كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التأريخ وحركية الخطاب السردي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التأريخ وحركية الخطاب السردي   الأربعاء أبريل 18, 2012 4:58 pm

التأريخ وحركية الخطاب السردي
في رواية (طوفان صدفي)
أمجد نجم الزيدي
في الكثير من التجارب الروائية، يمكن للمتابع ملاحظة أو تمييز الكثير من الاساليب البنائية، التي ينهجها النص ومن ورائه الناص، لبلورة اسلوب كتابي خاص، ربما يعتمد على اساليب كتابية محددة بعينها، أو ربما يحاكي أشكال وأساليب كتابية مستخدمة ومكرورة، فبهذه العملية يريد إنتاج نص روائي، قائم على الأنساق الروائية التي قد خطتها الأساليب التقليدية في الكتابة، دون المغامرة بتحريك تلك الأساليب أو محاولة التشكيك بأصولها، أو مدى استجابتها للراهن الكتابي، والاستسلام لتلك القوالب ومقولاتها، مما يحجم دور الروائي كصانع خلاق، ولكن في بعض الاحيان وفي بعض التجارب، نرى الكاتب يعتمد على استجلاء واستشعار لمواطن الارتكاز، من خلال تحسس العلاقة الموتورة بين الخطاب والنص، وتفعيل البنية الخطابية السطحية والمضمرة، ويحاول ان يوجهها حسب رؤيته، وفق مرتكزاتها البنائية العميقة، فستظهر تلك المرتكزات قد تماهت واشتركت بعدة خطوط وعلاقات مع سطح النص، ولم تكن تلك الخطوط أو الدلالات، إلا نوافذ تقود الى ذلك العمق أو المستوى البنائي الأولي- أذا جاز لي التعبير- تظهر اللعبة الروائية المتجاوزة التي استخدمها الروائي، وأوجه تشكلها وتعالقها بالبنية الدلالية العامة.
هناك عدة مؤشرات وتنويعات مختلفة يوظفها الروائي، لجر المتلقي الى أستشعار العمق الحقيقي للنص، حتى لا توقعه بابتذال وتفقده شرطه الابداعي المتفرد، فالتنويعات الموظفة على موضوعة واحدة، يقودها الاغراق بالتعمد والقصدية الى المباشرة والتمسك بالمقولة السطحية، وعدم الالتفات الى مواطن قوة النص، والإشارات التي يختزنا الخطاب الروائي، ولو أخذنا رواية (طوفان صدفي)(1) وحاولنا سبر غور طوفان ( سعدي عوض الزيدي) وأكتشاف مرتكزاتها البنائية واسلوبها الكتابي، لرأينا بأنها تنبني بمستواها السطحي على مقولة واحدة، ربما يختفي ورائها النص ليمرر رؤيته السردية، وهي مقولة التاريخ، مما يدعونا الى معرفة المدى الذي قد أخذته هذه المقولة داخل النص، إذ دائما ما تفرض هيمنتها الخطابية على الأعمال الروائية التي تتكئ على التاريخ، وتحاول أن تقولب الخطاب الروائي، وفق آلياتها أو وفق ما نادى به ما يعرفون بكتاب النزعة التاريخية وأسموه بالصدق التاريخي، إذ أنهم يعتبرون (التاريخ والرواية مترابطان ترابطاً عضويا)(2)، مما دعى الروائيين إلى تمويه تلك العلاقة والخروج من هيمنة المقولات، لإعادة خلقها من جديد، على وفق مرتكزات بنائية جديدة، تعيد الاعتبار للأدب الروائي كفن أبداعي خلاق.
إن الإشكالية التي غالبا ما تثار عندما تظهر رواية تتناول حقبة تاريخية معينة أو تهتم بجانب تاريخي محدد هي إشكالية الصدق الفني بالمقابل مع الصدق التاريخي، وما الفرق بين المؤرخ وكاتب الرواية، وما علاقة الرواية بالتاريخ أو الجوانب الأخرى التي تتصل به، كالجانب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني، كعوامل مساندة أو صانعة للحدث السردي، على اعتبار أن التاريخ مدونة كبيرة وأيضا كون الرواية مواكبة للعصر التاريخي واهم التطورات التي لحقت به، إذ يرى احد الكتاب انه (ينبغي على الفنان ألا يلوي عنق الحقيقة التاريخية في سبيل الإبداع الفني، فإن ذلك يعد تزييفا للتاريخ؛ وينأى بالأثر الفني عن خاصية أولية وهي "الصدق". فالصدق الفني ينبغي ألا يجور على الصدق التاريخي)(3). ولو إننا تفحصنا هذه العبارة جيدا لوجدنا أنها تنطوي على مفارقة كبيرة، وهي الجمع بين مفردتي الصدق والإبداع، إذ لو إننا رجعنا إلى أصل كلمة إبداع في المعاجم العربية لوجدنا الهوة الكبيرة التي تفصل الكلمتين، والتي ستظهر الفهم الخاطئ لمفهوم الإبداع، فالجذر (بدع) حسب لسان العرب لابن منظور هو (بدع الشيء يبدعه بدعا. وابتدعه: أنشأه وبدأه) وأيضا (أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال) و(أبدع: الشاعر: جاء بالبديع) و (البديع: المحدث العجيب)، نستشف من هذا الكلام الفرق الكبير بين هذين الحقلين،حيث إن كلاهما ينتميان إلى عالمين مختلفين، فالتاريخ وصدقه ينتمي إلى منطقة المادة العلمية المقننة والخاضعة للمواضعات العلمية المنهجية، يتحرر بدوره الأدب والإبداع من تلك المحددات وذلك التقنين، لينطلق في فضاء واسع هو فضاء الخيال، أو فضاء المحدث العجيب حسب تعبير أبن منظور .
يقول تدوروف ( ليس الأدب كلاما يمكن، أو يجب، أن يكون خاطئا بخلاف كلام العلوم، إنه الكلام الذي يستعصي على امتحان الصدق، لا هو بالحق ولا هو بالباطل)(4)، إذ من الغريب أن نخضع مادة الأدب أو الجنس الروائي لمعيارية الصدق والكذب، لأنها لا تحمل تلك المعيارية داخلها، لكونها تعتمد في بناء عالمها على مختلقات الخيال، فالعلاقة بين الدال /الخطاب أو بنية الحضور والمدلول / بنية الغياب، هي علاقة افتراضية (فالكتابة، كل كتابة، تنهض على مستوى المتخيل. بمعنى أن الكاتب، حين يكتب، لا يتعامل مباشرة مع الواقع، بل مع ما يرتسم في ذهنه، أو في مخيلته، من صور تخص هذا الواقع، أو تمثله أو تعنيه)(5)، حتى وإن اقتربت الرواية من معالجة احد الجوانب التي تتصل بتمثلات ذلك الواقع وجوانبه الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، فبذلك الاقتراب لا يمثل الأدب والرواية إلا نفسيهما، وتخضع تلك المادة أو الثيمة إلى الاعتبارات الفنية الخاصة بجنس الرواية، فالواقع كتجسيد حي للتاريخ، أو انه حضور مرتهن بزمنية تاريخية، يحاول بها الروائي ان يعمق البعد التاريخي للشخصية والمكان، وحتى الفعل كبنية انجازية، كما في بعض روايات عبد الرحمن منيف مثلا، مما يؤدي إلى أن تصبح تلك الموضوعة التاريخية بكل أوجهها، من مختلقات الأدب الروائي، حتى لاتساق ضمن الأطروحة التاريخية العلمية، وإنما تضمن داخل ارث الأدب الروائي، مع الأخذ بالاعتبار ما يطلقه مجازا عليها بعض النقاد بالرواية التاريخية، وهذا لا يعني (إن الأبعاد الجمالية، وهي تتحقق في الأعمال الفنية والأدبية ليست معلقة في سماوات الفن العليا، أو متعالية عما يعتمل في المجتمع. انها شديدة الصلة بتحول الرؤيات إلى الواقع، وأي موقف من طريقة معاينتا، واعياً كان أو غير واع، هو موقف من الإبداع والمجتمع)(6). إذ ان الشروط الفنية للجنس الأدبي ومفارقتها للأجناس الكتابية الأخرى، لا يمنع كونها تعبير عن بنية مضمرة تمثل التمظهرات التاريخية والواقعية للمجتمع.
إن الرواية التاريخية في نشوءها الأول ربما تختلف في بنائها وطريقة تصويرها وتفاعلها مع الموضوعة التاريخية عن الرواية التاريخية ألان، وذلك لاختلاف الأساليب واختلاف الرؤيا التي يحملها الكتاب الروائيون وموقفهم من التاريخ، إذ قد أخذت اتجاهين مستعارين من الرؤية البلاغية وهي العلاقة الكنائية التي تفترض المقابلة مابين النص والتاريخ، بأعتبار إن احدهما يمثل الأخر، والعلاقة الاستعارية التي تفترض الاختلاف ما بينهما.(7)، مما يوحي ربما باستقلالية ووحدة مخصوصة للنص الروائي تماهيا مع الأطروحة الحداثية والتي تفترض في المستوى الأولي لفهم هذه العلاقة، بيد إن التعمق في دراستها ترينا بأنها قد تجزأت إلى علاقات استعارية أخرى كاسرة الوحدة النسقية التي انبنت عليها الرواية التقليدية، فالرواية (التاريخية) تخضع للتطور الطبيعي الذي يمر به الجنس الروائي من خلال الأساليب والرؤى والاتجاهات، فمثلا رواية (بابا سارتر) أو (صخب ونساء وكاتب مغمور) لعلي بدر تحاول ان تقلب معادلة التاريخ من خلال التشكيك بالبنية التركيبية التاريخية، التي انبنت وارتكزت عليها المنظومة الثقافية، أي انه جعل بعد التخييل السردي بالمقابل مع التاريخ المنقول أو المدون، دون التفريط بالقيمة الأساسية للخطاب الروائي، أو يتعسف تجاهها على حساب التاريخ، مشككا بقيمته ونسبية حقيقته في تشكيل الوعي داخل المجتمعات الإنسانية، يعرف كمال أبو ديب السرد في تقديمه لترجمة كتاب (الثقافة والامبريالية) للكاتب إدوارد سعيد بأنه (تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزوعات، وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته بقدر ما يصوغها الماضي بتجلياته وخفاياه.. كما يصوغها، بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وانهاج تأويله له. ومن هذا الخليط العجيب، تنسج حكاية هي التاريخ الذات لنفسها وللعالم، تمنح طبيعة الحقيقة التاريخية وتمارس فعلها في نفوس الجماعة وتوجيه سلوكهم وتصورهم لأنفسهم وللأخرين بوصفها ثابتة تاريخياً.)(Cool مما يؤكد بأن التاريخ هو عبارة عن مدونة سردية مختلقة، فكيف بالرواية التي هي عمل أدبي إبداعي مختلق يقوم على الخيال والتعامل به، وفق المواضعات الاجناسية، لتكون شخصياتها وأزمانها وأمكنتها خاصة بالكاتب ومن مجترحات خياله، حتى وإن كانت لها مقابلات واقعية أو تاريخية، يقوم الروائي بأستحضارها، كما يفعل الرسام عندما يستحضر ويستعير من الطبيعة ألوانها ولكنه غير ملزم بأن يحاكيها في كيفية استخدام تلك الألوان والأشكال، إذ كانت الروايات التاريخية التقليدية تحاول نقل الزمان والمكان والشخصيات التاريخية بصورة انعكاسية، متأثرة ببعض المدارس النقدية والاتجاهات الأيدلوجية، دون التفريط بمرجعياتها وصورتها الواقعية، كشخصيات ذات ملامح تاريخية تدور في بنية مكانية وزمانية محددة وفق النظرة التاريخية المقرونة بالصدق التاريخي، وإن اختلفت النظرة إلى هذا الصدق، فهيغل يربطه بالحفاظ على الجوهر الداخلي إذ (إن الجوهر الداخلي لما هو مطروح يبقى كما هو، إلا إن الثقافة المتقدمة في طرح وكشف الجوهري تتطلب تغييرا في التعبير عن الأخير وشكله)(9)، وبهذا يشير هيغل إلا أن عملية نقل التاريخ من خلال الفن الروائي، لا تعتمد على النقل الحرفي وإنما يجب التغيير دون المساس بجوهر المادة المنقولة، وهذا هو الموقف الذي تبناه كتاب الرواية التاريخية التقليديين، تجاه ما يسمى بالصدق التاريخي، إن جوهر الواقعة التاريخية يجب أن يكون حاضرا دون المساس به، حتى لو قدم بلباس لغوي وفني، وبهذا الكلام يميز لنا بين الخطاب الأدبي وجوهر الموضوعة التاريخية.
من أهم الأسئلة التي تثار عندما يتم المقابلة بين الرواية بصفتها حالة أبداعية متفردة، أو لعبة فنية وأدبية خلاقة، وبين التاريخ، هي أيهما يحمل الأثر الكتابي؟ في الدراسات التقليدية كانت العلاقة الثنائية تقوم على إن الحقيقة أو الصدق كامن في التاريخ، وتأتي الرواية كوجود ثانوي ينوب عنه، بينما أظهرت الدراسات الحديثة إن هناك علاقة تمايز مابين الطرفين، وان التاريخ يأخذ صفته من خلال تميزه عن الرواية، إذ أن الرواية هي التي تعطي التاريخ أساس وجوده من خلال تلك العلاقة الثنائية، وبدون الرواية لا يمكن للتاريخ أن يحقق تميزه، إذا تصبح الرواية هي سبب معرفة التاريخ، وسبب المعرفة سابق لنتيجة معرفتها(10).
حاول الكاتب في (الطوفان الأول) أن يوجه قارئه من خلال المقولة التي جعلها مدخلا أو نصا موازيا paratext -حسب تعبير جيرار جينيت- لهذا الطوفان ( ليس لدى الكاتب مايبرر زمنه غير تلك الاستعادات)، والتي تقودنا الى ان الكاتب هنا، جعل التاريخ وهي (الاستعادات) واجهة ممكن لنا ان نطل من خلالها على زمننا، اي ان موضوعته الروائية ستتلبس التاريخ، وتستخدم رموزه لربطها بحاضر الكتابة.
بيد أننا لو أكتفينا بهذه الدلالة، وصرفنا النظر عن محاولة استقرائها وتفكيك مرتكزاتها البنائية، فأن الرواية ستخبو وستكتفي ببنيتها السطحية والمباشرة، إذ أن العمق الدلالي الذي يخبئه النص، سيقودنا الى ربطه بسيرورة نمائية وطقوسية، ستعطيه دفق الى ان يحلق في فضاءات أكثر رحابة، وهذا ماسنجده عندما نحدد المرتكزات البنائية للنص، ونحاول ان نفصلها ونسرد مقولاتها، ثم ندمجها بسياقها النصي الذي أوجده الكاتب، أي وضعها في تماهيها بين خطابها السردي المباشر، والعمق الدلالي المختبئ خلفه، حاولت الرواية بتلك اللغة المشفرة أن تخلق لها طوفانا موازيا للطوفان الثيماتي، أي الثيمة المركزية للرواية، بأن جعلت الرواية تمور بزخم داخلي للبنية الزمنية، إذ لم تلتزم الرواية بالصورة الخطية، أو النسقية الزمنية الصاعدة التي تعودت عليها الكتابات التاريخية، وانما صنعت زمنيتها الخاصة، بأن جعلت التاريخ واجهة، أو ستارة شفافة تختفي خلفها، فحاولت ان تمرر اشاراتها ورموزها، فالذي يهم في كتابة (الرواية التاريخية ليس أعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الأيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث)(11)، وكذلك الثوران الزمني الذي يعتمر بين طيات خطاب الرواية، وما اقصده ليس البناء العام للرواية وبنيتها الحكائية، واستنادها على أحداث تاريخية، وانما حركية الخطاب السردي داخل ذلك الاطار، وهي التي تنتج من خلال العلاقة التي يبنيها الراوي مع المروي له، والمفعلة من خلال زمنية الخطاب (12)، إذ نرى التنقلات التي ترتبط بشخصية أبراهيم الانقطاعي، لا تلتزم بسيرورتها التصاعدية، وانما نرى تلك الشخصية تتحرك بحرية، من خلال استعادات ذاكراتيه، أو ربما يكون لها وجود فاعل وقريب من حاضر السرد، إذ إن العلاقة مابين الرواية والتاريخ هي علاقة ملتبسة تظهر من خلال البنية الزمنية المتعاكسة، إذ إن الرواية تتجه إلى الماضي بينما التاريخ يتجه إلى المستقبل(13) ( ماقيل عن أبراهيم الانقطاعي ليس حقيقيا وليس هناك من قرية غمرتها المياه ولكن الثابت أن الانكشاريين بادوا أناسا كثر وقرى عديدة)، ( عندما رفع صوته عاليا في يوم انغمار الوادي بالمياه سجلت المدينة عودة جديدة له وتاريخا جديدا لها).
يقول أحد الكتاب إن ( الفن مادة من مواد التدوين التاريخي. والتاريخ بدوره يشترك مع الفن في دعاماته الثلاثة: الانسان، والزمان والمكان)، فهل كان أنسان وزمان ومكان رواية (طوفان صدفي) تاريخيا، الحقيقة بأن شخصيات الرواية الرئيسية، وهي أبراهيم الانقطاعي وابنه إسماعيل، كانتا شخصيتين لا تاريخيتين، وإن كانتا مرتبطتين بتاريخية ما، حاولت الرواية ان تتلبسها وتموهها وهي مرحلة حكم سليمان القانوني (وجدت شخصيات مثيلة لأبراهيم ومدنا ومنخفضات كثيرة أيضا كانت قرى ومدن ولكنها غمرت بالمياه كيداً بأهلها)، وأيضا شخصية أسماعيل كما يظهر في ص50 (اسماعيل رفيقي والابن الوحيد لوالده الذي لم نره أي والده المدعو (ابراهيم) والمولود قبل قرنيين من الزمان وفي ذلك التاريخ أو أقل منه بعشرين سنة ولد اسماعيل، الطفل أبداً لم يكبر ولم يشخ)، وهذا يقودنا الى ان نرى بأن زمان الرواية كان زمانا لاتاريخيا، وانما زمن يخضع لتصورات قريبة من المخيال الشعبي، وايضا هناك التلاعب الزمني الذي أشرناه سابقا، والمرتبط بشخصية أبراهيم الانقطاعي.
اعتمدت الرواية على شخصيتين رئيسيتين، هما شخصية إبراهيم واسماعيل، إذ كان لهما السطوة والهيمنة على مجمل احداث الرواية، فتصوير البطل أو الشخصية الرئيسية في الرواية التاريخية التقليدية يتم من خلال (الصراعات الاجتماعية المأخوذة بشكل واسع، والتي تسبق ظهور البطل، تبين كيف إن بطلا كهذا بالضبط، في وقت كهذا تماما كان يجب أن ينشا لكي يحل مثل هذه المشاكل بالضبط)(14)، لكن في الروايات الحديثة اختفى مفهوم البطل التقليدي، حيث كان ابراهيم ألانقطاعي البطل الحديث الذي يتجاوب مع الأحداث بدل أن يصنعها، هو المحور الذي تدور حوله مجمل الاحداث، وقد حاول النص ان يجعل من ابراهيم آداة يحملها ثيمة الوصايا، بيد ان الوصايا قد ذهبت واصبحت محجورة داخل صناديقها، وبقي إبراهيم الحامي لها ومن بعده اسماعيل يدوران داخل الرواية، ويبثان وجودهما والاشارات المرتبطة بهما، بعيدا عن تلك الوصايا، وان بقيت تلوح في خلفية النص، بيد انه وجود مموه غير محدد وغير مرتبط أرتباطاً قوياً بالشخصيات وحركتها، وإن حاول النص في عدة مرات ان يربط تلك الشخصيات بتلك الوصايا، بأن جعل أبراهيم منفذا لها، أي ربط تصرفات إبراهيم وتحركاته بها، بيد أن تلك التحركات وتلك الاشارات كانت مرتبطة بأبراهيم الأنقطاعي أكثر من أرتباطها بالوصايا (هرب ابراهيم الصبي نحو تنفيذ الوصايا وليس المجهول وظل الولاة يتسقطون أخبار أبراهيم لعلهم يحظون بالوصايا التي انفرد بها)،( توقع الشيخ بركة الدم وشاهد ابراهيم هذه البركة، بل خرج منها بلوثة الوصايا، خرج وحيداً، ولأنه الوحيد، لم يماط اللثام عن طريقة خلاصه وتفاصيلها وفحوى الوصايا)، (نفذ أبراهيم عبر الاعوام وصايا الشيخ جميعها). وأيضا حركات الشخصية الثانية وهي اسماعيل، وإن فلتت هذه الشخصية في مرات عدة من هيمنة تلك الوصايا والشخصية الاولى، بيد إنها لم تكن شخصية ارتكازية للرواية عكس إبراهيم الانقطاعي.
أما المكان في الرواية ومدى مطابقته للمكان التاريخي أو هل كان المكان الروائي تاريخياً؟ إن النصوص السردية ومنها الرواية تحمل رؤيتها الخاصة تجاه المكان، إذ في اغلب الأحيان يكون المكان إطارا لاما لكل أحداث الرواية، ويكون مؤشرا زمنيا تاريخيا، إذ إن المكان وتغيراته وتبدلاته تظهر الحركة الزمنية، فالمكان هو صورة تكشف زمنية الرواية في أغلب النصوص، فالزمان والمكان هما أدوات الرواية التاريخية في تفعيل بنيتها السردية، أما في رواية (طوفان صدفي) فشأن المكان شأن الزمان والشخصيات، كان مكانا رمزيا، حيث بدا مكاناً اسطورياً، مرتبط أكثر الاحيان بالاساطير الشعبية والمخيال الشعبي (أرتقى المرتفع الأوسط وصاح صيحات متعددة :- "إن مدينة الاجداد ستندثر والسيوف الموضوعة على جدران الغرف العديدة سيطمرها الماء.." )، (ما أن سقطت المملكة العملاقة حتى غاب اسم مدينتنا أو قريتنا من كل المدونات).
وأيضا هناك التأثير الذي اضافته التناصات المضمرة داخل الرواية على صورة المكان، وأيضا بنية الزمان وبناء الشخصيات، إذ لم يكن (سعدي عوض الزيدي) في (طوفان صدفي) يهتم بالواقعة التاريخية، على اعتبار أنها الأهم في روايته، بقدر ما هي أداة يستخدمها داخل الرواية لتعميق الأثر الذي تضفيه على شخصياته الروائية، والتي هي من نسج خياله، وربما يكون اختياره لهذه الشخصيات وهذه الثيمة التاريخية، من باب إمكانية إسقاطها على روايته والاستفادة من الظلال التي من الممكن ان ترسمها على شخصيات وأحداث الرواية، وكان أول تناص يواجه القارئ داخل الرواية هو استخدام الكاتب لشخصيتي اسماعيل وابراهيم ومدى ارتباطهما بشخصيتي النبيين (عليهما السلام)، التي ترتبط برمزية الفداء القرأنية. وأيضا ثيمة الطوفان التي تتوزع بين القصة القرأنية لنوح (عليه السلام) وايضا القصة السومرية الرافدينية المعروفة، ونلاحظ أيضا إن الكاتب قد رفض داخل الرواية الربط بين هذه الطوفانات وطوفانه الصدفي واعتبارها مرجعيات له، ولكننا سنلاحظ بأن هناك صلات قوية تربط الرواية وقصة الطوفان القرأنية، وايضا دلالات النص واشاراته (حدث في عصر ما، في بلاد ما؛ ما يسمى بالطوفان الصدفي، هذا الطوفان لاعلاقة له بطوفان النبي نوح ألبته ولا يمت بصلة مطلقا بالأمطار العاصفة أو الأعاصير المعروفة في التاريخ أو في الجغرافية..).

الهوامش
1- طوفان صدفي- سعدي عوض الزيدي- دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ط1 2008
2- في نظرية الرواية – بحث في تقنيات السرد- د. عبد الملك مرتاض- سلسلة عالم المعرفة 240- المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب- الكويت ديسمبر 1998 ص15
3- الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث- د.قاسم عبده قاسم، د.إبراهيم أحمد الهواري- دار المعارف – مصر 1979 ص8
4- الشعرية- تزفيتان تودروف- ت. شكري المبخوت ورجاء بن سلامة- دار توبقال للنشر- المغرب ط2 1990 ص35
5- تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي- د. يمنى العيد- دار الفارابي- بيروت ط2 1999 ص20
6- أساليب السرد الروائي العربي (مقال في التركيب)- سعيد يقطين- ضمن اعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر- دولة الكويت 2009 ص134
7- متغيرات الواقع العربي واستجابات الرواية الجمالية – د. صبري حافظ – ضمن أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر – دولة الكويت 2009 ص185 – 186
8- الثقافة والامبريالية – أدوار سعيد- ت. كمال أبو ديب ص16
9- نقلا عن كتاب الرواية التاريخية- جورج لوكاش- ت. د- صالح جواد كاظم- دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد ط2 1986
10- ينظر دليل الناقد الادبي- د- ميجان الرويلي ، د- سعد البازعي- المركز الثقافي العربي- المغرب ط3 2002 ص123 ،ص124
11- الرواية التاريخية- جورج لوكاش ص46
12- ينظر انفتاح النص الروائي- سعيد يقطين- المركز الثقافي العربي- المغرب ط3 2006 ص49
13- ينظر هل لدينا رواية تاريخية؟ - عبد الفتاح الحجمري- نقلا عن مجلة فكر ونقد- منبر الدكتور محمد عابد الجابري- العدد20 \www.fikrwanakd.aljabriabed.net\n20_11hjamri.htm
14- الرواية التاريخية- جورج لوكاش ص40

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: هل يتعلق الأمر باضطراب في التلقي علته اضطراب في الرقن ؟   الأربعاء أبريل 18, 2012 5:32 pm

ينتظر من كتابة المقالة النقدية،إقناع القارئ بوجهة نظر يتبناها الكاتب،من خلال مقاربة منهجية يطبعها الوضوح في العبارة أثناء العرض و التحليل، أما إذا اضطربت اللغة التعبيرية ،بسبب ما يعتريها من اختلال في التركيب، فإنها تصبح عائقا في وجه التواصل مع الفكرة المستهدفة بالإبلاغ ناهيك عن الإقناع.
هل يتعلق الأمر باضطراب في التلقي علته اضطراب في الرقن ؟
أظن أن الكاتب معني بالجواب إثباتا أو نفيا، قبل العودة لاستيقاف بعض أفكاره.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
التأريخ وحركية الخطاب السردي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: