كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 «ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد أسئلة القصة القصيرة جدا على المحكركاطة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: «ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد أسئلة القصة القصيرة جدا على المحكركاطة   الإثنين مايو 27, 2013 4:39 am




«ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد ركاطة
المساء نشر في المساء يوم 27 - 03 - 2013

عن دار الوطن صدر للقاص المغربي حميد ركاطة مجموعة قصصية قصيرة جدا في 128 صفحة من القطع المتوسط بإخراج فني بديع لنجية الحبشي وإهداء وقراءة في المجموعة القصصية لجاسم خلف إلياس، الذي يقول إنه يسعى إلى
كشف مغامرة الحكي الجمالي من خلال مساءلة النصوص والتوغل في شعريتها وطاقتها التدليلية وإحالتها المرجعية وتقديم آخر للناقد المغربي محمد رمصيص، مؤكدا على احتفاء المجموعة بالسخرية وذلك باللعب على مضايفة المعنى المتوقع للمعنى غير المتوقع، حيث تستدعي الغموض والالتباس وبرهانها على النقص والندرة تسخر من المحكيات وتؤسس لطباق أنواعي يروم تشييد قص مضاد، قص له مخرج جمالي لمأزق النص التقليدي.. وهي المجموعة الثانية بعد الأولى (دموع فراشة).
من نصوص المجموعة: رجل النبيذ، انفصام، إعادة، تأهيل، صلاة، جنازة، غباء، ثورة العبيد، حوار العربة والكراسي، ثقب، الورثة، فوضى...

*

أنت الأن في : الرئيسية أسئلة القصة القصيرة جدا على المحك قراءة في مجموعة "ورقة عصية "(1) لسعيد السوقايلي حميد ركاطة
أسئلة القصة القصيرة جدا على المحك قراءة في مجموعة "ورقة عصية "(1) لسعيد السوقايلي حميد ركاطة
نشرت من طرف : ueimarocains ueimarocains | في 11:17 ص

أسئلة القصة القصيرة جدا على المحك
قراءة في مجموعة "ورقة عصية "(1) لسعيد السوقايلي
حميد ركاطة
تستمد الكتابة عموما شرعيتها، وأصالتها، ومدى قدرتها على تغيير فظاعة العالم من خلال مواجهتها للنقائص والعيوب، والسخرية من الواقع ومفارقاته؛ ويتم ذلك بانفتاحها على عوالم رحبة وهي تطرح أسئلتها الحقيقية صعبة الهضم أحيانا.
" ورقة عصية" للمبدع المغربي سعيد السوقايلي، حاولت بشكل جدي الحفر في المفاهيم المرتبطة بالكتابة، وبجنس القصة ذاتها ، والقصة القصيرة جدا على الخصوص من خلال رهاناتها الواضحة، وإصرارها على تأكيد مشروعيتها أولا، وعلى أحقية صاحبها ككاتب متمرس، بحيث تزخر نصوصها بنكهة كتابة مخالفة وجديدة، ارتكازا على رؤية مخالفة إلى العالم.
لقد اعتمدت المجموعة على الأنسنة، والغرابة، والتناص، والكتابة السير ذاتية، وعلى ملمح السخرية لانتقاد الواقع السياسي، والديني، والتعليمي، والاجتماعي... وهي تضع مفاهيم عدة كالحرية، والأخلاق، والموت مثلا على محك أسئلة عميقة بمناولة جديدة وتضمينات جريئة في نفس الوقت، من خلال تضمين أجناس أخرى كالنكتة، والحكاية، والمسرح، والألغاز، وفن التراسل... بكل تجلياتها ومعيقاتها، وبالتالي مثبطاتها الحقيقية في محاولة لاختراق حدود أجناس أخرى، ربما أقصر مساحة، واقتصادا، وأضمن كوسائل لتقريب المعنى وبنائه النص، من قبيل : الإعلان الإشهاري، والرسالة القصيرة جدا ( sms) . فماهي أهم القضايا التي طرحتها للنقاش ؟ ثم بأية خلفية إبداعية كتبت نصوصها الستة والستون؟
1) أسئلة القصة القصيرة جدا على المحك
تبرز أسئلة القصة القصيرة جدا مضمرة أو جلية ضمن نصوص المجموعة لتكشف عن وعي كاتبها، ومعرفته بخصائصها ومقوماتها، وبالتالي حيثياتها ضمن سياقات عديدة مفعمة بالتجريب، والتضمين، والتنظير، والتناص، والتوليف، والتوظيف. كتابة ستطال تخوم النص ومخرجاته أحيانا .
في نص " مثل رصاصة حاسمة " ص 9 يتم اللعب بالتوازي على حدثين بقدر ما تجمع بينهما خاصية الدقة، والسرعة، يندمجان معا ليعلنا عن خاصية من خصائص القص القصير جدا، السرعة والضمور، والعصف بانتظارات المتلقي، والانتماء الاجناسي.. وهذا التضمين سيحول معطيات النص بتشكيلها الدقيق إلى حيز متناه في الصغر، كاشياء تخص بطل النص يقول السارد " يؤلف .. قصصا قصيرة جدا / صندوق صغير / مثل رصاصة حاسمة ". وهو توليف يبرز ظروف وملابسات كتابة بطل النص لقصصه من خلال بحثه الحثيث عن نهاية حاسمة أو وشيكة ، كما تعبر عن ذلك حتى الورقة الصغيرة جدا كحيز مجالي عليه اتخذت الكتابة شرعيتها " وريقة " وهو ما يجعل الاشتغال ضمن متناصات عديدة بدء من العتبة، مرورا بسياق النص نحو خاتمة درامية. يقول السارد " سمع كطلق ناري ..وانتظار النهاية " ص 9 وهو ما يؤشر على الكتابة ذاتها ككتابة أشبه بالشذرة تعمل على قتل صاحبها. فالقصة مثل رصاصة حاسمة بنهاية وشيكة على ورقة تنتهي بحذف كاتبها أو بطلها .
ويتخذ مفهوم كتابة القصة القصيرة جدا ،جدارته انطلاقا من نص " اقرؤوا حياتكم " ص 29 حيث يتحدد الموقف والمنظور والطبيعة والماهية، فالنص يبرز بجلاء حسا نقديا، ووعيا جماليا ومعرفة بأدوات الكتابة وطبيعة القصة اللعوب، التي تخترق حدود الأجناس الأخرى، وتتقمص بعضا من خاصياتها دون التأثر بها، أو التماهي معها إلى حد يفقدها ملمحها الخاص. فالنص بقدر ما يضع سؤال الكتابة على المحك، يكشف عن حيرة الذات الكاتبة، وقلقها يقول السارد " في أية بنية أفرغ قالب قصتي، ما دامت تنهال وتتشابك مع الشعر، والخرافة، والمقالة، والحكمة، والمثل، والنكتة، والمسرح، والوصلة الاشهارية.. في أي حيز مكاني سأقيدها وهي التي توتر الايجاز؟ واية نهاية محتملة أضعها لأكسر أفق القارئ ؟ كيف أبعث فيه الدهشة، وأصدمه بخاتمة مختلفة ؟ " ص 29
إنها أسئلة الكتابة، انطلاقا من عرضها داخل سلسلة مترابطة الحلقات بدء من شخوص النص، ومواصفاتهم، مرورا عبر شروط الكتابة ومواصفات الكاتب، ثم الناشر، والموزع، والقارئ، والناقد .
وإذا كان للنص كذلك مواصفات العمل، وشروط انتاجه وتوزيعه ليصل إلى القارئ، فإنه في المقابل يتضمن سخرية من واقع إنتاج الكتاب الورقي الذي تفتقد الكثير من عراه داخل سلسلة انتاجه، فالسلسلة الواقعية بها خلل كبير من خلال طبع الكتاب للعمل على نفقته وتوزيعه وتقديمه للقراء مجانا، ثم بحثه عن ناقد ليشيد به ويقدمه "للقراء ".فقفلة النص، وإن كان السارد يحاول من خلالها إضمار تهمة الانتهازية عن بعض "الكتاب "، إلا أن تلك الممارسة هي العملة المعمول بها بنوع من الفظاعة، المكرسة لقيم مفاهيم بائدة كالقبلية، والعشيرة الإبداعية، والحزبية لتبوئه مكانا مرموقا وتكرس خلوده للأجيال القادمة .
2) الكتابة والتناص
يبرز التناص التاريخي في نص " الجاحظ وموليير " ص 11 من خلال توظيف رمزين ينتمي كل منهما لبيئة معينة، ولحقبة تاريخية خاصة. وبالتالي فبناء النص يهرب الحكي من دائرته الضيقة نحو مجال ارحب متخيل ( برزخ الأرواح) بحيث نلمس حوار حضارتين، وكاتبين امتازا بسخريتهما اللاذعة. ونظرتهما الخاصة للمجتمع، بإبداعهما المميز. هذا اللقاء الافتراضي هو في الواقع حوار للأدب في عمقه الساخر واللاذع، من خلال اسقاطاته العديدة والبليغة .
كما نلمس تناصا أخر في نص " الكاتوبليباس " ص 16 من خلال ما تبرزه حاشية النص وهي تقدم تفسيرا لماهيته، باعتباره مخلوقا يلتهم نفسه بادئا بقدميه، كما تكشف نفس الحاشية مصدره في رواية لفلوبير " إغواء القديس أنطوان" واشتغال بورخيص عليه في مرجع " مملكة الحيوان المتخيلة " فالنص بقدر ما استلهم الشخصية ستتبلور معالمها انطلاقا من سياقه، لتعكس نهاية غريبة جدا يقول السارد " مرة لم يستطع " الكاتوبليباس " أن يلتهم نفسه فسرع في ابتلاع كل ما حوله، حتى لم يتبق من شيء. أخيرا بدأ يشك في أيهما موجود، هو أم العدم ؟ "
إن هذا التشذير يدفع ببطل النص إلى إبراز سؤال قاتل يقف به على حافة الشك من ذاته، ونفسه وماهيته بالمقارنة مع محيطه الفارغ، سؤال يجعل الكاتوبليباس " غير متردد في محاولة التهام نفسه في النهاية.
فالتناص بقدر ما استلهم من الأسطورة والرواية، سنلمسه حاضرا بقوة كذلك مع المسرح من خلال نص " بجماليون وامرأة السيليكون " ص 31 بتوظيف واقع جديد للكشف عن علاقة البطل بامرأة سيليكونية مبررا طبيعتها، واختلافها مقارنة مع نساء واقعيات، لتتحول لامرأة تحقق سعادته. لكن نهاية النص ستكشف عن تعاسته وهو يرغب في تحقيق استمراريته يقول السارد " راح يفككها من جديد، يعيد ويبتكر، ويشكل أعضاء أخرى، وفي كل مرة كان يغفو وينام بالقرب منها متوسدا أطرافها المفككة ليحلم بذريته الالكترونية من شتى الأجيال المتطورة تدرج وتلعب في أرجاء البيت " ص 31
وسنلمس توظيف التناص الديني من خلال نص " أدم وحواء" ص 17 تناص بقدر ما تحيل العتبة عليه في قصص القرآن والمرجعيات الدينية، تعمل بلا هوادة على فتح مسار جديد لها، من خلال طرح إشكال الرغبة في العودة إلى الجنة. فالحوار في النص تبرزها كرغبة ذاتية وفردية لآدم الذي تخلى عن أملاكه الدنيوية عوض أملاكه الأخروية كمكافئ لتوقع حدوث خيانة مستقبلية .وهو ما يجعل حيثيات النص تفصح عن نفسها انطلاقا من مقدمته يقول السارد:
- تعالي نطلب من الله الصفح لنعيد ما أفسدناه - وتقسم ألا تخونني أو تتزوج سواي، وأن تسجل باسمي كل قصورك وأملاكك بالجنة، وأن.. قاطعها: ؟؟؟ بل أفوت لك كل أملاكي على الأرض!" ص 17
فتكفير آدم وحواء ظل مشوبا بالحذر بعد حادثة " التفاحة " والخروج من الجنة وما سمعه من حلم بالعودة بتحوله من حلم جماعي كما في ( بداية النص) إلى فردي كما في قفلة النهاية.
3) الميتاسرد
نلمس تحريك لآليات السرد وتضمين العديد من التقنيات داخل قوالب سردية متنوعة كما في نص " فوق كل قلم ممحاة متأهبة " ص 35 و " بيت من أعواد الثقاب " ص 34 لإبراز ذاتية الكاتب داخل النص من خلال الاشتغال الميتاسردي الواعي الذي يورط كل أطراف لعبة الكتابة داخل بوتقة نص واحد، توريط يبدو سلسا وخفيفا في بعض الأحيان من خلال إشارات سريعة كما في نص " بيت من أعواد الثقاب " بإبراز شخص مبهم . يقول السارد " بأعواد الثقاب، وبإتقان قل نظيره، بنى بيتا صغيرا، بحديقة غناء، وبضربة خفيفة مربتا على السيقان الخشبية، ساق الزوجين نحو الداخل...ككل الأزواج، تشاجر الزوجان تشابكت الأيدي، وترافست الأرجل، واحتكت الرؤوس..احتد الموقف، فانفجرت قواعد البيت نارا، مثنى وثلاث ورباع...فر الزوجان برأسين مشتعلين وسط الفرقعات، في محاولة لجلب الماء من بئر الحديقة، فلم يجدا بدا من أن يرميا بنفسيهما في قاعه. أطل بعينه الكبيرة ليجد الجثتين تطفوان متعانقتين، وقد تفحمت بعض أطرافهما"ص 34 في حين أن شخوص النص لا يزيد عن إثنين. أما في نص " فوق كل قلم ممحاة متأهبة " فنلمس تدخله لحسم الصراع بين شخصي الرواية المتعاكسين والذين رفضا البحث عن توافق بينهما ,يقول السارد " وحين لم يتواددا، ويتواعدا، قلب قلمه الرصاصي وبممحاته المتأهبة محا أثرهما قبل أن يكسره " ص 35
في حين يبرز الاشتغال الميتاسردي في نص " انتحار الكاتب " ص 27 من خلال فتح الحدث على أفق جديد بتدخل شخوص النص في تحويل مصيرهم ونهايتهم بعد أن تردد الكاتب في كتابة نهاية قصته يقول السارد " كان تردده محيرا، كيف سيضع نهاية حاسمة لشخصيته ؟ أيتركها تنتحر في آخر المطاف لترتاح، أم سيدعها تحيا لتواجه مصيرها دون ملل؟ هكذا نقح القصة على ورقة ودسها في جارور المكتب بلا نهاية " ص 27
وسيتدخل بطل القصة ويقلب كل الموازين يقول "السارد" "دخل شخصه الغرفة، وتقدم في تؤدة ..نحو الدرج، يأخذ الورقة من جيب منامته، ويضع بدلها ورقة أخرى كتب عليها : « ثم نظر إلى أعلى في حيرة وحزم استسلم وهو يلف أنشوطة الجبل حول رقبته» " ص 27
فالشخصية القصصية ستدفع بالكاتب للانتحار وتحديد نهاية النص مرغما، وهو ما تبرزه قفلة النهاية " نفذ الأمر بسرعة وهو يكز الكرسي من أسفل قدميه " ص 27
4) القصة القصيرة جدا والأنسنة
تعمل المجموعة على رصد تفاصيل الأشياء، وترجمة أحاسيسها وردود أفعالها اعتمادا على مقاييس إنسانية. فالأنسنة هنا نتاج تفاعل رهيب بفعل ما يشبه الحركة العفوية أو العجائبية في تداعيها المعتاد، لكن استنطاقها يملكها روحا على شكل ذبذبات يتم قراءة انعكاسها في مرآة الروح .
في نص " همس الماء " ص 8 يبرز هذا الطرح والبطل يستنطق لحظة اصطدام الحجر بالبركة مع ما ينتج عن ذلك من تداعيات تكشف جوانب خفية في الطبيعة يقول السارد " ثمة اشياء يقولها الماء دون أن ندركها قط .لذلك يكرر ذبذباته المائية المتموجة كلما باغثه ما يشبه الحجر " ص 8
وتبلغ الأنسنة مداها في نص " cache cache" ص 10 من خلال رصد علاقة الموت بالحياة خارج مفهومهما الميتافيزيقي. فالأنسنة بقدر ما تلعب على التجسيد والتصوير والاستنطاق تكشف في الواقع تضاربا صادما بين مفهومي موت مجسد في صورة لص مخادع، والحياة في صورة امرأة متسولة. في حين يتحول المكان المرصود إلى حديقة عمومية من خلال ممارسة لعبة الغميضة بين فردين تنتهي بعد المراقبة والترصد بالحتف .
إن الهيئة المستضعفة التي تتخذها الحياة ترتقي بالمفهوم البسيط إلى مفهوم فلسفي باعتبارها ( الحياة ) امرأة عابرة للسبيل تتحقق نهايتها المفجعة ركنت إلى الدعة والاستسلام، كما تتحول الجثة إلى طريدة بنهايتها تلتف حولها القطط أو الكلاب الضالة كقمامة غير ذي جدوى .
إن هذا الطرح يعمل على تذويت الحكي وبالتالي تهريبه نحو أفاق من التخييل والاستبدال المفاهيمي عبر الأنسنة بقصد التهويل من فظاعة الأشياء. وبالتالي إبراز مطاردة الموت اللصيقة للحياة داخل فضاء محدود " الحديقة " .
في حين يتم المرور إلى توظيف الأنسنة عبر شخوص مألوفة من الحيوانات كما في نص " مقايضة " ص 12، " وتمساح والبقر الوحشي " وبالتالي ابراز نظرة كل منهما للآخر. وهو ما يعري عن واقع حياة يسودها الفتك والصراع من أجل البقاء يقول السارد "
قال بقر وحشي للتمساح :
- أراك تمتلك عطشي
فرد عليه التمساح دامعا :
- بل أراك تمتلك جوعي " ص 12
وإذا كان النص السابق يوظف الحوار القصير لاختزال مساحات من السرد والصوف، فإذا كان النص السابق يوظف الحوار والوصف لاختزال مساحات من السرد، فإن نص" السنونو والسهم "ص 14 يلعب على الترميز لإبراز مفهومي ( الحرية / والعبودية ). من خلال ما نلمسه في نهايته من حكم بليغة. فالعبد مهما ظل خاضعا وطيعا في خدمة سيده ومتفان في إرضائه تظل جهوده غير ذي جدوى، وغير مقنعة في النهاية. وهو أمر يكشف على لسان السنونو، يقول السارد " ولكني حر ، أما أنت أيها المطيع الأعمى سرعان ما ستنكفئ خائبا عند سيدك، لن تقبل بك السماء أبدا، سواء أصبت أم أخفقت " ص 14 وهو ما سنلمسه فعليا بعد إصابته للسنونو ذات رمية طائشة بحيث سيستشيط السيد غاضبا. يقول السارد " أيها الأخرق من أجبرك على إصابة سنونو صغير، حتى أنه لن يشبع معدة كلبي " ص 14
إن الكشف عن طبيعة العلاقة بين العبد والسيد ، تبرز بوضوح في أكثر في نص " الكركة" ص 15 كتحول في المواقف والمواقع، بين الضعف والقوة، والعبد ينتقم من سيده اليائس، المتوسل وقد أغراه بأمواله وثرواته من أجل إنقاد حياته يقول السارد " أنا مصمم، أسف سيدي، لقد حلت الكركة بقوة هذه المرة ..نذب السيد حظه مستسلما وهو يتطلع إلى لجة النهر، فيما كان العبد يتهيأ لتنفيذ كركته " ص 15
5) القصة القصيرة جدا والرؤية إلى العالم
_ الحفر في نفسية الشخوص
تبدو شخوص هذه المجموعة مهووسة جدا بذواتها إلى درجة انشطارها. إنشطار يكشف اهتزازا وعدم ثقة في النفس، وبالتالي انعزالا رهيبا. في نص " رجل المدينة السفلية " ص 13 نكتشف كيف أن بطل النص سيشيد بيتا أشبه بالقبر بدون نوافذ، وبدون أبواب، يقول السارد " حرص أن يكون بلا نوافد ولا أبواب، أغلق على نفسه الجدران ..منفذه الوحيد هو باب أرضي ينزل من خلاله إلى نفق عميق تتفرع عنه أنفاق أخرى " ص 13
إنه انفتاح على عوالم سفلية مظلمة هندسها وفق مزاجه لتكون مدينته الخاصة " شوارع بنايات ومرافق عامة، مدينة تكون خاصته، يتجول فيها متى استبد به الضجر في بيته العلوي " ص 13
إن طبيعة البطل الانعزالية بقدر ما تكشف عن خلل في منظوره واستشرافه للمستقبل تؤكد نوعا من الخبل والجنون. فالاختلال النفسي يكشف بدوره نوعا من الرؤية للعالم في هذه القصص القصيرة جدا، كما يبرز ذلك نص " العجوز المتسولة " ص 5 من خلال حياة فئة اجتماعية تعيش على الهامش منبوذة ومحتقرة في نظر الآخرين، في عالم لا مكان فيه إلا للأسوياء. في حين تبرز حياتها الخاصة تشكل عالما آخر وهي تحيا حياتها السرية التي تنعم فيها بالكثير من الاطمئنان، رغم بؤسها وشقائها القاتلين. عالم متشكل من المحتويات التي تحملها في " صرة " لا تفارق ظهرها يقول السارد" تجوب الشوارع، ترتاد المقاهي الشعبية على ظهرها صرة متورمة. في المساء تفتحها وتعاين من خلالها عالما يتعفن ..والكثير من الأشياء التي تصلح أن تكون متحفا لحياة عبثية ..تلمها بمزيد من الحرص تتوسدها لتحلم بمزيد من الذكريات " ص 5
في حين يبرز الرهاب كمرض نفسي نتيجة للخوف كما في نص " الهارب " ص 13 من خلال ما يتسبب فيه من متاعب للمريض. هكذا يبرز سارد نص " الهارب " ص 13 كيف تم توريط بطله واتهامه بجريمة لم يقترفها. وبالتالي اعتقاله ومحاكمته دون القدرة على الدفاع عن نفسه، لكون تفكيره الوحيد " كان هو إيجاد فرصة للهرب من جديد" ص 13 .
إنها نصوص تعمل على الكشف عن الطبيعة النفسية في مختلف حالاتها من خلال اللعب على التجسيد عبر ما تفرزه اللغة الواصفة من تداعيات وصور تبرز تحققها بشكل فعلي رغم استحالتها واقعيا أحيانا. وهو ما يعري عن بذور حنون كما في نص " توحد" ص 3 حيث يكشف السارد عن أسباب تقوقع بطله وبالتالي استنتاج ظروف حالته وأسبابها. فالنصوص تبدو وكأنها تحفر لها ممكنات كتابة خاصة نابعة من تخييل رهيب يتم عبره الكشف عن الاختلال النفسي والخلل الطبيعي كذلك. كما تبرز عتبة المجموعة " ورقة عصية " ص 5 كيف يتسبب الخوف في كوارث غير متوقعة تكون لها انعكاسات وخيمة . فالبطل..جمع كتبه ومذكراته الممنوعة وأضرم فيها النار، وخوفا من ( اندلاعها ) سورها جيدا لكن" ورقة وحيدة، ورقة شامتة عصية طارت في الهواء، وأتت على الغابة المجاورة " ص 5 فالرمزية هنا تبرز نوعا من تحدي الرقيب ومضايقاته، تحد بقدر ما أرعب البطل عملت بعض أشيائه على تكسير خطوطها الحمراء وبالتالي إحداث ثورة حارقة .
6 ) التشكيل القصصي مدخلا للعوالم العجائبية والغرابة
تبرز بعض نصوص المجموعة شعرية خاصة سواء على مستوى اللغة، أو السرد، فالحكاية تتشكل معالمها أحيانا ارتكازا على الوصف، واعتمادا على الربط بين معطيات اللوحة في سيرورة تشكلها توازيا مع السرد القصصي الذي يخلق عوالم جديدة مفعمة بالحركة والحياة . وانطلاقا من بعد آخر كالحلم مثلا يسمح بتشكل امتداد فضاءات غير متحكم فيها . وهي تفتح ممكنات الحكي إلى أبعد الحدود نحو مسارات مليئة بالغرابة والعجائبية كما جاء في نص " رجل جرفته أحلامه " ص 8 حيث نلمس كيف أن بطل النص سيصبح ضحية لأحلامه من خلال ارتكاب خطأ في حساباته، وهو يرسم البيت الجميل،، ليتحول الأمر إلى نقمة ستجرفه داخل حلمه مع تيار نهر جارف فاض دون أن يرسم له سدا .
إن الربط بين قراءة اللوحة وتداعياتها في بناء النص القصصي بقدر ما فتح أفق القص على عوالم الفنتاستيك حولها إلى نص نابض بالحياة والحركة والجنون واللامعقول .
فالارتكاز على مفهوم الغرابة سنلمسه يتكرر في نص " الحوت والأكواريوم " ص11 حيث يلج القارئ إلى عوالم متحررة قبل أن يتحقق فيها كل شيء، عوالم ينتفي فيها الثابت، والمطلق، يقول السارد " بعد لأي، اصطاد حوتا ضخما أدخله في أكواريوم صغير ثم جلس يتملى المشهد على ورقته " ص 11
فالنبش في حيثيات النص تبرز العديد من التناقضات حول القدرة والقوة وتحقق الفعل، وهو ما يجعل ثوابتنا تهتز أمام هذا الطرح ما لم نكن على وعي بمدى المقلب الذي تضمره كتابة من هذا النوع ومعرفة أهدافها ومراقيها في تشكيل أبعاد أخرى. في حين نلمس أن نهاية النص ستعصف بتوقعاتنا وهي تحيل من خلال السياق أن البطل يتملى فقط في مشهد على ورقته " ص 11 مشهد يحيلنا على رسوم الأطفال التي تنتفي فيها الى الحلم والأبعاد المنطقية وتقصي من حسابها الواقع والمنطق وهي تعكس إسقاطا وتمثلا للأشياء بنوع من البراءة والعفوية .
7) الطفولة في ورقة عصية
يشكل عالم الطفولة مجالا للانفتاح على عوالم الحلم والتخييل الواسع، الذي يتجاوز القيود المفروضة على الذات بشكل غير معهود. وهي تشكل عوالمها الخاصة بقناعات مخالفة. في نص " طفل الجبهة " " ص 7 يتحول أسر الطفل من طرف أمه بسبب الحرب إلى جبهة أخرى داخل غرفته، وهو يعد العدة والعتاد من أوراق دفاتره يصنع صواريخ يدفع بها عبر النافذة نحو الخارح متوهما أن الدوي الذي يحدث في الخارج من فعلها " فيمتلئ حبورا لصنيعه لاعتقاده أنه أصاب الهدف "
فالمجال المحدود ( الغرفة ) لم يمنع مخيلة الطفل من تجاوزه نحو فضاء أرحب للمشاركة والإحساس بترددات وهمية شكلت منه جنديا مشاركا في جبهة.
هكذا تجنح المخيلة بالطفل الصغير إلى تحقيق أهدافه وإرواء فضوله وغرائزه في اللعب، رغم القيود المفروضة عليه .
في حين نلمس في نص " خلوة " ص 16 سفرا نحو عالم بدون موانع، من خلال تحقق ذات الطفل المنهك في انجازاته الغريبة باعتباره قاتلا ومجندا في نفس الوقت دون إحساس بالملل والكلل، وهو ما يعكس لذة وتماه مع ألعابه وعوالمه يقول السارد " بلا هوادة كان يدهس بسيارته جحافل النمل المتناثر، بعدها ينقل الجرحى في سيارة إسعاف، والموتى في أخرى للأموات يفعل ذلك مرارا " ، إن طرح هذا المقطع من النص لا يبرز مفارقته القوية وبالتالي يبقى الحدث طبيعيا في سياقه الذي لا يقيم حدودا أو تميزا داخل عوالمه. في حين تكشف قفلة النص تلاعبا رهيبا بالقارئ وهي تسحبه من عالم الطفولة وبراءته نحو عالم آخر مليء بالتواطؤ الصامت والرغبة الجارفة يقول السارد " حين يعنفه الأبوان ويدعوانه للعب بالجوار كلما رغبا في خلوة القيلولة " ص 16
Cool التضمين في القصة القصيرة جدا
توظيف النكتة
يبرز توظيف النكتة في نص " البقدونس والعولمة " ص 22 من خلال الإشارة إلى طبيعة العولمة القاتل والجارف. فإذا كان الحوار يتم بكثير من التوضيح لمقاربة مفهوم العولمة بالنسبة لإنسان عادي ( بل أمي ) انطلاقا من معطيات ملموسة اقتصاديا، فإن دلالته العميقة تظل أكثر وقعا كقوة يصعب التصدي لها، يقول السارد " أتعرف يا عم، لماذا بلغ سعر البقدونس درهمين ؟
-لا يا بني
- إنها العولمة ، ألا تعرفها ؟
- لا طبعا ، ولكن ليخزها الله ..أليس فيكم رجل يوقف هذه السافلة عند حدها ؟
انسحبت وأنا أمرطه ببعض الدريهمات،
- لا يا عمي ، إنها امرأة حرون " ص 22
توظيف الحكاية
يبرز توظيف الحكاية من خلال نص "الخاتم " ص 36 للكشف عن واقع التهور والتسلط والاستبداد، وعن عاقبة مقترفيه. فالنص بقدر ما يستلهم روح الحكاية وقالبها يعمل من جهة أخرى على تقديم العبرة والحكمة البليغة مبرزا عاقبة المستبد، وما يطوله من أذى كنتيجة لما اقترفته يده وعمل على انهيار سلطته وملكه .
توظيف اللغز
يتم توظيف اللغز في نص " وصية أخيرة " ص 32 ونص " فوات الأوان " ص 37 بهدف الدفع بالقارئ إلى إعمال عقله وتفكيره عبر تتبع مفاتيح / ألغاز أولية مترابطة للكشف عن الحل. فالنص الأول " وصية أخيرة " يبرز دون تقديم محدد بل يفتح السارد علبة السرد ويقدم وصاياه وتعاليمه بشكل مباشر في إطار من الترابط بين وصايا ثلاث متداخلة كمن يفتح علبة داخل علبة وهكذا..معتمدا لغة تراثية وعظية بضميرها المخاطب، في بناء لغزي يمزج بين متعة الكشف عن مسألة، وبين المراهنة على البعد الأخلاقي والمنطقي، وأيضا تقديم بنية قصصية مغايرة في شكل عوارض تنسجم ومضمونها، دون التفريط في خلق توتر على مستوى الحبكة شدا وتشويقا للقارئ، يقول السارد : - إذا لم تفلح في تذكر تفاصيل الوصية الثالثة، عد إلى الوصية الثانية.
- إذا لم تستطع أيضا مع الوصية الثانية، حاول تذكر ما فاتك في الوصية الأولى.
- إذا خانك التفكير مجددا، اعمل فكرك في ما راعك في الوصايا كلها، ولو بخيط واه مما تدلي به.
- انفذ إذا اتضح لك منها مما يثير حفيظتك أو يشرح صدرك.
- رتب ما علق بذهنك، وكأنك حافظ لما تسلسل من الوصايا السابقة، متفحصا متفرسا كما الواثق بما مر به، وحسبك الآن تعمل عقلك وتفكيرك بين يديك محاسبا وحاكما.
- ها قد أيقظت بصيرتك، فنفذ ما عنﱠ لك بأول زر من أزرار حواسك، وهذه هي وصيتي الأخيرة.

في حين نلمس في نص " فوات الأوان " ص 37 بناء ملغما يتطلب تفكيكا لأجزائه للكشف عن كنهه وعمقه لاستخلاص العبر ، يقول السارد " نام طفلا ، استيقظ شيخا ، احتار ..أخيرا أدرك أنه لا يتذكر شيئا من شبابه سوى أنه الآن أكثر تمرسا بالحياة ، لكن بعد فوات الأوان " ص 37
توظيف فن التراسل
نلمس توظيف فن التراسل في القصة القصيرة جدا من خلال سياق تراتبي في نص " رسالة " ص 39 ما يحول النص مبنيا على استخلاص الحكمة بتقنيات كلاسيكية ، وهو ما يفعم النص القصصي بمسحة تراثية . هذا الاشتغال يجعل مضمون النص موجها من الذات نحو الذات، ومن الشيخوخة نحو الشباب على شكل مواعظ وحكم تقدم بشكل ملتبس في البداية ثم سرعان ما يتم تفكيك معناها من خلال تضمين خيط رابط بين مكوناتها الغامضة، يقول السارد:
سلام عليك وأنت تكبر
وبعد، أقبلْ علي، ولا تفارق ثلاثا، مرآة وكيس تراب وهدهدا؛ فأما المرآة، فارفعها جانبك لألا تنسى ما فاتك من العمر وتعتبر؛ وأما كيس التراب فاحمله على ظهرك كشاهدة لك، واجعل فيه ثقبا يخط حياتك السالفة، ولا تستبدل التراب تبرا فيطمع فيك الطامعون، فينمحي أثرك حين تزمع على مراجعة دربك؛ وأما الهدهد فابعثه قدما من حين إلى أخر، سيكون الرسول بيننا...
فاعمل بنصيحتي، فصلاحي من صلاحك، انتظرك على قمة العمر. شيخوختك" ص 39
توظيف الإعلان الاشهاري والرسالة القصيرة ( sms)
يعمل القاص سعيد السوقايلي على توظيف صيغ الإعلان الاشهاري للتعريف بالقصة القصيرة جدا، من خلال الكشف عن كنهها وخصائصها، إعلان بقدر ما وجه للكاتب يوجه ضمنيا لشريحة واسعة من القراء، نظرا لما يتضمنه النص من إغراء وتحفيز يقول السارد "في إطار العولمة الأدبية، تلفت شركة أدبية مؤقتة الاسم (ق.ق.ج) عنايتها إلى جميع الأدباء أنها طرحت في الأسواق الأدبية، التي تعرف تنافسا عشوائيا قويا منتجها الجديد، وهو عبارة عن كبسولة أدبية صغيرة تصلح لجميع الهذيانات التي تنتاب كتابنا الأعزاء لحظة الكتابة، كما نعلمهم أنها غير مكلفة، لاحبرا ولا ورقا ولا وقتا، بل تحتاج فقط إلى عين ثاقبة وتأمل وامض حين يحدقون من خلالها" ص 40
وإلى جانب الإعلان الاشهاري تتخذ القصة القصيرة جدا مساراتها الجديدة من خلال وسائل الاتصال المعاصرة المتداولة كالرسالة القصيرة ( sms) عبر الهواتف النقالة بين الأصدقاء والكتاب على السواء نظرا للحيز الصغير الذي تحتله مساحتها ولإغرائها كذلك كاشفا عن هشاشتها يقول السارد "
صديقي العزيز
افتح علبة رسائلك ستجد فيها آخر قصصي القصيرة جدا ..رجاء احترس عليها من القط الرقمي في لعبة هاتفك الخلوي ..محبتي " ص 40
9) الكتابة السير ذاتية
يبرز نفس كتابة سير ذاتية في نصوص القاص سعيد السوقايلي من خلال استرجاع سارده للعديد من اللحظات المنفلتة من عقال الزمن ، لحظات تكشف عن طبيعة الفعل الكامن في نفس الراشد ، طفل يرفض أن يكبر . فالبطل وهو منصاع تحت إلحاح رغبات ابنه بالقوة ، وبتأثير العاطفة سيتملكه إحساس غريب وهو ينفخ في بالونات ملونة سرعان ما سيعمل ابنه على فرقعتها . وكأن ذلك الأخير يجهز على ما تبقى منه حدث هذا في نص(معادلة مجهدة).
إن هذا الاحساس يكشف عمق الانصياع بالإكراه والاحساس بالتلاشي ضمن معادلة مجهدة، وكأن امتداده يعمل على تصفيته بالتقسيط .
السخرية في القصة القصيرة جدا
تبرز السخرية والمفارقة في العديد من النصوص منها نص " فيلسوف متقاعد " ص 18 ، بحيث نلمس الاحالة على سذاجة تفكير بعض الفلاسفة أحيانا في تذرعهم بأعذار واهية من خلال مواقف حياتية بسيطة تواجههم . فبطل النص في ممارسته الميكانيكية لحركة المظلة ستبرز حيرته الخاصة وقد استعصى عليه حلها نظريا ليرجئ الأمر إلى إشكال ابستمولوجي بين العقل والمظلة .
فروح المفارقة تكمن في طبيعة الإشكالية وحديها ما يحول المظلة طرفا بدل الذات المتأملة والحائرة .
في حين نلمس معالم سخرية أخرى في نص " خطاب إلى الموتى " ص 4 من خلال الارتكاز على مفارقة في البناء يجعل من الموتى أعلى مرتبة من الأحياء في خنوعهم. لكنه سرعان ما سيستدرك، ما حز في نفسه غياب الاطراء الناتج عن التصفيق الذي سيقدمه كملاحظة تفرغ النص من بدوره وهالته في مرآة النفس البشرية الميالة إلى المدح والإطراء على سلوكها وتصرفها الأجوف في إشارة واخزة إلى واقع الممارسة السياسية المليئة بالنفاق والاستخفاف وعدم الفعالية . ونلمس السخرية من المعتقد في نص " ايمان الهوائيين " ص 17 وكذلك نوازع البشر في البحث عن مفهوم الخالق القوي الذي تفوق قدرته البشر بحيث نلمس منظور تفكير أبطال النص في إيمانهم الملموس بقوة الأشياء والظواهر بعيدا عن التفكير أو التساؤل عن خالقها يقول السارد" نصبوا خيامهم، فجاءت الريح واقتلعتها...، تعبوا ولم تتعب الريح، فآمنوا بما تهب به الريح." ص 17
وتبرز السخرية الممزوجة بانتقاد مريع للحرية في نص " بمحض الصدفة " ص 4 في إشارة عميقة إلى نوعية الأفراد الذين ينبتون في بعض المدن التي بدورها تعرف توسعا عمرانيا عشوائيا في هوامشها . فالسارد بقدر ما يرصد حدثا مأساويا لا يتورع عن إبراز تداعياته الأولى ومسبباته الغريبة التي تخلفها الصدف أحيانا . وما ينتج عنها من سلوك غير حضاري يفرزه الإقصاء وغياب التربية والحس البيئي والاعتداء الجسدي المؤدي إلى الموت .
10) التأمل الوجودي
يبرز الطرح الفلسفي حول مفهوم الحلول ، في القصة القصيرة جدا من خلال تردد أفعال بوثيرة عالية، فضمور النص بقدر ما تضيق فيه المساحة للتأمل والتحليق الفلسفي لاستكناه مضمون قد لا يستوى دون ربطه بعتبته.
فمهوم الحلول تبرز تجلياته من خلال الاستمرار في حياة أخرى وعبر جذور الشجرة التي زرعت بذرتها في قبر الهالك لتشكل منه خلاصا له بعد أكل الطيور لثمارها . وهي تحلق عاليا كما في نص " حلول " ص 3 يقول السارد " زرعوا في قبره بذرة، مدت جذورها عبر ثراه حتى صارت شجرة . ولما أكلت الطيور ثمارها وطارت، حلق معها عاليا ".
في حين يتحدد مفهوم العالم من خلال نص " الدجاجة " ص 7 ، حيث نلمس أن عامل التخييل القصصي لعب بقوة في تشكيل الواقع وتعويض معطياته الملموسة بأخرى محسوسة تجرف كل الموانع لتعكس منظورا للحيوان مثلا من خلال سلوكه في حركة دؤوبة ظاهرها البحث عن القوت اليومي ، وباطنها ترجمة الإحساس الداخلي بعيدا عما يعكسه واقع الأشياء . فالدجاجة في انحناءاتها وهي تلتقط الحبوب يبرز أداء حركتها " أشبه بصلاة، بخشوع حثيث هي غير معنية بشيء، فالعالم برمته في نظرها مجرد حبة كبيرة، تتلقفها ككلمة لتترجمها إلى بيضة تحضنها بدفء وحب." ص 7 . هكذا يصبح العالم بيضة نابضة بالحب في نظر الدجاجة وهي تمارس طقوسها يوميا بشكل حثيث بدء بحبة ثم حبات ليتحول في العتمة إلى كائن منتظر .
سؤال الحرية
يبرز مفهوم الحرية في نص " سجن رحيم في الهواء الطلق " ص 25 ، مفهوم لا يتحدد إلا من خلال الحرمان منها بالسجن , فبطل النص بقدر ما يبرز ثقلها داخل المدينة التي يعيش فيها الحرمان دون كرامته وهو ما دفع به إلى البحث عن مكافئ لطلبه بالبحث عن فضاء أرحب يضمن له قوت يومه والعيش على سجيته باختياره الغاب . يقول السارد " آثر أن يقصد الغابة والأدغال على سجن آخر يدعوه المدينة . هناك سيطهر روحه من الناس أجمعين " ص 25
وسنلمس كيف يتشكل هذا المفهوم من خلال نص يحمل نفس العنوان "حرية " ص 10 من خلال خطاب وجهه أحد المتشردين الذين أودعوا دار العجزة إلى صديقه يقول السارد " صديقي المتشرد ، لقد أودعوني دار العجزة، العيش هنا رغيد ، بيد أني أفتقد كل شيء "
إنه نص مفتوح كالجرح على بياض وحذف يضمر في طياته سؤال الحرية الرهيب ، في ظل الخضوع للضوابط والقوانين لبعض مؤسسات الإيواء وهو ما يبرز صعوبة التكيف مع المجموعة غير المتجانسة في ظل الإحساس بالحرمان من الحرية ذاتها وغياب الدفء والألفة .
سؤال الموت
يبرز سؤال الموت من خلال اللعب الميتاسردي في نص " انتحار كاتب " ص 27 ، " وفوق كل ممحاة قلم " ص 35 ، و" cache cache"، عبر الانسنة . لكننا نلمسها بشكل جلي في نص " انتحار صوفي " ص 26 ، سؤال تحدد عبر مفهوم الانتحار الإرادي، وانطلاقا من انكسار الذات وتداعياتها وهي تنهار وتتلاشى شيئا فشيئا . هكذا يبرز السارد مفهوم الموت من خلال تشريح اعتقاد بطله " هكذا اعتقد وهو يمسكها ليعيش خالدا في أعماق المحيط " ص 26
على سبيل الختم
لقد استطاع القاص سعيد السوقايلي في مجموعته " ورقة عصية " تقديم منظورات عديدة سواء للكتابة القصصية وتقنياتها ، وماهيتها وتوظيفها ، وبالتالي المنظور إلى العالم المشكل داخل قطراتها الضامرة والجارفة ، أو من خلال طرح العديد من الأسئلة الواعية التي جاءت مضمرة أو جلية ، من خلال الحفر في نفسية شخوص نصوصه للكشف عن خلل ثاو في طبيعتها وتركيبتها . فالمجموعة بقدر ما راهنت على طرح المنظور الخاص للكتابة القصصية القصيرة جدا ، أبرزت وعيا وحسا نقديين وبعدا في التناول والتضمين ، والتوظيف المتعدد ، والتشكيل الراقي نزوحا نحو البحث عن نص مغاير مفعم بالتأمل الفلسفي والوجودي أو الذاتي . وخلق حوار بين نصوصه ونصوص أخرى دون أن تفقد الحكاية ملمحها أو لحمتها، من خلال الانفتاح على توظيف اللغز والحكاية والنكتة والخطاب الاشهاري والرسالة والسيرة والمسرح ..بروح ساخرة عكست الموقف من العديد من المفاهيم كالموت والحرية والانفصام ....وهي تواجه بالنقد والسخرية النقائص والعيوب للكشف عن فظاعة العالم . كما تبرز أسئلة القصة القصيرة جدا الأكثر جدلا وهي تضعها في قالب قصصي بحجم الكف للنقاش والمساءلة، والتشخيص عبر تقنيات عديدة كالتناص، والميتاسرد، والأنسنة باعتماد مداخل عديدة كالعجائبية، والغرائبية، والخرافية، والتلغيز ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سعيد السوقايلي. ورقة عصية. قصص قصيرة جدا، سلسلة إبداع، منشورات وزارة الثقافة بالمغرب، مطبعة المناهل الرباط سنة 2013




http://www.qabaqaosayn.com/sites/default/files/%20%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%20%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%B7%D8%A9_0.jpg?1364079809


*

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الخميس سبتمبر 11, 2014 12:28 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: «ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد أسئلة القصة القصيرة جدا على المحكركاطة   الإثنين مايو 27, 2013 4:40 am

admin كتب:
«ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد ركاطة
المساء نشر في المساء يوم 27 - 03 - 2013

عن دار الوطن صدر للقاص المغربي حميد ركاطة مجموعة قصصية قصيرة جدا في 128 صفحة من القطع المتوسط بإخراج فني بديع لنجية الحبشي وإهداء وقراءة في المجموعة القصصية لجاسم خلف إلياس، الذي يقول إنه يسعى إلى
كشف مغامرة الحكي الجمالي من خلال مساءلة النصوص والتوغل في شعريتها وطاقتها التدليلية وإحالتها المرجعية وتقديم آخر للناقد المغربي محمد رمصيص، مؤكدا على احتفاء المجموعة بالسخرية وذلك باللعب على مضايفة المعنى المتوقع للمعنى غير المتوقع، حيث تستدعي الغموض والالتباس وبرهانها على النقص والندرة تسخر من المحكيات وتؤسس لطباق أنواعي يروم تشييد قص مضاد، قص له مخرج جمالي لمأزق النص التقليدي.. وهي المجموعة الثانية بعد الأولى (دموع فراشة).
من نصوص المجموعة: رجل النبيذ، انفصام، إعادة، تأهيل، صلاة، جنازة، غباء، ثورة العبيد، حوار العربة والكراسي، ثقب، الورثة، فوضى...

*

عن دار الوطن في المغرب صدر للقاص المغربي حميد ركاطة
مجموعة قصصية قصيرة جدا في 128 صفحة من القطع المتوسط بإخراج فني لنجية الحبشي وإهداء وقراءة في المجموعة القصصية لجاسم خلف الياس، الذي يقول انه يسعى" لكشف مغامرة الحكي الجمالي من خلال مساءلة النصوص والتوغل في شعريتها وطاقتها التدليلية وإحالتها المرجعية" مع تقديم آخر للناقد المغربي محمد رمصيص مؤكدا على "احتفاء المجموعة بالسخرية وذلك باللعب على مضايفة المعنى المتوقع للمعنى غير المتوقع حيث تستدعي الغموض والالتباس وبرهانها على النقص والندرة تسخر من المحكيات، وتؤسس لطباق أنواعي يروم تشييد قص مضاد ، قص له مخرج جمالي لمأزق النص التقليدي"..
وهذه هي المجموعة الثانية لركاطة بعد الأولى" دموع فراشة ".
من نصوص المجموعة: رجل النبيذ، انفصام، اعادة، تأهيل، صلاة ،جنازة ،غباء ، ثورة العبيد ، حوار العربة والكراسي ، ثقب ، الورثة ، فوضى ...
من نصوص المجموعة نص "غرام" ص34 :
طفل يتحسس بيد صغيرة جهة قلبه ، يتساءل مذعورا :
أين قلبي ؟
يلف حول نفسه
يفتش في جيوب وزرته
لم يجده
يتنهد عميقا ، عميقا جدا،
ينظر الى الجالسة بقربه

كانت على ورقة تغرس في قلب صغير سهما اسود فينزف قبلات
ح..
م..
ر..
ا
ء....


http://www.qabaqaosayn.com/sites/default/files/%20%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%20%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%B7%D8%A9_0.jpg?1364079809


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حميد ركاطة: استثمار طاقات اللغة   الأحد سبتمبر 22, 2013 1:24 pm


في النقد التطبيقي للقصة القصيرة جداً (6)

حميد ركاطة: استثمار طاقات اللغة

ومحاولات التجديد الشكلي

د. يوسف حطيني

ونحن نقف إزاء القاص والناقد المغربي حميد ركاطة، في عمل قصصي من تلك الأعمال التي يستند فيها إلى ثقافة قكرية وفنية واعية، نحاول أن نفك رموز تلكما الصنعتين اللتين يجتهد المؤلف في تحصيلهما عبر قراءاته الواعية، وممارساته النقدية والإبداعية.

في مجموعتيه القصصيتين القصيرتين جداً الموسومتين بـ (دموع فراشة[1]) و(ذكريات عصفورة[2]) تجتهد القصص في تكوين نظرة شاملة تجسّد رؤية القاص للحياة في مناحيها المختلفة، وتدين من خلالها مفاهيم الخيانة والتسلط والقهر والجهل، والرشوة وتفضح النفاق السياسي والاجتماعي، وتنتصر للمحكوم والمقهور والحزين الذي يرتدي قناع الفرح، حتى يدخل السرور إلى قلوب من حوله.

على أن النوايا الحسنة والنبل الإنساني والانتصار للحق في الكتابة، لا تستطيع كلّها أن تصنع أدباً عظيماً، إلا إذا ألبس المبدع ما يكتب ثوباً فنياً يليق بحمل رسالة الأدب السامية التي يدعو إليها. من هنا فإنّ كيفية توصيل الرسالة يكتسب أهمية قصوى، ربما تفوق محتوى الرسالة نفسها؛ لأن أصحاب الأفكار الهدّامة يمكن لهم أيضاً أن يلبسوا الحقّ بالباطل في ثوب فني بديع.

* * *

ثمة ملامح مشتركة بين المجموعتين القصصيتين، كما إن هناك فوارق أساسية، فالمجموعتان متفقتان في أنهما اجتهدتا في تقديم مفارقات نصية بديعة ومتنوعة، جعلت الإحساس برسالة الحكاية أكثر عمقاً، واختلفتا في أنّ الثانية كانت أكثر جرأة في التجريب على بنية نص حكائي قصير جداً ما زالت ملامحه في طور المخاض.

يفضّل حميد ركاطة، بشكل عام، أن يعتمد التعاقب أساساً لتقديم حوادث قصصه، لما يوفّره ذلك التعاقب من تكؤة زمنية، يمكن أن تحمل تغييراً يصنع مفارقة ما، على صعيد المفهوم أو الفن، ولعلنا نشير هنا إلى قصة " "عرّافة" التي يقدّم فيها القاص مفارقته المدهشة التي توحي بمزيد من التخلف الذي غادرته العرّافة تائبةً في الافتتاحية القصصية:

"ضربت كفّاً بكف، قررت التوبة فجأة وألقت بفناجيلها في القمامة، كنست عيادتها وأحكمت إغلاق الباب، جابت أنحاء المعمورة هائمة مستغفرة.

ذات يوم عادت، فوجدت المكان قد تحوّل إلى مزار شريف يؤمّه آلاف الأشخاص وحوله عشرات الغرف لعرافات جديدات[3]".

وإذا كانت العرافة قد عادت في القصة السابقة ذات يوم (بوصف ذلك تعبيراً زمنياً غير محدد)، فإن القاص يستند في قصص أخرى على تحديد زمني، له إيحاؤه، حين يتطلّب الأمر، على نحو ما نقرأ في قصة "خائن" التي تحيل على زمن مريب، يحمل معاني المفاجأة والمداهمة والسرية:

"فكّر في كتابة قصص حول المهمشين بالمدينة، نام متوسّداً أفكاره، معانقاً آلامهم....

قبيل الفجر داهموا جحره، سحبوه مكبّلاً بالأصفاد بتهمة الخيانة الكبرى للوطن[4]".

في قصة "نذر" يتنصّل القاص من الاعتماد على الزمن، بوصفه صيغة لفظية، ولكن يستند إليه بوصفه حاملاً للتغيرات التي تطرأ على الشخصية الرئيسية بحكم مروره عليها، فالصيغ السردية الفعلية التي يستثمرها القاص ببراعة، تغيّر الواقع التمهيدي إلى وضعه الجديد، عبر مرور زمني مفترض:

"طلّقت زوجها الخائن

أقامت حفلاً باذخاًَ على شرف زميلاتها، ونذرت جسدها قرباناً لمواساة عزّاب المدينة[5]".

ولعلّي أشير هنا بكثير من الإعجاب إلى قصة "روح المواطنة"، كونها واحدة من أجمل قصص المجموعتين، فهي تنتصر للمحكوم من الحاكم، وتكشف الجريمة التي يرتكبها، في حلة حكائية بديعة:

"أمر الديناصور أتباعه بالتفكير بكيفية لائقة فيما ألحقه بالمدينة من أذى، ثم خرج مزهوّاً، وقد أحسّ بانزياح وزر كبير عن صدره، لحظة أخرج خنجره الفضي وغرسه في صدر المدينة[6]".

وربما لا أكون مبالغاً إذا زعمتُ أن هذه القصة أكثر إقناعاً، من قصة عنوانها "الديناصور" للغواتيمالي أوجيستو مونتيروسو تقول: "حينما استفاق كان الديناصور ما يزال هناك". والغريب أنّ يزمّر نقادنا ويطبّلوا لهذه القصة، تحت وطأة الاستلاب الثقافي، وأن يخترعوا لها أبعاداً دلالية، دون أن ينتبهوا إلى غموضها وإلى افتقارها إلى أدنى حدود التشويق والمفارقة، ودون أن يلاحظوا أن قراءة الرمز بحاجة إلى مفاتيح لا يمتلك النص الكثير منها.

في تقنية القص يُقْدِمُ القاص على كثير من التجريب في مجموعته الثانية خصوصياً، فيقدّم نصوصاً تتضمن عدّة حوافز حكائية، تكاد تخرجها من جنس القصة القصيرة جداً، على نحو ما نجد في قصة "أوصيك خيراً بالأزهار[7]" التي لا يتجه حدثها سهمياً نحو الحلّ، وتتضمن كثيراً من التفاصيل التي لا تليق بتكثيف هذا النوع من الكتابة.

وثمة نصوص أخرى في المجموعة الثانية أيضاً تعتمد أنماطاً مختلفة من القص تطرح سؤال التجنيس بقوة، ومن ذلك متتاليتان قصصيتان عنوان الأولى "أوبريت الربيع العربي[8]" وهي تشكّل في رأينا قصة قصيرة (لا قصصاً قصيرة جداً) تعتمد على مجموعة أصوات، والثانية (بين زهرة الياسمين وزهرة اللوتس) التي تعدّ نموذجاً يحاذى للمتتاليات القصصية القصيرة جداً، ونختار من تلك المتتاليات النصين التاليين:

· قرصان قذفت به النجوى

استفاق بعد سبات

جاء ليركب موجة الحرية[9]

· مخادع عافته صناديق الاقتراع

حمل آخر قصاصة أخبار

وطالب بتشكيل حكومة ائتلاف[10]

ولتسويغ رأينا، فإننا نشير إلى وجود الخط الحكائي المتنامي الواصل بين نصوص (أوبريت الربيع العربي)، مما يمكن أن يشكّل أساساً لحكاية واحدة، في حين تبقي مجموعة نصوص (بين زهرة الياسمين وزهرة اللوتس) على نوع من الانفصال الذي يحفظ لها حكايتها الخاصة، وها هنا يبقى الأمر مرهوناً بتطوّر شكل القصة القصيرة جداً، وتطويره وإمكانات انفتاحه مستقبلاً.

* * *

وإيماناً من القاص أن العالم لا يكتمل إلا من خلال تضاد عناصره، كما يقول شتراوس، فقد بنى عالمه الفلسفي والجمالي على ذلك التضاد، مما أنتج لديه في كلّ مرة مفارقة مدهشة، تفيد من تعارض ما بين مفهوم وآخر، أو بين بنية وأخرى. فقد كان يَفْترض دائماً حالة مواجهة بين السلوك المفيد والسلوك الضار في المشهد الإنساني المالوف المكرّر، على نحو ما نجد في قصة "من خلف الستار" حيث يصير الخطأ عادة يومية لا يحاسَب عليها المخطئون:

"نهض متأخراً، احتسى قهوته واقفاً قرب دكّة المقهى، حمل كومة من صحف مستعملة وبعض صفحات من الكلمات المسهمة، ثم توجّه إلى العمل في انتظار أجرته الشهرية[11]".

وثمة زاوية مظلمة أخرى في الحياة البشرية يسلّط حميد ركاطة الضوء عليها في قصة "بذلة"، وهي قصة مؤلمة، تبرز الاهتمام بالمظهري على حساب ما هو جوهري وإنساني، إذ يهتم الأشخاص الموجودون في ساحة القص بأمر صاحب البذلة، مُعْرِضين عن طفل أردته السيارة قتيلاً في حادث سير:

"ـ ربما عبر فجأة دون أن ينتبه إليه أحد.

هكذا صرّحت سيدة وهي قرب زميلة لها وهما تنظران بإعجاب إلى الوافد الجديد إلى المدينة. بينما أطرق الشرطي مفكّراً، وأنامله تداعب شاربه الطويل، وسهام نظراته مصوّبة باتجاه واحد فقط، تستطلع مكونات البذلة الجديدة لرئيسه، هو يحرّر محضر حادثة سير طفل أردته سيارة مخمورة قتيلاً على الفور[12]".

وثمة أمر يلفت النظر في هذه القصة ، وهو تعدد الشخصيات، ويمكن للمرء ان يقول إن تعدد الشخصيات لا تحتمله القصة القصيرة جداً، غير أنّ التصرف النابه للمؤلف، بجعل تلك الشخصيات مجرد أصوات، أو مجرد وجهات نظر عابرة في القصة، تمرّ خفيفة، دون أن تؤثر سلباً في الحكاية.

ويجد حميد ركاطة، كما يجد كثير من كتّاب القصة القصيرة جداً، ضالتهم للتعبير عن التناقض الصارخ بين المظهر والجوهر في المرآة، التي أفاد القاص من استثمارها في العديد من القصص، وبشكل خاص في قصة "دموع فراشة" التي أعطت المجموعة الأولى عنوانها، حيث تكشف المرآة جوهر الشخصية الرئيسية، وتزيل قناع السعادة الذي تحيط به نفسها في الحانة:

"في الحانة كانت توزّع القبلات والابتسامات، وهي محلّقة كفراشة.

أمام المرآة تنكّرت فجأة لصورتها البشعة، همّت بنزع أحمر الشفاه، فاغرورقت عيناها بالدمع، تذكرت كيف غيّر اللون الأحمر تاريخ البشرية، واحمر شفاهها يرغمها على الاستمرار في الحفاظ على تزييف حقائقها، ويمنعها، من إماطة ولو جزء صغير، من قناعها السخيف[13]".

وتأسيساً على المرآة ذاتها، أو تنويعاً على غايات استخدامها، يضع القاص في قصة "النصّاب" الزعيمَ أمام جماهيره ثم أمام مرآة القاص نفسه، فيفضح تناقضه، وخيانته، ويكشف أن ما يُقال للناس الذين يصفقون له تحت الشمس الحارقة، يختلف عما يقال على طاولة المفاوضات:

"وهو يخطب فيها، كانت الجماهير تنتشي بروعة الكلمات، وتداري لهيب الحرّ، وعناء الوقوف منذ ساعات مبكرة من الصباح سابحة في أحلام عالم مشرع الأبواب والنوافذ، عابق بأريج الحدائق وأزكى الجنان.

على طاولة المفاوضات كان الزعيم يبيع أحلامهم، ووعودهم، ويعقد بجرة قلم أكبر الصفقات[14]."

ويوسع القاص مرآته في قصة "راعي البقر"، ليضع الشرق في مواجهة الغرب، وليكشف ـ من ثمّ ـ تناقضات مؤلمة يمارسها راعي البقر الذي يدّعي التحضّر والمدنية والتسامح:

"حرّض العالم على غزو كل الشعوب، واستباحة كل الأرواح، وإعادة رسم حدود عالمه الجديد.

وهو في مزرعته الجميلة كان راعي البقر يحكي لثور عجوز قصصاً عن العدالة والتسامح الغربيين، ودورهما في زعزعة قيم وأسس أعرق الحضارات الإنسانية على الإطلاق[15]".

وينوع القاص في تقديم مفارقاته تنوعاً غنيّاً فينتقل من تعارضات المفاهيم، إلى تعارضات البنى الفنية، فيلجأ إلى شخصية تصنع مفارقتها، إذ تختلف عن الشخصيات الأخرى، أو إلى حدث يعمّق الإحساس بالتناقض من خلال حدث قبله، أو إلى لغة تحمل تناقضاتها من خلال مفرداتها. ولعلنا نستشهد ابتداءً بقصة "في مواجهة الصمت" حيث تصنع المفارقة اعتماداً على استثناء الشخصية الرئيسية التي تحمل عبء المفارقة من حكم ما قبلها باستخدام أساليب لغوية متنوعة وحاسمة:

"وهو وراء مكتبه المكيّف كان سيادته مبحراً في موقع إلكتروني يقدّم عروضاً مغرية لعطل خيالية، في الخارج كان في انتظاره منذ الساعات الأولى من الصباح عشرات المتضررين من ارتفاع فاتورة الماء والكهرباء.

وحده، رجل يصير حول المكان إلى حلقة للاحتجاج، لا للفرجة[16]".

في قصة "الحطاب" يصنع الحدث مفارقته الخاصة به، فحارس الغابة (يرى) في بداية القصة الحطاب يحطّب ليلاً، ولكنه في آخر القصة (لا يراه)، وما ذلك إلا لأنّ الحارس قد استلم من الحطاب ورقة نقدية قادرة على سلبه إمكانية رؤية ما يجب أن يراه:

"ضبطه حارس الغاب يحطّب ليلاً، سأله:

ـ ماذا تفعل؟

فأجاب: كما ترى.

وهو يسلّمه ورقة نقدية. قال الحارس: لم أعد أرى شيئاً.

عقّب الحطّاب مستهزئاً: وهل كنت ترى من قبل؟[17]".

وفي واحدة من قصصه القصيرة جداً التي تمتاز بالتكثيف الشديد، يستثمر القاص اللغة ذاتها، فيقدّم صيغاً لغوية تحقق التوازي والتقابل في آن، مستثمراً لفظين متضادين، لإنتاج مفارقة جميلة، تطوّح بأحلام ذلك الفارس الذي ربح كل المعارك، باستثناء معركة واحدة، كان يرجو من كل قلبه أن يربحها، تلك هي قصة "القرصان":

"ربح معاركه في قلب البحار والمحيطات، وخسر حربه مع المرأة التي أبحرت فجأة بداخله[18]".

* * *

ويستجلب حميد ركاطة في صناعة سرده القصصي ذاكرته الشعبية والفكرية والأدبية، فنجد في قصصه استثماراً للحكاية الشعبية، وصياغة جديدة للأسطورة والملحمة على نحو ما نجد في قصة "نرسيس[19]" وقصة "هوميروس[20]"، وهما قصتان تجور فيهما الثقافة الأسطورية على الحكاية، كما يستثمر عناوين القصص، ورمزية الألوان والتشخيص والتجسيد في بناء حكايته وتطوير لغتها، فهو يقيم في قصة "إخلاص" علاقة تضاد يُحسن توظيفها بين العنوان وبين النص الذي يحيل على خيانة بشعة يمارسها شيخ القبيلة ضدّ من تبقى أهله، نساءً وأطفالاً، بعد هجرة الرجال:

"هاجر الرجال القرية فجأة، بعدما طالت سنوات الجفاف، تاركين الأطفال والنساء في عهدة المقدّم وشيخ القبيلة. حينما عادوا بعد سنوات وجدوا مزارعهم قد تحوّلت ضيعاً بها صبيانٌ كالورود، وصبيات كالزهور، بينما أبواب المنازل خلعت من مكانها، ونوافذُها أضحت شبابيك للفرجة المفتوحة[21]."

كما ينجح القاص في توظيف الألوان وأطيافها، ويضعها في خدمة دلالة القص، ففي قصة "عتمة" وهذا مجرد مثال، يحيل العنوان على ظلال اللون الأسود، بينما يتصارع الأسود مع الأبيض في ذاكرة البطل، لينتصر رمز العنوان في النهاية:

"فتح الجريدة، مسح ما بها من أخبار، ظلّ حائراً في فك أسرار البياض، فتح ذاكرته وحاول تذكّر لحظة منيرة، فلفّها السواد.

بين الأبيض والأسود، ظلّ سنوات يبحث عن نفسه، فأمطرت غيومه ذكريات قاتمة، بلا كلمات[22]".

وفي قصة بعنوان "ملحمة الحذاء" يستنفد القاص عدداً من ملامح البلاغة العربية وموسيقاها، فيوظّف التشخيص، والرمز والتأريخ والإيقاع المفرداتي والأسلوبي ليصنع لغة قصة قصيرة جداً لها دلالتها العميقة في تعرية القهر الظلم والفساد، وفي قدرة الشعوب على مجابهة جلاديها:

"أحذية ثقيلة هوت من الأعلى نحو الأسفل،أغرقت الورود في الدماء والدخان.

أحذية أخرى ظلّت في سماء الفن براقة إلى ان اعتراها النسيان، وحذاء ثائر قذف على عجل، أعطى أملاً في الحياة لشعب يئنّ تحت الحصار، وعبرة كبيرة لدركيّ العالم، وكتبة تاريخه على السواء[23]".

* * *

إن تجربة حميد ركاطة في القصة القصيرة جداً تثير الإعجاب، لأنها تحاول استنفاد روافع اللغة والحكاية، وتوظف اللون والرمز والأسطورة والحكاية الشعبية، وتحاول أن تجتهد في تجديد شكلي يحتاجه هذا الجنس الأدبي في هذه المرحلة، دون أن يمسّ ذلك بالأركان الرئيسية التي يقوم على أساسها.

[1] حميد ركاطة: دموع فراشة، قصص قصيرة جداً، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2010.
[2] حميد ركاطة: ذكريات عصفورة، قصص قصيرة جداً، دار الوطن، الرباط، ط1، 2013.
[3] حميد ركاطة: دموع فراشة، ص 43.
[4] المصدر نفسه، ص71.
[5] حميد ركاطة: ذكريات عصفورة، ص110.
[6] المصدر نفسه، ص38.
[7] المصدر نفسه، ص84.
[8] المصدر نفسه، ص ص47-49.
[9] المصدر نفسه، ص54.
[10] المصدر نفسه، ص54.
[11] حميد ركاطة: دموع فراشة، ص 15.
[12] حميد ركاطة: ذكريات عصفورة، ص63.
[13] حميد ركاطة: دموع فراشة، ص 21.
[14] المصدر نفسه، ص 36.
[15] المصدر نفسه، ص 41.
[16] المصدر نفسه، ص17.
[17] المصدر نفسه، ص64.
[18] المصدر نفسه، ص74.
[19] حميد ركاطة: ذكريات عصفورة، ص61.
[20] المصدر نفسه، ص65.
[21] حميد ركاطة: دموع فراشة، ص 15.
[22] المصدر نفسه، ص49.
[23] المصدر نفسه، ص94.


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حوار مع الناقد والشاعر حميد ركاطة / عزيزة رحموني   الأحد سبتمبر 22, 2013 1:25 pm

admin كتب:


    حوار مع الناقد والشاعر حميد ركاطة / عزيزة رحموني

عزيزة رحموني

aziza rahmouniحميد ركاطة مبدع شامل بين أصابعه تنبت الأشعار والقصيصات كما تزهر نصوص النقد والمسرحيات

أو كما تصدح الأنغام على سلم البهاء. بالحرف ينقش متاهات الفكر الكامنة في عالمنا المتحول وبالحرف يرصد نبض الحياة اليومية ويقتحم مناجم اللغة ليلغمها برؤيته العميقة للأشياء وللذات. مبدع شامخ ذو هوية إنسانية نبيلة فتح لنا نوافذ قلبه فجاء الحوار التالي إطلالة تقربنا منه أكثر...



سؤال اول: قلق الكتابة ينبع من كل المعتقدات التي تكبل حرية التعبير والرواسب الفكرية وعمق التناقضات التي يواجهها المبدع. من خلال اهتمامك بالقصة القصيرة المغربية هل ترى أنها تلاحق الظواهر التي تستجد في المجتمع وتواكب التغيير الاجتماعي في بيئتها؟

- ربما هذا أمر قد يبدو غريبا، ونادرا لو قلت لا، لكن الواقع هو أن كتابة المبدعين اليوم هي كتابة ترتحق من الماضي والسيرة الذاتية أكثر من ارتحاقها من لظى الواقع. فبموت الإيديولوجيات الكبرى والصراعات بين الشرق والغرب ( الحرب الباردة) والتي كانت تنعكس في كتابات الرواد وجيل السبعينات والثمانينات وبخبو المد الإيديولوجي وسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي وخبو المد القومي واستفحال البطالة والجفاف وبروز الإرهاب إلى الواجهة وفشل الشعارات البراقة التي حملها اليساريون لأمد طويل حتى تعفنت بسبب الانخراط في حكومة التناوب. وبدخول المغرب عهدا جديدا ستتحول مواضيع القصة من الترميز والهمس والخطاب السياسي إلى قصص أكثر التصاقا بالواقع ربما في فترة أواخر التسعينات لكن بدخولنا الألفية الجديدة ستهتم القصة المغربية بذاتها وليس بالمجتمع. سيناقش الكتاب قلقا آخر وسيغامر البعض الآخر في تجريب قوالب جديدة وتطليق الشكل الكلاسيكي وستبرز وجوه كان لها النصيب الأوفر في رقي القصة المغربية والانتقال بها جماليا بتطوير أدواتها وقوالبها وممكنات كتابتها وبفضل نقاد كان لهم نصيب أوفر في التوجيه من خلال الانفتاح على النقد الغربي بمدارسه المتنوعة وستدخل القصة المغربية حرم الجامعة وسيبدأ الاهتمام بدراستها .

لكن ربما قد ينطبق هذا الأمر على القصة القصيرة جدا حاليا وهي تواكب التحولات بقلق كبير ورصد بعيون كتابها الكثير منها من خلال قصص أرخت بإعجاب للحظاتها المنفلتة .



- كل مبدع يحاول في كتابته الخروج من التمزق بين الموروث والمتطلع إليه. بين الجذور والحلم. كيف ترصد ذلك في الكتابات المعاصرة؟

- ربما المثير في الكتابة القصصية المغربية هو التنوع بحكم الانتماء لمناطق لها خصوصيتها الضاربة في عمق التاريخ، فمن منطقة لأخرى تبرز معيقات الكتابة من خلال تجنب الكلام عن المحظور أو المسكوت عنه الذي ربما نعثر عليه كشظايا قذيفة ضمن سياق معنى أو حدث، هذا بقدر ما هو راجع إلى خصوصية المنطقة راجع بالتالي إلى الموروث الثقافي والتقاليد التي تظل مكبلة لكل جموح إبداعي باستثناء بعض التجارب التي من خلال انفتاحها على سرد وقائع من سيرتها الذاتية تمكنا من فك بعض شفرات الكثير من الأشياء ناهيك عن الإحجام والصمت والخوف من الانتقادات التي قد توجه لعمل المبدع أو التحامل عليه من طرف محيطة فأحيانا تصل الوقاحة بالبعض إلى محاكمة المبدع باللجوء إلى القضاء وهذا أمر يجعل التحرر المطلق والكتابة الصادقة والرصد العفوي أمر محفوف بكثير من المخاطر، لكن ذلك لم يمنع من مغامرة العديد من المبدعين فرصدوا ذلك في كتاباتهم وهو يعبرون صراحة عما يخالجهم بشجاعة وقد كسروا الطابوهات وتجاسروا بقوة على أصنام الرفض والرقابة وكل الخطوط الحمراء المكبلة والمعيقة . فكانت أشبه باجتثات منها إلى كتابة وهي تنسلخ من واقعها بتعبيرها عن الرفض والسخط وربما هذا الأمر( المواضيع) تم التطرق إليها في الرواية المغربية بالخصوص لكن في القصة كان الترميز والهمس في البدايات تم بعد ذلك سنلحظ الانتفاض والثورة على الصمت والمحرم .



- كتب صلاح بوسريف ذات مقال : " مادامَ التُّراثُ إرثاً، وما دامت الحداثةُ، انتقالاً بهذا التُّراث، من فَهْمٍ إلى آخر، أو من استعمالٍ إلى آخر، فالتُّراثُ، هو ماضٍ، من حيثُ قيمتُه الزمنية، أي انتماؤُه لزمنٍ لم يعد قابلاً للاستعادة، لكنه ذلك الماضي الذي لا يمضي؛ حين يكون هذا التُّراثُ حَيّاً، أو قابلاً للحياة، بما يحمله في طَيَّاتِه من قُدْرَةٍ على الاستمرار، وتوليد الدَّلالات، أو توسيعها، بالأحرى". هل هناك توظيف جيد للموروث في القصة القصيرة وق ق ج؟

- نعم توظيف التراث في القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا أمر ورد عبر مراحل وعبر وعي الكتاب ومنظورهم للتراث نفسه. هذا الوعي منه المشوه ومنه العارف الذي تم من خلال رجوع المبدع إلى دراسة التراث نفسه بدء من تحديد مفهومه ومدلوله الغير محصور زمانيا أو مكانيا بل من خلال امتداده في الذاكرة الجمعية. توظيف سيبرز قلق كتاب الألفية الثالثة ورغبتهم في تحقيق طوفان القص وهو ما تم بالفعل .فالتراث جاء ضمن سياقات تجاوزت حدود المفهوم العادي لينتقل لمفهوم أعْقَد واكبر. مفهوم إنساني وكوني وهو ما نفح جسد القصة المغربية بخاصية جديدة كقصة منفتحة وغير مسالمة، زئبقية، مكسرة للحدود الأجناسية أمر سيدفع الباحث الأكاديمي إلى الإلتفات إليها والاهتمام بها باعتبار توظيفها جاء ك" طفرة داخل قطرة " وفي مرحلة دقيقة ومدهشة برزت فيها قصص بحجم الكف لكنها تستوعب كل الموروث الانساني وتكيفه عبر قنواتها لتخرجه مقطرا لا يستطيع المحيط سعة مائها المتدفق باستمرار .



- هل هناك تدبير لشوق المبدع الى المجتمع القديم البسيط الخالي من الزيف؟

- قد أكون كاذبا لو قلت لا، الكاتب يحلم دوما والحلم هو سلاحه الذي يوظفه في كتاباته مناشدا التغيير، وربما قد يبدو الأمر متناقضا بعض الشيء فمع كل انتقال اجتماعي وديمقراطي يتسع محيط الحلم وتتضافر الرغبة في الخروج من شرنقة الماضي المكبل لكل القيود لكنها رغبة قلقلة لا تعكس بشكل جلي خطورة الاندفاع والتهور نحو الغد المنشود إلا بعد حدوث الاصطدام الموجع وأحيانا القاتل والدامي بل بعد الوقوع في لج الزيف ذاته يبدأ الحنين دون القدرة على التضحية بمكتسبات الواقع فالعودة تتم في نظري وحسب ما استخلصته من قراءتي للعديد من النصوص في الخيال والحلم الذي يمجد الماضي وقيمه متناسيا علقمه أو متجاهلا إياه ربما لكون عنف اللحظة يكون أشد وقعا وألما أمام الانكسارات المتتالية للنفس والروح في زمن أسرع وأخطر وأعنف وفي قلب مدن رمادية لا ترحم بل تسرع من وثيرة وأد الكائن الحالم جدا، هنا تتم الرغبة فقط في العودة إلى الماضي والذي بدوره لم يكن خاليا من الزيف ولا يمكننا الحكم على صفائه لأننا لا نمتلك إمكانية تميزه فلكل واقع نسبة من الزيف لا يمكن تبينها دون معرفة الحقيقة لكن أية حقيقة فهي الأخرى متغيرة وغير قارة المفهوم لأنها خاضعة للتطور ولمقاييس تحديدها في زمنها فحقائق الأمس حول قضايا معينة تصبح اليوم غير كافية للطعن في زيف واقعنا الأشد شراسة وبؤسا وعنفا.



عانى العالم العربي من القلق والخيبات لعقود.هل استطاع المبدع العربي ترجمة هذه المعاناة في إبداعه. هل استنهض أحلامه وأحلام أُمتِه المجهضة ليرسم معالم المستقبل أم ظل محايدا متزلفا؟

- المبدع المغربي لايمكن استثناؤه عما يحدث حوله فهو مبدع قلِق وحذِر في نفس الوقت فإذا كان الرواد قد عبروا رمزا وإيهاما، فإن كتاب الجيل الحالي كسروا كل القيود المكبلة للخوف ربما باتساع دائرة الحريات العامة ومن ضمنها حرية التعبير فكما في التشكيل والمسرح والغناء والكتابة ترجم المبدع المغربي قلقه وخيباته وفشل أحلامه ضمن إبداعاته وهو ما جسد معاناته بشكل من الأشكال بحيث تحولت الذات المنشطرة إلى صفحة للكتابة ولترجمة تطلعاته والتعبير عن تيهه وتأييده للتغيير أو للتعبير عن موقفه من كل التغيرات التي يعرفها محيطه الجغرافي سواء المحلي أو القاري أو الكوني، المبدع المغربي لم يخرج عن سياق التحولات بل كتب من داخلها ومن خلالها وعنها أيضا وسنرى في القادم من الأيام تجارب رائدة من هذا القبيل منها ما كتبت تقديما له كالربيع العربي مثلا ومنها ما كتبته من قصص حول التحولات الحالية ومنظوري إليها وموقفي وتنبؤاتي كذلك بما يمكن أن يحصل من تغيير قادم، لهذا أعتقد أن المبدع المغربي لم يلتزم الحياد ولا الصمت ولكن بادر للتعبير عما يخالجه بالنضال سواء على مستوى الكتابة أو على الواقع كذلك .



- ركاطة الشاعر كيف ينسجم مع ركاطة الناقد من منهما يقع في ظل الآخر أو يشرب وميضه؟

- كلامها واحد منسجم مع ذاته أحب الإبداع ويجرفني النقد، كلما حاولت التخلص من أحدهما أجدني منجذبا للأخر.

الإبداع والنقد وجهان لعملة واحدة يفرق بينها زمن قصير جدا قد يكون الفترة التي يستغرقها نحات في تحويل قطعة الرخام من شكلها الأصلي إلى أيقونة مثيرة وجميلة أنا منسجم مع نفسي بالمطلق وأقسو على نصوص أريدها أن تكون في المستوى وهذا قد يخلق نوعا من الازدواجية لكن تفاعلي الصادق مع الآخر ونصوصه هو المقياس الذي اعتمده في قراءاتي النقدية كل ما يستجيب لشروط محددة يستهويني كما أن نضالي النقدي يأتي في سياق مواكبة الأعمال الأدبية الكثيرة التي تم تجاهلها والتهرب منها ظلما بهدف إقبارها أو إخماد شرارة أصحابها فلكل زمن رجال (نقاد / مبدعين) وهذه حقيقة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار. لست ممن يؤمن بمقولة (أكتب عني أكتب عنك) ولكن أؤمن كما يؤمن أبناء جيلي بأن الثبر لا يصنع ولكن يبحث عنه.



- حين تصادف "دموع فراشة" ما الذي يحصل؟

- بكل صدق ترتجف ذاتي لأنها أرق مخلوق على وجه البسيطة تلك الفراشات التي خرجت من شرنقة ناقد بالقوة وتمردت على قوانين الكتابة عبر عن موقفها من عصرها تماهت مع الكثير من خصائصه وفوضاه / حين أصادف دموع فراشة تنتابني حيرة وخوف لعدم استمرار التجربة أو الفشل في ركوب التحدي خوفا من السقوط أو تكسير إيقاع ما، ربما كانت عين الناقد طاغية في التوظيف لكن سأحاول رغم كل شيئ الحفاظ على الأقل على مستوى النصوص وقيمتها الإبداعية في مجموعتي الجديدة " ذكريات عصفورة " التي سأتركها مفاجأة



- و حين تواجهك "اعترافات" كيف تفككها وتعيد صياغتها؟

- الكتابة المسرحية تسير ببطء كبير عندما أجد الوقت الكافي (وهذا أضحى مستحيلا) سأفكر في الكتابة.

فاعترافات هي آخر نص مسرحي كتبته خصيصا لأبنائي كي يستأنسوا به في المنزل ذات صيف لكنه لم يُلعب لحد الآن وظل في أرشيفي إلى حين العثور عليه صدفة فرقنته . لكنه كان نصا محظوظا لأنه سيلعب على خشبة بمدينة خريبكة كسابقيه من النصوص وسيتم إخراجه من طرف المبدع أمين العوفي .



- " زغاريد تكسر ليل الصمت " ما ظروف نصها وما الذي صمتت عنه؟

- هذه باكورة أعمالي الروائية وقد ألفتها في ظروف عزلة تامة في بادية سوس ومن خلال مشاهداتي وتفاعلي مع المحيط . كانت الشخوص مستوحاة من الدوار الذي اشتعلت فيه وأحداثها متخيلة مائة بالمائة وأنا بصدد تنقيحها والتفكير في محاولة إخراجها ورقيا لو أتيحت لي مساعدات في هذا المجال فالنشر بالمغرب كارثي بالمطلق والثقة أصبحت مفتقدة بين الكاتب والناشر والحقوق تضيع بالمرة إلا من رحم ربي.



- و" لحظات بغيضة ".هل وجدت حُبا يُلقِمها حَلمة الضوء؟

- هي رواية قصيرة كذلك قد لا تدل عتبتها على مضمونها الذي سأتركه سرا آخر من أسرا ر الكتابة لكنها مستفزة إلى حد ما وقد تثير جدالا...



- إن صادفت عودا أو كمانا ما الذي يعتريك؟

- لست أدري من أين حصلت على كل هذه الأسرار لكن لن أتنازل على حق مداعبة الأوتار وربط الحنين بالماضي القريب والبعيد على السواء نحن عائلة توارثت الفن أبا عن جد. كل إخوتي يعزفون على ألآت وترية وبعض أعمامي وجدي كان شيخا للطقطوقة الجبلية معروف في شمال المملكة " المعلم سلام بن احمد " وكان رحمه الله عازفا ممتازا للكمان .



- أي الجغرافيات يلامس شغافك أكثر , السهل أم الجبل؟

- كل الجغرافيات تلامس شغفي

كل الجغرافيات جنسيتي

ما دمت أبحث عن وطن ضائع

""""""""""



اجرت الحوار: عزيزة رحموني

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
«ذكريات عصفورة» جديد القاص المغربي حميد أسئلة القصة القصيرة جدا على المحكركاطة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: