كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 شعرية الصورة والمتخيل

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1426
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: شعرية الصورة والمتخيل   الثلاثاء يناير 31, 2012 3:28 am

جميل حمداوي/شعرية الصورة والمتخيل
[كاتب المقال] admin الثلاثاء 31-01-2012 05:59 صباحا


في مجموعة:" أزعم أن..." لمحمد صوف





توطئـــــة:

يعتقد الكثير من الدارسين والباحثين أن الصورة البلاغية هي التشبيه أو الاستعارة، أو هي صورة المشابهة القائمة على المكونين السابقين، وأن الصورة مرتبطة كل الارتباط بفن الشعر؛ لأنه هو الجنس الأدبي الوحيد الذي ينبني على التصوير البياني والوظيفة الشعرية الموحية. وبالتالي، يستلزم هذا الجنس تشغيل مجمل الصور البلاغية والمحسنات البديعية المعروفة في كتب البلاغة المعيارية. كما فضلت صورة المشابهة في كثير من المصنفات البلاغية والنقدية والأسلوبية، وذلك بالمقارنة مع صورة المجاورة القائمة على الكناية والمجاز المرسل. ومن ثم، تعد صورة المشابهة عند رومان جاكبسون أساس الشعر ، بينما تعد صورة المجاورة أساس النثر، وإن كان هناك من يرى أن الرواية بدورها تستعمل صورة المشابهة بكثرة ، وخاصة الرواية ذات المحكي الشاعري. لكن هناك القليل من الدارسين من يوسع مفهوم الصورة لتشمل الأجناس الأدبية الأخرى، كالسرد، والقصة، والرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة جدا. فللسرد - مثلا- بلاغته الخاصة التي تعتمد على صور تخييلية جديدة تستنبط من الداخل النصي. والآتي، أنها تتجاوز الصور البلاغية المعروفة في ثقافتنا العربية القديمة والحديثة. فأصبحنا اليوم نتحدث عن الصورة الروائية كمشروع جديد عند أستاذنا الدكتور محمد أنقار، والصورة الومضة في القصة القصيرة جدا عند المنظرين لهذا الجنس الأدبي المستحدث، ومسرح الصورة عند صلاح القصب، والصورة المسرحية عند جميل حمداوي. إذا، ماهي أنماط المتخيل في قصص محمد صوف من خلال مجموعته" أزعم أن...؟"، وماهي أنواع الصور السردية وأنماطها داخل هذه المجموعة؟ هذا ما سوف نرصده في هذه الدراسة التي بين أيديكم.



1- مفهـــوم المتخيـــــل:

من المعروف أن الإبداع مرتبط بالخيال والتخييل والمخيلة والمتخيل. ومن الصعب بمكان فصل هذا الإبداع عن ملكة الخيال، فالسرد أساسه الخيال والحلم والتصور والتخييل . ومن ثم، فالمتخيل (L'imaginaire) حاضر في جميع الأجناس الأدبية، ويكون مادة صالحة للخيال ، والتخييل، وتوليد الصور البلاغية في شتى أنواعها وأصنافها. وإذا كانت الاستعارة مرتبطة بالخيال الصناعي كما يقول أبو القاسم الشابي في كتابه:"الخيال الشعري عند العرب" ، فإن الصورة مرتبطة بالخيال الفني. ويعني هذا أن الصورة تتجاوز حسية الخيال الصناعي إلى خاصية التجريد التي يقوم عليها الخيال الفني والإبداعي. بمعنى أن المتخيل قائم على الصورة المجردة والصورة الموسعة المستخلصة من الكتابة النصية وفضائها الدلالي الداخلي. ومن هنا، فالمتخيل هو الكتابة والخيال والنص والفضاء، والتأرجح بين الواقع والممكن، والمراوحة بين الواقعي والمفترض، والانتقال من عالم الحلم إلى عالم اليقظة، والتأرجح بين الشعور واللاشعور. بتعبير آخر، المتخيل عالم من الدلالات الافتراضية الحلمية المفتوحة، إنها صور مفتوحة على المستقبل، على عكس الاستعارة هي ذاكرة مرتبطة بالماضي، وهي قائمة على وجود أحد الطرفين المشبه أو المشبه به. وبهذا، يتمرد المتخيل عن السببية المنطقية والعلية الموضوعية، ويجنح في عوالم التخييل الممكنة، بعيدا عن الواقع المرجعي الذي يلتقطه عبر وساطات فنية وجمالية .

وعليه، فشعرية المتخيل هي دراسة الكتابة السردية أو الشعرية، والاهتمام بفضاء النص والكتابة معا. ومن هنا، فالمتخيل حركة وانفعال، وتعبير عن خوف الإنسان من الزمن. ومن ثم، يتحول المتخيل إلى إجابات عن هذا الخوف ، وعن هذا المصير ، وعن هذا القلق الإنساني التراجيدي. علاوة على ذلك، يرتكز المتخيل على جدلية الواقع والمفترض، واستخلاص قواعد الهوية والاختلاف. وبالتالي، فشعرية المتخيل هي ضد المقاربات السببية كالشكلانية والبنيوية والسيميائية. فشعرية المتخيل - حسب جان بورغوس(Jean Burgos)- هي النظرية النقدية الوحيدة التي تكون قادرة على استكشاف تناقضات اللغة الشعرية أو السردية. ومن جهة أخرى، فهي قادرة على خلق اتساق النص، وبناء انسجامه الدلالي.

وبناء على ما سبق، يبدو أن المتخيل تصوير إبداعي يستمد نسغه ووجوده من الخيال، ويتمظهر دلاليا عبر الصور الفنية والجمالية بمختلف أنماطها وأنواعها، بيد أن هذا المتخيل يستكشف من داخل النص، ولا يستمد من خارجه. بمعنى أن المتخيل تصوير فني داخلي، وليس تصويرا سياقيا خارجيا. وإذا كانت الصورة البلاغية معيارا أسلوبيا خارجيا، فإن المتخيل بمثابة صورة داخلية منفتحة ومتعددة الأطراف.

ـ المتخيل القصصي عند محمد صوف:

تنبني مجموعة:" أزعم أن..." لمحمد صوف على مجموعة من المتخيلات السردية. ونذكر من بين هذه المتخيلات الأنماط التالية:

* متخيــــل الرعـــب:

يحضر متخيل الرعب في قصص محمد صوف بشكل لافت للانتباه؛ مما يتولد عنه متخيل آخر هو متخيل الخوف والصمت والرهبة والانكماش والعزلة، ولاسيما أن هذا المتخيل قد تحول إلى ترسب لاشعوري امتد من الطفولة نحو الشباب والرجولة، وذلك عبر ذاكرة التخيل والاستعادة والاسترجاع. ومن ثم، يشدد السارد في قصصه القصيرة كثيرا على متخيل الرعب، عن طريق استخدام صورة التكرار، وترديدها مرات عدة، ولاسيما في قصة:" الخط الأصفر":" يرعبني والدي منذ الأزل. يرعبني الفقيه معلم القرآن في المسيد أو الجامع. والدي يضربني بالسمطة حيثما اتفق. تفاديا لذلك أطيعه طاعة عمياء. ألفيه يضرب باللوح على الرأس. لذلك، أحفظ عن ظهر قلب كلما يخطه قلمه.

المعلم في المدرسة يرعبني. لذا أجلس ولا أنبس بكلمة. وأحفظ القرآن والمحفوظات وحتى دروس المحادثة والإملاء.لأني أخاف من مسطرته الحديدية عندما تقع على رؤوس الأصابع أتحاشى أن أقع في هذا المأزق وأحفظ كل شيء. ومع ذلك أرتعب.

أستاذ الرياضيات يرعبني في الثانوية.هو بدوره يصفع كل من يتردد في الجواب على أسئلته. لذا أسعى إلى اقتناء المقرر وإلى الاطلاع على الدرس قبل أن يلقنه لنا هو.

يرعبني عون القوات المساعدة في الشارع. يرعبني الشرطي في كل المدارات . يرعبني موظف المقاطعة وموظف العمالة وموظف الحكومة.

ترعبني أحلام اليقظة وأحلام اللايقظة. يرعبني هذا الرجل الذي يقف أمامي الآن وأنا أغط في نوم تمنيته عميقا. ينتظر مني أن أكتب آية من القرآن تعجبه. يريدها بالخط الكوفي كبيرة حتى يضعها في إطار ويعلقها في مكتبه.."

تساهم هذه الصورة السردية الممتدة في تجسيد متخيل الرعب الذي ينتج في فضاء الواقع، وقد لون هذا الفضاء ذاكرة السارد وطفولته ودراسته بلاشعور حلمي، قائم على الخوف والعجز والوحدة والعزلة، وعدم القدرة على الإبداع في وجود لغة القهر والضغط والقمع.

* متخــــيل الطفولـــــة:

تنبني قصص محمد صوف في مجموعته " أزعم أن..." على متخيل الطفولة، من خلال استحضار أجواء المدرسة وعلاقاته بالكتاب والمدرسة من جهة، وعلاقته بمعلميه وأساتذته وأصدقائه من جهة أخرى. وإذا كانت علاقته بعالم المدرسة علاقة نفور ورفض وتمرد، فإن علاقته بمعلمته " منية" هي علاقة حب وعشق وغرام داخلي. ومن ثم، تجسد قصة " الخيط الأبيض" بداية حب طفولي بريء، عاشه السارد الطفل في عوالم حلمية ممتعة، وتلذذ به في أجواء افتراضية تجاوزت منطقة الهو إلى الأنا ، وخاصة أثناء استرجاعه لذكرياته اللاشعورية التي تشهد له بحبه لمعلمته إلى درجة الوله والجنون:" صموتة. تجالسني وأسمع ما يدور بخلدها.

تحب أن تستحم بالماء الدافئ. هي معلمتي . ومن علمني حرفا...

لاتأمرني ولا تطلب مني شيئا. لكني أفهم ما تريد.

منية اسم على علم.

أراها الآن فقط حلما في حلم. ترغب في إضافة ماء بارد إلى الماء الساخن حتى توفر لها درجة الحرارة التي يرتاح لها جسدها.أقرأ الرغبة وأركض إلى النبع لأجلب لها الماء البارد.

أحب أن أخدمها.أرتاح إلى ما يوافقها وأنفر عما يضادها.

أحيانا يذهب بي الاعتقاد على أنها- أي منية- أي معلمتي.لا. لن أقول ما أنا في شك من أمره. إذن ليس ثمة أحيانا وليس ثمة اعتقاد.

إلا أنني أستطيع أن أقول إن يوما لا ألقاها فيه يطول. كيف يطول اليوم الذي لا ألقاها فيه وأنا أقص حلم ليلة؟؟ مع ذلك أتابع لأقول إن سنة ألتقي بها فيها تمر كالبرق...هل رأيتهم سنة تمر كالبرق في النوم؟؟

أراها شمسا بالنهار وهلالا بدجى الليل."

وهكذا، يرتبط متخيل الطفولة بمتخيل الحب والشهوة والدراسة والطفولة والذاكرة. وكل هذه المتخيلات متداخلة ومتقاطعة، لتنسج دلالة كلية تتمثل في ثنائية توليدية ألا وهي: ثنائية الحلم واليقظة.

* متخيــــل المدرسة:

تتحول قصص محمد صوف، وذلك بعوالمها التعليمية والتربوية، إلى متخيل رئيس يتحكم في مجموعته القصصية:" أزعم أن..." ، ويتعلق هذا المتخيل بالمدرسة والدراسة والتعلم، ويستند هذا المتخيل إلى الاسترجاع والاستذكار والافتراض والحلم ؛ لأن هذا الفضاء التخيلي مازال مترسبا في ذاكرة السارد اللاشعورية ، وترتبط بصورة الرعب والخوف التي تتجسد بكل وضوح في شخص المعلم، والأستاذ، والفقيه، والأب..." آخذ الريشة وأدع يدي تتحرك عبر القرطاس. تصبح الحروف طيعة. تبتسم لي.

تردد معي

" أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي على صراط مستقيم"

لماذا اختار الأستاذ هذه الآية؟؟؟

هي جميلة.

وديعة تنساب مع الريشة انسيابا وتنصاع المراوح وزخارف التوريق. تصبح الحروف قصيدة سلسلة . قيودي تتكسر تباعا وتزحف خلف الحرف. يقول لي هسيس الريشة إن الأستاذ الذي كان يتعجب من خطئك سيتعجب من صوابك.

ها أنا أضع اللمسات الأخيرة للآية. وهاهو صوت يأتيني من الخلف. النبرة غير النبرة.

أسمع:

- مذهل.. سبحان من يجعل الحبة عرقا ويقيمها على ساق وتصبح خضراء ترف ثم يابسة تتقصف فتعمر بها البلاد وينتفع بها العباد..مذهل ..أين كنت تخبئ هذه الطاقة؟؟؟"

يتبين لنا من كل هذا بأن الكاتب قد نقل لنا أجواء الدراسة بعوالمها الطفولية، لكي ينسج لنا أجواء البراءة الشقية، ويصور عالم الرعب والقسوة في نفوس المدرسين، الذين كانوا يتعاملون مع أطفالهم بعنف وشدة ؛ مما يؤثر كل هذا سلبا على نفسيات هؤلاء الأبرياء صغارا وشبابا وكبارا.

* متخيــــل الحـــب:

يتداخل متخيل الحب في قصص محمد صوف مع المتخيلات السردية الأخرى، كمتخيل الرعب، ومتخيل المدرسة، ومتخيل الطفولة، ومتخيل الذاكرة. وهكذا، نجد أن السارد منذ طفولته يغرم بمعلمته الجميلة التي كان يعشقها إلى درجة الجنون في صمت ومناجاة داخلية، ويحولها إلى صور حلمية جميلة رائعة، يتلذذ بها في فضاء الهو واللاشعور:" ماذا اقترفت ؟؟ كنت أنتظر نشوة الاعتراف بالجميل. كنت أنتظر ابتسامة تناغيني أنا التابع التلميذ العاشق الذي طالما هفا إلى القبلة الأولى.

وإذا بعينيها تدخلان في حديث مجهول ويختفي الحلم (هل يختفي الحلم في الحلم؟؟) بعناق الزهر وغمغمات الطير تختفي روائح الخصب وعبير العناق.

ويبقى الحنين يتيما."

ويعني هذا أن صور الحب والعشق والوله والوجد تأتي عبر انسياب الذاكرة، واسترجاع صفحات الماضي، واستقراء عوالم الطفولة بأحلامها المفترضة، التي كانت تعبر بشكل من الأشكال عن عشق مكبوت، وحب دفين في نفسية الولد المحروم من الحنان الأمومي والشبقي.

* متخـــيل الشطـــارة:

يوظف الكاتب محمد صوف في مجموعته القصصية:" أزعم أن..." متخيل الشطارة الذي يرصد شقاوته الطفولية بعوالمها التربوية المتناقضة، كما يرصد مراهقته الشبابية بشبقيتها ورغباتها الجامحة، ناهيك عن طيشه في كبره ورجولته، وإقباله على الحياة، بكل ما يملكه من رغبة وحب وعزيمة في ممارسة فعل الحياة، كما يظهر ذلك جليا في هذه الصورة المشهدية:" قبل أن نحضر نحن يأتي هو. نتحلق حوله. ننصت إليه.

أو ينصتون إليه.إلا أنا.

هو يقول وأنا أحلم بالياقوتة واللؤلؤة.أهفو من قلب كلامه إلى سحر أسقاه من عينين وإلى خمر أسقاها من يد نديمة تنسيني الحديث عن الزهد..

والقناعة

وضبط النفس.

مالي أنا وهذا اللظى؟؟

نتحلق حوله. ننصت إليه أو ينصتون إليه. إلا أنا فأنتظر الظلام أحب الظلام.لأنه يهديني ويضل الآخرين عني. به أو فيه أهتدي إلى الجدار. وفي ظله أقفز عبره (الهاء هنا تعود على الجدار) وأركض نحو المدينة.

اعلموا أن المدينة ليلا ليست هي المدينة نهارا

مدينتي أنا ليلا أجمل وآمن من مدينة النهار.

هناك أخرج من ساحة الأحزان .أذهب مبتعدا طوعا نحو تفاحة ملئت مسكا. لو تسند ميتا إلى نحرها يعيش ولا ينقل إلى قابر.

هذا المعلم يرفض لنا رقيق العيش ولذات الدنيا. يدعونا إلى الابتسام من الفراغ للفراغ. وأنا أفضل أن أبتسم للبضاضة وملامسة الجلد وصفاء البشرة.

إنما المعلم يبغضنا بغض الحاسد لذي النعمة."

يعبر هذا المشهد القصصي عن الحياة البيكارسكية (الشطارية) التي كان يبحث عنها السارد البوهيمي الطائش، تلك الحياة التي كانت تتناقض مع حياة معلمه المبنية على الزهد والقناعة وضبط النفس.وبهذا، يكون هذا المتخيل بأجوائه التحررية يناقض ، بطريقة من الطرائق، متخيل المدرسة بكل عوالمه القائمة على الرعب والخوف والانضباط.

* متخيـــل الإبــــداع:

يرتبط متخيل الفن والإبداع في قصص محمد صوف بصورة الرعب والخوف، حيث يتحول فضاء القسم إلى سجن داخلي للطاقات، ومطهر للرغبات المكبوتة التي تريد أن تتحرر من القيود المفروضة، وفضاء مثالي للانضباط المبالغ فيه، ومكان مغلق تتجسد فيه بشكل جلي صرامة الامتثال للمدرس. والآتي، يجب أن تخرس الألسنة، وتكمم الأفواه، وتتجمد الحركات، وتقيد الطاقات والمواهب. وبذلك، يتنافى الإبداع مع عالم القمع والقهر، ولايمكن أن يسترسل الفن وينساب إلا مع الحرية والتحرر الكينوني والوجودي والمستقبلي:" أشرع في رسم الكلمات لكنه يوقفني في كل لحظة صارخا.

- ماهذه الإساءة للنص المقدس.ارسم الحرف بخشوع. دعه ينساب من أناملك .عندما ترسم الحرف بخشوع يزرع الخشوع في كل من يراه. اعد..

ويمد يده إلى القرطاس ويقطعه إربا إربا.نسيت أن أقول/أن أكتب/ لكم إني في حلم والرعب في الحلم يخنق الأنفاس.لا لقد قلتها. معذرة فالرعب يربك.

صحيح أنه يجثم على أنفاسي..يلخص الوالد والفقيه والمعلم وأستاذ الرياضيات ورجل القوات المساعدة والشرطي والموظف. جوارحي لا تسكن إليه.إنه يستكرهني قهرا.. ويجتر خطوطي قسرا.يصرخ في وجهي.أين هي المراوح النخيلية أين زخارف التوريق؟ ليس هذا خطا كوفيا.إنه اقتراف للخط الكوفي.ابدأ من جديد...

وأعيد. لكني أجد الرسم أمنع جانبا وأعز مطلبا.أجدني أتكلف ويدي ترتجف وترفض أن تطاوعني. كأن الحرف يتمرد علي.الحرف يرفض أن ينزل مكرها في غير وطنه .أريد أن أقول له يا سيدي إن النفس لا تجود بمكنونها مع الرهبة واليد لا تطيع إلا مع الرغبة.لا أستطيع .هذا العبوس القمطرير لا يشجع على زرع كلمة مهما كانت مقدسة في أحشاء القرطاس..

وعذابي أليم كعذاب القرطاس اللحظة.

كم أتمنى أن أضع الريشة جانبا وأترك العمل. فما أعمل الآن أكثر سوءا من العمل. يزداد المعلم غيظا .أراني عبدا في ثوب حر.أحاول أن أجد له عذرا.وأقول لابأس ففي كل خلق حلة مذمومة ووراء كل محبب مكروه. ويكفي أن ينظر إلى يدي لتنقض غزلها من بعد قوة إنكاثا."

وهكذا، يتبين لنا بأن متخيل الفن والإبداع كان مقترنا بشكل سلبي بمتخيل الرعب والخوف والرهبة، وهذا يشي بأن عوالم الواقع هي عوالم القمع والقهر والتسلط؛ وهذه العوالم تقتل الإبداع، وتخنق الفن، وتقضي على الطاقات الدفينة والمواهب المستقبلية. وبهذا، يثور الكاتب بشكل من الأشكال على المؤسسة التربوية باعتبارها ثكنة عسكرية لحبس الرغبات، وبخس الطاقات، ومنع الكلام من الصراخ والانطلاق، وتقييد الذوات من التحرر.

* متخـــيل الذاكــــرة:

من يقرأ قصص محمد صوف التي تتضمنها مجموعته:" أزعم أن..."، فلابد أن يخرج بانطباع أولي بأن هذه القصص الطفولية المتنوعة في تضاريسها التخييلية، والمتنوعة في عوالمها التصويرية، تستمد نسغها الإيقاعي من متخيل الذاكرة، إذ ينتقل زمن الماضي إلى زمن الحاضر لتشكيل كينونة سارده ، والتعبير عن حاضره، وتشكيل مصيره المستقبلي، كما أن متخيل الذاكرة في هذه القصص المتناسلة امتدادا وإيقاعا وتسلسلا مبني على عوالم حلمية افتراضية من جهة، وقائم على فضاءات سريالية تتأرجح بين اليقظة والحلم من جهة أخرى . ومن هنا، تؤشر بدايات قصص محمد صوف وأوساطها ونهاياتها على البنية الحلمية والذاكرة المسترجعة. ومن ثم، فزمن الذاكرة هابط من الحاضر نحو الماضي، ومن هنا، يعمد الكاتب إلى الاسترجاع واستعادة الماضي، وذلك من خلال فعل التذكر وفعل الاسترجاع:" منية اسم علم. أراها الآن فقط حلما في حلم."

وعليه، تتحول المجوعة القصصية برمتها إلى فعل الذاكرة، واستقراء التاريخ اللاشعوري المترسب والمنسي في منطقة الهو، مع رصد عوالم الطفولة في أجوائها الحلمية الافتراضية والتخييلية.

* متخيــــل الحلــــم:

من يقرأ قصص محمد صوف المتجمعة في أضمومة:" أزعم أن..." ، فسيخرج بانطباع أولي بأن صورة الحلم هي التي تؤطر مجموعته القصصية ...بمعنى أن هذه القصص تتراوح بين اليقظة والحلم، وتتأرجح بين الشعور واللاشعور، وتتموقع بين الصحو والنوم. ومن ثم، فهذه القصص في الحقيقة ما هي إلا اعترافات لاشعورية بسبب الضغوطات النفسية الذاتية والموضوعية:" أرى فيما يرى النائم أني واقف في حلقة ووسط الحلقة كان الفقيه يفسر الأحلام. قال له شخص إنه رأى في ما يرى النائم والده المتوفى يزوره في البيت. رد الفقيه أن على الرجل أن يزور قبر الوالد ويترحم عليه ويقدم لروحه صدقة تبتدئ من تلك اللحظة.انتحب السائل. أعرب عن ندمه لتقصيره في حق والده. طيب الفقيه خاطر النادم وطيب النادم خاطر الفقيه."

وبهذا، يكون فضاء الأحلام هو الفضاء الرئيس للبنية السردية تحبيكا وتخطبيا . وبهذا، يكون المتخيل الحلمي هو المهيمن في أضمومة محمد صوف بداية ووسطا ونهاية.

* متخيـــل المــــوت:

ثمة مجموعة من الصور في مجموعة محمد صوف القصصية، والتي تعبر عن متخيل الموت الذي يتردد كثيرا باعتباره واقعا أو خيالا أو حلما، لاسيما أن الموت الميتافيزيقي سواء أكان شرا أم خيرا ، قد تناوله كثير من المبدعين العالميين بالطرح والمناقشة والتخييل، لأن الموت نهاية طبيعية لمصير الإنسان، ويضع حدا لاستمرارية الجسد، ويرسم نهاية لبداية بشرية:" ما أعرفه يا صديقي هو أن الروح عندما تغادر الجسد تأتي جماعة وتشرع في إعداد الجثة للمرحلة اللاحقة.ثم تأتي جماعة أخرى تهيء الروح التي ظلت حبيسة الجسد زمنا لرحلتها الجديدة.

تدوم الطقوس ثلاثة أيام بلياليها. يستريح الرجال بالتناوب حتى لا يتوقف الإعداد.كل السر في الاستمرار.وأي انقطاع يضطر الفاعلين إلى معاودة الكرة من جديد.

في اليوم الموالي تنتهي الإعدادات ويأتي شخص من مصلحة تنظيم الموتى..يستريح الرجال.وتبدأ مهمة رجل اليوم الرابع.

الغريب في هذه الحكاية هو أني لم أعد واقفا في المقبرة أمام قبر أمي.رأيتني هناك في أرض لا أعرفها وسط حقل لا أعرفه بين أناس لا أعرفهم.صوت رفيقي هو ماكنت أسمع.كان يصاحب الأحداث التي كنت أشاهد.

كان الجسد عاريا تماما.جاء الرجل ودثر الميت. بكفن أبيض.قلت في نفسي لعلها أول مراسيم الدفن كما أعرفها.الحقيقة أنه لم يدثر الميت بل لفه داخل الرداء الأبيض ثم توقف للحظة كمن يستريح أنفاسه.بدا لي الرجل يفكر.قلت لعله يفكر في المرحلة اللاحقة.لم يكن عريضا ولا طويلا ولاسمينا.الحقيقة أنني لم أستطع تبين حجمه أو شكله.لكني رأيته يحمل الجثة على ظهره ككيس تبن.ورأيته ينصرف."

نستنتج من هذا المقطع المسرود بأن الكاتب قد توفق في التعبير فنيا وجماليا عن متخيل الموت، باعتباره تراجيديا إنسانية، ونهاية بشرية محتومة.

* متخيـــل الغيــــر:

يحضر الآخر أو الغير في قصة:" الخط الأزرق" من مجموعة:" أزعم أن..." لمحمد صوف باعتباره مناقضا للأنا أو الذات الرائية، فيتحول هذا الآخر أو الغير إلى موضوع للرؤية والتشييء والتغريب، كما يظهر ذلك واضحا في هذا المقطع السردي:" يتحدثون عنه وبأم عيني رأيته أراه معرضا. يناديني باسمي. يذكر لوني قميصي. شكل سروالي. ينصحني بتغيير الحذاء. وقد كنت أنوي تغييره.

رأيتني أقول لسيدي وأستاذي ما رأيته.

ورأيتني أرى سيدي وأستاذي يطلق ضحكة ساخرة.

- هراء.

رأيتني أقسم أن الرجل كان معرضا وأني لا أعرفه وأنه لا يعرفني. ولا أظن أنه رآني من قبل.كما لم أره من قبل..ورأيته يطلق من أنفه ضحكة ساخرة ثانية.

جننت.

رأيته يقولها أيضا.

ورأيت لا يصدقني.رأيته يتهمني بالجنون وينصحني بالخروج من ذاتي والالتفات إلى ما حولي. وإفساح المجال للآخر.ثم رأيت الآخر يقول لي أنت دون الآخر لاشيء. ورأيتني أذهل من جديد وأسارع مرة أخرى إلى سيدي وأستاذي أقص عليه نبأ هذه الظاهرة.

أود أن أقول إن سيدي وأستاذي لايستقبل أحدا دون موعد. وعندما يستقبلك يطل عليك من أعلى مكتبه. يحشرك في أريكة صمم وضعها بشكل يجعلك ترفع بصرك لتراه وتحادثه. ويجعل كلامه يحط عليك من عل.

سيدي وأستاذي يطلق من أنفه ضحكة ساخرة.هو دائما يضحك من أنفه. يقول:

- هراء

ورأيته يشير لي بالانصراف.وإذا أشار سيدي وأستاذي بالانصراف فما علي إلا أن أنصرف

فهل انصرفت؟؟

عفوا..

هل رأيتني أنصرف؟

لا علينا. كل ما في الحكاية أن الباب كان مفتوحا أمام سيدي وأستاذي. والآخر يجلس وسط مجموعة من المريدين يتبادلون النكت ويضحكون ملء الأشداق.تلتقي نظرة الآخر بنظرة سيدي وأستاذي.يرحب به ويدعوه إلى التفضل بالدخول والجلوس والمشاركة..

نظرته تتقزز. صوته يكاد يطلق زعيقا خافتا. ومع ذلك يجلس. وسط الجميع قريبا من الآخر.

الآخر يضاحكه. يشاغبه. يسعى إلى فك عقدة لسانه.

وهو لايضحك. لايشاغب. ويرفض للعقدة أن تنحل.

الآخر يدعوه إلى كأس شاي صحراوي بدون نعناع . مشحر. يشرح الصدر. ويحل عقدة اللسان.

والجمع ينصت يصغي."

من المعلوم أن مبحث الغير أصبح من المواضيع الشائكة في الفلسفة الغربية من فترة اليونان إلى يومنا هذا، فقد اختلفت منظورات هؤلاء إلى الغير والآخر من خلال أنساق فلسفية مختلفة تتراوح بين السلبية والإيجابية. وهكذا، فقد جسد الكاتب متخيل الغير والآخر تجسيدا فلسفيا دقيقا قائما على جدلية التقابل والصراع والتعالي والعدوان.

* متخـــيل الفســـــاد:

يحضر متخيل الفساد بشكل جلي في قصة :"الخط الحجري"، حيث يتحول مسؤول حاكم متعدد الاختصاصات والمواهب والمسؤوليات إلى كائن مدع ومزيف، يستغل فقر الآخرين وسذاجتهم الاجتماعية، فيكون همه الأوحد هو البحث عن الأنثى لإشباع رغباته و نزواته و شهواته : " يخرج قلما ويشرع في رسم خطوط فوق كل صفة الواحدة تلو الأخرى .تختفي الصفات والألقاب. يبقى الاسم فقط.

لم يكلف السائق بحمل البطاقة من جديد إلى السيدة. ومن جديد يطرق بابها ومن جديد يفتح له المساعد ومن جديد يمد المساعد البطاقة للسيدة.

تقرأها.

-الوليد بن يزيد. يا مرحبا. دعه يتفضل. منذ زمن وأنا أرغب في رؤيته.

لا يفهم السائق شيئا.

يفهم صاحب البطاقة أشياء. ويترجل نحو باب بيت السيدة.

حتى أنا في حلمي لا أفهم شيئا.سأحاول أن أفهم في يقظتي."

ويتبين لنا بأن الكاتب يتخطى الواقع السياسي المرجعي ليحلق في عوالم تخييلية حلمية ، ثائرا على عالم الفساد الذي انحطت فيه القيم الأصيلة ، واستبدلت بالقيم الكمية الاستبدالية. ولم يبق الكاتب حبيس السرد التقريري في التعبير عن متخيل الفساد، بل استعمل كتابة رمزية من خلال الاشتغال على شخصية الوليد بن يزيد، وهذه الشخصية في متخيلنا التحققي والثقافي لها أبعاد إيحائية وإحالية متنوعة ومتعددة، وخاصة في سياقنا المرجعي العربي، وسياقنا الحلمي والافتراضي والتوقعي.

2 ـ أنــــواع الصـــور السرديـــة وأنماطـــها:

ثمة مجموعة من الصور القصصية والسردية التي تتضمنها مجموعة:" أزعم أن..." لمحمد صوف، ويمكن حصر هذه الصور في الأنواع والأنماط التالية:

*- صــورة التناقــــض:

إذا كان التضاد بمثابة طباق إيجابي (الليل يتضاد مع النهار)، فإن التناقض بمثابة طباق سالب يعتمد على نفي الموجب كما في هذه الصورة:" ترعبني أحلام اليقظة وأحلام اللايقظة". ويتبين لنا من خلال هذه الصورة المنطقية الحجاجية المبنية على التناقض الجدلي أن الكاتب يعاني كثيرا من الرعب الشعوري واللاشعوري ، حتى إن هذا الرعب في الحقيقة يتحول إلى هلوسات سريالية تؤثر سلبا على السارد المتكلم.

*- صــــورة التكــــرار:

يعلم الكل بأن الصورة السردية القائمة على التكرار تعمد إلى تكرير الفونيمات الصوتية والمورفيمات والمونيمات والمركبات والجمل ، وكل ذلك من أجل تثبيت المعنى، وترسيخه في ذهن المتلقي.لذلك، نجد أن محمد صوف يشغل هذه الصورة بكثرة في مجموعته القصصية. وهكذا، نجده في قصته :" الخط الأصفر" يكرر مونيم الرعب صرفيا وتركيبيا ونحويا وسياقيا؛ ليبين لنا معاناته مع والده وفقيه المدرسة. ومن ثم يتحول مخيل الرعب إلى كابوس لاشعوري ينتاب السارد كينونيا ووجوديا:" يرعبني والدي منذ الأزل. يرعبني الفقيه معلم القرآن في المسيد أو الجامع.والدي يضربني بالسمطة حيثما اتفق.تفاديا لذلك أطيعه طاعة عمياء.ألفيه يضرب باللوح على الرأس.لذلك، أحفظ عن ظهر قلب كلما يخطه قلمه.

المعلم في المدرسة يرعبني. لذا أجلس ولا أنبس بكلمة. وأحفظ القرآن والمحفوظات وحتى دروس المحادثة والإملاء.لأني أخاف من مسطرته الحديدية عندما تقع على رؤوس الأصابع أتحاشى أن أقع في هذا المأزق وأحفظ كل شيء.

ومع ذلك أرتعب."

وهكذا، يتضح لنا بأن صورة التكرار هي صورة الرعب والخوف والتسلط والقمع والقهر. والآتي، أن صورة الطفولة مرتبطة عند الكاتب بتكرار صورة الرعب والخوف من المدرسة وعوالمها الكابوسية المرعبة.

وتتقابل صورة الحرية مع صورة الرعب عبر صيغة التكرار:" ثم يتقدم أحد الأتباع...كنت أعتقد ألا أحد معنا..من أين يخرج هؤلاء؟؟ أقول يتقدم أحد الأتباع نحوه ويهمس له شيئا في أذنه. يومئ الأستاذ برأسه. وينصرف..

أنا الآن حر.أكاد أصرخ في النائمين.أنا الآن حر."

وهكذا، تتقابل صورة الحرية مع صورة القمع سرديا وفنيا وجماليا، وذلك عبر صورة التكرار التي جسدت هذا التقابل تثبيتا وتأكيدا وترسيخا.

*- صــــورة التلميـح:

نعني بالتلميح إشارة الكاتب إلى حكاية أو نكتة أو مرجع معرفي أو معلومات ومعارف معينة، أو الإحالة على معرفة خلفية معينة. وإذا أخذنا هذه الصورة على سبيل التمثيل:" وأعيد . لكني أجد الرسم أمتع جانبا وأعز مطلبا.أجدني أتكلف ويدي ترتجف وترفض أن تطاوعني.كان الحرف يتمرد علي.الحرف يرفض أن ينزل مكرها في غير وطنه.أريد أن أقول له يا سيدي إن النفس لا تجود بمكنونها مع الرهبة واليد لا تطيع إلا مع الرغبة.لا أستطيع . هذا العبوس القمطرير لا يشجع على زرع كلمة مهما كانت مقدسة في أحشاء القرطاس.

وعذابي أليم كعذاب القرطاس اللحظة."

تحيل هذه الصورة تناصيا على كتاب :" أعز ما يطلب" للمهدي بن تومرت، كما تلمح هذه الصورة إلى رواية :" المباءة" لمحمد عز الدين التازي ، والتي ركز فيها كثيرا على القلم والقرطاس، ومناجاة الكتابة، والحوار مع نقوش الشاهدة.

*- صــــورة التضميـــن:

تعتمد صورة التضمين على الاقتباس من آي القرآن الكريم أو أحاديث السنة أو تشغيل المأثور من الكلام العربي نثرا وشعرا ومثلا وحكمة ومقتبسا:" آخذ الريشة وأدع يدي تتحرك عبرالقرطاس.تصبح الحروف طيعة. تبتسم لي تردد معي" أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي على صراط مستقيم".

لماذا اختار الأستاذ هذه الآية؟؟؟

هي جميلة.

وديعة تنساب مع الريشة انسيابا وتنصاع المراوح وزخارف التوريق.تصبح الحروف قصيدة سلسلة."

تعد صورة التضمين من الصور البلاغية المعيارية الخارجية، وذلك بالمقارنة مع التناص الذي يشكل صورة تصويرية خيالية، لايمكن جردها إلا باستقراء المعرفة الخلفية ، وتفتيق الذاكرة الثقافية.

*- صــــورة الإتبــــاع:

تستند صورة الإتباع إلى التوازن الصوتي والصرفي واللفظي، حيث تخلق هذه الصورة موسيقا هرمونية بديعة من خلال التجانس والتشاكل والتماثل. ومن أهم الأمثلة على صورة الإتباع ما يتضح من صفات في وصف المعلمة منية:" منية.اسم علم.أراها الآن فقط حلما . معتدلة الخلق. نقية اللون والثغر. قمراء. وطفاء. دعجاء. برجاء. زجاء.أسيلة الخد. شهية المقبل. جثلة الشعر. كاعب الثدي. لطيفة الكف. ضامرة البطن. حميصة الخصر. قطوف المشي. بضة المتجرد.عزيزة النفس. حيية. رزينة. قطيعة اللسان. رهوة الصوت. ساكنة النبرات.تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها."

فكلمات من مثل: قمراء ووطفاء ودعجاء وبرجاء وزجاء دليل على تتابع الكلمات وتراكبها وتعاقبها إيقاعيا ونغميا. ومن ثم، تندرج هذه الصورة ضمن صورة الإتباع، وتكثر هذه الصورة كثيرا في بلاغة السرد العربي القديم.

*- صــــورة التلقـــي:

تحضر صورة التلقي كثيرا في القصص الميتاسردية التي استفادت من جمالية القراءة أو الاستجابة، حيث يصبح المتلقي طرفا في عملية التصوير والكتابة والتخييل ، كما يتضح ذلك جليا في هذه الصورة التي تستحضر القارئ المفترض ليشارك المبدع عملية الإبداع والتأويل:" ما رأيك عزيزي القارئ في هذا الوصف الواثب من التراث؟"

ويظهر أن الروائيين المغربيين محمد برادة وعمر والقاضي قد شغلا جيدا صورة التلقي في كتاباتهما المتميزة، واستطاعا أن يشركا المتلقي بشكل إيجابي ومثمر.

*- صــــورة المشابهــة:

من المعروف أن صورة المشابهة هي التشبيه والاستعارة. ومن ثم، يكثر محمد صور هذه الصورة عبر قصص مجموعته السردية، وذلك من أجل خلق إيحائية بلاغية وجمالية سردية، كما نتبين ذلك جليا في هذه الصورة القائمة على التشبيه من جهة:" يمشي ببطء شاعري. بخطو موقع كالنشيد كحبيبة أبي القاسم" ، أو هذه الصورة التي تقوم على الاستعارة من جهة أخرى:" يغوص الناسك في تأملاته مشيا. يغازل هواء الليل.رائحة الأشجار.طعم الهدوء وتباشير نوم تدغدغ جفونه فيزحف نحو الكوخ".

وتعد هذه الصورة هي المهيمنة بكثرة في المجموعة القصصية لمحمد صوف؛ لأن الكاتب مازال مشدودا إلى بلاغة الشعر وصورة المشابهة، التي يصعب التخلص منها؛ نظرا لمكانتها المتميزة في البلاغة العربية المعيارية.

*- صـــورة المجاورة:

تتكئ صورة المجاورة على الكناية والمجاز المرسل، كما يظهر ذلك باديا في هذه الصورة: " وأسهر .ألهو. وبدهائي أفخر فخرا سرابا. تماما كما أفعل هذه الليلة.أسمع الأصوات المطربة. وأتمتع بالأوتار الفصيحة وأتملى بالأغاني الحسنة وأعتذر للجاحظ. وأرفض أن أظهر النسك والتقشف أمام اللؤلؤ المكنون.

وبعد أن أقضي وطري من الثياب الأعطر والنعم الأرق والريح الأطيب أغادر.

أفعل ذلك قبل أن يشيب الرأس ويقل المال ويضيع من ودهن النصيب.بعدها فلتأت ساعات الدرس والدعوات المتكررة إلى ضبط النفس.

أراني اللحظة أزحف نحو المعهد. أتسلق الجدار وأعلم أن الكرسي العالي ينتظرني كما عهدته.أضع رجلي عليه هذه المرة لا أشعر بصلابة الخشب.أضحك من نفسي.وما أن تلمس قدماي الأرض حتى أراني أمامه وجا لوجه."."

تستند هذه الصورة إلى مجموعة من الكنايات التي تحيل على الأنثى من جهة ( الثياب الأعطر- النعم الأرق- الريح الأطيب- اللؤلؤ المكنون- الأصوات المطربة- الأوتار الصحيحة...)، وتحيل على المعلم من جهة أخرى (وجها لوجه).

*- صـــورة التصـــدير:

نعني بالتصدير - الذي يعد محسنا بديعيا في البلاغة العربية المعيارية- رد العجز على الصدر في مجال الشعر، ولكننا سنوسع مفهومه ليشمل حتى النثر السردي والقصصي، فنعني بصورة التصدير إرجاع الكلمات أو العبارات اللاحقة على الملفوظات والدوال السابقة ، كما في هذه الصورة التي يشدد فيها الكاتب على كلمة اللقاء تصديرا وإرجاعا، وهو يرصد صورة معلمته الجميلة منية:" إلا أنني أستطيع أن أقول إن يوما لا ألقاها فيه يطول.كيف يطول اليوم الذي لا ألقاها فيه وأنا أقص حلم ليلة ؟؟ مع ذلك أتابع لأقول إن سنة ألتقي بها فيها تمر كالبرق..هل رأيتم سنة تمر كالبرق في النوم؟؟

أراها شمسا بالنهار وهلالا بدجى الليل."

يسهم التصدير في التخصيص والتركيز على الموصوف باعتباره أولى بالأهمية والعناية والاهتمام.

*- صــــورة الاشتقــــاق:

يلاحظ أن محمد صوف مولع بالكتابة التراثية صياغة وسبكا ونحتا وتوليدا، إذ يعنى بالاشتقاق تشكيلا وتجنيسا وتفريعا، كما يتبين ذلك جليا في هذه الصورة البلاغية:" ها أنا أسمع شيئا كالصوت وحديثا بدون كلمات يوجه إلي.أدركه. مرحبا بضيف الله.لم أطلب ضيافة. ومع ذلك فأنا في حاجة إلى مأوى.إلى مدفأة .إلى حذاء. إلى طعام. إلى غطاء. أتساءل عن المرأة التي تدعوني اللحظة إلى بيتها.هل هي خفرة قفرة مطرة؟ أم هي مذرة وذرة قذرة.

وأجدني أقول حاشا لله من ترحب بك لا مذرة ولا وذرة ولا قذرة.

تدعوني. لا أرفض.أنا الآن تحت سقف. قرب النار. وقرب النار أطفال أربعة. أشرب شايا دافئا. أطفال أربعة يقاسموني الشاي وخبز الذرة."

يلاحظ أن صورة الاشتقاق الموجودة في هذا المقطع السردي لها علاقة وثيقة الصلة بصورة التوازي والمماثلة والتعادل والتجنيس والتشاكل. ومن ثم، فهذه الصورة تندرج ضمن صور الشكل أكثر من اندراجها ضمن صور الفكر والحجاج.

*- صـــورة الإحالـــة:

تحمل صورة الإحالة في طياتها ذاكرة الترسبات المتعلقة بالمعرفة الخلفية والتناصية، كما يتضح ذلك جليا في هذه الصورة التي تحيل على قصة موسى والخضر كما وردت في سورة الكهف:" أتدرون ما يفعل الآن؟ يرفض أن يعود.يرفض أن يرفع عني بصره.أوجس خيفة. فلا أنا نقاء لون. ولا أنا حسن اعتدال ولا أنا جودة قد وقوام.فماذا يريد هذا السكير وله زوجة لاهي شوهاء ولاجرباء. بدر فوق غصن.غناء تولد الشهوات منها.

فماذا يريد؟

وله أطفال كالذرر.

يهمس لي.أنا موساك وأنت خضري.

أتمنى أن أستيقظ."

تحيل هذه الصورة على المستنسخ الديني المتعلق بسورة الكهف، وتشير كذلك إلى تبعية المريد لشيخه القطب في المسلكية العرفانية والحياتية.

*- صـــورة الاستطـــراد:

تستند صورة الاستطراد إلى تشعيب الموضوع الرئيس إلى مواضيع فرعية قد تخدم النص أو لا تخدمه، كما يبدو ذلك جليا في هذه الصورة:" سأتابع الحكاية وأتوقف عن التعليق.فأنا منذ البدء أقررت بأني أهذي.

كان الله في عونكم.

إذا أتعبكم هذا الهذيان فمن حقكم أن تتوقفوا هنا والآن عن قراءة هذه القصة.ألسنا في دولة الحق والقانون؟

ها أنا أشرع في الخروج عن الموضوع.

لأعود إذن قبل أن يطفح بكم الكيل."

تحيلنا هذه الصورة على ظاهرة الاستطراد المعنوي التي كانت معروفة في التراث السردي العربي القديم، وخاصة عند الجاحظ في كتابيه:"الحيوان" و" البيان والتبيين".

*- صـــورة اللازمـــة:

تتحول بعض الجمل والملفوظات والمقاطع السردية في مجموعة :" أزعم أن..." لمحمد صوف إلى صورة بلاغية قصصية كصورة اللازمة التي تتكرر في النص القصصي كاللازمة الشعرية، كما يظهر ذلك باديا في قصة :" الخط البني"، حيث تتكرر صورة: " يبتسم. يصمت. يضيف". وفي الوقت نفسه، تتكرر كلمة:" صحيح". ويعني هذا أن اللازمة باعتبارها صورة سردية تصبح معيارا للتقطيع البصري، وتجزيء النص سيميائيا، وتشذيره فنيا وجماليا.

*- صــــورة الإضمـــار:

تقوم هذه الصورة على الحذف، والإيجاز، واستعمال نقط الحذف، لترك المتلقي يملأ البياضات السردية الفارغة التي قد تعبر عن الصمت، وقد تعبر عن لغة البوح والإفصاح. يقول السارد:" هي الباسمة دوما جاءتني متجهمة. ثم قالت:

- انتهت علاقتنا.

قذفتها في وجهي دون مقدمات. وأضافت:

- دخلت في علاقة مع غيرك.

وأضافت أني لا أزال شابا وأن فتيات غيرها أجمل وأذكى تت...

لم أعد أسمع.

ارتسمت أمامي صورة فارس الأحلام الجديد لـ.. كنت سأكشف عن اسمها..

وقف بيننا.قميئا.ولم أعد أراها.أثارني شعره الأشيب.وجدتني أقارن بين كهولته وكهولتي.قلت لعله أذكى مني.ثم قلت لعله أعرف مني بشؤونهن. ثم لعنته.ولعنته.

وتمنيت لو..

لم أتمن شيئا.

لم أتمن شيئا لأني رأيته يبتسم.وسحرتني ابتسامته.إذا سحرتني أنا هذه الابتسامة ماذا تراها فاعلة بها هي رجاء..؟"

يلتجئ الكاتب إلى لغة الحذف والإضمار والاختزال من أجل السكوت عن الطابو والمحرم والممنوع. ويعني هذا أن اللغة لا تكون دائما لغة الوضوح والتواصل والشفافية كما يقول اللسانيون الوظيفيون.

*- صـــــورة الالتفات:

نعني بصورة الالتفات تغيير الضمائر تكلما وخطابا وتغيبا. بمعنى الانتقال من المتكلم نحو المخاطب و الغائب، أو الانتقال من الغائب نحو المتكلم والمخاطب، أو الانتقال من المخاطب نحو المتكلم والغياب، كما يظهر ذلك بينا في هذه الصورة:" عادت رجاء باسمة. شكرتني. لم أعرف لماذا.رأيتني أنصت لما تقول. كانت صامتة لندع رجاء الآن.قال لي الرجل.أنت مطرود كان يعتقد أني سأنهار..

كنت أرى بابا آخر ينفتح لي على مصراعيه. فقط كان علي أن أجده.أقصد الباب الذي انفتح."

يتبين لنا بأن صورة الالتفات من أهم الصور القائمة على تغيير المواقع والضمائر والسياقات التواصلية والتكلمية.

*- صـــورة الميتاسرد:

نعني بصورة الميتاسرد أو الصورة القصصية حينما تفكر القصة في نفسها أو ذاتها ، وذلك بفضح مكوناتها الفنية والجمالية، ومناقشة تفاصيلها البنائية والتكوينية بالمساءلة والنقد:" لايهم إن كنت قد عثرت على الباب الذي انفتح لي سأحقق قفزة عبر الزمن وأختم القصة كالتالي.."

فاهتمام الكاتب بنهاية القصة دليل على تحفيزه للقارئ على المشاركة في بناء قصته، ومساعدته على بناء متخيله السردي تأويلا وتفسيرا وتصورا.

*- صـــورة التمنــي:

تندرج صورة التمني ضمن صور المعنى، كما تندرج أيضا ضمن صور البنية الحلمية القائمة على الافتراض والإمكان والتخيل، وتقوم هذه الصورة على مجموعة من الآليات التركيبية، كاستخدام حرفي لو وليت. وتوظف أداة " لو"- هنا- لترجي أمر مستحيل، ومن الصعب تحقيقه مادام يتعلق بالنجوم:" مسكين هذا البائس.

عابر سبيل يركض. نظرات الناسك تشيعه.

الناسك في صمت.

كنت أود لو استطعت أن أهديه تلك النجوم.."

وهكذا، تنفتح " لو" على عوالم افتراضية وتوقعية حلمية. بمعنى أن قصص محمد صوف تتحكم فيها بنية الحلم والافتراض، وتجاوز الواقع الحسي نحو عوالم مجردة تخييلية.

*- صـــورة الانفعـــال:

تعد صورة الانفعال من أهم الصور الدالة على حضور السارد في الزمان والمكان، ويتحقق هذا الانفعال عن طريق آليات التحسر و التفجع. وهذه الصورة من الصور البلاغية المعنوية التي تعبر عن شعور مأساوي وتراجيدي صادر من الذات المعبرة، وذلك بصيغة انفعالية دالة على التأوه والإحساس المتمزق:" يصمت في صمته قليلا ويهمس:

- آه لو كنت أستطيع."

وتدل صيغة :" لو كنت أستطيع" على عالم العجز والاستحالة، الذي يرتبط بدوره بالبنية الحلمية افتراضا ومتخيلا وإرجاء.

*- صـــورة التــدرج:

تعد صورة التدرج من أهم الصور والمحسنات والوجوه المعنوية التي تعنى بالتتابع والتدرج زيادة ونقصانا، كما يبدو واضحا في هذه الصورة السردية التي تعبر عن خوف السارد بشكل مذهل ومتزايد:" ابتسم صديقي. حاولت أن أبتسم له بدوري لكني رأيت عقابا يحلق فوق رأسي. كأنه كان يتأهب للانقضاض علي صرخت في منقاره أني لست جثة..ولم أقطع بعد.صرخت صرخت. لم يعد صديقي هناك.. كل ما هناك هو قلب يتجاوز نبضه الإيقاع المعقول.

حاولت أن أهدأ..فهل استطعت؟

حاولت مرة ثانية. وفي المرة الثالثة رأيتني أفتح عيني. وفي المرة الرابعة رأيتني أتحكم في أنفاسي. وفي المرة الخامسة والسادسة رأيتني أفتح عيني.

وفي المرة السابعة رأيت والدتي تبتسم لي.."

يشخص لنا هذا المقطع السردي صورة التدرج في بعدها الكمي المتزايد، كما تعبر لنا هذه الصورة عن ازدياد الخوف لدى السارد الحالم بشكل فظيع جدا.

*- صــــورة الرؤيــة:

تتميز قصة :" الخط الأزرق" بصورة الرؤية التي تتكئ على فاعلية الرؤية، وظاهراتية النظرة، وامتداد فعل رأى، الذي يستلزم عبر سراديب القصة طرفين هامين: وهما الرائي والمرئي، أو ما يسمى كذلك بجدلية الأنا والغير. وتتميز صورة الرؤية عن الصورة الرؤيا بطابعها الحسي والمادي والجسدي، على عكس صورة الرؤيا التي تتخطى الحس نحو التجريد والتخييل والترميز والأسطرة. ومن بين صور الرؤية، نستحضر هذه الصورة:" رأيتني أرى الكأس تمتلئ

رأيتني أراها تفيض.

رأيتني أرى الآخر يصب الشاي دون توقف.وسيدي وأستاذي يندهش أولا. يضحك ثانيا.يحاول أن يتكلم ثالثا.

رأيتني أراني أندهش.

رأيتني أرى الحضور يندهشون.

ورأيتني أرى الآخر متمسكا بهدوئه وكأن الشاي لا يندلق على الصينية.

ثم رأيت سيدي وأستاذي يقول:

- لقد فاضت الكأس يا محترم..."

لقد جعل محمد صوف من أفعال الرؤية صورة لإثارة انتباه المتلقي، ومن ثم، تتخذ الصورة طابعا مشهديا وسيناريستيا يمكن تحويلها إلى لقطات مرئية قابلة للانعكاس الفيلمي.

*- صـــورة التنــاص:

تحبل قصص محمد صوف بمجموعة من الإحالات التناصية الواعية وغير الواعية ، التي تتحول إلى مستنسخات مترسبة في شكل استدعاءات شعرية وتاريخية وأدبية وفنية ولغوية وإبداعية وفلسفية، حيث يحضر في قصصه المتنوعة كتابات أحمد بوزفور، وزكريا تامر، ومحمد عز الدين التازي، وجاك بريفيه (Jacques Prévert) ، والمهدي بن تومرت، والنص القرآني، وموسى والخضر، والوليد بن يزيد..."أصحيح أني أسمعها تقول هذا الوليد بن يزيد الذي يحكى أن بلاطه كان مسرحا وملهى وفي قصره كانت بركة يملؤها خمرها ويسبح فيها وحوله القيان والمداحون.

الحقيقة أني أعتقد ذلك فقط والحلم مآله النسيان."

توفر هذه الصورة لقصص محمد صوف خاصيتي الإمتاع والإفادة، وتوفر لها زادا معرفيا لإرباك المتلقي، ودفعه إلى ممارسة فعل التخييل والتأويل، وبناء النص من جديد.

*- صـــورة السخريـــة:

تحضر صورة السخرية بشكل لافت في قصص محمد صوف بشكل من الأشكال، ويتأتى ذلك بواسطة اللغة الساخرة الفاضحة والعارية لواقع التناقضات، كما يظهر ذلك جليا في هذه الصورة التي ترصد واقع الطبقة الحاكمة الفاسدة في البلاد :"هاهو وجها لوجه مع واقع جديد.سيدي يقول السائق..إنها ترفض استقبالك.

لم تدل بسبب الرفض. يصمت الحاكم الأستاذ المبرز رئيس الجماعة البرلماني الخبير في الأشياء اللاأفهمها المؤسس للجمعيات ألاأعدها الرئيس المدير لشركات لا تحصى .الو.الو. والو إلى آخره.يتأمل الرفض .يؤوله .الرفض ينقل احتمالا. ثمة رسالة يخفيها هذا الرفض.فليكشف عن المعنى الخفي."

ويلاحظ في الحقيقة أن الأضمومة بكاملها هي سخرية حقيقية من عالم الواقع نقدا وتسفيها وتعييرا، مع الهروب إلى عوالم حلمية خيالية وافتراضية تشكل المثل الأعلى للكاتب ، كما تشكل له الفضيلة والسعادة الحقيقية والخير الأسمى.

*- صــــورة الرمــــز:

تتحول بعض قصص محمد صوف إلى رموز حاملة لدلالات لامتناهية ، وتزخر بإحالات تناصية ورمزية تعبر عن مدلولات موحية، لا يمكن فهمها إلا من خلال السياق النصي والمرجعي ، كما يتضح ذلك في هذه الصورة التي تؤشر على الوليد بن يزيد رمز الشبقية الشيطانية والشهوانية الحيوانية: " يخرج قلما ويشرع في رسم خطوط فوق كل صفة الواحدة تلو الأخرى .تختفي الصفات والألقاب. يبقى الاسم فقط.

لم يكلف السائق بحمل البطاقة من جديد إلى السيدة.ومن جديد يطرق بابها ومن جديد يفتح له المساعد ومن جديد يمد المساعد البطاقة للسيدة.

تقرأها.

-الوليد بن يزيد. يامرحبا. دعه يتفضل. منذ زمن وأنا أرغب في رؤيته.

لا يفهم السائق شيئا.

يفهم صاحب البطاقة أشياء. ويترجل نحو باب بيت السيدة.

حتى أنا في حلمي لا أفهم شيئا.سأحاول أن أفهم في يقظتي."

يتحول الوليد بن يزيد، هذا الرمز التاريخي السلبي، إلى صورة رمزية للفساد والإفساد.لذلك، أحسن الكاتب فنيا وجماليا حينما استعمله رمزا للإيحاء والتلويح والنقد والتعريض.

*- صــورة السيمياء:

تحضر صورة السيمياء في شكل علامات دالة تحمل في طياتها مدلولات نصية، تتحدد حسب السياق النصي والمرجعي. ومن أهم مؤشرات صورة السيمياء الخطوط الكاليغرافية التي كان يستعملها الكاتب في مجموعته القصصية التي كانت تعبر عن مدلولات نصية متفاوتة ومختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان، كالخط الوردي الذي يتناقض مع الدلالات الحمراء في القصة:" أراك أنت جزارا..

كن كاتبا أو قارئا أو أي شيء.لكني أراك جزارا في دكانك

وصفك؟؟؟

حدق في المرآة وستراك كما أراك.

أزحف نحوك وأقول لك:

-أريد أفضل وألذ وأطرى قطعة لحم خروف لديك.

تنظر إلي..أنت. نعم أنت.وتقول:

-كل ما عندي ياسيدي أفضل وألذ وأطرى..

درس.

جميل هذا الحلم."

في حين، يدل الخيط الأبيض على أجواء رومانسية ط

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
شعرية الصورة والمتخيل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: