كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟   الأحد يناير 29, 2012 6:23 am

لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟

مبارك بلقاسم
الأحد 29 يناير 2012 - 00:19

(الجزء1 / 2)
يعود النقاش حول حرف كتابة الأمازيغية من جديد بعد أن جرت جولته الماراطونية الأولى عامي 2002 و2003 على صفحات جرائد عديدة مثل "تاويزا" و"العالم الأمازيغي" و"الأحداث المغربية" و"التجديد"، وأيضا داخل عدد من الأحزاب والجمعيات، بالإضافة إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM). وعودة هذا النقاش المُسيّس مرة أخرى إلى الواجهة دليل على أن "خيار تيفيناغ" لم يكن حاسما ولا ضمن أي "إجماع وطني"، وإنما كان فقط تأجيلا سياسيا للمسألة. وها هي أطراف "الإجماع الوطني" (الحزبي) بدأت هي نفسها تنكر وجود أي "إجماع وطني" حول تيفيناغ وبدأت تروج للحرف العربي!

وحتى التجربة المدرسية في تعليم الأمازيغية لا يمكن اعتبارها ناجحة على الإطلاق، حيث لم تتجاوز نسبة تلاميذ الإبتدائي الذين يتعلمون الأمازيغية بتيفيناغ الـ15% حسب أرقام وزارة التربية الوطنية، وهي حصيلة هزيلة إذا نظرنا إلى مرور 8 سنوات على دخولها المدرسة، وإلى تعهد الوزارة أمام الرأي العام بالوصول إلى تغطية 100% من التلاميذ قبل نهاية 2012 عبر مجموع المدارس!

ومازالت الأمازيغية غائبة تماما عن أقسام الإعدادي والباكالوريا. ولا يبدو أن المعهد الملكي والوزارة المعنية لديهما أية خطة (أو حتى نية) في تعميم الأمازيغية على المدارس الثانوية. في حين أنه من الأجدر أن يبدأ تدريس الأمازيغية من السنة الأخيرة من الباكالوريا تنازليا وبالتزامن مع الإتجاه التصاعدي في الأقسام الإبتدائية.

ولكن أطرف ما في مسألة الحرف على الإطلاق هو أن الجهات المضادة للأمازيغية هي التي تعود الآن إلى إثارة مسألة الحرف، وكأنها لم تقنع بحرمان الأمازيغية من الحرف اللاتيني، وبـ"الحل الوسط" الذي يمثله حرف تيفيناغ لدى البعض.

فما العمل مع من يجهلون لغتك ويحتقرونها، ورفضوا دائما مبدأ ترسيمها، ثم فوق ذلك كله يأتون ليخبروك بالحرف الذي يجب عليك أن تستعمله لكتابتها؟!
هناك شيء جوهري يجب ذكره قبل الخوض في الموضوع وهو أنه هناك نوعان من النقاش حول الحرف:

1) نقاش قديم ظهر منذ السبعينات من القرن الماضي بين الناشطين في ميدان الأمازيغية (لغويون، باحثون أكاديميون، كتاب، مناضلون..)، حيث اتفقوا في غالبيتهم على ضرورة كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني لأسباب عملية، مع وجود نسبة صغيرة من المساندين لحرف تيفيناغ.

2) نقاش حديث ظهر بعد تأسيس المعهد عام 2001 ومع بداية الإعداد لتدريس الأمازيغية. هذا النقاش كان بين الناشطين في ميدان الأمازيغية من جهة، وسياسيين ومثقفين لا علاقة لهم باللغة الأمازيغية من جهة أخرى. حيث ظهر أن كثيرا من السياسيين والمثقفين غير الناطقين بالأمازيغية كانت لهم آراء وفتاوى جاهزة ومبنية على أساس سياسي وأيديولوجي صرف، دون معرفة ولو سطحية باللغة الأمازيغية.

لماذا يتدخل السياسيون في الشؤون الدقيقة للأمازيغية؟!

إن المرء ليندهش وهو يرى سياسيين يتدخلون بشكل سافر في مسألة الحرف الأمازيغي مثلا ويجعلونه جزءا من برنامجهم السياسي رغم استبعادهم لمسألة ترسيم الأمازيغية من نفس البرنامج السياسي!

هذا طبعا دون أن ننسى أن المكان الطبيعي للسياسيين هو الإنشغال بهموم المواطنين حول الشغل والسكن والصحة وحقوق الإنسان، وليس التدخل في حروف اللغات.

أين ينتهي مجال السياسيين ويبدأ مجال اللغويين المتخصصين والكتاب الممارسين للكتابة باللغة؟ هل يحق للسياسيين التدخل في قاموس اللغة ومنع الكلمات الأجنبية أو "المشبوهة" من التداول؟! هل يحق لهم أن يقننوا عدد كلمات القاموس الأمازيغي منعا لـ"التضخم"؟!

أليس تدخل السياسيين في مسألة حرف كتابة الأمازيغية بمثابة التدخل في حرية الأفراد في اللباس أو التدين أو الترفيه أو التجول أو الكتابة باليمنى أو باليسرى؟!

أليس ذلك التدخل في مسألة الحرف بمثابة التدخل في الأدوات التي يستخدمها الطبيب في عمله أو البنّاء في ورشته أو العالِم في مختبره؟!

دعاة الحرف العربي يريدون تركيع الأمازيغية:

من هم دعاة فرض الحرف العربي على الأمازيغية؟ إنهم إسلاميو أو عروبيو الأيديولوجية في غالبيتهم الساحقة. فبعد أن كانوا يرفضون ترسيم الأمازيغية رفضا قاطعا، وبعد أن كان كثيرون منهم ينكرون وجود الأمازيغية كلغة ويعتبرونها مجرد لهجات أو مجرد لغة مختبرية اصطناعية أو مؤامرة صهيونية فرنكوفونية؛ وجدوا أن تلك الآراء المتطرفة أصبحت اليوم غير قابلة للترويج في الأوساط الشعبية بسبب بروز الأمازيغية أكثر فأكثر إلى الواجهة. وهكذا "تنازلوا" (مكره أخوك لا بطل) فأقروا بأن الأمازيغية لغة كغيرها من اللغات. وأقروا ضمنيا بأنها ليست مجرد لهجات بدائية وبأنها ليست مؤامرة صهيونية فرنكوفونية. إلا أنهم الآن يصرون على رسم مستقبل الأمازيغية بشكل لا يشوش على توجهاتهم وبرامجهم السياسية والأيديولوجية ولا يلحق أي "ضرر" بالوضع القائم.
ومادام أن الأمازيغية عصية على الإخماد والتصفية فقد انتقلوا الآن من معارضة الترسيم في حد ذاته إلى محاولة التحكم في شروط وظروف الترسيم (المنقوص)، عملا بالمبدإ المعروف "ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جله".

فاليوم يريدون فرض الحرف العربي على الأمازيغية، وغدا سيتدخلون في عدد ساعات تدريسها وكيفية استخدامها في الإدارات وجوازات السفر واللوحات الطرقية، وبعد غد سيجادلون فيما إذا كان من حق البرلمانيين والمحامين المداخلة والمرافعة بالأمازيغية أم لا، أو ما إذا كانت هناك حاجة لإدماجها في الأكاديمية العسكرية أو في المعهد الملكي للشرطة!

إن المنادين باعتماد الحرف العربي لا يتقنون، في أغلبيتهم الساحقة، الكلام بالأمازيغية ولا قراءتها ولا كتابتها بذلك الحرف الذي يروجون له. ولم يكلفوا أنفسهم يوما عناء دراسة نحوها ومعاجمها وأدبها وشعرها. إنهم سياسيون بأجندات سياسية أو هم مثقفون ذوو أيديولوجيات. وكل ما يريدونه هو تحييد Neutralization الأمازيغية وفرض وصايتهم عليها لتخفيف أثرها المحتمل على مشاريعهم السياسية أو الأيديولوجية. إن فرض الحرف العربي على الأمازيغية هو تركيع لها غرضه هو إبقاؤها تحت السيطرة والمراقبة.

الحرف اللاتيني حلال على الفرنسية وحرام على الأمازيغية!

يبدو أن الهاجس الجوهري الذي يحرك الإسلاميين والعروبيين الرافضين لكتابة الأمازيغية رسميا بالحرف اللاتيني هو خليط من خوفهم أن تنافس الأمازيغية العربية أو تتساوى معها في الحضور والتأثير الإعلامي والسياسي، مع تخوفهم من تراجع أنماط الفكر الإسلامي والعربي المشرقي التقليدي وشيوع الأفكار العلمانية والغربية في المحيط الثقافي الأمازيغي. كما أن هناك تيمة التنصير والتغريب والإستعمار والمؤامرة الصهيونية وخرافة "الظهير البربري" التي تتكرر في خطاباتهم بشكل مكشوف أو مقنّع، يربطون فيها بين الحرف اللاتيني والمسيحية والإستعمار الفرنسي والإختراق الأجنبي مثلا.

العجيب هو أن الإسلاميين والعروبيين لا يرون بأن وجود الفرنسية والحرف الفرنسي اللاتيني في كل مناحي الحياة الرسمية والعامة بالمغرب يشكل أي خطر على الإسلام أو على العربية أو على عقيدة المغاربة أو على أمن ووحدة المغرب. وعتابهم الخفيف لسياسة الدولة المغربية المعتنقة للفرنكوفونية لا يرقى إلى ذلك التهويل والتجييش والتعبئة الجهنمية ضد كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني.

هكذا فالأطفال المغاربة حينما يتعلمون الفرنسية والإنجليزية والإسبانية في المدارس المغربية ويكتبونها وينشدون بها الأناشيد، وحينما يشاهدون الرسوم المتحركة بالفرنسية على 2M والرابعة والثالثة والأولى، هم في أمن وأمان من التنصير والإلحاد والفرنسة والأمركة والتغريب والعلمنة!

ولكن إذا تعلم الأطفال المغاربة قراءة وكتابة لغتهم الأمازيغية باستخدام الحرف اللاتيني، فالمغرب سيكون حينئذ في خطر داهم أمام "الهجمة اللاتينية الفرنكوفونية التنصيرية العلمانية الإلحادية الأوروبية المضادة للإسلام والعربية"!

هل هناك عبث واستخفاف بالعقول أكثر من هذا؟!

لماذا الحرف اللاتيني حلال على الفرنسية والإنجليزية والإسبانية في المدارس والجامعات والإدارات المغربية، بينما هو حرام على الأمازيغية؟!

ماهي الحروف المستخدمة في لغات الشعوب المسلمة؟

يحلو لكثير من دعاة الحرف العربي للأمازيغية الإستشهاد ببعض لغات الشعوب المسلمة كاللغتين الفارسية والأردية اللتان تستخدمان الحرف العربي، كـ"قدوة حسنة" للأمازيغية. ولكنهم يتجاهلون أو ربما يجهلون أن هناك عددا أضخم من لغات الشعوب المسلمة التي تستخدم الحرف اللاتيني أو حروفا أخرى. لنقارن بلغة الأرقام:

1- لغات مكتوبة بالحرف اللاتيني: اللغة الإندونيسية (230 مليون متكلم). التركية (70 مليون متكلم). لغة الهوسا في شمال نيجيريا وغانا (30 مليونا). الأوزبكية (25 مليونا). الماليزية (20 مليونا). الأذربيجانية (10 ملايين). لغة Wolof في السنغال وغامبيا (10 ملايين). الصومالية (9 ملايين). لغة Bambara في جنوب مالي وبوركينافاسو (6 ملايين). الألبانية (5 ملايين). لغة تركمانستان (3 ملايين). اللغة البوسنية (3 ملايين).

2- لغات مكتوبة بالحرف العربي: الأوردو والبنجابية والسندية في باكستان (150 مليون متكلم في المجموع). الفارسية في إيران وأفغانستان (80 مليونا). البشتونية في باكستان وأفغانستان (40 مليون متكلم). الأويغورية في غرب الصين (11 مليونا).

3- لغات مكتوبة بحروف أخرى: اللغة البنغالية في بنغلادش والهند (260 مليون متكلم) تستعمل الحرف البنغالي. اللغة الكردية (حوالي 25 مليونا) مكتوبة بالحرف اللاتيني و العربي والروسي وهي تتجه لتبني الحرف اللاتيني كحرف موحد. أما اللغات الطاجيكية (25 مليونا) والكازاخستانية (8 ملايين) والقرغيزية (4 ملايين) فتستعمل حاليا الحرف الروسي.

اللغات تختار حروفها:

إن تخلي اللغات عن حروف واختيار أخرى بسبب تأثيرات ثقافية ودينية أو لدواع عملية ومنفعية هو شيء شائع جدا في تاريخها. فالإنجليزية القديمة Old English كانت لديها أبجديتها الرونية Runic الجرمانية الخاصة بها والمختلفة عن الحروف اللاتينية. وتحولت الإنجليزية إلى الحرف اللاتيني منذ القرن 9 ميلادي.

أما الفارسية فانتقلت من الكتابة المسمارية على الألواح الطينية منذ عام 525 قبل الميلاد، إلى الأبجديتين الفهلوية Pahlavi والآفستانية Avestan، ثم إلى الحرف العربي بعد قرن ونصف من دخول الإسلام إلى فارس.

والتركية انتقلت من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني عام 1928. وبقية لغات آسيا الوسطى انتقلت من الأبجدية التركية القديمة Göktürk script إلى الحرف العربي الفارسي (خلال عصر دخول الإسلام)، ثم إلى الحرف الروسي (الفترة السوفياتية)، وبعضها انتقل إلى الحرف اللاتيني. فدولة أوزبكستان مثلا تخلت عن الحرف الروسي واعتمدت الحرف اللاتيني رسميا عام 1992 بعد استقلالها عن الإتحاد السوفياتي عام 1991. ومن بين الدوافع لاعتماد الأوزبكية للحرف اللاتيني هي الرغبة في التقارب مع أخواتها اللغات التركية والتركمانستانية والأذربيجانية المكتوبة باللاتيني أيضا.

أما لغة الملايو (أي الماليزية والإندونيسية) فكانت مكتوبة في القديم بحروف آسيوية وهي Kawi script وGrantha script وPallava script، ثم انتقلت إلى تبني الحرف العربي خلال فترة انتشار الإسلام، ثم انتقلت إلى الحرف اللاتيني في العصر الحديث.

مبرر المخطوطات الأمازيغية المكتوبة بالحرف العربي:

يقول مساندو كتابة الأمازيغية رسميا بالحرف العربي إن وجود المخطوطات الأمازيغية (المكتوبة بحرف عربي منذ القرن 9 ميلادي) يبرر إلزامية كتابة الأمازيغية اليوم بحرف عربي انسجاما مع هذا التقليد. وهذا "المبرر التاريخي" قد يبدو معقولا للوهلة الأولى لمن لم يطلع على مجموع تاريخ كتابة الأمازيغية. ولكن إذا أخذنا منطق الأسبقية التاريخية وحده في الحسبان فالحرف الأجدر بالأمازيغية هو حرف تيفيناغ لأنه اختراع أمازيغي صرف، ولأنه سابق لكل الحروف الأخرى في العالم الأمازيغي القديم، وهو مازال راسخا في آلاف النقوش الحجرية عبر مجموع شمال أفريقيا وجزر الكناري.

والأرجح هو أن تيفيناغ لم يكن يستخدم فقط في المنقوشات الحجرية من طرف الهواة والنقاشين القدامى، وإنما كان أيضا حرفا رسميا تستعمله الممالك الأمازيغية القديمة مثل مملكة نوميديا. والدليل على ذلك هو مثلا تلك اللوحة الحجرية الشهيرة من مدينة Thugga التاريخية في تونس، والتي كتبت بحرف تيفيناغ على ضريح الملك ماسينيسا في معبد المدينة الذي بني تكريما له. وهذه اللوحة توجد الآن في المتحف البريطاني في لندن. كما أنه توجد في شمال أفريقيا نقوش قديمة مزدوجة الحرف: تيفيناغ/بونيقي (في بعض المناطق التي استوطنها الفينيقيون)، وتيفيناغ/لاتيني (في بعض المناطق التي استوطنها الرومان). وهذا كله يدل على مكانة رسمية أو اعتبارية كان يتمتع بها حرف تيفيناغ آنذاك.

أما إذا فحصنا تاريخ كتابة الأمازيغية بشكل شمولي فسنجد أن تغير حروف كتابة الأمازيغية من تيفيناغ (ما قبل الميلاد، مملكة نوميديا، والطوارق)، إلى الحرف العربي (مع انتشار الإسلام)، إلى الحرف اللاتيني (النهضة الثقافية الأمازيغية في القرن الـ20)، كان يعكس تغير الظروف التاريخية والثقافية في كل فترة من تاريخ الشعب الأمازيغي. وانتقال الأمازيغية إلى الحرف اللاتيني في عصرنا الحالي ناتج من الظرفية الحالية المتميزة بشيوع الحرف اللاتيني عالميا، واستخدامه في الدراسات اللغوية الأمازيغية الحديثة، ورغبة المهتمين الحقيقيين بالأمازيغية في الإستفادة من منافعه العملية من أجل تطوير هذه اللغة.

حرف تيفيناغ لن ينفع الأمازيغية كثيرا في هذه المرحلة:

يمكن لأي إنسان أن يتعلم حرف تيفيناغ بمنتهى السهولة. وكذلك يمكن تعلم الحرف الروسي أو اليوناني أو البنغالي بسهولة عظيمة. ولكن المسألة ليست متعلقة بمدى سهولة تعلم الحروف. وإنما هي مسألة أعقد بكثير تتداخل فيها عوامل الإرادة الشخصية، والنظام التعليمي، والإعلام، والإقتصاد، وتكنولوجيا المعلومات، والعولمة، فضلا عن احتياجات اللغة نفسها.

النقطتان الإيجابيتان الأساسيتان في حرف تيفيناغ هما: أصالته وتميزه عن كل الحروف الأخرى، وعراقته التي تعود إلى آلاف السنين. إلا أن استخدامه اليوم على أساس هاتين النقطتين الإيجابيتين سيمر عبر دفع ضريبة باهضة وهي عدم قدرة 95% من الشباب والمتعلمين على قراءته والكتابة به في الظروف الحالية وقلة استعدادهم لتعلمه، وبالتالي انعزالهم عن ديناميكية تطور الأمازيغية. استبعاد الحرف اللاتيني واعتماد تيفيناغ حرفا رسميا هو إذن إضاعة للوقت وإضاعة لفرصة نشر الأمازيغية وتطويرها وإقلاعها إقلاعا قويا.

أما الرهان على تعليم الأمازيغية بتيفيناغ للصغار فقط، مع تجاهل جيل الشباب المغربي الحالي الذي فاته تعلم الأمازيغية في الإبتدائي، فسيضر بالأمازيغية كثيرا في ما يخص انتشارها على المدى القصير والمتوسط، أي على مدى العقدين المقبلين اللذين سيحددان مصير الأمازيغية. حينما نتحدث عن تعليم الأمازيغية يجب أن نأخذ في الحسبان شباب الثانويات والجامعات والشباب العامل والمثقف ومسألة التكوين المستمر للموظفين، وليس فقط أطفال المستوى الإبتدائي. نحن نعلم أن كثيرا من الشباب المغربي المتعلم اليوم لم يتعلموا الإنجليزية مثلا إلا بعد اجتياز الباكالوريا أو حتى بعد دخولهم سوق العمل.

حروف تيفيناغ غريبة ومنفرة بالنسبة للبعض وجميلة ظريفة بالنسبة لآخرين. ولكنك تجد أغلب الذين يمدحونها أو يستظرفونها غير مبالين بتعلمها والكتابة بها (ربما لضيق الوقت وكثرة المشاغل!) وإنما ينظرون فقط إلى مظهرها الخارجي ويخيل إليهم أنها نقوش تصلح لمزينات الصناعة التقليدية واللوحات التشكيلية، وبالمقابل تجدهم يأخذون الحرف اللاتيني بمنتهى الجدية ويجهدون أنفسهم في إتقان الفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية. الأمازيغية لا تحتاج إلى "سياح مغاربة" أو أجانب يستمتعون بمشاهدة حروف تيفيناغ كأنها نقوش أثرية أو زركشات على الزرابي، وإنما تحتاج لأن تكون متاحة للدارسين والمواطنين أولا وقبل كل شيء.

لا بأس من استخدام تيفيناغ في بعض الحقول الرمزية مثل لوحات الإدارات الرسمية وأسماء الشوارع وعلى النقود وجوازات السفر والطوابع البريدية (رغم أن اللاتيني أنفع للأمازيغية من الناحية العملية)، ولكن حينما يتعلق الأمر بالتعليم واشتغال المؤسسات والنشر الورقي والإلكتروني فالأمازيغية تحتاج اليوم إلى الحرف الذي يضمن اندماجها السريع والفعال في تلك الميادين. الأمازيغية تحتاج إلى ما يقربها من الجمهور الواسع والشباب المغربي، شباب الفيس بوك والتويتر، شباب الآيفون والبلاك بيري، شباب الثانويات والجامعات، الشباب المتمرس بالحرف اللاتيني، شباب 2011. الأمازيغية تحتاج إلى ما يسهل اندماجها في تكنولوجيا الكومبيوتر وشبكة الإنترنت وعالم العلوم والمعرفة. ولكي تنجح اللغة الأمازيغية كلغة علم وتكنولوجيا وإدارة وتعليم، يجب عليها أن تقتحم تلك الميادين بالعتاد المناسب والأدوات الفعالة وعلى رأسها يأتي الحرف اللاتيني.

للحديث بقية...

Auteur : مبارك بلقاسم
*

في المقال السابق بينت أن خصوم الأمازيغية (السياسيون)، الذين يريدون فرض الحرف العربي عليها كحرف رسمي، إنما تحركهم دوافع أيديولوجية صرفة، لأنهم يخافون من الإنطلاقة السريعة للأمازيغية وخروجها من حالة الضعف والسكون فيريدون حرمانها من "الوقود الممتاز" الذي يمثله الحرف اللاتيني. وبينت أن معظم المتخصصين اللسانيين والمؤلفين يرون أن الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية حيث ما زالوا يستخدمونه لحد الآن، أحيانا بجانب تيفيناغ. كما استعرضت عددا من اللغات (الإندونيسية والتركية والماليزية والأوزبكية...) التي تستخدم الحرف اللاتيني. وبينت أن حرف تيفيناغ له قيمة بصرية ورمزية وعاطفية وتراثية لكنه لن ينفع الأمازيغية كثيرا من الناحية العملية، وأنه يتسبب في إبطاء تطورها ويؤدي إلى تكريس احتكار الفرنسية للحرف اللاتيني بالمغرب مما يضع الأمازيغية على الهامش ويحفظ للفرنسية هيمنتها.

على هامش استطلاع هسبريس حول الحرف الأصلح للأمازيغية:

يجب أن نفهم أنه ليس كل من يساند جعل الحرف العربي حرفا رسميا للأمازيغية هو خصم أو عدو كاره للأمازيغية، بل إن الكثيرين يساندون الحرف العربي بحسن نية. وإنما المقصود بخصوم أو أعداء الأمازيغية هي تلك الشريحة الضئيلة المتكونة من السياسيين أو الكتاب أصحاب الرأي الذين عارضوا صراحة ترسيم الأمازيغية أو أنكروا كونها لغة في حد ذاتها. وبالتالي فنسبة الـ48% التي صوتت لصالح الحرف العربي في استطلاع هسبريس هم أشخاص عاديون تعودوا على الحرف العربي في حياتهم اليومية والدراسية وعبر الإعلام المغربي والعربي الشرق أوسطي. فالناس غالبا ما ينحازون إلى ما تعودوا عليه. ويمكن إضافة عوامل الثقافة العربية والإسلامية وميل سكان المدن إلى خطاب الإسلام السياسي وتأثير خطاب القومية العربية الوافد من الشرق وأفكار "التنصير والمؤامرة الفرنكوفونية" كعوامل إضافية تدفع بعض الناس (سواء كانوا ناطقين بالأمازيغية أو بالدارجة) إلى رفض الحرف اللاتيني وتيفيناغ وتفضيل الحرف العربي، دون أن تكون لديهم أية معرفة بسيطة بكتابة الأمازيغية وقواعدها. ولابد أن الجميع يعلم أن كثيرا من خصوم الأمازيغية والمستخفين بها والمعارضين لترسيمها هم ناطقون بها، وفي نفس الوقت هم مؤدلجون عروبيا أو إسلاميا. وبالتالي فالعامل الحاسم هنا هو "الميل الثقافي" أو "الميل الأيديولوجي" وليس الإتقان الشفوي للغة. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الـ48% منخفضة جدا بشكل لافت بالنظر إلى أن 100% من المغاربة درسوا بالحرف العربي ويستهلكون مواد الإعلام العربي يوميا 24/24 ساعة.

وبالمقابل فإن نسبة المغاربة الذين تعلموا حرف تيفيناغ في حياتهم الدراسية هي 0% (باستثناء بضعة آلاف من أطفال بعض مدارس الإبتدائي منذ 2003)، ورغم ذلك صوت 41% لصالح حرف تيفيناغ. والأرجح هو أن معظم المصوتين لتيفيناغ فعلوا ذلك لكونهم ناطقين بالأمازيغية وواعين بالهوية الأمازيغية ورافضين لأيديولوجيا القومية العربية، ولأنهم يعتبرون أن الأمازيغية "تستحق حرفا خاصا بها". وتبقى نسبة الناشطين والمهتمين الذين يتقنون فعلا الكتابة بحرف تيفيناغ (رغم سهولته الجمة) جد ضئيلة.

أما المصوتون للحرف اللاتيني (5%) فصوتهم مسموع نسبيا رغم قلة توفر المطبوعات والدراسات الأمازيغية المكتوبة بالحرف اللاتيني في المكتبات وانعدام الوعي الشعبي بالمنجزات الهائلة للغويين في ميدان الأمازيغية على مدى القرن الماضي. ثم إن هناك سببا إضافيا يتمثل في عدم وجود "تصور شعبي" شائع لفكرة كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني. فالناس يتخيلون أن الحروف اللاتينية خلقت فقط للغات "الأعجمية". ويتخيلون أن الأصوات "اللاأوروبية" كالقاف والحاء والعين لا يمكن كتابتها إلا بالحرف العربي. ويتخيلون أن كل ما يكتب بالحرف اللاتيني يجب أن يخضع لحساسيات اللغة الفرنسية. لهذه الأسباب لا يستطيع عامة الناس تصور كتابة كلمة "عبد القادر" مثلا إلا هكذا: Abdelkader. ويتخيلون أنه لا يمكن كتابة أسماء المدن كـ"القنيطرة" و"الرباط" و"مكناس" و"فاس" و"تاوريرت" و"بني ملال" و"وجدة" و"طنجة" إلا على "الطريقة الفرنسية" هكذا: Kénitra وRabat وMeknès وFès وBéni Mellal وTaourirt وOujda وTanger.

أما طريقة الكتابة الأمازيغية: Ɛebdelqader وQniṭra وErrbaṭ وMeknas وFas وBni Mellal وTawrirt وWejda وTanja (حسب النطق الواقعي الأمازيغي والدارج) فهي أنماط تنتمي إلى مجال اللامفكر فيه. هذه الصورة الذهنية النمطية حول الحرف اللاتيني وأنه "لا يصلح إلا للفرنسية" وأنه لا يمكن استخدام الحرف اللاتيني إلا على مقاس الفرنسية، هي ما يَحُول دون تقبل فكرة كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني لدى الكثيرين. إذن فمربط الفرس يكمن في ضرورة الفصل بين الحرف اللاتيني واللغة الفرنسية لأنهما شيئان مختلفان.

"الأمن الحرفي" على وزن "الأمن الروحي"!

إن ظروف اختيار المعهد لحرف تيفيناغ عام 2003 طبعها التدخل غير المشروع للسلطة والأحزاب في المسألة. إن بصمات الضغوطات السياسية والأيديولوجية واضحة جدا. حيث إن كثيرين من أعضاء المعهد الملكي اضطروا لتغيير قناعاتهم "الحرفية" الرسمية (من اللاتيني إلى تيفيناغ) استجابة للضغوطات والتهديدات والحملات الإعلامية الهوجاء التي شنها الإسلاميون والعروبيون. إن تدخل السلطة والسياسيين في اختيار الحرف أو "المصادقة" عليه يبرز بوضوح "المقاربة الأمنية" التي تتعامل بها السلطة والأحزاب مع الأمازيغية. حيث أصبحت حروف اللغة موضوعا للمساومات السياسية والقرارات الرسمية ومدعاة للإستنفار الأيديولوجي المتمثل في حملات الإبتزاز والقذف والتخوين والإرهاب الفكري زيادة على المضايقات المخزنية المعهودة.

والسلطة ومعها الأحزاب كانت ومازالت حريصة على أن لا "تشوش" الأمازيغية على التوازن اللغوي (ومن ورائه: السياسي) القائم. إذن فالأمر يتعلق بـ"الأمن الحرفي" على وزن "الأمن الروحي" و"الأمن الغذائي" و"الأمن الوطني". الحرف اللاتيني (حينما يستخدم في كتابة الأمازيغية) يخيف حراس الوضع القائم لأنه يحرر الأمازيغية من وصايتهم وسيطرتهم، ويحرر من خلالها الشعب من وصايتهم.

السياسيون والزعماء الأيديولوجيون لا يحق لهم التدخل في جزئيات اللغة الأمازيغية في كل الأحوال، بسبب تضارب المصالح Conflict of interest، زيادة على كونهم جاهلين جهلا مطبقا باللغة الأمازيغية!

ما معنى أن يدلي زعيم سياسي لا يفقه "حتى زفتة" في اللغة الأمازيغية برأيه في حرف كتابة الأمازيغية أمام الحكومة أو أمام الرأي العام؟ ما القيمة المعرفية لذلك الرأي السياسي الخالي من أي محتوى علمي أكاديمي؟ ما المنفعة التي سيأتي بها ذلك الرأي إلى الشعب أو إلى الأطفال في قاعة الدرس؟

ليس سرا أن كل العاملين والباحثين في ميدان الأمازيغية، بمن فيهم المشتغلون في المعهد الملكي الآن، كانوا ومازالوا يفضلون الحرف اللاتيني والدليل على ذلك هو أنهم اشتغلوا بالحرف اللاتيني طيلة حياتهم الأكاديمية والمهنية في ميدان كتابة الأمازيغية بالذات. فكيف يتخلى "مول الحرفة" عن أدواته بين ليلة وضحاها؟! لابد أن يكون هناك سبب ضاغط قاهر.

إن اختيار المعهد لحرف تيفيناغ عام 2003 (بالتصويت المتسرع المعلوم) جاء كـ"حل وسط" اضطراري ومتعجل خوفا من خروج المسألة عن السيطرة وخوفا من الإنزلاقات السياسية التي كان يهدد بها السياسيون المروجون للحرف العربي الرافضون للحرف اللاتيني (فقط حينما تكتب الأمازيغية به).

الفرنسية هي المستفيد الأول من منع الحرف اللاتيني عن الأمازيغية؟

يغفل الكثيرون عن أن الفرنسية (في المغرب) هي المستفيد رقم 1 من عدم كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، لأنها (أي الفرنسية) ستبقى بذلك محتكرة للحرف اللاتيني في المغرب ومسيطرة على مجالات الحياة الإقتصادية والأكاديمية وميدان تكنولوجيا المعلومات وبقية مجالات الحرف اللاتيني.

أما تخيلات أصحاب الأيديولوجيات العروبية والإسلامية حول تقوية العربية وحمايتها عبر كتابة الأمازيغية رسميا بالحرف العربي فهي هواجس لا يدعمها دليل منطقي. فالعربية لديها مجالها الديني والثقافي والأدبي المنفصل عن الأمازيغية. ولا يمكن للعربية أن تتطور وتزدهر إلا بقدراتها الذاتية وليس بمنع اللغات الأخرى من التطور!

أما المبرر المعلن من طرف خصوم الأمازيغية الراغبين في فرض الحرف العربي عليها (أي: "حماية الوحدة الوطنية") فهو كلام للإستهلاك الشعبي والإعلامي ولا علاقة له بحقيقة نواياهم، والدليل على ذلك هو أنهم جاهدوا بشراسة ضد ترسيم الأمازيغية في الدستور باستخدام نفس المبرر بالضبط ألا وهو: حماية الوحدة الوطنية!

لن تستفيد العربية على الإطلاق من فرض الحرف العربي أو تيفيناغ على الأمازيغية. بل إن الأمازيغية ستخسر وحدها. كما أن العربية لن تخسر شيئا إذا كتبت الأمازيغية رسميا باللاتيني، وإنما الخاسر الوحيد في هذه الحالة هي اللغة الفرنسية (بالمغرب) التي ستزاحمها وتنافسها الأمازيغية بالحرف اللاتيني داخل المؤسسات والمدارس ووسائل الإعلام وقد تطردها من المغرب نهائيا، بمجرد أن تتمكن الأمازيغية من اقتحام مجالات التكنولوجيا والتعليم العالي والإقتصاد التي يسيطر عليها الحرف اللاتيني.

ما علاقة الفرنسية بالحرف اللاتيني الأمازيغي؟

يخيل للبعض أن استخدام الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية "سيفرنس" الأمازيغية أو سيفرنس المغرب ككل، بينما المغرب مفرنس أصلا بسبب سياسة الدولة الحريصة على نشر الفرنسية والعناية بها عناية فائقة.

مسألة تفضيل الأكاديميين المتخصصين في الأمازيغية لكتابتها للحرف اللاتيني ليست جديدة، وهي معروفة للمتتبعين. ولكن الأفكار المغلوطة التي تربط قضية كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني مع قضية اللغة الفرنسية والفرنكوفونية، هي التي تزرع في عقول الناس هواجس "التبعية للفرنكوفونية" و"المؤامرة الفرنسية" حينما يتعلق الأمر بالأمازيغية. بينما أن كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني هو شأن أمازيغي صرف لا علاقة له بالفرنسية ولا بغيرها. أما السيطرة الفرنكوفونية على المغرب فهي موجودة برضى الدولة المغربية وكل الأحزاب والنخب السياسية والإقتصادية والعائلات الإقطاعية.

إن من يقول بأن استخدام الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية سيخلق تبعية للغة الفرنسية لا يملك رؤية واضحة عن اللغة الأمازيغية وعن نحوها ونطقها وإنتاجاتها الأكاديمية، ولم يقرأ يوما كتابا أمازيغي اللغة مكتوبا بالحرف اللاتيني.

ولا يمكن لأحد أن يزعم بأن اللغات التركية والإندونيسية والماليزية (التي تستخدم الأبجدية اللاتينية) هي تابعة للإنجليزية أو الإيطالية أو الألمانية فقط لأنها اختارت الحرف اللاتيني!

إن عدد الحروف اللاتينية الفرنسية أو الإنجليزية هو 26 حرفا لاتينيا. أما عدد الحروف اللاتينية الأمازيغية فهو 33 حرفا لاتينيا.

فمثلا حرف C في الكتابة الأمازيغية ننطقه (ش)، وحرف X في الأمازيغية هو (خ)، وحرف G في الأمازيغية ننطقه دائما (گ). زيادة على ذلك فإن الأمازيغية تستخدم 10 حروف لاتينية إضافية لا توجد في الفرنسية ولا في الإنجليزية ولا في الإيطالية وهي: Č Ḍ Ɛ Ǧ Ɣ Ḥ Ṛ Ṣ Ṭ Ẓ.

ماذا عن منجزات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية؟

قد يتصور البعض أن الدعوة لكتابة الأمازيغية رسميا بالحرف اللاتيني (أو حتى بجانب حرف تيفيناغ) في المدارس ومؤسسات الدولة هي تبخيس وتسخيف لمنجزات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية منذ 2002، خصوصا فيما يتعلق بالكتب المدرسية المطبوعة بتيفيناغ. وهذا غير صحيح. فمنشورات المعهد الملكي ودراساته اللغوية وقواميسه ستحتفظ بقيمتها العلمية والبيداغوجية مهما كان الحرف التي كتبت به، وحتى لو تغير الحرف الرسمي في وقت لاحق.

فالمعجم العربي الأمازيغي مثلا، والذي ألفه محمد شفيق بالحرف العربي تماشيا مع ضغوط المرحلة السابقة لتأسيس المعهد، لم يفقد أبدا مرجعيته وقيمته العلمية. ويمكن أن نقول نفس الشيء عن مرجعية وقيمة المخطوطات الأمازيغية القديمة المكتوبة بالحرف العربي، فضلا عن الدراسات الأمازيغية الحديثة المكتوبة بالحرف اللاتيني الأمازيغي وهي الأضخم عدديا والأفضل علميا.

إن منجزات المعهد الملكي منذ 2002 لا يمكن أن تذهب هباءا منثورا في حالة انتقاله رسميا إلى الحرف اللاتيني. فنحن نعلم أن كل الكتب الصادرة عن المعهد مخزونة إلكترونيا في كومبيوتراته وقواعد بياناته. وإذا ما قرر المعهد يوما ما التحول من تيفيناغ إلى الحرف اللاتيني فإنه يمكن تحويل كل الكتب المدرسية والقواميس المكتوبة بحرف تيفيناغ إلى الحرف اللاتيني أتوماتيكيا باستعمال برمجيات الكومبيوتر وفي وقت قصير جدا، مع طباعتها حسب الحاجة أو نشرها عبر الإنترنت بتكلفة زهيدة. وبالتالي فعملية التحول من تيفيناغ إلى الحرف اللاتيني أو العكس ليست مشكلة تقنية ولا حتى مالية.

المعهد الملكي: تيفيناغ للأطفال وعموم الشعب، واللاتيني للأكاديميين!

مفارقة عجيبة تلك التي يعيش فيها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. فهو يصدر الكتب المدرسية بحرف تيفيناغ للأطفال وفي نفس الوقت ينشر دراسات لغوية رفيعة المستوى يستخدم فيها الحرف اللاتيني في كتابة الكلمات الأمازيغية، حسب ما هو متعارف عليه في أوساط اللسانيين المستمزغين في المغرب والجزائر وأوروبا. ومثال واحد بسيط من بين عدة هو الكتاب Quelques aspects d’un parler amazighe de Figuig وهو منشور عام 2010 من طرف المعهد الملكي.

وبعض تلك الدراسات التي يستخدم فيها الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية ينجزها المعهد الملكي بشراكة مع باحثين جزائريين ومغاربة يشتغلون في القسم الأمازيغي بمعهد اللغات الفرنسي INALCO في باريس، ذي الثقل الكبير في مجال الدراسات الأمازيغية. وكمثال بسيط على ذلك لدينا الكتاب Néologie et terminologie grammaticale amazighe المنشور عام 2009 من طرف المعهد الملكي.

ثم هناك القاموس الأمازيغي العربي الإنجليزي الفرنسي لمصطلحات النحو: Amawal n Tjerrumt (بالفرنسية: Vocabulaire grammatical) الذي يستخدم كلا الحرفين اللاتيني والتيفيناغي في كتابة الكلمات الأمازيغية. وهذا الكتاب صدر عن المعهد الملكي بتعاون مع INALCO عام 2009 أيضا.

ثم هناك القاموس الجيولوجي الأمازيغي الفرنسي Lexique amazighe de géologie الصادر عن المعهد عام 2006 والذي يستخدم أيضا الحرفين اللاتيني والتيفيناغي في كتابة الكلمات الأمازيغية.

فلماذا يتم منع الأطفال في قاعات الدرس المغربية من تعلم كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني بينما يتم نحت اللغة الفرنسية وإملائيتها وحروفها اللاتينية في أذهانهم منذ نعومة أظفارهم؟

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يعيش إذن حياة مزدوجة. فهو يعترف بأهمية الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية وبحتمية استخدامه للتواصل مع المحيط الأكاديمي الأمازيغي داخل وخارج المغرب، ويستعمل التسهيلات الرحبة التي يوفرها الحرف اللاتيني للأمازيغية. ولكن حينما يتعلق الأمر بالتعليم العمومي فإن "شفرة تيفيناغ" هي أحسن وسيلة لإشاعة الأمازيغية وتدريسها لأبناء الشعب المغربي!

الحرف اللاتيني يصلح لتداول الأمازيغية في الأوساط الأكاديمية المغلقة، أما "شفرة تيفيناغ" فهي الطريقة الأكثر فعالية لنشر الأمازيغية في المدرسة والإدارة العمومية والإعلام التلفزي!!

سرعة السلحفاة، أم سرعة الحمار، أم سرعة القطار؟

إن كتابة الأمازيغية بأي حرف ستساهم دائما بشكل أو بآخر في تطورها. وجميع الحروف هي في النهاية اختراعات إنسانية. ولكن ما هي السرعة التي نريد للأمازيغية أن تتطور وتتقدم وتنتشر بها؟ هل هي سرعة السلحفاة التي يوفرها تيفيناغ؟ أم سرعة الحمار التي يعد بها الحرف العربي؟ أم سرعة القطار التي يمنحها الحرف اللاتيني؟ وباستعمال المقارنة التشبيهية بالوقود، فتيفيناغ يمثل المازوت، والحرف العربي هو الإيسانس، والحرف اللاتيني هو الوقود الممتاز!

"الإجماع الوطني" بعد نصف قرن من "تهراس" الأمازيغية:

لا يفهم مستخدمو مصطلح "الإجماع الوطني" مضامينه وتوابعه الحقيقية، سواء كانوا من مساندي الأمازيغية أو من خصومها. وهذا المصطلح يدل عادة على استفتاء رأي الشعب في مسألة ما تحت ظروف معقولة وشروط عادلة، أي أن يكون الشعب على بينة من المسألة المطروحة.

وفي المسائل التقنية الدقيقة (كالحرف والتدريس) فالمتخصصون هم الأجدر بإبداء الرأي. ونحن نعلم أن المتخصصين في الأمازيغية (بما فيهم د. أحمد بوكوس، عميد المعهد الآن) عبروا بالإجماع لوزارة التربية الوطنية في إطار اللجنة التقنية الوزارية عام 2002 عن رأيهم الأكاديمي بضرورة تبني الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية. ووافقت اللجنة الوزارية على ذلك بالفعل. ولم يتراجعوا عنه إلا تحت الضغط والإبتزاز والحملات الإعلامية فيما بعد.

أمّا أن تنفق الدولة المغربية 50 عاما في "تهراس" الأمازيغية ومحاصرتها وفي تعريب الشعب وتجهيله وغسل أدمغته ثم تأتي الدولة بعد ردح من الزمن تكون الأمازيغية فيه "مهرسة" و"مهلوكة" لتتحدث عن "الإجماع الوطني" فذلك عبث شيطاني شرير.

فلا أتذكر أنه كان هناك يوما ما "إجماع وطني" أو استفتاء شعبي حول جعل العربية لغة رسمية للمغرب، أو حول جعل الفرنسية لغة رسمية غير معلنة.

ولا أعتقد أنه كان هناك إجماع وطني شعبي حول "تهراس الأمازيغية" ومنعها من الترسيم والتدريس والتنمية في الفترة ما بين 1956 و2001. وبما أن الدولة المغربية الحديثة ألحقت كل هذا الضرر الجسيم بالأمازيغية بشكل متعمد وممنهج (في نفس الوقت الذي منحت فيه للعربية والفرنسية كل العناية والرعاية) فهي ملزمة بتدارك هذا الجرم الفادح، الذي اقترفته في حق الأمازيغية، بتنفيذ إجراءات الترسيم الفوري الكامل والتدريس الشامل والتنمية الثقافية والإعلامية، وإعطائها نسبة 50% من البث التلفزي كميا ونوعيا، وتعميم الأمازيغية داخل كل المؤسسات بالمغرب والتعريف بها في الخارج، مثلما تفعله مع لغتيها الرسميتين: العربية والفرنسية، داخل وخارج المغرب منذ 1956 وإلى حد الآن.

الإجماع حول الحرف يكون بين المتخصصين ثم الكتّاب والمدونين:

لا يحق إلا للمتخصصين اللغوين في الأمازيغية والكتّاب والمبدعين بها البت في اختيار الحرف الرسمي الأساسي وبحرية كاملة وبدون ابتزاز ولا تهديد ولا ضغوط.
في مجالات العلم (الفيزياء، البيولوجيا، اللغويات...) لا تبنى الحقائق العلمية على "إجماع وطني" أو "شرعية شعبية"، وإنما تبنى على إجماع المجتمع العلمي Scientific community المتكون من العلماء والمتخصصين الذين يشتغلون وفق المنهج العلمي Scientific method.

وقياسا على ذلك، فلماذا تصبح آراء الجاهلين بالأمازيغية مشروعة وملزمة وجزءا من "الإجماع الوطني حول الأمازيغية"؟! فهؤلاء الذين لا يتكلمونها ولا يقرأونها ولا يكتبونها بأي حرف كان غير مؤهلين لمناقشة أمورها اللسانية والتقنية الدقيقة أو الإفتاء في حرف كتابتها وفي مصيرها.

ثم كيف يعقل أن نستفتي من عارض ترسيم الأمازيغية وتدريسها وأنكر وجودها كلغة، حول الحرف الأنسب لها؟! فخصوم الأمازيغية (السياسيون) لا نتوقع منهم أن يختاروا ما يصلح لها، بل سيختارون ما يعيقها ويضعفها. وهم لا يريدون لها أن تكون لغة رسمية على أرض الواقع أو أن تصبح لغة عالمية متألقة، وإنما يريدون لها أن تنقرض في أقرب الآجال.

إن فاقد الأمازيغية لا يعطيها، وعدوها لا يحميها.

الحرف العربي كوسيلة بيداغوجية انتقالية للإستئناس بالنطق الأمازيغي:

إن تبني الخيار المنطقي بإقرار الحرف اللاتيني حرفا رسميا للأمازيغية في المدرسة والإعلام والإدارة المغربية، أو حتى إقراره بجانب حرف تيفيناغ، لا يعني إلغاء حرية الإبداع الأدبي والإعلامي الأمازيغي بالحرف العربي. لا أحد يمنع المغاربة من نشر الكتب الأمازيغية بالحرف العربي. بل إنه من العملي استخدام الحرف العربي كوسيلة بيداغوجية انتقالية ومؤقتة للإستئناس بالنطق الأمازيغي في الدروس الموجهة للكبار الذين يصعب عليهم التكيف مع حرف لم يألفوه. أما تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني بشكل نظامي فهو أنسب للأطفال والشباب. ثم إن الإزدواجية الأمازيغية تيفيناغ - لاتيني نلاحظها بوضوح في مجال النشر الأمازيغي في المغرب والجزائر وأوروبا (دراسات لسانية، روايات، شعر، قواميس، مواقع الإنترنت...)، وبالتالي فلا فائدة من إنكار أهمية الحرف اللاتيني للأمازيغية.

أما من يدعو لكتابة الأمازيغية بالحرف العربي بشكل رسمي فيجب عليه أن يتعلم الأمازيغية ويكتبها ويبدع بها بحرفه المفضل، أي أن يطبق مبادئه وقناعاته مع نفسه أولا، قبل أن يطلب من الآخرين اتباعها.

ثم إنه لا يوجد أحد يمنع المغاربة من كتابة العربية نفسها بالحرف اللاتيني أو بحرف تيفيناغ. ولكن بما أن المتخصصين في العربية وكتابها وفقهاءها قد ارتضوا الحرف العربي حرفا رسميا أساسيا لها فالمسألة محلولة تلقائيا من دون "إجماع وطني" ولا تدخلات سياسية.

ولكن كيف سيشعر محبو العربية والناطقون بها إذا جاءهم أحد يأمرهم بكتابة العربية بحرف تيفيناغ أو بالحرف اللاتيني أو بالحرف العبري والتخلي عن الحرف العربي؟

ماذا تراهم فاعلون؟!

للحديث بقية...

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: بين المختار السوسي والحركة الأمازيغية   الخميس فبراير 02, 2012 9:16 am

بين المختار السوسي والحركة الأمازيغية

أحمد عصيد
الخميس 02 فبراير 2012 - 13:33

لست أدري ما علاقة المختار السوسي الفقيه السلفي، بالحركة الأمازيغية التي هي حركة مدنية حديثة، ظهرت بعد وفاة المختار بأزيد من أربع سنوات، وعاشت مفارقات وتحولات لم يعرفها العلامة المرحوم، ولم يكن يتصور ربما حتى إمكان حدوثها. فشتان بين رجل درس علوم القراءات والحديث وأصول الفقه وعلم الأدب واللغة العربيين، وتخرج من القرويين بعد أن مرّ عبر الزاوية والمدرسة القرآنية، وبين نخبة عصرية حديثة درست اللسانيات والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والأركيولوجيا والأدب الحديث وتخرجت من جامعات ومعاهد عصرية تحمل رؤية للعالم غير رؤية الفقهاء، وتنظر إلى المغرب من خلال اليومي والمعيش والحميمي، وعبرالوثيقة الأثرية المادية، وليس عبر كتب التراث والحواشي والمدونات القديمة.

كان المختار علامة عصره وفريد أوانه في العلم والأدب والفضل، لكن بمعيار النخبة التقليدية التي لم تعُد سيدة الميدان بعد أن عرف المغرب الدولة الوطنية الحديثة، وهو ما أدركه المختار السوسي بنباهة عقله اليقظ وحسّه الواقعي، وكتب عنه بروح رياضية وسعة صدر يندُر وجودهما عند الكثيرين ممن يسمون اليوم "علماء". لقد أدرك في كتابه "المعسول" (الذي سماه آنذاك بعض الذين يمتدحونه اليوم من باب الرياء بـ "المغسول" سخرية واستهزاء) أدرك بحسّ تاريخي مرهف أن المغرب هو بصدد توديع مرحلة بكاملها، وافتتاح عهد جديد بقيم وعلوم ومعارف جديدة، ورغم الحسرة التي تنضح بها كتاباته في هذا الباب، إلا أنه لم يؤاخذ قط على أبناء الجيل الجديد تبنيهم لآراء تخالف آراءه، ولا أنكر عليهم حقهم في أن يعيشوا عصرهم.

هذه المفارقة هي التي لا يبدو أن جريدة "الأسبوع" قد فهمتها جيدا بنشرها لملف خاص حول العلامة المختار السوسي، رامية إلى خلق تصادم غبيّ وتنافر مصطنع وعبثي بين هذا الرمز الوطني الكبير، وبين الحركة الأمازيغية الحديثة والمعاصرة.

لم يكن هدف الجريدة التعريف بالمختار السوسي أو التذكير برجل نسيه الكثيرون عن عمد، لأنه لا ينتمي إلى العائلات الفاسية الرباطية السلاوية، (وإن كان له بين هؤلاء محبّون أصفياء وأصدقاء حقيقيون ومعجبون حدّ التقديس، ويكفي أن نذكر منهم الفقيه التطواني الذي لم يكن يفارقه، والذي توطدت بينه وبين الفقيه السوسي عُرى محبة نادرة المثال)، ولم يكن هدف الجريدة أن تمنح المختار امتياز الظهور على صفحاتها هكذا لوجه الله، كان هدفها إيديولوجيا محضا، أن تعيد إلى طاولة النقاش قرارا وطنيا محسوما ونهائيا لا رجعة فيه، وهو كتابة الأمازيغية بحرفها الأصلي "تيفيناغ"، وهذه المرّة باستعمال المختار السوسي الذي كتب "الشلحة" بالحرف العربي، والجريدة المعنية وهي تقوم بهذا، تبدو كمن يصارع طواحين الهواء، ذلك أنّ الوقائع التي شهدتها العشرية الأخيرة لم تعُد تسمح بأي نكوص أو تراجع فيما يخصّ الأمازيغية هُوية ولغة وثقافة.

هل كان بإمكان الفقيه السلفي أن يكتب لغته أو أية لغة أخرى بحرف غير الحرف العربي، الحرف الوحيد الذي فتح عينيه عليه داخل الزاوية والمدرسة القرآنية، والذي أتقنه لأنه حرف لغة التكوين لديه، والذي سمح له بالإطلالة على عالم المعارف النظرية الواسع، لكن في حدود المنظومة الثقافية العربية ـ الإسلامية طبعا ؟ هل كان من الممكن للمختار السوسي أن يعرف اللغة الأمازيغية بالمعنى المتداول اليوم في المدرسة العمومية وهو الذي لم يكن يتحدث سوى عن "اللسان الشلحي" الذي يقصد به لهجة أهل سوس ؟ هل يتحمل المختار السوسي وزرَ عدم اطلاعه على تاريخ المغرب الماقبل إسلامي وعدم معرفته بملوك المغرب وحضارته قبل مجيء عقبة بن نافع أو إدريس بن عبد الله ؟ وهل نحمّل الحركة الأمازيغية اليوم ذنب معرفتها بكل ذلك واطلاعها على نتائج علوم كانت مجهولة لدى القدماء ، لأنها ثمرة المدنية الحديثة ؟

في الواقع ليست جريدة "الأسبوع" هي أول من استعمل مثل هذا الحجاج الفاسد، فقد عرفنا داخل اتحاد كتاب المغرب منذ عقود نقاشا من هذا النوع، حيث كان مثقفو العروبة يواجهون مطلبنا بالإعتراف باللغة الأمازيغية كلغة كتابة وإبداع بالمغرب، بتذكيرنا بالمختار السوسي الذي كان "يحبّ العربية" ولا يتحدث عن مطالب تخصّ لغته الأصلية، ولم يكن مثقفو الحداثة الذين يواجهوننا بهذا الخطاب آنذاك يعون مقدار التناقض الذي يقعون فيه، لقد كانوا يقدمون لنا نموذج رجل فقيه سلفي، في الوقت الذي يضعون فيه نصب أعينهم في الثقافة العربية نماذج غاية في الحداثة، وكأنهم لا يدركون بأن الأمازيغية المعنية في نقاشنا، إنما هي نتاج تحولات الدولة المغربية الحديثة، وبروز قيم الثقافة العصرية في إطار المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، مما يجعل إقحام المختار السوسي في النقاش وقوعا في حالة شرود، وخروجا عن السياق التاريخي بأكمله.

ولكن بالمقابل أليست جريدة الأسبوع ضحية من بين ضحايا كثر من أبناء الشعب المغربي ؟ أليس المسؤول الرئيسي عن كل ذلك هو السياسات العمومية التي تمّ انتهاجها من قبل السلطات على مدى نصف قرن، والتي علمت الناس العربية وجعلتهم "أميين" في الأمازيغية وفي ثقافة وتاريخ وطنهم ؟

وأخيرا وعلى سبيل الختم، وحتى لا يساور الشكّ من بقي في قلوبهم "شيء من حتى"، نذكر بالمعطيات التالية، التي هي الحق الذي يُعوّل عليه في هذا الباب:

ـ أن حرف تيفيناغ ـ المنقوش على الأرض المغربية منذ ما لا يقلّ عن أربعة آلاف سنة، مكسب تاريخي من أكبر المكاسب التي حققتها الحركة الأمازيغة في عصرنا هذا، بنضال أبنائها وتفانيهم وتضحياتهم الجسيمة، وأنّ أي تراجع أو مسّ بهذا المكسب سيكون بمثابة عودة إلى الوراء وإعادة للنزاع الذي تمّ الحسم فيه من قبلُ بتوافق وطني ساهمت فيه منظمات مدنية ومؤسسات عمومية وأحزاب سياسية إضافة إلى قرار الملك محمد السادس، الذي بعث ببرقية تهنئة إلى المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتاريخ 10 فبراير 2003.

ـ أنّ حرف تيفيناغ ليس مجرد حرف للكتابة، بل هو رمز للهوية الأمازيغية للمغرب الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، والتي ينبغي بعد الترسيم أن تظهر في واجهة المؤسسات العمومية والشبه عمومية والعلامات الطرقية في الساحات والأزقة والشوارع، وكتابة الأمازيغية بالحرف العربي لا يرمي إلى أكثر من تعريب الهوية البصرية للمغرب، وهو ما يتنافى مع الدستور الذي يقرّ الأمازيغية بعدا من أبعاد الهوية المغربية ولغة رسمية للبلاد.

ـ أن هذا الحرف الأمازيغي العريق الذي ظلّ لعقود موضوع حظر سلطوي، قد نال علاوة على الإعتراف الوطني اعترافا دوليا من طرف المعهد الدولي لمعيرة الخطوطIso unicode ، وأصبحت له برامج معلوماتية متقدمة ورصيد في المدرسة المغربية.

ـ أن دراسة لوزارة التربية الوطنية المغربية قد أظهرت بالملموس أن هذا الحرف يتعلمه الأطفال بسهولة كبيرة، ويُعجبون بأشكاله الهندسية المتناسقة والخالية من أي تعقيد، وأنه الحرف الأكثر تعبيرا عن الخصائص اللسنية للأمازيغية، نظرا لكثرة العوائق البيداغوجية والتقنية في كتابة الأمازيغية بأي حرف آخر غير حرفها الأصلي.

ـ أن الكثير من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية قد طالبت بأن تكتب قوانينها الأساسية وأدبياتها باللغة الأمازيغية وبحرف تيفيناغ، وأول حزب مغربي طالب بذلك ـ للأمانة وللتاريخ ـ هو حزب العدالة والتنمية أيام كان الدكتور سعد الدين العثماني أمينا عاما للحزب.

ـ أن معظم الأحزاب السياسية المغربية، ومنها حزبا الإستقلال والعدالة والتنمية، قد استعملت الحروف الأمازيغية تيفيناغ في حملتها الإنتخابية الأخيرة، وهو ما يعتبر موقفا يجبّ ما قبله.

ـ أن التصريح الحكومي الأخير الذي ألقاء رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران أمام البرلمان، قد تضمن بوضوح تعهّد الحكومة بوضع قانون تنظيمي للأمازيغية "مع صيانة المكتسبات المحققة"، والمقصود بها طبعا المبادئ الأربعة التي أدرجت بها الأمازيغية في المؤسسات منذ 2003، وهي الإلزامية والتعميم والتوحيد وحرف تيفيناغ، وهو تعهّد حكيم يرمي إلى فض النزاع بصفة نهائية في موضوع الهوية بالمغرب، وهو الإختيار السليم.

ـ أن "التطرف" الذي تحدثت عنه جريدة "الأسبوع"، ليس هو كتابة الأمازيغية بحرفها الأصلي المتداول داخل المؤسسات الرسمية، أو المطالبة بإنصاف لغة وطنية بمكوناتها الثقافية والرمزية في تظاهرة سلمية بالشارع لعام، بل هو محاولة تعكير الأجواء وتصفية حسابات هامشية وإيقاظ الضغائن بدون مبرّر.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟   الثلاثاء فبراير 07, 2012 5:06 pm

admin كتب:

القضية الامازيغية وإشكالية الأصل
محمد قاسمي
الثلاثاء 07 فبراير 2012 - 20:18

يعد الملف الأمازيغي في المغرب من أبرز الملفات الشائكة على المستوى الفكري والخلفيات الايديولوجية التي ما فتئت تظهر رويدا رويدا وذلك لأنه يتعلق بقضية حساسة وهي الهوية التي من أسسها الكبيرة اللغة واللسان وتبرز حساسيته الكبيرة انطلاقا من التعاطي الحذر معه من طرف الدولة المغربية لأنه يطرح اسئلة محرجة للنظام المغربي خارج نطاق اللغة و اللسان الى حدود الشرعية و أسس المواطنة.

ومن الموقع الطلابي يبرز هذا النقاش على السنة الداعين الى الاهتمام بالقضية الامازيغية على المستوى الوطني و الاقليمي، وقس على ذلك جميع تخصصات الحركة الثقافية بالمغرب، لهذه الاهمية وغيرها ارتأيت التفاعل مع مقالات الصحافي جواد غسال من خلال زاوية القضية الأمازيغية وإشكالية الأصل.

فلا يشك أحد منا أن الله تعالى جعل من آياته الباهرة، و معجزاته القاهرة:الاختلاف في الأشكال، و الصور، و التباين في الثقافات، والفكر. وذلك تبعا للتنوع الحاصل على مستويات عديدة، لا دخل للإنسان فيها، مما قدرهالله تعالى بإرادته التكوينية في خلقه جميعا ، و إن مما يدخل تحت هذاالأصل العظيم، اختلاف اللغات والألسن، وما يتبعه من اختلاف الطباع والسلوك، يقول الله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِيذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }الروم 22. فالسموات و الأرض مخلوقاتالله تعالى، إذ لا دخل للإنسان فيها إلا من حيث الانتفاع : {يَا أَيُّهَاالنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَتَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}البقرة 168 ، أو الإفساد : {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41. و بما أن الهوية الإنسانية قائمةأساسا على اللسان، و اللغة، فيجدر بالمثقف المسلم أن يتنور فكره بالأصولالعامة المؤطرة لهذه القضية الشائكة، ليخرج في آخر البحث برأي سديد قائمعلى الأدلة الصحيحة مأثورة كانت، أو نظرية، و خاصة ما يعرفه الرأي العامالمغربي من نقاش كبير على مستوى الحركات الاحتجاجية و بالضبط الحركةالثقافية الامازيغية، بشتى تخصصاتها: الطلابية، و المدنية، و كذا أنواعهاالممانعة، والمحاورة.

ولعل ما يبرز خطورة هذا الموضوع: ذلك الخلط المقصود في الغالب بينالهوية اللغوية، و الأنساق الفكرية المستوردة، مثل العلمانية المحلية التي يدافع عنها أربابها من الامازيغ باستماتة و شدة، ليا لأعناق بعضالأدلة من حيث فهمها على وزان مغاير للواقع و الحقيقة.

فالدارس إذن لهذه القضية يتوجب عليه ابتداء الانسلاخ من التحيز الأيديولوجي المسبق، والتحلي بالموضوعية، و العلمية المقتضية لإعمال الأدلة الصحيحة والسديدة في مواطنها الاستدلالية، و سياقاتها المناسبة،لتتضح الصورة الطبيعية انطلاقا من جذورها المتمثلة في: مدى حقيقة أصولالامازيغ ؟أصول الأمازيغ:كثيرة هي الدعوات المنادية بقطعية موطن الامازيغ، المتمركز حول بلادالمغرب، و ما جاوره من افريقية_ تونس_ ، وليبيا والجزائر والمغرب، وغيرها . إلا أن ما يطبعها في الغالب، هو الانحياز الأيديولوجي والسياسوي للأنساق المؤيدة لنظام العلمنة الشامل، و ما يحوم حوله من أفكار تمس هويةالمسلم الامازيغي العادي.

الصفة الثانية لهذه الدعوات: هو إغلاقها الأبواب أمام كل الآراء المخالفةالتي تستند بدورها على أدلة تاريخية و نقول أدبية، وأحوال سوسيواقتصادية في بلدان مختلفة. و لا يسعني في هذا المبحث العويص إلا أن أحاول الالتزام بنقيض ما انتقدته بوضوح و تجرد:إن ما يقتضيه النظر في الآثار و النقول المرتبطة بأصول الامازيغ، يوحي في بادئ الرأي أنها غير مستقرة على قول واحد، ورأي وحيد، فضلا عن قلةالمصادر العلمية في الموضوع.

فلقد جمع محمد خير فارس آراء السوسيولوجيين بشتى تلاوينهم في أصل الشعب الامازيغي. فانتهى إلى أن فريقا من الباحثين عزاهم إلى البحر الأبيض المتوسط، وآخرون قالوا: هم من أصول مشرقية، ودارسون اعتبروهم من أصول البية . وقد ذكر دبوا نموذجا رابعا من الامازيغ، هو النموذج الأبيض والأشقر.

كما ذهب العلامة المغربي عبد الرحمن بن خلدون إلى تأييد الرأي الثاني القائل بان أصولهم مشرقية بحيث رأى بأنهم كنعانيون أحفاد مازيغ بن كنعان،أي إن أصلهم عرب من بني كنعان. وهذا الذي ذهب إليه ابن خلدون يؤيده القائلون بأن الامازيغية تطور لساني للعربية، وتراجع لها على المستوىالصوتي و الصرفي و كذا المعجمي.

ومما تجدر الإشارة إليه أن العلامة ابن خلدون استند في تقريره إلى النقل الصحيح لما ورد على السنة النسابين ، وهو ما رجحه القديس الجزائري أوغسطين وإن اختلف النسق الفكري و المعين التربوي للرجلين، مما يدل دلالة عميقة على التقارب الموضوعي والعلمي.

وإلى نفس الاتجاه نحا الباحث الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة فيك تابه" المسالة الامازيغية في الجزائر و المغرب"، وتابعه في هذا الرأي الدكتور محمد هبو في كتابه "الأبجدية"، فقد قال بأن الامازيغية بحرفهاتيفيناغ تعود إلى الكنعانية الفينيقية، و لا علاقة لها باللاتينية أبدا.

غير أن هناك رأيا مخالفا ذهب إليه الباحث عثمان الكعاك يقضي بأن أصلهم أوربي استنادا على معطيات خلقية: من لون الشعر، و بعض الآثار الاركيولوجية، والنقوش الفنية القديمة، مما يظن أنها للامازيغ. غير أنني ألاحظ على هذا الرأي استدلاله بالشعب الأوربي، وهو مختلف فيه أصلا، إذ كيف يستدل على أمر قطعي عندهم بدليل ظني مختلف فيه، و كيف نحسم المختلف فيه بمضطرب فيه أيضا.

أما الرأي الثالث: و هو المدعوم بقرائن تاريخية مثل الرأي الأول والثاني، و هو المعتمد في الخطاب الرسمي بحيث يقطع بمغربية أصل الامازيغ وامازيغية الشعب المغربي، أبا عن جد ، و هو ما يجنح إليه الباحث الامازيغي محمد شفيق في كتابه "لمحة عن 33 قرنا من تاريخ الامازيغيين" ، غير أن مايطبع هذا الطرح: اتجاهه إلى تسييس القضية أكثر من تاريخها و تحقيقها .

ومن الأمانة العلمية فان هناك رأيا جامعا لقولين من أقوال الدارسين :فقد ذهب ليون الإفريقي في كتابه "وصف أفريقيا" و الدكتور عثمان الكعاك في كتابه "البربر" إلى أن أصلهم مشترك بين السلالة السامية، و السلالةالهندواوربية، والتقت السلالتان في المغرب لظروف بيئية و أمنية واجتماعية، مما يفسر لنا اختلاف ألوانهم، و لهجاتهم وشكل عيونهم على حد ترجيح الباحث جميل الحمداوي .

قلت: إن اختلاف الأقوال و الآراء في هذه المسالة التاريخية بين مرجح ومتوقف، يدل على أن المسالة فيها نظر من نواحي عديدة، خاصة ما يرتبط بطرق الترجيح بين الآراء، كما يدل على ظنية ما ذهبت إليه الحركة الثقافية الأمازيغية على تنوع تخصصاتها وميادين اشتغالها، خاصة القطاع الطلابي الأمازيغي العلماني ، وهذا يدفعنا حقيقة إلى فتح نقاش جدي و بناء حولهذه المسالة بالذات، بعيدا عن القصور الفكري و التقوقع الحزبي، و الجدالالفصائلي، عسى أن نبني منظومة معرفية و تاريخية أمازيغية.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله .



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟   الأحد فبراير 04, 2018 3:15 am

admin كتب:

قضية كتابة الأمازيغية تفجر نقاشا لغويا وسياسيا في الجزائر
حسام الدين إسلام من الجزائر‎* 4-فبراير-2018 02:15

مع إعلان السلطات الجزائرية رأس السنة الأمازيغية (يناير) عيدا وطنيا لأول مرة هذا العام وقبلها اعتبار الأمازيغية لغة رسمية وطنية، عاد الجدل في الأوساط الثقافية والأكاديمية وحتى السياسية في البلاد، بشأن كيفية كتابتها.

هناك من دعوا لكتابتها بحروفها الأصلية “التينيفناغ”، وآخرون فضلوا الحروف اللاتينة، وفريق ثالث نادى بكتابتها بالعربية.

ودخلت الجزائر في جدل لغوي ونقاش حاد منذ إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 27 دجنبر الماضي اعتبار الـ12 يناير (أول أيام السنة الأمازيغية) عيدا وطنيا وإجازة رسمية، والتحضير لإنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية وتعميم تدريسها عبر المؤسسات التعليمية.

وجاء إعلان رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا هذا العام، بعد عامين من اعتبار الأمازيغية لغة ثانية رسمية إلى جانب العربية في تعديل دستوري جرى مطلع عام 2016.

خارطة انتشار متحدثي الأمازيغية

والأمازيغية هي اللغة الرئيسية في التعاملات اليومية لسكان منطقة القبائل الكبرى في الجزائر، التي تضم محافظات عدة شرقي العاصمة.

وينقسم الناطقون بها، وفق باحثين، إلى مجموعات منفصلة جغرافياً، وهي: منطقة القبائل (شرق العاصمة)، والشاوية في منطقة الأوراس (جنوب شرق)، والمزاب (المجموعة الأمازيغية الوحيدة ذات المذهب الإباضي) في منطقة غرداية (500 كم جنوب العاصمة).

وهناك أيضا الطوارق (أقصى الجنوب الشرقي)، والشناوة في منطقة شرشال (90 كم غرب العاصمة)، فضلا عن مجموعة بربرية أخرى قرب مدينة ندرومة على الحدود مع المغرب، وتتميز لغتها أو لهجتها بقربها الكبير من الشلحية؛ وهم أمازيغية الشلوح (بربر) في المغرب.

ولا توجد أرقام رسمية بشأن عدد الناطقين بالأمازيغية كلغة، لكنهم مجموعة من الشعوب المحلية، تسكن المنطقة الممتدة من واحة سيوة (غرب مصر) شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً.

تضارب الكتابة

ووسط الضجة الحاصلة بشأن الأحرف المناسبة لكتابتها، أصدرت السلطات الجزائرية الأربعاء 10 يناير الماضي أول بيان رسمي باللغة الأمازيغية في تاريخ البلاد، وذلك بمناسبة الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2968، في خطوة لاقت ترحيبا واسعا من قبل الأمازيغ.

وظهر في نص البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية حول انطلاق عمليات التسجيل لموسم الحج 2018 مزيجا بين الكلمات الأمازيغية القديمة والحروف اللاتينية.

وبعد أسبوع من بيان وزارة الداخلية نشرت مؤسسة الدفاع المدني (تابعة لوزارة الداخلية) بيانا لها بالأمازيغية اعتمدت فيه على حروف “التيفيناغ”.

وجهات نظر مختلفة

وبهدف تطويرها وترقيتها قانونا وتطبيقا على أرض الواقع تباينت الآراء والأفكار حيال الحروف المناسبة لكتابة الأمازيغية في الأوساط الثقافية والأكاديمية، بين من ينادي بكتابتها بحروف تيفيناغ (حروفها الأصلية)، ومن يؤيد تدوينها بالحرف اللاتيني، وآخرون يدعون إلى اعتماد الحرف العربي لكتابتها.

واعتبر مدير المركز الجزائري البيداغوجي واللغوي لتعليم الأمازيغية (حكومي) دوراري عبد الرزاق أنّه “لا توجد حروف بعينها لكتابة اللغة الأمازيغية وكل الحروف مناسبة شريطة أن تكون رمزيتها مقبولة بالنسبة للناطقين بها”.

وأوضح دوراري أنّ الجزائر تضم خمس أو ست تنوعات لغوية أمازيغية مختلفة نسبة إلى مناطق مختلفة أيضا، مشيرا إلى أن "مجتمع الشاوية وبنو ميزاب (شرق وجنوب البلاد) علاقتهم جيدة مع اللغة العربية ولديهم احترام كبير للحرف العربي لذلك يفضلونه لكتابتها”.

وأردف “وفي منطقة القبائل (شرق العاصمة الجزائر) علاقتهم بالحرف اللاتيني متجذرة، فالناطقون بالفرنسية قاموا بتهيئة اللغة الأمازيغية ودافعوا عنها منذ أكثر من قرن وبالتالي يدعون إلى كتابتها بالحرف اللاتيني”، متابعا بالقول “أمّا الطوارق (أقصى الجنوب الشرقي) فعلاقتهم قوية بالتيفيناغ الأصيل بهذه المنطقة منذ قرنين قبل الميلاد”.

وأكدّ دوراري على عدم تفضيل حرف على أخر باعتبار أنّ العلاقة تقوم بين المجتمع واللغة من ناحية الفكر والانتماء والموقف.

“التيفيناغ” وإحياء الهوية

من جهته، قال الروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة إنّ “اعتماد الأبجدية الأمازيغية حرف التيفيناغ في كتابة اللغة الأمازيغية يعدّ فرصة لإحيائها ونشرها”.

وأضاف بوكبة أنّ “توظيف حرف التيفيناغ في اللغة الأمازيغية يعني استرجاع الهوية بكل ملامحها ومكوناتها وعناصرها”.

وأشار إلى أنّ اللغة قاموس وأبجدية في الوقت نفسه، وإحياء القاموس بمعزل عن أبجديته الأصلية يعدّ نوعا من تغريب اللغة المعنية، مؤكدا أن الدعوة لكتابة الأمازيغية بالحرف العربي أو اللاتيني لأي سبب من الأسباب بغض النظر عن وجاهته من عدمها هو تغريب أخر للأمازيغية بعد الذي عانته من إقصاء وتهميش متعمّد في الماضي.

“اللاتينية هي الحل”

بوجمعة عزيري مدير التعليم والبحث في المحافظة السامية للأمازيغية (هيئة تابعة للرئاسة) يرى أنّ “الحرف اللاتيني هو الأنسب في الفترة الراهنة لكتابة اللغة الأمازيغية لكونه يخدمها”.

وأوضح عزيري أن “الحرف اللاتيني متداول اليوم في تعليم الأمازيغية بالمدارس وخريجو الجامعات في هذا المجال يكتبون بالحرف اللاتيني وهناك روايات بالأمازيغية تعتمد هذا الحرف..وغيرها”.

وأردف المتحدث أنّ “المهتمين اليوم في الجزائر بالأمازيغية يكتبون بالحرف اللاتيني وبنسبة 90 بالمائة”.

وأكدّ أنّ اللغة الأمازيغية “بحاجة إلى مرحلة انتقالية لإيجاد حل نهائي، لكون الحرف اللاتيني ساري المفعول ولا يمكن إيقاف من يكتب الأمازيغية بالحرف اللاتيني”.

وحول من يرى أنّ الحرف اللاتيني يغرّب الأمازيغية ردّ عزيري “هو مخطئ، لأنّ لغات كثيرة تستعمل الحرف اللاتيني مثل الألمانية والفرنسية والإنجليزية ولغات أخرى”.

وتابع “هذا الطرح يرتبط بدخول السياسة والإيديولوجيا، والحروف من مصدر واحد وأصولها فينيقية ثم تطورت إلى الحرف العربي واللاتيني وحروف أخرى”.

وأبدى المتحدث تحفظه بشأن خيار الحرف العربي قائلا “الحرف العربي يعني رمز انتماء للوطن العربي وللهوية الإسلامية ولكن المدافعين عن العربية لم يهتموا بالأمازيغية ويرونها مجرد لهجة”.

وبخصوص مؤيدي حرف “التيفيناغ” أوضح عزيري أنّ الكتابة بهذا الحرف تحتاج إلى تهيئة خاصة وأنّه يختلف عند الأمازيغ من منطقة إلى أخرى بالبلاد”.

ودعا عزيري في ختام حديثه إلى التريث وانتظار إنشاء أكاديمية تعليم الأمازيغية التي سيكون لها رأي مهم في هذا الصدد.

التقويم الأمازيغي

ويعود بداية التأريخ الأمازيغي في الجزائر إلى 950 عاما قبل ميلاد المسيح، ويبدأ رأس السنة الأمازيغية في 13 يناير من كل عام، بينما يتم الاحتفال ليلة رأس السنة في 12 يناير.

وتتضارب روايتان حول أصول الاحتفال بهذه المناسبة، تقول الأولى إن ينّاير يرمز للاحتفال بالأرض والفلاحة عموما تفاؤلا بعام خير وغلّة وفيرة على الفلاحين وعلى الناس عموما.

وتقول الرواية الثانية إنه اليوم الذي انتصر فيه الملك الأمازيغي “شاشناق” على الفرعون المصري “رمسيس الثاني” في مصر.
*الأناضول


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الأمازيغية والإسلام السياسي وقضايا الهوية   الخميس يونيو 07, 2018 7:05 pm

admin كتب:
محمد أيت بود
الخميس 07 يونيو 2018 - 02:59
قراءة في كتاب الباحث رشيد الحاحي

عن شركة درا ميديا للنشر صدر للباحث والكاتب المغربي رشيد الحاحي كتاب جديد تحت عنوان "الهوية وقضايا الأمازيغية والإسلام السياسي والحريات "، وهو الكتاب السابع للباحث ضمن سلسلة من الإصدارات التي تندرج في إطار البحث الفكري الرصين والتي أثارت نقاشا كبيرا منها "الأمازيغية والسلطة، نقد استراتيجية الهيمنة"، "الأمازبغبة والمغرب المهدور"، "النار والأثر" دراسة أنثربولوجية...-، والكتاب الأخير يقع في مائة صفحة بالإضافة اٍلى البيبلوغرافيا والفهرس، ويتضمن مقدمة وخاتمة وأربعة فصول هي: الهوية في إطار نظري متعدد، الهوية في الخطاب الأمازيغي، الهوية والجمهرة وأبعادهما في خطاب الاٍسلام السياسي، والحقوق والحريات بين هاجس الهوية والتحديث.

يطرح الكتاب إشكال الهوية من خلال مقاربات متعددة ، أنثروبولوجية وسوسيولوجية وسيكولوجية ، بمعنى أن الكتاب يمكن اعتباره ملتقى مقتربات منهجية متعددة ، تناولت موضوع الهوية اٍنطلاقا من مقاربات معرفية متعددة –Approche multidisciplinaires ، وهذا مؤشر هام على نضج الكتابات الفكرية للحركة الأمازيغية بالمغرب التي يعتبر رشيد الحاحي أحمد منظريها، وتعتبر إنتاجاته من الكتابات الفكرية والسياسية التي يمكن اعتبارها تأسيسية في هذا الصنف من الكتابات، خاصة فيما يتعلق بالمضمون الفكري والثقافي للحركة الأمازيغية ، والتي كانت تقتصر في البداية على تدوين الأشعار التراثية وتوثيق بعض العادات والتقاليد والاٍهتمام بالقيم الرمزية للثقافة الأمازيغية. لهذا أعتبر من منظوري الشخصي أن كتابات الأستاذ رشيد الحاحي هي من الكتابات الرصينة، ليس على مستوى بلاغة اللغة وتجريديتها فحسب، بل وعلى مستوى المضمون الفكري الذي يعانق قضايا متعددة ويتطرق لاٍشكاليات متنوعة تسم الخطاب الأمازيغي في علاقته بالخطابات الأخرى سواء المهادنة أو المناوئة، لهذا فهذا الصنف من الكتابات أعتبره شخصيا طفرة نوعية في مجال التنظير الأمازيغي الذي كان يفتقر في السابق إلى هذا النوع من الكتابات، بحيث حصن موقعه ضمن سياق السوق الأيديولوجي بتعبير بيير بورديو الذي كان يفتقر إليه في السابق نظرا لاحتكاره من طرف الحركات الإسلامية واليسار القومي .

ينطلق الكاتب من المرجعية الحقوقية والديمقراطية للخطاب الأمازيغي، كخطاب أنتجته الإطارات الجمعوية الأمازيغية منذ ما يربو على ثلاثة عقود، وهنا أود أن أطرح سؤالا، هل يجوز الحديث عن الحركة الجمعوية الأمازيغية بصيغة المفرد أم بصيغة الجمع ؟ وهل هناك خيط ناظم لخطاب الحركة الأمازيغية أم هناك تعدد للخطابات الأمازيغية ؟ هذا سؤال جوهري محدد لا أجد حرجا في طرحه، خاصة أمام تعدد الاٍطارات الجمعوية – المدنية الأمازيغية ، وتعدد منطلقاتها الفكرية والأيديولوجية والحقوقية، الجمعيات التنموية، جمعيات تعنى بقضايا الأرض والثروات والمجال ...الخ ، وهذا السؤال سوف يدفعني اٍلى طرح سؤال آخر له ارتباط واقعي بالسؤال الأول ألا وهو : هل تساهم الحركات الأمازيغية في تغيير منظومة القيم والحياة الاٍجتماعية والسياسات العامة، ومن أي منظور ؟

يطرح الكاتب هذا الاٍشكال وهو ينطلق من السؤال الأنثروبولوجي والسوسيولوجي حول الهوية، و يقدم من منظور المنهج التحليلي النقدي، نقدا لأطروحة عبد الله حمودي حول الهوية، و يحاول أن يطرح مشروعية –La ligitimité الخطاب الهوياتي الأمازيغي، في مسعى للإجابة عن السؤال: هل يجب أن يطرح النقاش حول الهوية بشكل عام، وما موقع الهوية الأمازيغية ضمن هذا السياق ؟ وهل يساهم هذا النقاش في دمقرطة المجتمع والدولة في المغرب ؟



يعتبر الكاتب أن حضور الحركة الأمازيغية كحركة مدنية داخل المشهد الحقوقي والثقافي والسياسي المغربي، يعتبر حضورا له فاعلية ودينامية، لكنه مرتبط بسؤال مدى اٍمكان القدرة على القول أن هذا الحضور يعتبر قيمة مضافة للمشهد السياسي المغربي الموسوم بالتعدد والاٍختلاف، ولكن في إطار صراعي، بمعنى أن هناك مهيمنون ومهيمن عليهم، بحيث يمكن اعتبار الهوية الأمازيغية من منظور نظرية الصراع لدى بيير بورديو، من هذا المنظور مهيمنا عليها، وهذا ليس حكم قيمة مجاني، أو موقف أيديولوجي نابع من الاٍنتماء والاٍصطفاف، بل هو مرتبط بما يسميه أنطونيو غرامشي بالبنى الفوقية والبنى التحتية، فأين إذن تتموضع الهوية الأمازيغية، إن لم تكن تتموضع ضمن البنى التحتية ؟

هذا المعنى تحيل عليه نظرية إعادة الإنتاج الاٍجتماعي – La reproduction sociale لبيير بورديو، بحيث تمكن المدرسة وفق هذه النظرية من إعادة إنتاج التفاوتات الاٍجتماعية والطبقية، وهذا الأمر ينطبق على الهوية الأمازيغية، كهوية تعيش خارج مناخ الثقافة المدرسية العالمة، بل تعيش في الهوامش المنسية، والملغية من سياق التداول الثقافي، بالمفهوم العالم للثقافي، أي الثقافة العالمة مقابل الثقافة التقليدية، وهذا المفهوم الإقصائي للثقافة أصبح مفهوما كلاسيكيا متجاوزا، بحيث حل محله المفهوم التعددي والدينامي للثقافة.

اٍن طرح اٍشكالية الهوية، بالنسبة للباحث، بهذا الشكل، يجعله يشكك من منظور الكوجيطو الديكارتي في مشروعية الخطاب السياسي للحركة الأمازيغية، ويذهب بعيدا في طرح السؤال حول طبيعة خطاب الحركة الأمازيغية، وهل تمتلك بالفعل خطابا متميزا وتصورا لقضايا المجتمع والدولة ؟ وهل تعتبر قوة بارزة في الفضاء المجتمعي ومجالات الإنتاج والخطاب والممارسة ؟

اٍن حضور هاجس الفهم لدى الباحث، من منظور الوعي السيوسيولوجي الفيبري –نسبة لماكس فيبر- يجعله ينخرط في إشكال فكري جدلي، وهو يساءل خطاب الأمازيغية والاٍسلام السياسي ومجمل التقاطعات التي تسم الموضوع من قبيل التقاطع السياسي والحقوقي، وحضور هاجس الفهم يطرح بالنسبة للباحث إشكال السوسيولوجيا الفيبرية في تحليل دينامية الفعل الاٍجتماعي لدى الفاعلين في الحقل السياسي والثقافي ( الأمازيغي والإسلامي )، من منظور نظرية الصراع الماركسية – البوردية، ( نسبة اٍلى بيير بورديو). ويطرح أن منطلقات خطاب الحركات الاٍسلامية حول الهوية ليست منطلقات دينية منشؤها النص الديني المؤسس بقدر ما هي منطلقات أيديولوجية تختبئ وراء الذريعة الدينية في إطار دينامية الصراع الاجتماعي من أجل تحقيق غايات ومآرب لا علاقة لها بالدين، والدليل على ذلك هو أن غالبية الأمازيغ مسلمون سنيون، أضف إلى ذلك أن غالبية مناضلي حركات الإسلام السياسي هم أمازيغ. لكن ماذا نقصد بكلمة " أمازيغيون " كونهم يتحدثون باللغة الأمازيغية أي بإحدى لهاجاتها الثلاث أم كونهم أمازيغيون، بمعنى أنهم يتبنون الخطاب الثقافي والحقوقي للحركة الأمازيغية؟ أعتبر أن هذا السؤال لا يحتاج اٍلى جواب، إذن التخفي وراء " المقدس " الديني من أجل ضرب " المدنس " الدنيوي ، في خطاب وممارسة حركات الإسلام السياسي، ما هو اٍلا تمظهر سياسي مرتبط بالوجود الاٍجتماعي والسياسي، كحركات تملك مشروعا سياسيا له امتدادات اجتماعية وهوياتية تطرح نفسها كبديل للإطارات السياسية التقليدية خاصة اليسارية – القومية التي أفلست في نظرها سياسيا وفشلت في تحقيق التغيير السياسي والمجتمعي المنشود، و تعتبر أن الخطاب الهوياتي الأمازيغي ينسف منطلقاتها النظرية، نظرا لخطابه المغاير والذي يتأسس على فرضيات نسبية في طرحه للإشكال الهوياتي داخل الفضاء الاٍجتماعي والسياسي والثقافي بالبلاد. وبخصوص هذه النقطة يطرح الباحث مشكل التناقض الذي تسقط فيه حركات الإسلام السياسي وهي تحاول أن تسوق لمشروعها السياسي والفكري ذي الجوهر الهوياتي، فهي وكما يتضح للجميع حركات ليبرالية تقوم بوظيفة تنفيذ الأجندة النيوليبرالية من داخل أجهزة القرار السياسي الرسمية، ولكنها من خارج الجهاز الرسمي، تقوم بتسويق الخطاب التكافلي الإسلامي – الاٍجتماعي ، الذي يتأسس على التضامن الإسلامي، الذي يعتبر طوباويا وميتافيزيقيا، بالنظر إلى طغيان البعد الليبرالي ضمن المضمون السياسي والفكري لخطابها. هذا التناقض بين الممارسة والخطاب والسلوك، أفرز معضلات اٍجتماعية لم تستطع حركات الإسلام السياسي، على الأقل تلك التي تقود الاٍئتلاف الحكومي، أن تجد لها حلولا جذرية، بحيث أدى ذلك إلى بروز ظواهر اٍجتماعية مرتبطة بأنماط جديدة من التعبئة والاحتجاج من خارج منطق المؤسسات والإطارات أو الوسائط الحزبية التقليدية، والتي منها حركات الإسلام السياسي نفسها، بحيث وجدت نفسها وهي تحاول أن تلملم شعاتها الأيديولوجي المبعثر بين الولاء الأيديولوجي لدولة الخلافة الموعودة والتي سوف يتحقق فيها العدل ويتساوى فيها الجميع، وبين الممارسة الميدانية التي أثبتت محدودية العمل السياسي – الحزبي لهذه الحركات.

يطرح الباحث سؤال الهوية على المستوى المنهجي والمعرفي، بحيث يعتبر هذا السؤال بمثابة الخلفية الناظمة للدراسة الفكرية التي قام بها الباحث في هذا الإطار، وخلص من منظور الطرح الأنثروبولوجي لعبد الله حمودي والسوسيولوجي لأمين معلوف إلى أن مفهوم الهوية مفهوم نسبي ومتغير، وأجدني ملزما بتحديد المتغيرات المستقلة والتابعة للدراسة، والتي أعتبر أن مفهوم الهوية يظل متغيرا مستقلا، ومفهوما مركزيا مهيمنا على متن الدراسة من مبتداها إلى منتهاها، في حين تأتي مفاهيم الإستراتيجية والثقافة والدينامية والصراع، كمتغيرات تابعة.

يطرح الكاتب تعريفا لمصطلح الهوية من الناحية الأنثروبولوجية والسيكولوجية، ويربطه بحياة الإنسان وواقعه الاٍجتماعي، وتفاعله مع الآخرين سواء الذين يمتلكون نفس المقومات الهوياتية التي يمتلكها ويتقاسمون معه بالتالي نفس القيم الثقافية والرمزية، أو المختلفون معه من الناحية الهوياتية، ويطرح بهذا الصدد اٍشكال يرتبط بمفهوم الهوية يتمثل فيما يلي : هل لمفهوم الهوية بالكيفية التي طرحه بها الباحث اٍمتدادات سوسيولوجية ؟ وهل تشكل العادات والتقاليد واللغة والقيم الثقافية والرمزية اللامادية محددها الرئيسي ؟

اٍن التركيز على البعدين الثقافي الأنثروبولوجي والاٍجتماعي لمفهوم الهوية شكل الخيط الناظم للدراسة، بحيث اعتبر بمثابة الإشكال المركزي الذي تمحورت حوله الدراسة في كل مراحلها وفصولها.

كما هو معلوم فعودة مفهوم الهوية يرتبط بنهاية الأيديولوجيات وظهور ما يطلق عليه "خطابات ما بعد الحداثة – Discours de poste modernité ، خاصة مع الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، والذي جمع بين النظريات الماركسية والتفكيكية والسيمايائية والتحليل النفسي، خاصة تأثره بلغويات دي سوسيور وبمنهجه البنيوي، وجون سان بيرس وبمنهجه السيميائي، هذه الخطابات صارت تختصر مفهوم الهوية في مجرد علاقات تفاعلية بين الأفراد، ما يطرح في نظرها سؤال العلاقة مع الآخر – L’autrui ، هل يجب أن يسودها السلام والمحبة والتعايش السلمي، أم هل هي محتومة بالصراع الأبدي؟

هذا السؤال عندما نضعه على مشرحة الفكر الأيديولوجي للحركات الإسلامية الراديكالية، خاصة تلك التي تتبنى الخط الجهادي الذي يرتكز على العنف، سوف لن نبذل الكثير من الجهد لكي نكتشف أن مفهوم الهوية لديها يرتكز على إلغاء الآخر المختلف، وإقصائه من المجال التداولي، ليس على مستوى الخطاب أو المستوى الدلالي فحسب، بل بالمعنى الذي يراد به نفيه من الوجود، لأن وجوده بالنسبة لمشروعها الفكري الأحادي وجود مقلق ومزعج .

يطرح الباحث من منظور الطرح الأنثروبولوجي للهوية عند عبد الله حمودي، مسألة دينامية مفهوم الهوية ومدى خضوعه للشروط المجتمعية والاٍجتماعية والثقافية والاٍقتصادية والسياسية أيضا، ويمكن لي بخصوص هذه النقطة أن أبدي رأيي الشخصي، والذي هو نابع من ملاحظة ميدانية بالمعايشة، وهو أسلوب سوسيولوجي مرتبط بالمنهج العلمي الاٍمبريقي، ولو أنه لم يتم توظيفه في دراسة علمية منظمة، ويتمثل في كون هذه المسألة تدل عليها ظاهرة التطور اللغوي في المناطق الناطقة بالأمازيغية، بحيث تحولت العادات اللغوية من الأحادية نحو التعددية، أمازيغية – دارجة ، أمازيغية – عربية فصحى ، أمازيغية – فرنسية، كما أن اٍستعمال القاموس الدارج أو المفرنس في وسائل التواصل الاٍجتماعي، يمكن أن يفسر على تغير الكثير من العادات اللغوية والثقافية في تلك المناطق، ويتطابق مع المفهوم الأنثروبولوجي والسوسيولوجي النسبي لمفهوم الهوية كما يطرحه كل من عبد الله حمودي وأمين معلوف .

اٍن طرح مفهوم الهوية من المنظور الديالكتيكي – الهيجلي ، أو الماركسي ، من قبل الباحث، يجعلني أستحضر مقولة صاحب كتاب " مبادئ أولية في الفلسفة " الذي قام بتقديم شرح مبسط في مدرسة العمال الباريسية للمنهج الديالكتيكي، والذي لخصه في أن فكرة "التاريخ يعيد نفسه " لا تنطبق على الفكرة البسيطة الموجودة في أذهان الناس ، بل تعني تطورا جدليا للكون، بحيث تؤدي النقطة ألف اٍلى النقطة ألف 1 ، وتؤدي النقطة ألف 1 اٍلى النقطة ألف 2 ، في حركة حلزونية دائرية ، تفضي اٍلى نقض الأطروحة الثانية للأولى والثالثة للثانية ، في حركة جدلية – ديالكتيكية ، ما يؤدي اٍلى تطور العالم باتجاه الكمال ، والحديث عن الاٍستراتيجيات من قبل الباحث، الظاهرة منها والخفية، المرتبطة بموضوع الهوية، دفعني اٍلى استحضار نظرية الفعل المزدوج لبيير بورديو ، بحيث تؤدي الاٍستراتيجية اٍلى محاولة نفي الاٍستراتيجية المضادة ، في حركة توليدية بتعبير هوسرل ، بالشكل الذي يؤدي اٍلى تولد الصراع، وهذه المسألة تناولها أيضا ميشيل كروزيه في دراسته حول الأساليب الحديثة للتدبير داخل المؤسسات الاٍنتاجية أو الاٍدارية بصفة عامة ، بحيث تنشأ ضمن علاقات صراعية وتضامنات، استراتيجيات الفاعلين في نسق مغلق ، وتؤدي اٍلى استمرار النسق. ولكون الاٍستراتيجية لها علاقة بالمستقبل البعيد وكيفية تدبير الحاضر للاٍشكاليات المطروحة على المدى البعيد، هذا الأمر يحيل على فكرة النسق كما تناولها منظرو النظرية الوظيفية – البنائية ، رواد مدرسة فرانكفورت وهم تالكوت بارسونز ودافيد اٍستون وكابرييل ألموند وروبرت ميرتون ، بحيث تؤدي دينامية الفاعلين في اٍطار التفاعل من منظور الاٍستراتيجيات اٍلى ديمومة وتكيف واستقرار النسق.

فهل تساهم الهوية الأمازيغية كما تطرحها الحركة الأمازيغية في اٍستقرار النسق ؟ وهل يساهم الخطاب الأمازيغي بدوره في استقرار النسق ؟ أي هل يطرح مدخلات يحولها النظام السياسي اٍلى مخرجات السياسة العمومية المرتبطة بالمسألة الأمازيغية ، بالشكل الذي يؤدي اٍلى الاٍستجابة ضمن الحدود العقلانية للنظام السياسي لمدخلات الحركة الأمازيغية المتعلقة بالاٍشكال الهوياتي ، بالشكل الذي لا يؤدي اٍلى مخرجات تحل كل الاٍشكال المطروح ؟

اٍذا كان الأمر كذلك، فالخطاب الهوياتي الأمازيغي يشتغل اٍذن ضمن حدود النسق السياسي، ولا يمتلك آليات التغيير الحقيقية، لأن الاٍشتغال وفق المقاربات المنهجية الوظيفية لا تساهم اٍلا في استقرار النسق السياسي ولا تساهم في التغيير، وهذا ما أدى بالباحث اٍلى البحث في المقتربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية التي تشتغل بواسطة المنهج الأنثربولوجي لكل من عبد الله حمودي وأمين معلوف، بما يمكن أن يساعد على جعل عنصر الهوية عنصرا ديناميا، وجاءت فكرة الاٍشتغال على العناصر المنهجية والمعرفية من خلال كتابات جاك دوري لتجاوز الاٍشكال المنهجي الذي يطرحه عبد الله حمودي ، فالهوية وفق مقاربته الأنثروبولوجية البنائية والتاريخية ، معطى نسبي وليس معطى تابثا، واعتبار خطاب الحداثة والهوية في هذه الكتابات عنصرا بنائيا وتاريخيا ، يخلع عليها عنصر الدينامية والفعل الأنثروبولوجي والثقافي المرتبط بالتحول والتفاعل L’interaction .

اٍن اعتبار الهوية عنصرا ديناميا وفق المقاربة الأنثرووبولوجية البنائية والتاريخية لعبد الله حمودي ، يريد أن يصل اٍلى أن مفهوم الهوية الأمازيغية مفهوم ميتافيزيقي، ذلك لأن مكونات الهوية التي هي : اللغة ، والمعتقدات ، والقيم الرمزية اللامادية ، كلها تشكل بناء متجددا باستمرار في اٍطار دينامية الفعل الثقافي ، وهذا الفعل يشمل كل أشكال الهدم والتحريف الرمزي، وهذه اٍحالة أخرى على نظرية اٍعادة الاٍنتاج الاٍجتماعي لبيير بورديو .

فالبعد الميتافيزيقي للهوية يناقض البعد السوسيولوجي عند عبد الله حمودي ، الهوية عند أمين معلوف ترتبط بالشخصية المتعددة الأبعاد والاٍنتماءات على المستوى الاٍجتماعي والديني والثقافي ، لهذا فهو يطرح مفهوم الهوية الشخصية في مقابل الهوية الجماعية، فالزواج المختلط مثلا ومدى تأثيره على الهوية الشخصية يمكن اٍعتباره نوعا من التفاعل بين هويتين شخصيتين، وهذا التفاعل ينتج عنه تأثير وتأثر. ماكس فيبر على سبيل المثال يصرح أنه أخذ من أمه خصائص العقيدة البروتستانتية ومن أبيه خصائص البيروقراطية الألمانية، بيد أن أمه كانت تعتنق العقيدة البروتستانتية، في حين كان أبوه رجل الإدارة البيروقراطي الذي لا يأبه بالدين ، فكان لذلك تأثير واضح على فكر ماكس فيبر الذي أنتج فكرا متعدد الأبعاد ، تمت ترجمته اٍلى أعمال فكرية ، كان خيطها الناظم هو محاولة التوفيق بين الهويتين المتناقضتين والمتصارعتين لوالديه ، فكان كتاب " الأخلاق البروستانتية وروح الرأسمالية " ثمرة تأثره بهوية والدته، في حين كان كتابه " الاٍقتصاد والسياسة " بمثابة تنظير للبيروقراطية الاٍدارية التي تأثر بها عند والده .

يمكن في هذا الصدد بسط مثال الهويات المتعددة في المغرب مثلا ، بالقول بوجود هويات متعددة هي : الأمازيغية والعربية والاٍسلامية والأندلسية والصحراوية والموريسكية والمتوسطية، وهي أبعاد هوياتية بقدر ما تم تجسيدها في دستور 2011 ، بقدر ما كانت ثمرة اٍجتهاد الخطاب الأمازيغي الذي كشف النقاب عن هذا الطابو الهاوياتي الذي ظل مسكوتا عنه ردحا من الزمن ، فهل يمكن القول اٍنطلاقا من هذه الحقيقة الاٍمبريقية على أن المغربي الحالي هو اٍنسان متعدد الهويات بشكل بعيد كل البعد عن التعالي الهوياتي والتأليه الميتافيزيقي للبعد الهوياتي ؟

من هذا المنظور، هل يجب أن أن تكون الهوية عنصرا للتعايش والسلام أم عنصرا للاٍختلاف والصراع ؟ ومتى تكون الهوية عنصرا للصراع ؟

يطرح الباحث جملة من الاٍشكاليات المرتبطة بهذا الموضوع ، ولهذا فالخلاصة التي يمكن أن يهتدى اٍليها ضمن هذا الخضم ، هي أن الهوية لا غرو تكون عنصرا للصراع عندما تكون في مواجهة الهويات الكاسحة ، خاصة اٍذا كانت الهويات المحلية وذلك اٍنطلاقا من الاٍستراتيجيات الهوياتية الاٍستيعابية لبعض أبعادها على حساب الأبعاد الأخرى تحاول أن تكتسح المجالات الخاصة بالهويات الأخرى المساكنة، غير أن اكتساح هوية العولمة الليبرالية أصبح يطرح بدوره اٍشكالا من نوع آخر، ويدفع بالتالي بهويات التخوم نحو المزيد من التعبئة حتى لا أقول التشدد.

يطرح الباحث بهذا الصدد مفهوم القرية الكونية ، حيث أصبح البعد الهوياتي المرتبط بالاٍطار المرجعي المعولم يكتسح ، ويعمل بدون هوادة على عولمة النمط الثقافي والاٍستهلاكي الليبرالي، لكن السؤال الذي أراه جديرا بالطرح بهذا الخصوص هو " هل يمكن للهوية أن تكون مدخلا للأنسنة ؟ ومتى يتم ذلك ؟

في ظل معادلات التأحيد والاٍلغاء يصبح مفهوم التعدد والنسبية طوباويا ، وتصبح مفاهيم الحرية واقتسام المجال والثروات مجرد كلمات تلاك في المنتديات الفكرية بدون أن يكون لها أثر على المستوى الاٍجتماعي، هذا الأمر سوف يجرنا مباشرة اٍلى القول بأن الإشكال الهوياتي يتأثر بزوايا النظر وبالمقتربات المنهجية التي تتناوله، والتي يطغى البعد الأيديولوجي على أكثرها، خاصة عندما نتلكم عن علاقة الهوية بالسلطة السياسية والنظام السياسي وشرعيته، حينئذ يغدو المفعول الأيديولوجي للأسطرة مشتغلا لخدمة مقولة الاٍستمرارية ، وهنا نعود من جديد اٍلى أزمة المنهج الوظيفي – البنيوي ، لهذا فأنا أعتقد أن الباحث وهو يحاول أن يساير الطرح الأنثروبولوجي للهوية عند عبد الله حمودي ، والطرح السوسيولوجي عند أمين معلوف، لا يخفى عنه البعد الصراعي الهوياتي بالمغرب، خاصة مع استحضار الحركة أو الحركات الأمازيغية والحركات الإسلامية، فمفهوم الهوية عند الطرفين هو على طرفي نقيض تماما، لأن المنطلقات الفكرية لكليهما مختلفة بشكل جذري ، فبينما تنطلق الحركة الأمازيغية من الفكر النسبي ، تنطلق الحركات الاٍسلامية من الفكر المطلق .

يطرح الباحث أيضا مسألة من الأهمية بمكان، ألا وهي المنظور الفكري لمفهوم الهوية عند عبد الله حمودي ، ونقده للطرح الأمازيغي لهذا المفهوم والذي يقول عنه اٍنه ميتافيزيقي ، بحكم أن اعتبار البعد الأمازيغي هو أصل الشخصية المغربية ، بالنسبة اٍليه هو نوع من ضرب لحرية الناس في الاٍختيار، بحيث لا يمكن اٍسقاط البعد الهوياتي الأمازيغي على أولئك الأشخاص الذين لا يعتقدون أن لهم أصولا أمازيغية ، وينتقد عبد الله حمودي الطرح الأمازيغي للهوية الذي يسمها بالجمود وينزع عنها عنصر النسبية والدينامية، وهو ما يطرح بالنسبة اٍليه اٍشكال الهوية المنسجمة والمتناغمة والموحدة ، أي الطرح الميتافيزيقي للهوية في مقابل الطرح السوسيولوجي الذي يتسم بالدينامية والتفاعل.

يرد الباحث على هذا الطرح، أي ضرورة الاٍعتراف بنسبية عنصر الهوية بالمغرب ، وديناميته ، وتعدديته ، والاٍبتعاد عن القول بأن البعد الهوياتي الأمازيغي يشكل أصل الشخصية المغربية ، وهو يقصد نقد " كتاب محمد شفيق " حول هذا الطرح ، وفي المقابل يطرح الباحث في مقابل ذلك ، أربعة أبعاد للهوية بالمغرب وهي: الطرح التاريخي للهوية، الاٍمتداد الزمني لها في المجال والواقع المعاش، وتفاعلها مع مجموعة من الهويات والروافد الهوياتية .

يطرح بهذا الخصوص السؤال التالي : كيف يمكن للهوية في المغرب أن تكون عنصر الوحدة الوطنية على المستوى الوجداني ؟ بمعنى هل يستطيع الموريسكي مثلا أن يتقاسم نفس الشعور والإحساس والقيم والذوق مع الأمازيغي ؟ بحيث يشعر بأن القيم الهوياتية للأمازيغي هي جزء من شخصيته ؟ وهل يمكن للأمازيغي مثلا أن يتذوق الموسيقى الأندلسية وأن يعتبرها جزءا من ثراثه الوطني ؟ وهل يمكن أيضا للموريسكي أن يتذوق موسيقى الروايس وأن يعتبرها جزءا من ثراته الوطني ؟ والأمر نفسه ينطبق على الصحراوي والعروبي والاٍفريقي واليهودي ...الخ

يطرح عبد الله حمودي خيار الاٍختيار للخروج من المأزق الهوياتي ، لكن ما محل اختيارات السلطة السياسية في هذا الشأن ؟ هل ستسمح للأفراد بالاٍختيار ؟

لقد برع الباحث في تتبع الطرح الهوياتي الحمودي ( نسبة اٍلى عبد الله حمودي ) ، خطوة خطوة، من أجل الخلوص اٍلى كونه لا يعدو أن يكون طرحا أيديولوجيا للهوية ، لأن خيار الاٍختيار ما هو في المحصلة النهائية اٍلا خيار أيديولوجي للخروج من المأزق الهوياتي عند حمودي، لأن حظوظ اٍقناع الناس بهذه الأطروحة تطرح اٍشكال جدوى الاٍنخراط في مشروع الهوية الوطنية التعددية ، بعيدا عن تدخل السلطة السياسية التي تفرض بشتى الإمكانيات التي تتوفر عليها ، كوسائل الاٍعلام ، المدرسة ، المساجد ...الخ ، منظورها القسري هي للهوية الوطنية، بعيدا عن اٍختيار الأفراد، الشئ الذي يجعل أطروحة حمودي تبلغ نفقها المسدود، لأن السؤال الذي أراه جديرا بالطرح من هذا المنظور هو : ما مدى اٍسهام الأطروحة الحمودية في اٍضفاء الاٍنسجام على فهم الناس لموضوع الهوية كشكل من أشكال التوحيد والتعايش المشترك من أجل بناء وطن تعددي وديمقراطي ؟

وما هي الضمانات التي يطرحها الكاتب حتى لا يتم الاٍنحراف بهذا الخيار نحو نوع من التأحيد الهوياتي القسري، والذي يصادر حريات الآخرين وخياراتهم ؟ وهو ما يحدث الآن. وما محل البعد الاٍجتماعي والاٍقتصادي والتوازن والحضور الرمزي داخل المجال ؟ وما حظوظ الهويات المتعددة ، خاصة هويات الهوامش والتخوم في العدالة ، والديمقراطية واقتسام المجال والثروات ؟ ألا يمكن أن نسقط في الصراع عندما ينتفي الاٍختيار ؟

لماذا لم يطرح عبد الله حمودي مبدأ التعاقد بل مبدأ الاٍختيار ؟ حتى لا يسقط في الطرح الأيديولوجي للهوية ؟ ألا يشكل مبدأ الاٍختيار مدعاة للهيمنة والاٍستيعاب ، وهنا أستحضر مفهوم الهيمنة البوردية La domination-، والذي هو مرادف أنطلوجي للصراع .

يطرح الباحث رشيد الحاحي مفهوم الثقافة في الكتابات الأنجلوساكسونية في مقابل الثقافة في الكتابات العربية المتأثرة بالفرنكفونية، بحيث تصبح الثقافة وفق هذه الكتابات حسب بيير بورديو آلية من آليات الهيمنة، ومصادرة ثقافات الآخرين ، ويستحضر الباحث من أجل دحض الأطروحة الحمودية ، مقالا لحسن أوريد تكلم فيه عن المجال الترابي الذي له الأسبقية على كل الأبعاد، وأستعمل لأجل هذه الغاية مفهوم " بلاد البربر " الذي ينتشر في الكتابات التاريخية المشرقية ، ومقابله بالفرنسية الذي هو – La berbérie ، هذا المجال شكل مجال تفاعل العديد من الثقافات، بين الأمازيغ وبقية الشعوب المتوسطية؛ بدءا من الفينيقيين والوندال والبيزنطيين والرومان والعرب والفرنسيين والبرتغال والاٍسبان وكذلك الأتراك، وربط مفهوم الهوية بالمجال هو ربط للهوية بالأرض التي هي الأم.

محمد أركون يتحدث من المنظور الأنثروبولوجي – وهو مناقض للطرح الحمودي - عن مفهوم الطبقات الهوياتية التكتونية ، بحيث تشكل الطبقة التكتونية الأمازيغية الطبقة التكوينية السفلى التي ترسبت فوقها باقي الطبقات الوافدة، المفهوم الأنثروبولوجي / الأركيولوجي للهوية ، ينزع اٍلى تحديد مفهوم الهوية في علاقته بالمجال والأرض، في خطاب الحركة الأمازيغية، وهذا الأمر يطرح البعد الأنطلوجي للشخصية المغربية وارتباطه بالمجال، فما مدلول ذلك ؟

البعد السوسيو- ثقافي والأيكولوجي وأساس المطلب الحقوقي والثقافي والهوياتي الأمازيغي، والاٍعتراف بثقافة الآخر التي تشكل جزءا من الذات، أي الاٍعتراف بالشق الأخر من الذات الذي لا يجب أن يتم اٍخفاؤه بواسطة المقتربات الأيديولوجية الاٍستيعابية، هذا الشق الآخر من الذات هو موجود في أسفل الطبقات التكتونية الهوياتية، ولا يمكن اٍنكاره باٍخفائه أو محاولات طمسه لأنه موجود .

هذا الأمر يطرح وضعية الهوية الأمازيغية في مقابل الهويات الأخرى، هويات المركز أو هوية السلطة، وهويات الحركات الاجتماعية المستغلة للمشترك العام وعلى رأسها الإسلام السياسي، وهو وضع تنافسي يطبعه الصراع غير المتكافئ لصالح التصورات المتوارثة والمهيمنة التي تفرض هامشية الهوية الأمازيغية ودونيتها، وتكريس وضع عدم قدرتها على المنافسة، وإفراغ الهوية المغربية المتعددة والمنفتحة من صلبها وقوتها وعصبها الرئيسي، فالتوحيد القسري والدوغمائي للثقافة والهوية من طرف الهوية المهيمنة، قد يجعل من مفاهيم المواطنة والديمقراطية والعدالة مجرد مفاهيم طوباوية .

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1460
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد حول الأمازيغية والحرف اللاتيني والإسلام والمسيحية   الخميس يونيو 07, 2018 7:07 pm

admin كتب:
admin كتب:

رد حول الأمازيغية والحرف اللاتيني والإسلام والمسيحية

مبارك بلقاسم
الخميس 07 يونيو 2018 - 16:35
نشر الأستاذ إسماعيل علالي مقالا عنوانه: "الاختيار الثالث: ردا على أنصار التيفناغ والحرف اللاتيني" يدعو فيه إلى كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف العربي بدل الحرف اللاتيني أو حرف ثيفيناغ.

والخلاصة التي يخرج بها من يقرأ مقاله هي أن الأستاذ إسماعيل علالي جاء ليدافع عن الإسلام ولم يأت ليدافع عن الأمازيغية. وهذا هو ديدن كل التعريبيين والإسلاميين الداعين إلى كتابة الأمازيغية بالحرف العربي. فأجندتهم هي خدمة مصالح العروبة والإسلام وليست خدمة مصالح اللغة الأمازيغية ولا الدفاع عن هوية المغرب الأمازيغية. ولا يرون في الأمازيغية إلا مطية لخدمة العروبة والإسلام.

أما الذين يعرفون مصلحة الأمازيغية ويضعون الأمازيغية فوق كل الأديان والأيديولوجيات وفوق كل الحسابات السياسية والريعية والمناصبية فإنهم يعلمون ويتفقون على أن الحرف اللاتيني هو الأنفع والأصلح لكتابة اللغة الأمازيغية وتدريسها وترسيمها في المغرب بأكبر فعالية وأقل تكلفة مالية وأقصر مدة زمنية.

فالحرف اللاتيني يكتب الأمازيغية بالدقة الأعلى (راجع مثلا مقالي السابق: "يجب على اللغة الأمازيغية أن تغزو الحرف اللاتيني"). وكل الدراسات الأكاديمية عن اللغة الأمازيغية تستعمل الحرف اللاتيني. كما أن الحرف اللاتيني يسهل على الشباب المغاربة من تلاميذ وطلبة ومثقفين اكتساب الأمازيغية بسرعة ويسهل ترسيم الأمازيغية في الإدارات في وقت قصير.

كما أن تدريس وترسيم اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني سيكسر احتكار الفرنسية للحرف اللاتيني بالمغرب وسينهي هيمنة الفرنسية على المغرب، وبذلك سيتحول المغرب إلى دولة عادية مثل تركيا أو إندونيسيا أو ماليزيا تكتب لغتها الأصلية الوطنية الشعبية بالحرف اللاتيني العالمي.

1) لعبة "الإجماع الشعبي" والاستفتاءات: لا يوجد إجماع شعبي

حين يثير الأستاذ إسماعيل علالي قضية "إجماع المغاربة حول حرف تدريس الأمازيغية" فيجب عليه أن يعترف بأن المغاربة كشعب تعداده 35 مليونا لا يُجمِعون على أي حرف، لا اللاتيني ولا ثيفيناغ ولا العربي. لا يوجد إجماع شعبي بالمغرب على أي حرف. ومن يزعم بوجود إجماع شعبي حول حرف معين بالمغرب فهو يكذب كذبا صراحا أو هو جاهل. إذن لا داعي للعب ورقة الإجماع الشعبي في مسألة حرف الأمازيغية لأن الإجماع الشعبي معدوم، والشعب منقسم على نفسه في قضية الأمازيغية والعربية والدارجة وحتى في مسألة الفرنسية والإنجليزية. هذا فضلا عن كون نصف المغاربة أميين أصلا لا يقرأون ولا يكتبون ولا يفهمون من شؤون الحروف واللغات قشرة بصلة.

أما الإجماع على مستوى جزء صغير من المغاربة المعنيين بالأمازيغية وهم الأكاديميون ونشطاء الأمازيغية فهو موجود (على الأقل في لحظات تاريخية محددة وموثقة ومعلومة للجميع)، وقد عبرت عن ذلك الإجماع الجمعيات الأمازيغية في يوم السبت 5 أكتوبر 2002 في "بيان مكناس" الشهير الذي دعا إلى كتابة وتدريس اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني في مدارس المغرب.

وكذلك أجمع أعضاء اللجنة التقنية الأكاديمية التي شكلتها وزارة التربية الوطنية المغربية في يوليوز 2002 في عهد الوزير عبد الله ساعف على استخدام الحرف اللاتيني في تدريس اللغة الأمازيغية، وكان من بين أعضاء تلك اللجنة التقنية الوزارية الدكتور أحمد بوكوس العميد الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام).

ما هو الإجماع؟! الإجماع هو أن يتفق 100% من المصوتين على اختيار واحد.

أما في تصويت الإيركام في يناير 2003 الذي أدى إلى تبني حرف ثيفيناغ واستبعاد الحرف اللاتيني لأسباب أيديولوجية في جولتين للتصويت فلم يكن هناك إجماع أبدا لأنه قد صوت لصالح الحرف اللاتيني 13 عضوا إيركاميا في الجولة الأولى و8 أعضاء إيركاميين في الجولة الثانية. فالحرف اللاتيني يحتفظ بمؤيدين له من داخل الإيركام رغم إقرار حرف ثيفيناغ. أما الحرف العربي فقد حصد 5 أصوات في الجولة الأولى و0 في الجولة الثانية. والمصيبة الكبرى في كل ذلك هي أن جزءا من أعضاء الإيركام غيروا قناعاتهم الحرفية بشكل فجائي ما بين الجولة الأولى والجولة الثانية وهذا دليل على أن اللعبة كانت سياسية وأيديولوجية تدور حول حرمان الأمازيغية من الحرف اللاتيني العالمي لاسترضاء الإسلاميين واتقاء غضبهم أو لاسترضاء المخزن بعيدا عن أي معيار علمي أكاديمي نزيه متعلق باللغة الأمازيغية نفسها ومصلحتها.

أما من يريد استفتاء الشعب (الذي نصفه أمي لا يقرأ) حول حرف كتابة الأمازيغية فعليه أن يقبل أيضا باستفتاء شعبي حول حرف كتابة اللغة الدارجة. وعليه أن يقبل أيضا باستفتاء شعبي حول "هل سنجعل الدارجة لغة رسمية في المغرب بجانب الأمازيغية والعربية الفصحى؟". وعليه أن يقبل أيضا باستفتاء شعبي حول "هل يجب التخلص من الفرنسية وتعميم الإنجليزية بالمغرب؟".

2) المازيغية بدل الأمازيغية وكلمة "المازْغي" في التاريخ المغربي:

وإحدى طرائف مقال الأستاذ إسماعيل علالي هي أنه يقترح مصطلح "المازيغية" بدل مصطلح "الأمازيغية" الشائع. وقد تم استخدام مصطلح "المازيغية" منذ سنوات من طرف بعض الكتاب المغاربة والجزائريين مثل الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري.

وبصرف النظر عن نوايا مستخدميها، فالحقيقة هي أن كلمة "المازيغية" في حد ذاتها كلمة موفقة تماما بل إنها أكثر منطقية (لسانيا ولغويا) من كلمة "الأمازيغية" فضلا عن كون "المازيغية" أقصر وأخف على اللسان.

فالمعروف هو أن كلمة Tamaziɣt تتكون من أداة التعريف المؤنثة المفردة ta والكلمة المؤنثة نفسها maziɣt. وكلمة Amaziɣ تتكون من أداة التعريف المذكرة المفردة a والكلمة المذكرة maziɣ. وهذا كله يعني أن مادة الكلمة أو جوهرها هو maziɣ. لذلك فصياغة الاسم العربي لهذه اللغة يقتضي أخذ مادة الكلمة أو جوهرها الذي هو maziɣ دون أداة التعريف وبقية الإضافات النحوية الأمازيغية. ثم في سياق العربية نضيف أدوات التعريف العربية وأدوات النسبة والتأنيث والتذكير والتصريف والإعراب وغيرها فتكون النتيجة المنطقية هي: المازيغية. فنقول مثلا:

المازيغي = Amaziɣ

المازيغيون = Imaziɣen

المازيغية = Tamaziɣt

المازيغيات = Timaziɣin

اللغة المازيغية = Tutlayt Tamaziɣt

الشعب المازيغي = Aɣref Amaziɣ

العالَم المازيغي = Amaḍal Amaziɣ

الحضارة المازيغية = Taɣaṛma Tamaziɣt

التاريخ المازيغي = Amezruy Amaziɣ

بل إنه حتى في السياقات اللغوية الأوروبية يمكن فعل نفس الشيء فيصبح لدينا في الإنجليزية Mazighian أو Mazighish ويصبح لدينا في الفرنسية Le Mazighien وLa Mazighienne ويصبح لدينا في الألمانية والهولندية Mazighisch ويصبح لدينا في الإيطالية والإسبانية Mazigho وMazigha.

ويمكن أن نترجم كلمة Tamazɣa إلى العربية بـ "مازيغيا" وإلى الإنجليزية بـ Mazighia أو Mazighy أو Mazighland وإلى الفرنسية بـ La Mazighie. ومن المعلوم أنه توجد في اللغات الأوروبية كلمات قديمة لبلاد الأمازيغ وهي Berbery أو Barbary بالإنجليزية، La Berbérie بالفرنسية، Berbería بالإسبانية، Barberia بالإيطالية، Berberei بالألمانية، Barbarije بالهولندية، Berbéria بالبرتغالية.

أما الذي لا يعرفه كثير من المغاربة فهو أن المغاربة القدامى منذ عدة قرون قد استخدموا فعلا كلمة "لمازْغي" Elmazɣi للإشارة إلى المخطوطات الأمازيغية أو الأمازيغية عموما. وقد وردت كلمة "المازغي" (بتسكين الزاي) في عدة مخطوطات أمازيغية مغربية قديمة.

كما أنه يوجد حاليا مغاربة يحملون اسم "المازغي" كاسم عائلي ويكتب هكذا Elmazghi أو هكذا El Mazghi. وهناك مغاربة يحملون الاسم العائلي "مازغي" ويكتبونه Mazghi.

وهذا يعني أن الكلمة الدارجية المغربية الأصح للإشارة إلى اللغة الأمازيغية هي "المازْغية" أو "لمازغيا" لأن لها أصلا تاريخيا مدونا في المخطوطات وموجودا إلى حد الآن في أسماء الأشخاص.

قراء اللغة العربية تعودوا على مصطلح "الأمازيغية". ولكن لا بأس من ترويج مصطلح "المازيغية" أو "المازْغية".

3) المازيغية ليست تابعة للإسلام يا أستاذ إسماعيل علالي:

قال الأستاذ إسماعيل علالي في مقاله كلاما غريبا عجيبا وهو: "الثقافة المازيغية هي بالفعل -المنطقي- ثقافة إسلامية، بدليل أن العقل المازيغي إنما هو عقل مسلم يستقي مفاهيمه وتصوراته عن الكون والوجود و..و.. من منظومة قيم الدين الإسلامي."

ولا يمكن أن أصف هذا الكلام إلا بالتخريف التام. ولا أعرف صراحة ما إذا كان الأستاذ إسماعيل علالي يؤمن فعلا بهذا الكلام الخرافي أم أنه مجرد مبالغة إنشائية وكلامية من طرفه. فالأستاذ إسماعيل يزعم ويتوهم (حسب ذلك الكلام) أن الإنسان الأمازيغي لا يمكن إلا أن يكون مسلما وكأن الإسلام جين gene بيولوجي يشكل جزءا من الحمض النووي DNA للإنسان الأمازيغي المغربي!!!

أو كأن كل من تعلم اللغة الأمازيغية لا بد له أن يعتنق الإسلام!!!

أو كأن الإنسان الأمازيغي لا يملك القدرة أو الحق في اختيار دين آخر أو عقيدة أخرى غير الإسلام!!!

بل إن كلام الأستاذ يلمح إلى أن الأمازيغ لم تكن لهم حضارة ولا وجود قبل الإسلام وأنهم لم يعرفوا مفاهيم الآلهة والكون والوجود إلا بالإسلام.

ما هذا الكلام التخريفي الغريب العجيب يا أستاذ إسماعيل علالي؟!

ألم تعلم أن الأمازيغ كبقية شعوب الأرض متعددو الأديان والمذاهب والعقائد قديما وحديثا وحاليا؟!

ألم يكن الأمازيغ قديما يعتنقون أديانا أحادية الإله وأديانا أخرى متعددة الآلهة؟!

ألم تعلم أن الديانة الأمازيغية البورغواطية كانت ديانة أمازيغية توحيدية بإله واحد اسمه Yakuc [ياكوش] (مثل God في الإنجليزية مثلا) وأن الديانة البورغواطية مشتقة من الإسلام والمسيحية واليهودية ومخلوطة ببعض العقائد الأمازيغية وأن هذه الديانة الأمازيغية البورغواطية التوحيدية السماوية استمرت لأزيد من 300 عام في منطقة Tamesna ودكالة Adukal وأنفا Anfa وأسفي Asfi؟!

ألم يكن الأمازيغ يهوديين ومسيحيين قديما قبل ظهور الإسلام وقبل ظهور الديانة البورغواطية التوحيدية السماوية؟!

ألا تعلم يا أستاذ إسماعيل علالي أن هناك اليوم في المغرب عشرات الآلاف أو مئات الآلاف أو ربما الملايين من المغاربة المسيحيين والشيعيين والبهائيين والملحدين واللادينيين ومن عقائد ومذاهب أخرى ومنهم مغاربة ناطقون بالأمازيغية ومغاربة ناطقون بالدارجة؟!

ما محل الأمازيغ/المغاربة المسيحيين والشيعة والملحدين واللادينيين من الإعراب؟ هل هم أمازيغ/مغاربة أم أنك أخرجتهم من ملة (=جماعة) الأمازيغ/المغاربة؟!

هل عقلهم الأمازيغي/المغربي "عقل مسلم" أم أنه "عقل مسيحي" أم أنه "عقل شيعي" أم أنه "عقل ملحد"؟!

4) نزوع التعريبيين والإسلاميين إلى الحِجر على الأمازيغ وصندقتهم في صندوق العروبة والإسلام:

التعريبيون والإسلاميون يسعون جاهدين إلى صندقة الأمازيغ في صندوق العروبة وصندوق الإسلام لكي يبقى الأمازيغ تابعين للعروبة والإسلام إلى الأبد.

فالتعريبيون يريدون صندقة الأمازيغ في صندوق العروبة لكي يبقى الأمازيغ خداما أوفياء لقضايا العرب في آسيا ولكي يكون الأمازيغ وقودا لحروب ونزاعات العرب مع الفرس واليهود والأمريكان والروس ولكي يكون الأمازيغ بيادق وظيفتها تحسين الموقع التفاوضي للعرب مع خصومهم وأعدائهم كإسرائيل وإيران، ولكي يكون الأمازيغ خزانا تظاهريا في مدن أوروبا لصالح قضايا العرب.

أما الإسلاميون فيريدون أن يبقى الأمازيغ تابعين للإسلام ولرجال الدين الإسلامي الذين يمتهنون مهنة الإمامة ويريدون الركوب عليها لبلوغ السياسة والحكم وإقامة الدولة الإسلامية.

وضمن استراتيجية الصندقة تلك يأتي موضوع حرف كتابة الأمازيغية. فالتعريبيون والإسلاميون يشعرون بأن الأمازيغية ستفلت من سيطرتهم إذا كتبت بالحرف اللاتيني العالمي الذي سيضمن لها الانتشار الواسع والتطور العظيم بشكل مستقل عن العربية والعروبة والإسلام. وينظرون برعب إلى النموذج التركي الناجح في كتابة اللغة التركية بالحرف اللاتيني ويخافون أن يتكرر بالمغرب والعالم الأمازيغي. وهناك عدة نماذج أخرى ناجحة للغات مكتوبة بالحرف اللاتيني مثل الإندونيسية والماليزية والأزربيجانية والفيتنامية والتركمانية والسواحيلية (لغة كينيا وتانزانيا) والرواندية. وقد قررت حكومة كازاخستان في عام 2017 الانتقال رسميا إلى كتابة اللغة الكازاخية بالحرف اللاتيني وتطبيق ذلك تدريجيا. راجع هذا الخبر حول كازاخستان: https://www.hespress.com/international/369415.html

التاريخ لا يتوقف ولا يتكرر. فالأمازيغ كانوا مسيحيين يوما وكانوا برغواطيي الديانة يوما وكانوا شيعيين يوما وكانوا خوارج يوما ولا يوجد مبرر للاعتقاد بأن الأمازيغ سيتوقفون عن تغيير وتعديل أديانهم وعقائدهم وثقافاتهم. فكل شعوب العالم تغير أديانها وعقائدها وثقافاتها قليلا أو كثيرا والأمازيغ ليسوا استثناء. بل إن الشعوب الأمازيغية اليوم متعددة الأديان والمذاهب والعقائد في هذه اللحظة بالذات ولا يستطيع أحد إنكار ذلك.

الذي يجب عليك أن تفهمه يا أستاذ إسماعيل علالي هو أن الإسلام ليس هوية بل هو مجرد ثقافة (عقائد وعبادات وعادات) ويمكن للإنسان أن يعتنقه أو يرفضه أو يستبدله بغيره متى شاء.

وكل دين من الأديان هو مجرد ثقافة، ويمكن لأي شخص أن يختاره أو يغيره ويرتد عنه ويعتنق غيره.

من المهم جدا أن نميز بين الثقافة والهوية.

فالثقافة هي مجرد أفكار وسلوكات قابلة للتعديل والتغيير وللاختيار والإعراض والاعتناق والنبذ والقبول والرفض والاستيراد والتصدير من طرف الإنسان في أي وقت وبسهولة. وتحت خانة الثقافة نجد: العادات، التقاليد، العقائد، الأديان، المذاهب، الأيديولوجيات، الفلسفات، طريقة الطبخ، اللباس، نمط العيش، المعمار، حروف اللغة، الفنون كالرسم والسينما والموسيقى، المهنة، الهواية، الدراسة...إلخ.

أما الهوية فهي صفات وخصائص لا يختارها الإنسان وإنما هي كينونته الثابتة التي لا يستطيع تغييرها ولا إزالتها ولو حاول. ولا يستطيع الإنسان الهرب من هويته إلا بتدمير نفسه بالانتحار أو التشويه أو البتر أو المحو وبقية أشكال التخريب المتعمد (والتعريب شكل من أشكال التخريب) الذي ينتج كائنا ميتا أو مشوها أو ينتج مجتمعا ميتا أو مشوها. وتحت خانة الهوية نجد: جسم الإنسان، جيناته، نسبه العائلي، قبيلته، شعبه، قوميته، مدينته الأصلية، وطنه الأصلي، تاريخه الشخصي، تاريخ شعبه، مكان ولادته، ذاكرته الشخصية، ذاكرة شعبه الجماعية...إلخ.

5) لو كان المغرب مسيحيا لكنت يا أستاذ علالي تروج للحرف الإغريقي لكتابة الأمازيغية:

اللغة الإغريقية (اليونانية) هي اللغة الأصلية للإنجيل المسيحي (كتاب "العهد الجديد" المسيحي).

لو تغيرت بعض الأحداث التاريخية وكان المغرب الآن مسيحيا في غالبيته العظمى فمن المحتمل مثلا أنه سيأتي أنصار "المسيحية السياسية" (على وزن "الإسلام السياسي") وأنصار "الأغرقة" (على وزن "التعريب") وسيحاولون فرض الحرف الإغريقي / اليوناني على اللغة الأمازيغية.

وبما أنك يا أستاذ إسماعيل علالي مسيحي مناصر للمسيحية (في تلك الحالة الافتراضية) فأنت ولا شك كنت ستكتب مقالا باللغة الإغريقية بخصوص حرف كتابة وتدريس وترسيم اللغة الأمازيغية بالمغرب (المسيحي) تقول فيه ما يلي:

"الثقافة المازيغية هي بالفعل -المنطقي- ثقافة مسيحية، بدليل أن العقل المازيغي إنما هو عقل مسيحي يستقي مفاهيمه وتصوراته عن الكون والوجود و... و... من منظومة قيم الدين المسيحي. من هنا تكون كتابة المازيغية بالحرف الإغريقي دليلا على انتماء أبناء مازيغ خاصة، والمسيحيين عامة -على اختلاف لغاتهم- إلى المسيحية والإنجيل الكريم أولا وأخيرا، عكس التيفيناغ (الوثني) أو الحرف اللاتيني (الوثني)، الذي من شأنه إضعاف انتماء أبناء مازيغ إلى الأمة المسيحية. إن أمام اللغة المازيغية تراثا مسيحيا ضخما (نحو 20 قرنا) في مختلف الفنون والعلوم لا بد من ترجمته إلى المازيغية حتى يتمكن المازيغي المسيحي -كمرحلة أولى- من الإحاطة بدور أجداده المازيغيين المسيحيين في خدمة الحضارة، التي ينتمي إليها بقوة المنطق لا الهوى (الحضارة المسيحية) بلسان لغته الأم قبل إتقانه لسان لغة الإنجيل - الذي هو واجب شرعي-، وهذا يتطلب اختيار الحرف الإغريقي سيرا على خطى العلماء المازيغيين الأجلاء -القدماء والمحدثين- الذين كانوا يعتمدون الحرف الإنجيلي."

6) خلاصة:

إذن سواء تعلق الأمر بالإسلام أو بالمسيحية أو بأي دين آخر فإقحامه في شؤون اللغة الأمازيغية من تدريس وترسيم وحرف كتابة هو حجة ضعيفة وفاسدة أولا، وهو دليل على محاولة الركوب على الأمازيغية لخدمة ذلك الدين ثانيا.

اللغة الأمازيغية ليست تابعة للإسلام ولا للمسيحية ولا لأي دين آخر. وهناك أمازيغ مسلمون وأمازيغ مسيحيون وأمازيغ من أديان وعقائد أخرى.

واللغة الأمازيغية تستطيع التعبير عن كل الأديان والعقائد بدليل أنه توجد الآن ترجمة أمازيغية كاملة للإنجيل وترجمة أمازيغية كاملة للتوراة وترجمة أمازيغية كاملة للقرآن. ويمكن الحصول على كل تلك الترجمات الأمازيغية من الإنترنيت بسهولة وبالمجان.

من يريد أن يدافع عن اللغة الأمازيغية فليدافع عنها لذاتها ولمصلحة الأمازيغ ولمصلحة المغرب وثامازغا بعيدا عن حسابات الأديان وتكتيكات المذاهب واستراتيجيات العقائد، وليترك الأديان والمذاهب والعقائد للناس يختارون منها ما يعجبهم ويروجون منها ما يعجبهم بأية لغة تعجبهم، وليس أن يستخدم الأمازيغية مطية لتنفيذ أجندة الإسلام السياسي أو لمحاولة تعريب المغاربة.

أما الحرف الأنفع لتدريس وترسيم الأمازيغية فهو الحرف اللاتيني بالدلائل التقنية المعلومة لكل الأكاديميين والمهتمين بالموضوع.

tussna@gmail.com


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
لماذا الحرف اللاتيني هو الأنفع للأمازيغية؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: