلاخات وأوجه تمظهر أناها، التي تنجح في النهاية في الإنسلاخ عن ذات الراوية ـ البطلة لترسم مصيرها بنفسها ووفق رؤيتها الخاصة.
إنها عملية النظر في الذات وتحولاتها من أقرب نقطة موازية ومعادلة (الأنا) في صيغة تمظهرها النرجسي... ولكن ليس الانفعالي المغرور والمبني أو النابع من رؤية الأنثى لشخصها، عبر رؤية الذكر لها كوسيلة إشباع أو كذات موضوع متعة، بل عبر صيرورتها كذات فاعلة ترسم مصيرها بذاتها ولذاتها، كجزء من منظومة الحياة والفعل الإجتماعيين.
رواية ساق الريح رواية شخصيات وتحليل وليست رواية أحداث وأفعال؛ وبالإمكان إختصارها بجملتين: روائية تختلق بطلة وترسل لها رسائل غرامية عن طريق الخطأ وتراقب تصرفاتها؛ وعندما تكتشف البطلة الأمر تقرر ان تمسك بزمام الامور وتتحرر من الروائية وتلزمها ان تبقى الة تصوير لا اكثر، لتجرب بنفسها عملية رسم مصيرها... والذي ينتهي بتسليم ساقها للريح وإختفاء من على ساحل البحر أو غرقا فيه، بعد أن تحول إلى رفيق وأنيس وحيد لها.
روائية ورواية يذكرانا بالروائية البريطانية (فرجينيا وولف) في إلإشتغال بحرفية وصمت العمل على والحفر في جسد النص وله (العمل بعبودية، بتعبير فرجينيا وولف) وتتخذ من تموجات وتشوفات الأنا الأنثوية، في صراعها مع الوجود موضوعا لعرض ماهية الذات المجردة من وسائل الإتصال والتوصيل والإفصاح عن ذاتها وأوجه إقصاء وتهميش هذه الذات، وما عاد به أو أفضى إليه هذا الإقصاء والتهميش من إلتباس في الرؤية وطرق التعبير والتعامل والإفصاح لهذه الذات.. وكل هذا يأتي، مع ليلى مهيدرة، بإيقاع هادئ وغير منفعل ولا يتطلع لغير تأطير المشكلة وإضاءتها من أجل تحديد وتركيز الزاوية التي يجب أن ينظر من خلالها لهذه المشكلة.
ليلى مهيدرة تعتمد فكرة دأب النملة أو العمل بصمت وعبودية الإخلاص لما تشتغل عليه؛ ولهذا فإنها لا تسعى لتثوير منطقة إشتغالها بدراماتيكية أو ميلودرامية الحدث، بل ولا حتى بضخ الدراما، وإنما تعمد لتفكيك شخصية بطلة الرواية الوحيدة، وهي ذات الراوية التي تسلخها عن نفسها لتجعل منها مرآة لأناها، ومن ثم تحاول إضاءة جوانب إلتباس تلك الذات، بعد أن تعري تلك الجوانب أمام مرآتها.
المحفز الدرامي ـ وهو مدخل مسار حبكة الرواية ـ الوحيد الذي تعتمده ليلى مهيدرة، لإثارة رغبة المتلقي في نزال القراءة وسيرورة حبكة وثيمة الرواية، هو أربع رسائل حب ترسلها الراوية (البطلة) لأناها، بعد أن تفصلها عن ذاتها وتحاول أن تجعل منها مرأة لتلك الذات، قبل أن تتمرد تلك الأنا على الراوية وتسعى لرسم مصير آخر لنفسها، وعلى غير ما تشتهي البطلة / الذات، إذ كانت تحاول أن تحصرها ـ الأنا/الذات الجوانية ـ في أطر العادة أو المألوف الذي يحكمه المنطق ومنطق السيرورة المعيشة، وكما تؤكد الرواية هذا في الصفحة 53 (كم تمنيت أن تكون مجنونة ولو لمرة واحدة، أن تكسر كل القواعد وتتخطى كل الخطوط الحمراء، فنحن في زمن اللاحواجز، زمن نراهن فيه على اختراق كل الدوائر وتفجير الرغبات ولو على شوارع من ورق، وأزقة رسمت بحبر) وهذا هو الصراع الأزلي بين الأنثى وذاتها المكبوحة ومع المجتمع وإرثه الثقافي الذكوري الذي يمارس معها سلطة التهميش والإقصاء.
إن عملية فصل الذات أو نزعها وإحالتها إلى ذات مستقلة، من أجل محاورتها، ومن ثم محاكمتها ومحاولة قيادها بإتجاه المتمنى أو المرغوب وما يجب أن يكون، هي عملية الكشف عن وتشخيص سبب الخلل الذي مازال رابضا ويفرض سطوته؛ وهي أيضا طريقة إضاءة لموطن العجز الذي مازال يبحث عن وسائل إزاحته، في نفس الأنثى، ضد سلطة وسطوة ثقافة المجتمع ووسائل قهره للمرأة، وكما تصرح الراوية في حديث لنفسها في الصفحة 53 (كان الفنجان في يدها يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهي مغرقة في صمت مطبق حتى كدت لا أسمع أنفاسي... وكأنها هي الكاتبة وأنا بطلة الورق... كم تمنيت لو أتقمص شخصيتها (تقصد ذاتها المحررة من سلطتها) ولو للحظات فأمزق ورقة الأسف وأعلن تمردي على الشوارع، فأرتدي فستانا حريريا يحررني، وأنا على شاطئ مدينتي ورياحها العاتية، فأمارس لعبة التعري طبقا لقانونها، فأتمنع وأنا الراغبة، وأرتمي في حضن موج يجيد ملامسة الأنثى في داخلي).
الرواية تنتهي بتبدد أو إختفاء أو غرق تلك الأنا، وهي إشارة محكمة إلى المجهولية والغموض اللذان مازالا يكتنفان مصير الأنثى في مجتمعاتنا التي مازالت تصر على النظر للمرأة من موقع الدونية وعدم الأهلية، والروائية، التي قالت الكثير في أقل القليل (94 صفحة)، تضع نفسها وأناها قبل الجميع أمام حجم المأساة التي تعيشها المرأة العربية في كيانها الشخصي والإجتماعي وحريتها، دون اللجوء إلى أسلوب التوجع والتحسر الذي إنتهجته الكثير من الكاتبات العربيات، في حقل المسرود على وجه الخصوص، وهي بهذا تقرر أن من يجب أن يتولى عملية الدفاع عن المرأة وانتزاع وحقوقها إنما هي المرأة ذاتها، كذات وكيان وجودي وإجتماعي له وجوده الذي يجب أن يفرض على من يتعامى عن رؤيته أو يصر على تجاهله.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
خاصية السرد ومرآته في (عيون القلب) لليلى مهيدرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: