كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تُخـومٌ هنـاك إدريـس عيســى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1792
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: تُخـومٌ هنـاك إدريـس عيســى   الإثنين يونيو 17, 2013 10:45 am


تُخـومٌ هنـاك


إدريـس عيســى
(المغرب/جيبوتي)


ثغرة في السماء عمودية بمَيْل قليل.
ثغرة من هدير وقيامة. كالحا يتنزل منها الرعد في كتلة الحديد. السماء كانت صدى أزرق مندوفا ممزقا أكثر منها رحابةً حين أطبقتْ على رسغ يدك كف ابن المغربي. عيناه مغمضتان على لا نهايته، وعلى حقول صخرية ـ سيقول لك من بعد ـ يحرثها بشر غامضون بمحاريث النار والسراب، ورأسه يتبع الحركة الأليمة التي تموج به موثوقا إلى أعصاب رقبته المنقبضة. ولم يكن يفتح عينيه. كان محمولا على موجة عذابه، ويمسك كفك كي يبقى معك. شيء ما كان يفصله عن أبيه وعن العالم ويقرنه بك موسما من محنة وعذاب. تأخذه كله محزوما ومحتدما، وكنت تتألم ماسحا بيدك الأخرى على ظهر كفه المنقبضة. تقول لنفسك إنك معه. وتقول يدك إنك لن تتركه. وتفكر أن مزاج الماريخوانا والعقار والقات في الدم الذي تنفخ فيه شمس مدارية يفضي إلى شاشات ماحقة يتشظى فيها العالم مثل ظل في مرآة مهشمة.

كثيرون فتحوا عيونهم في تلك الشاشات على الظلال.
انشطروا.
صاروا ظلالا شتى تتجادل في المعنى الكبير؛ ألا تكون حيث تكون، وأن تستضيء ما تبقى لها من الخطى والطرق بشمس منطفئة. الفتى رافق يمانيين إلى عيد أرضي تُقتسم فيه عساليج القات وتضوع بفوحها السرابي زهرة الماريخوانا؛ زهرةِ الغيب. فرح بالعيد وانتهى إلى شاشته. وكانوا جميعا يضيفون إلى المساء أقراصا تنبض بالجنون.

ألم تقل: " أنا حِدَادٌ على نفسي. والعالمُ حِدادي على العالم. بأي لسان تكلمت يومئذ؟ الغيمة التي وقعت على قلبك كانت زوبعة من رماد البراكين." .

سريرك مشدود الغطاء، تحميه غلالة تتدلى من السقف. هيأته لك المالنخوليا بيدين مرحِّبتين. وكانت تربِّت على سطحه، ضاربة براحتها التي من دوار ورهبة على الغطاء الذي كنت تكرهه، وتكره الغلالة، والسقف الذي تدور فيه المروحة. سريرك هو هذا الذي أنت فيه مائلا بك على حافة، لا يسع ليلك الذي لا تقسِّمه الساعات، ولا انكفاءك على الحجر الذي ترعاه كل الليل. ولم تكن تقدر أن تجد عينيك وتنام بهما. لأنك لم تكن أنت.
المصابيح التي لا ضوء لها، والتي ، برغم ذلك، تضيء في داخلك أبعد الحدود، تبقى مسرجة بصحوك، ولا يطفئها الصباح الذي كان يفتح باب الشرفة، يدنو منك ويهزك في السرير، ويسفع وجهك بحفنة رمل.

تفتح عينيك فتغلبهما البهرة.
كفّاك على جفونك كي لا ترى، لأنك لست أنت حتى تتلقى الصباح الذي يعجل إليك بضوء أليم. رمَدٌ ضوئي يغشى عينيك. كيف إذن ستعبر النهار قبل أن تقعد في آخره على المسناة كتلةً معكومةً من غير ما حنين ولا غد، لاتكف عن التحرج والسقوط؟

بالترياق تستعجل الخسوف كي تنسى أنك الصاحي الأبدي، وأنك ترعى بيداء تتسع كلما حدقت في النقطة المعشية التي كنت تسميها قلبَ السراب، أو أغمضت عينيك. تلقط الأقراص والكبسولات وتلقيها في قعر كفك، ولا تأمل أن تتنفس قربك المعجزةُ. حضورك بئر تفور ولا تقدر أن تكبح مدَّ الماء.
الأطباء قدَّروا بالموازين الذهب خطوة في مائك تمشي بها وتترنح في النوم السهل. وعَدُوك بالعافية. رأوها أيلا يأتي إليك مذعنا وترسل في فروه يدك. فوق الأريكة دائما تفكر في ما ترى: طفل يقذف مرآة بكرة مضرب، ليقيس قوة الزجاج وقوة ارتكاس الظل والصدى والبهجة.

تقول: روحك الكرة يا هذا، والمرآة ماضيك الذي اشتدت فضته حتى أعشتك بالوهج. وهؤلاء يريدون أن يعثروا عليك طفلا يلعب بأعضائه تحت سرير أمه وأبيه. وأنت تجاري شواظا مدخّنا يسيل به بركان عال. هم دائما هكذا: مندسون تحت الأسرة، ويلوون الكلام في مجازاته كي يصلوا إلى الأبازيم تحت انعقاد السرة في حلكة الليل.
كنت تهوي في المنحدر السحيق، وكانوا يقلِّبون في البال أوراق كتب قرؤوها ويتظاهرون بأنهم ينصتون إليك. أعينهم مشدودة إلى الساعات التي أمامهم. وكنت تكره الساعات، وتكره الكتب. وتكره أن يأتي المساء ويتدلى من الشرفة، وليس لك عينان فتطبق جفونهما عليه وتنام. وتكره الكلام ملويا ومدهونا بالمجاز في ألسن الأطباء.

ثغرة في السماء. وكان يلزم أن تهوي منها المروحيةُ مثل كِسف مقذوف من العدم كي تتذكر أن الحرب ما زالت ترقص في مشارف السبسب، وأن الذين حملوا الأسلحة مازالوا يطوون خيامها ويترحلون في غِيَانِ الجبال وأحراج الريف، متهجِّين خرائطها المرسومة بالدم، مؤمنين بأن القبائل هناك يمكن أن تبايع سلاطينها وشيوخها الذين يجلسون على الكراسي تحت السنط كي يفصلوا في شؤون الماعز والديات والثأر، وتنشئ برلمانا ودولة وتكون لها راية واحدة. ولا ضير في أن يهرب قادة الذين حملوا الأسلحة إلى باريس، وتمرَّ أمام مبنى البرلمان مدرَّعات فرنسية بأعلام رفرافة وشاحنات يركبها جند مرتزقة.
أتذكُر المبتهج أبدا بفراغه، وحنكه الذي يكاد ينفجر من لقمة القات، الذي كرع يومئذ مزاجا من عصير المانجو والجوافة، وأسرف في امتداح الأنفة القومية؟ " نحن نتنفس الإباء ونرضعه من أمهاتنا." ـ قال. مُراءاته كانت ذيلا رثا أشعث من ريش النعام. العلم الفرنسي، عبر زجاج باب المقهى حيث كنتم في شرذمة، كان يتدلى في وديقة أبريل، في مدخل مبنى البحرية الفرنسية. مقابل مبنى البرلمان. وكنت تراه من المقهى المكيف الذي يفد إليه الملأ.

" جعلنا لك ترياقا ـ يقول الأطباء مادّين الوصفات ـ فلا تنْأَ. الجهة التي تسلكها تنتهي عند الحواف.". هيِّئت لك الأرائك كي تقعد صوبهم. وكل واحد يحثك على أن تنتثر مثل حفنة كلل لا يقدر أن يحفنها كلها طفل ينزل الأدراج، متوهما أنه سيريك كيف سيجمعك حتما، ويلقط روحك كلة كلة، يرفعها ويقلبها في بهرة حدسه، ويرسم الطريق الذي تسلكه هادئا وتعود إليك.
وطيلة أشهر يتدلى المساء ثلاث مرات إلى شرفتك وتمد إليه كفك اليابسة ليسقط في قعرها حبوب النسيان والوهم واللايقين كي يكبر لا يقينك بالذي هو أنت. ضاعفت السُّمَّ ثلاثا كي لا ترى الليل يتلوى في الشرفة، ويجلد جسمه المحروق بحبل ممسود من ليف الرافيا، ولم يستو السرير المائل، ولم تخفت في المخدة أصوات الغابة التي ترجِّعها من فوقك المروحة. ولم تنفعك فِراسة الأطباء الذين توسموا رحابة الماء، وأفتوا بأنك تمشي فيه وتترنح في غيابك كل مساء حتى يظهر الأيل.

أعطوك نوما مضغوطا في الأقراص وقالوا سيأتيك الحيوان من جهة الضوء، من حيث يبدأ انحسار الماء الذي يفور. وكانت أيديهم واثقة يمدونها بإيماء جافٍّ أبله، ويشيرون إلى جنتك الدنيا في الأرض.

تسمعهم كأنما كانوا ينادونك من شَعَفة وأنت في السفح، ويهزون جسمك كي تصحوَ وتوقظَ شخصا آخر ينام في جسدك، ولا تعثرُ عليه. ترى الماء الكدر الذي يفيض، ولم تكن معك. واليقين كلب يلهث قربهم كلما تكلمتَ عن البئر ومائها، وحركوا رؤوسهم نفيا كي يُلجموا ذهابك في الجهة التي تجذبك.
" هذا المسرح المنكَر ـ تفكِّر ـ يرهقني.". وكنت تراهم عميانا على الركح، تجده مُعْتَداً وكلُّهُ أريكةٌ وساعة. يتحسسون كينونتك مثل آلة أوكورديون ضارية، يفككونها ويلقونها إليك كي تلقط أجزاءها وتركبها، وينتظرون أن تعزف بها ذاتك. غير أنك كنت تربك الفعل وتسرف يداك في ضم الأجزاء.
أتذكر آلة الفارابي في حكايته في مجلس السيد؟ كلما ركَّبت الآلة عزفتَ قرينا آخر. وكان غناؤك يشتد وتلتبس أطيافك على أكف العميان. لذلك بدّلوا الترياق مرات، وأبقوا أيديهم باردة على الساعات. وكانوا يوَدِّعونك مادّين أيديهم بالوصفات. تترك المعادات وتفكر في الذي لا أنت.

ثغرة لم ترتقب أن يهوي منها الرعد ملفوفا في مزق السماء والعدم.

أمام مشفى "بوفارBoufard " العسكري الفرنسي في البقعة الخالية، حيث تهلوس نبتة الطُّباق متناثرة، ويتلع بأعناق عجفاء حشيش غامض مخنوق ، تقفون على الرهص الواطئ المضروب من إسمنت، الموسوم بدائرة صفراء، ولم تدركوا أنه مهبط المروحيات في الطوارئ. تأسى لابن المغربي معلقا من عنقه بخُطافِ فُصامٍ، ويهذي أبعد من نظرة أبيه التي يكدّرها دخان سجائره. وكان أن تنزلت الحرب يومئذ باكرا، ورأيتها. لبثتْ بعيدة في الأحراج والشعاب تربِّي في جيوبها الكثيرة جمر الصاعقة.
وكثيرون صدقوها وصعدوا إلى الجبال. حملوا السلاح وصاروا محاربين. عقدوا على أرساغهم خصلا من شعرها؛ ميثاقها للذين آمنوا أن الآدمي لا يخطو مع القرين إلا مطبِقا بكفه على حجر وراء ظهره، أو داسّاً تحت حزامه مدية. بدلوا هناك عقارب الساعات والبوصلات، وأسماءهم. وربما ارتدَوْا ثيابا عسكرية وتعلموا أن يتكلموا رمزا. وكانوا في الظهائر يَقيلون في المخابئ تحت الأشجار كي يَخْلوا إلى باقات القات الملفوفة في المناديل المندّاة، يفلّون أوراقها ويحشون بها أشداقهم. يتمززون النسغ المُغْثي متقرين الأطياف التي تُراقص السمادير وتغري بالبقاء في الظل المدعوك تحت السنط، متحسسين بين السهو والسهو معدن الأسلحة. بعيدا يذهبون في استراحتهم من أيديهم، ومن الأسلحة التي يربونها ويهدئونها كالأطفال.

وحينما يسترخون ويترقرقون بمفاصل وأعصاب تحلها وتمدها الودائق، يعلو في ذاكراتهم رهج القبائل. يصحون ويدركون أنهم نفروا إلى المنتأيات ليلعبوا كينونة أخرى عند حدود الاسم، ويختبروا الأسلحة.
جاء جندي فرنسي برشَّاش منوط إلى كتفه. جهامة وجهه المعافى امتداد لسلاحه. هش بيد وأشار أن ابتعدوا. وقال إن طائرة ستنزل هناك. قلبتم أبصاركم في الجو كأنما أنذركم بكسف ساقط من كوكب. تراجعتم عن الرقعة. تبعك الفتى. قامته مائلة ويطويه ألمه. وكان رسغك في قبضته، ولم تنبِّهه أن يُرخيها.

كلامك كثير وتهذي غامسا لسانك في الذي يُلقى عليك من المعنى. صار لسانك مختوما بعسل الهاوية. وصرت تخاف أن تكتب أو تقرأ أو تبقى إزاء الشرفة تحت المروحة ووجهك في مدى البيضان والنيم، وتخاف أن تكتم القول الذي يشتدُّ من رقصك في الحافة. لأنه صار عندك عِلْمُ التخوم البعيدة حيث لا تمشي سوى الأطياف، ويهمد في طيرانه الغبار ويبقى معلقا. وصار عندك عِلمُ الحافة التي ترجئ قدما تلقى إلى هاوية، وعلْم الهاوية.
وكنتَ أبعدَ من أن تعثر على النائم في ذهولك الطويل عن الباب. وكانت بيداؤك بابا كلُّها. ولم تعرف أن تجيء إليك. وقلت إنك نجوت من الموت مرتين، ولا تخاف الموت، بل أن تبقى هكذا: رجلا منكفئا على حجر في بيداء؛ الحجر يهذي في الشمس التي تذيب لبَّه، والرجل ينصت إلى ما سيقوله الحجر، موقنا أنه حي، وأنه ينبض بشمس لا يقدر، إذ يخبئها، إلا أن يصمت ويتقبل البيداء.

تذكُر انقلاب السيارة بكم عشية في السبسب، هناك حيث تتخطر الضباع والفهود في الليل. طار الحديد بكم في سدفة المساء إذ أعلاه الساتر الرملي، تلوَّب هادرا مرتجا وزائغا إلى أجله. على بعد وثبتين، كانت الهاوية عدما يندلق إلى قعر الخليج. رأيتها بعد شهرين هناك. وقلت: أخطأنا الموت برقصة الرعد.
وتذكُر الذين نزلوا بغتة يوم خميس إلى مشارف "علي صبيح"(***). أخذوا رهائن أسرى إلى الجبل، وتركوا جثامين يئز فوقها الذباب مائجا في زمرده وفيروزه. وكنت قضيت نهار الأربعاء مع المغربي في تلك القرية، مبعوثين تتفقدان أحوال الدفاتر والكتب، وتروزان وقفة المعلمين لدى الشاشات السود.

ثم تنزَّل الرعد من ثغرة في السماء مقذوفا في المروحية، عاريا كرعد ومكتملا في عماه المعدني. خرج الجنود من جوفها معفّرين بالذهول والرعب، مرتابين في أنهم نزلوا، وأجسادهم مخترقة تحت الألبسة. هل رآكم الذي كان يحبس أمعاء توشك أن تخرج من جنبه؟ أكان يرى أم يستيقن بظلالكم أنه ما زال يتنفس؟ خطاه مجرورة، والجندي الذي يسنده، يمشي حافيا وعلى رأسه عصابة شاش ملوثة بالدم. ثم خرج اثنان بمحمل من قماش عليه كتلة. تبعهما محمل آخر تثقله وتطويه كتلة هامدة. أرأيت من تحت الغطاء رسغا عاري العظم؟
ساروا إلى المشفى صفا متقطعا مترنحا يهش عليه الموت. وكان الموت يتبعهم بمكنسة ناعسة من سعف نخل الهاش، يُعَفِّي آثارهم من خلفهم كأن لم يخرجوا من المروحية ويقصدوا البوابة الحديد. وكان له جناحان من برنز.
" ما الذي نفعله هنا؟" ـ سألتَ وعيناك مقذوفتان إلى البوابة التي انطبقت خلف صف الجنود، ولم يجب المغربي. وكان ابنه يسحق رسغك الذي نسيته في قبضته الهاذية. تذكرت حينئذ أنه يمسكك، وأنه يخاف، ويريد أن يجيء إليك من حيث تدور به الناعورة، كي يجدك جنبه تربت على كفه المنقبضة. ويريد أن يفتح عينيه ويرى مصدر الرعد.

المساء يُكَثّر الأصوات ويعلي الهدير. تبيت مولِّدات الكهرباء والمكيفات تهذي في معدنها كي يهجع الآدمي ويرتد إلى غاباته. تسقط في شرفتك سماء من زحير المعدن ونهيمه وغمغمته، ولا تنام.
يبقى العالم جسرا معلقا في فراغ، يميد وتمشي عليه ولا تبلغ إحدى الضفتين. والليل يمشي خلفك، ولا يكف عن جلد جسمه المحروق. والأرق يأتيك من الحقول؛ صِقْعِك الذي اقتطعته من البيداء ولم تسيِّجْه. كل الحقول سهب واحد يبدأ من صحوك.
قلَّبت فتوى الأطباء، وثبتتها تحت الموشور لتحصي أضلاع الحقيقة المركوسة في الشعاع. وكنت تغرسُ السهب قصبا وخشخاشا يأتيانك بالحفيف والوسوسة. قلت: " يكون لي سريرٌ من أصوات معلقٌ حالم يُسهِّل النوم، أستلقي متكوما فيه وأسقط خارجي كما يسقط الناس في البئر التي جدارها ريش وحرير.".

لكن، مَن كان يرفع بين القصب والخشخاش فزاعات من ضوء تُجفِل الريح، وتبقى الجهات هامدة؟ وكان صحوك يشتد، والبئر تفور بك فائضة، لأنك كنت ماءَها. ولم تكن ترعةٌ ولا قناةٌ تحوش اندلاعك في الذي لم يكن له اسم.

يدك يدُ شخص ندٍّ يريد أن يخلو إلى أوراقه، يتقرى خرائط مطموسة لبلد مندثر لا يتكلم فيه الناس. وكان يتلهى بنظرة مديدة إلى التخوم، ويشيح عن الخيل التي تحمحم وتتمطر مذعورة في الشكائم، محبوسة في الإسطبل الخلفي حيث تختبل النار. ولم يكن يصدق فتوى الأطباء، أو يرتقب أن يخوض الخِشْفُ في المياه، فالقا آخر المدى بنظرة مذعورة.
". أفاكون ـ تقول لنفسك ـ إنما يلعبون بالأقنعة. صيادون يطلبون روحك الطريدة في خلائك. أسئلتهم كانت أفخاخا، ينصبونه بمكر ويطعمونها بالريش. وكنت تحب الطيور، وتوقن أنهم يرتقبون أن يجذبك الريش. لذلك كنت تهزأ بالأسئلة والوصايا والمواعظ، وتهزأ بجلستهم الأريبة التي تبدو كتربص الكاسر يريد أن يدنو أكثر كي ينقض؛ يبدلون أقنعة الوصي والفقيه والشرطي وصارع الجن. تراهم وتحبس نفسك أن تصعد المكتب وتدهس الساعات التي يحبسون فيها حضورك بقوس زمني.
تريد ترياقا، ويريدون قربانا. وكانوا أطباء وكنت الذي يمشي إلى هاوية وتمشي معه حافته. تراهم حذرين، كنواطير يمشون خلسة في المسارب كابتين الحسيس كي يعثروا على أطفال يسرقون الفاكهة، أو يدفنون لدى أرومات الأشجار لُعَبا منكَرة.

تريد بئرا تنزلها فتنام، ويريدون أن تنضو لباسك وتظهر عاريا وتسير في ظهيرتك.

ترسن الليل حيوانا أعمى بحبل تجدله من ليف وسواس، وتتسكع في الشوارع القفر حيث لا يلاقيك غير المجانين واللاجئين. ألم تكن تمشي وتحدث الله: " أنت في اسمك الكلي الذي تعْلمه، لكن أين أنا ـ إلهي؟ أين الذي يقدر أن يكلمك بالذي تلقيه في قلبه وتتقبله كأنه كلامك؟ حتى العقار لا يثبت رأسي على وسادة. انظر إلي: أنا الهاوية وحافتي تمشي معي. كن يدا تدرأ حافة وتطمر هاوية. كن موسما يقْلِب الخلاءَ شجرة عندها ألقاك. كن على الأقل في شجرة أعرفها.".

كلما اتسعت بيداؤك
كان صحوك يسجِّر المياه في البئر.

وقفتُك الملمومة الناحلة عند باب المندب تعطيك هيئة اللاجئ الذي يهم أن يرحل بعد أن يأخذ المكان بنظرة غافرة، ولا تخفيك مظلتك المفتوحة. دهْشتُك الأولى كانت موسم خسران، ولم تَدُمْ أكثر من أسبوع بعدما أنست إلى كلام العَفَر والأحباش والصوماليين واليمانِينَ في الأسواق. والنهارُ اللاهب الذي يشوي الظلال وصرخة الغراب صار يتبعك في الطرق. وكانت تعشيه شمسه فيلقي على كتفيك يد الرفيق كي تكفَّ عن السير.
ألم تكن شجرةً تصفِّي تحت المدار لقاحها الكوني ساريا في الحركاتِ واللباس والروائح والأصداء والأصوات واللغات وسرد الناس للناس؛ تتلقى ما يجيء وتمضي في موسم من كلام وأساطير وهجرات ونداءات شعوب ولقاح نبات ووشائع وحش في السباسب؟ ألم تقل إنك وجدت بلدا يزين المنفى ويشفيك من ضربة السماء؟
مساء تقعد معكوما على صخرة في المُسَنَّاة التي تقسم طرَف الجُون. العالم كله رقعة ونردك واحد؛ قعدتك كانت التأويل الأصفى للخلاء الذي يكبر بين يديك. لِمَ كنت تلَمسُ درع نخلة الهاش ناظرا إلى تمْرها الخشن المعلق في العراجين الكالحة؟ أكنت تريد أن تستدرج فيها التمساح؟ الرَّوْشَنُ الأسود في البيت ـ برغم الطير والمدى المعمور بالأشجارـ لم يخْلُ من ريح الحافة. وكان يولجك في حال الصقر؛ محبوسا في معتزله الأخير، يرى إلى ماتبقى من جناحيه اللذين أكلهما، ولا يقدر أن يردع الليل، ولا أن يوسع بنظرته سماء المخالب التي تضيق.
ينفذ الغبار من دريئة الروشن المنسوجة من فِلَقِ القصب والأسلاك. تراه في بلاط الصالة والمطبخ ويغشى الفراش والأثاث والآنية. تسأل: ألأجل أن تكون لك قبعة من حفيف تحت المروحة، أتيت إلى هنا؟ عِطف الأزدرختة الذي تراه من نافذة الصالة يؤود ويهتز مائلا على الروشن كيدٍ من غياب تمد ضغثا من الحشيش النضر لحيوان أسْودَ كئيب يجفل من رائحتها ويحرن. ولم يعد يكلمك الطائر النساج ولا البلبل. حتى الغراب صار زعيقه حصبا يلقطه ويلقيه في صفحة المعدن التي تحملها فوق رأسها الظهيرة. مقيلك ضفة تقف فيها على نهر يجري بالحمم.
كل شيء كان باطلا هناك؛ كأساً من بلور أحمر نادر ألقاها إليك لاهبةً نافخ زجاج فأفلتتها يدك. لبثت مذهولا ترى إلى النثار، وتتبع رنين الشظايا الذي لم يخفت قط:
" أَفْ سُمَلِي ما كَّرَنْ اَيُّو."(**)؛ كانت قناعا لشخص لا يحب أن يُقتحَم. هذه العبارة المالحة الوحيدة التي لُكْتها كلحمٍ هلامٍ لدُلاّع البحر،علَّمتك إياها الخِلاسيةُ اليمنية. كنت تريد أن تسدَّ مجالك ولا تكلم أحدا بلغته هناك. ثم صححها من بعدُ الصومالي المخبر اللئيم ذو النظرة المندَّاة التي كان يبْذلها بمكر وإسراف. أوه! رجل يبتسم أبدا وسكين من الجليد في فمه، ولم يكن يحب أحدا! هو دائما هو. يلتذ بنعمة أن تكون له بسمة جهيرة يشق بها حضوره، وثلج يعض عليه. تقول: بسمةٌ عُرَّةٌ. آفة رجل نذر عصب وجهه لتكشيرة سرمد. هذا الرجل لغم بشري؛ نُصب للناس وطُعمه بسمته. لم تصدق أن يبتسم مبللا نظرته إذ نعيت إليه موت صديقك العَفَرِيِّ عبده محمود إسماعيل. اهتز في مدخل ضحكة وماد في كتلته.
تركت المكتب حينئذ، وأنت تلعن الروح التي تدحرجت طويلا في سفحها الموحل حتى تدربت في القاع على أحوال القرد والعسبر. تحت شجرة العناب، في ضحى ماي 1998، بكيت الذي انقلبت سيارته وصار له قبر في بلدة نازاريث(**)، وستة أيتام وأرملة لا تدري من أين تستهل خرابها. ولعنت العالم الذي لم يبق منه سوى خندق لا حد له تتعفن فيه الجيف. وكانت تدوِّخك الرائحة.

بَوارا كان تربُّصُ المومسات الحبشيَّات بعبورك في الطريق المترب جنب عمارتهن المريبة، التي عند زاويتها تصعد نخلة هاش منشطرة بخمسة جذوع. كلما مررت تحت شرفاتهن راودن طيفَك ـ كنت طيفا ـ ؛ إحداهن كانت دائما تصفر وتنده: " يا عربي! "، سيجارتها في يدها، ومرفقاها على الدربزون. وكانت تثيرك العين والراء المرهفتان في ندائها مثل بتلتين من زهرة فوشيا. وكانت أخرى فاجرةٌ تمسح على نهديها بتدوير خبيث وتضغط كأنما تهدِّئ طائر " إِيبِيسَ " أحمر سينفر من طوقها المفتوح، وتشمل حمرتُه العالم من حولها.

كتابك في امرئ القيس لم يكن سوى متاه؛ طيلة الليل، بسبيب من ناصية حصانه الذي ترعاه في جهة ما من نسيانك العالمَ، وخوفِك من أن لا تعود إليك من الباب الذي لم تعثر عليه، تربط سرب المُكاكيِّ الذي وجدته في قصيدته، وتحذر أن تتقصف الأربطة الهشة، وتُرسل الطيور في الرفرفة، كما كنت تفعل بالدوري والقرقب والزرزور موثقة إلى كفك بخيوط القنب.

بيادرَ تَتَسَنَّه في خلاء كانت ترجمتُك أشعار الفرنسيين؛ طورِييْ، غاسبار، بونفوا، ليريس، فيلطير، غروجان؛ هؤلاء العابرين الذين لاحقتهم في السبل من أجل أن تبقى وحدك.
أكنت تجرب موتا مضاعفا ثلاثا، يشطرك ويفصلك مئات المرات عن ذاتك، ولم تكن لك سوى يد واحدة وجسم مُعَنّىً؛ إذ تسعى في صحراء الملح وتستدرج حيوانات مترحلة، تلوِّح لها بكفِّ مُحِبة، أو تتلعثم بأسمائها كي تظهر في حد الصحراء وتدنو مذعنة. وإذ تذهب إلى أُخُوَّة في الضوء يتيمة لم يسبقها نداء أرضي، لتجرب أن تحوش بصدرك صاعقة حاشها من قبلك بشر مخبولون بالنار. وإذ ترتد بقسط النار الغريبة ولسان مَبْلُوٍّ إلى الصحراء لتتكلم لغة الصحراء؟ ـ

دوارٌ وألمٌ عموديّان يأتيانك من جارك المغربي. وكان تابوتا حيا يرقد فيه شخص ميت مطمئن ينكِّس العالم باردا مثل مرآة مركونة في سرداب، ويقدر أن يزيح غطاء التابوت ويمشي مطمئنا بين الناس ويتكلم. صار عذابا ظلك الصباحي إذ تنسله من ظلال جنبات البوغنفيليي وبرنيق اليابان التي تُنهِك الفراغ في أسيجة البيوت. تمشي محاذرا الشمس التي تنسى أن تعلو قليلا كي لا يلتهب الظل.

ألم تمت حقا وأنت تعبر الدهليزَ الماحق؟ استطالَ المسرب وتعرَّج بين جدارين من زجاج، وانطبق عليك، وسرت فيه ذاك الأصيلَ من فبراير 1999. ولم يكن الزجاج هلوسة، بل نوافذ الباص التي غدت لا حد لها، وكان معك المغربي ذو التابوت. ورأيت الباص لا ينتهي. وكان ماؤك في مده الكدر الذي يمحو العالم؛ قلبك يختض فيه غزال محبوس في حوش عال مضروب من أغصان السنط، ويريد أن يخترق الحوش فيسقط، ولا تدري ما جرى. لم تنم شهرين متتاليين.
وكنت في الباص تقول إنك ستنْقَضُّ على السائق من مقعدك خلفه، ولا تريد أن تكون هناك. فجأة، في الصيدلية، بعد خروجك من معادة الطبيب، وثب فهد خلف الغزال في قلبك، فتطايرت الجهات في عدوهما وانخطفت روحك. تذكرت جوزف ك. في "المحاكمة"، وأحسست قلبك يدور آنية من طين غَضِر في ناعورة تحت يدي خزاف مخبول، لا يريد أن تستوي الآنية في اسمها، وكفَّاه ملجنتان بدوارها تتماديان في جبْلٍ لا يحررُ شكلَها.

فكرت أنك شخص محبوس في كتاب، فغادرت الباص ولم تدر أين تسير. وقلت لنفسك: " إنه الكتاب. يلزم أن أخرج من الكتاب. لكن كيف أعثر على باب في الكتاب الذي أنا فيه؟".

هدام يصنع الهدام.

تدوِّم المروحة ذات الأذرع الطويلة فوق رأسك؛ يهذي المعدن ما دمت في البيت فيتطاير من حولك الهباء؛ كثيرا ما فكرت في مروحيات الحرب تقصف السماء في فيتنام، أو فلسطين، أو العراق، أو لبنان. وكان النوم حصانَك المكدودَ، تحثُّه على السير فيحرن، ويرسل زفرة هي قيدٌ يكبح حافرا ويلوي جبينا إلى الأرض. يربِض باسطا ناصيته على التراب، وتلبث في زفرته الأليمة الواهنة.
ثم موسيقى الجاز و" البلوز " ونصرت فاتح علي خان وقليل من فيروز؛ كنت النجار في ورشة الأرق الفسيحة. الموسيقى أرض أخرى تدخلها وتنحت فيها مناشير من سكينة وصدى وثلج، وكنت تقطع بها فنادير ملتهبة يدحرجها ويسد بها بابَ بيتِك البركانُ.

كل شيء كان خطأً هناك؛
نفثةَ لقاح ينثرها جناحا يعسوب.

حتى الموسيقى والشعر، وحتى أنت ناظرا وجهك في المرآة وتسأل: " إلهي !بأية خطوة غزال مكسورة جئتُ إلى أرض الملح هذه، والحجرِ المشوي، حيث الظهائر المقذوفة من أزل النار ذاكرةُ الجحيم وتهذي بريح شمسية كلما وطئتْ قدماها الرمضاءَ وبازلتَ المنفى؟ أقْدرْني على مجاورة النار، يا خالق النار.".

ربطتَ حدَّيِ القارة، وعلى زنديك جثمانُ " بَرَاء "؛ طفلِكَ العُلْويِّ الذي لم يكن ظلُّه من شمس هذا العالم، والذي أوجَزتْهُ لك القيامةُ في إشاحة؛ وكان سماءَك المطويةَ التي لم تقدر أن تُسْلِمها لترابٍ، سماءً كلُّها ألمٌ وحدادٌ. حملتها محفوظة على ذراعيك. وأقسمْتَ ـ إذ نام في ثلج يديه، قبل أن يفرح باسمه وظله في الأرض ـ أن لا تحبَّ البلدَ الذي جئت منه. وكنت ترى البلد ذاته كتابا ممحوا دُس في جراب معلق في علّيّة. وقلت إنك ذاهب لتقيم في كلمة تأتيك في المنفى، وخطوة تؤاخي بها الفلاة التي تتلقاك. وكانت لك مومياء رمزية تحملها وتسعى بين الناس، ترعاها بما يطيق قلبك من صمت وذكرى، وعزلةٍ تعطيك أن تتنفس، وكمَدِ الزُّراع يتفقدون كل صباح كرمهم المحروق بصاعقة. يتقرَّون المدى، لا ليعثروا عليه فيرتدُّوا إلى ظلالهم إزاءه، بل ليعرفوا نظرتهم إليه، ويستمعوا إلى زفيرهم، ويكونوا مسَّاحي خراب.
تمشي وتكلم الله تحت المدار سائرا وحدك على الساحل: " متى تحررني، إلهي؟ أتكون يدي الأخرى التي أتقدم بها فيأتي الباب؟ أو تكون الجهة الأقرب التي أخطو صوبها فيشملني الضوء الآخر الذي لا يسقط رملا في عينَيّ؟ فِدْيتي ـ أنت تعْلَمُها ـ الضوءُ في هذا الخلاء. ولا مصباح يأتي فأعلمَ أني وصلت. الحافة تمشي معي، إلام أبقى رهينتها؟ لا شيء حقٌّ سوى أني أسير إليك بهذه السماء الصغيرة المطوية فوق ذراعيَّ، مترنحا على الشفا الذي يميد، أهذي بكل أسماء الضوء التي أعْلَمُها. ويقيني أنك تخرج لي من أول المصباح؛ مصباحِك ذاتِه الذي هو الأسماء الخفية. يتوهج في عينيَّ، في الجهة القصوى من اسمك النورِ، حيث يصعقني بريشته الموتُ فأخرج إليَّ منهكا ومنفلتا من تطويق الأطباء وأجدني. هبني من المصباح حفنة ضوء أجبلها مصباحا، فيكونُ لي أن أُهْويِ به على صخرة العالم فتنفتحَ منه المشكاة، وينفرَ منها حصانٌ من الضوء، حصانٌ كُلِّيٌّ تشفي حوافره وركضُه العالمَ من الحافة، وتشفيني نظرته من الفلاة والهاوية. وتشفي روحي من فلاتها.
كن في اسمك الأكبر الذي تعلمه، الذي لا تعثر عليه شفتاي كي أناديك به.".


*) ـ عبارة صومالية معناها: لا أتكلم اللغة الصومالية.
**) ـ بلدة في الحبشة.
***) ـ قرية جنوب جيبوتي.





_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
تُخـومٌ هنـاك إدريـس عيســى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: