كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي   الخميس ديسمبر 29, 2011 5:06 pm


د. جميل حمداوي
من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي
إمدادات هذا الكاتب د. جميل حمداوي 30 ديسمبر 2011

من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي
د.جميل حمداوي

توطئــــــة:

من المعروف أن الجنس الأدبي هو مؤسسة ثابتة بقوانينها ومكوناتها النظرية والتطبيقية، حيث يتعارف عليها الناس، إلى أن يصبح الجنس قاعدة معيارية في تعرف النصوص والخطابات والأشكال ، والتمييز بينها تجنيسا وتنويعا وتنميطا. ويتحدد الجنس الأدبي بوجود قواسم مشتركة أو مختلفة بين مجموعة من النصوص، باعتبارها بنيات ثابتة متكررة ومتواترة من جهة، أو بنيات متغيرة ومتحولة من جهة أخرى. وهذا ما يجعل تلك النصوص والخطابات تصنف داخل صيغة قولية أو جنس أو نوع أو نمط أدبي معين. لكن عناصر الاختلاف الثانوية لا تؤثر بشكل من الأشكال على الجنس الأدبي؛ لأن المهم هو ما يتضمنه من عناصر أساسية قارة وثابتة، وكلما انتهك جنس أدبي ، ظهر على إثره جنس أدبي آخر توالدا وتناسلا وانبثاقا.
هذا، وإذا كانت القرون الأدبية ، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فإنه بعد منتصف القرن الماضي، أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة، حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل – مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري، رافضة عملية التصنيف ، مستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:” لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك.”
وتأسيسا على ماسبق، فماهو الجنس الأدبي؟ وماهي أهم مصطلحاته؟ وماهو تاريخه الغربي والعربي؟ وماهي قوانين التجنيس ومعاييره؟ وماهي أهم النظريات التي تناولت نظرية الأجناس الأدبية بالدراسة والتحليل والتقويم؟ وماهو موقع نظرية الأجناس الأدبية في الحقل الثقافي العربي؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في هذه الدراسة .

 مصطلـــح الجنـــس الأدبــي:

من المعلوم أن للجنس الأدبي مصطلحات عدة ، مثل: الجنس الأدبي(genre littéraire ) عند تودوروف، وماري شيفر، وروني ويليك، وأوستين وارين…، ونظرية الأجناس عند فان تيغم (Van Tieghem)، ونظرية الأشكال عند سبيتزر(Spitzer)، والمقولات التجنيسية (Les gatégories géneriques) عند دومينيك كومب(Dominique Combe)، والأشكال الثابتة (les formes fixes) عند أندري جول(André Jolles)، والأنواع (Kinds)عند جون إركين (John Erskine)، والأنماط (Types) عند جيرار جنيت، ونظرية الصور (Figures)، ونظرية الخطابات، ونظرية الأدب، وجامع النص(archetexte) عند جيرار جنيت ، والأنواع الشعرية (espèces poétiques)، والأشكال الطبيعية (formes naturelles)، والأجناس أو الأنواع الصغرى (sous-genre)، وأصناف النصوص (Les classes des textes)، وصيغ التخييل(modes de fiction) أو نظرية الصيغ (Théories des modes) عند شولز (R.scholes)، والمتعاليات النصية (Transtextualités)عند جيرار جنيت. وأخيرا، الأشكال الأدبية (les formes littéraires)…

 مفهــــوم الجنـــس الأدبــي:

يعد الجنس مفهوما اصطلاحيا أدبيا ونقديا وثقافيا يهدف إلى تصنيف الإبداعات الأدبية حسب مجموعة من المعايير والمقولات التنميطية، كالمضمون، والأسلوب، والسجل، والأسلوب… وغالبا ما يتمظهر بشكل جلي في عتبة التجنيس أو التعيين التي تتربع في وسط صفحة الغلاف الخارجي أو الداخلي من الكتاب، وهي بمثابة عقد بين المبدع والمتلقي. ومن ثم، يهتدي القارىء إلى التعامل مع العمل على هدي ذلك التجنيس الذي أقره المبدع ،فيعتبره عملا واقعيا أو عملا تخييليا. وترتبط عملية التجنيس بالقارىء الذي يعتمد على أفق انتظاره التخييلي في التعامل مع النص الأدبي، ويعني هذا أن المتلقي يستند إلى مجموعة من الاتفاقات التجنيسية التي يمتلكها، والتي من خلالها يقرأ ذلك النص تحليلا وتقويما. وبتعبير آخر، يمتلك القارىء معرفة خلفية تجنيسية ، يستكشف بها النص تشريحا وتأويلا. وبالتالي، فالجنس هو بمثابة عقد نصي أو اتفاق خطابي بين المرسل والمرسل إليه أو بين الكاتب المبدع والمتلقي المفترض.
وعليه، يتحدد الجنس الأدبي من خلال وجود مجموعة من العناصر الأساسية المشتركة التي تلتقي فيها مجموعة من النصوص الأدبية، لكن قد تكون هناك عناصر ثانوية يمكن أن تختلف فيها الأجناس والأنواع الأدبية بشكل من الأشكال. فالمهم هو احترام العناصر الرئيسة، دون العناصر الثانوية. وتبعا لذلك، فكلما اختلت العناصر الأساسية ، ننتقل توا إلى جنس أدبي آخر في ضوء قانوني: التحول والتغير. وإذا تتبعنا تاريخ الأجناس الأدبية، فقد كان الإخلال بالنوع أو الجنس في ثقافات معينة مذمة وتقصيرا وتنقيصا، بينما كان يعد في الثقافات الأخرى فضيلة وتميزا وحداثة وتجديدا وتجريبا. وهكذا، فعندما:” نتحدث – يقول عبد الفتاح كليطو- عن نوع من الأنواع ، فإنك لامحالة تستند أثناء حديثك، بصفة صريحة أو ضمنية، إلى نظرية في الأنواع. خصائص نوع لا تبرز إلا بتعارضها مع خصائص أنواع أخرى. تعريف النوع لاتبرز إلا بتعارضها مع خصائص أنواع أخرى. تعريف النوع يقترب من تعريف العلامة اللغوية عند دوسوسير: النوع يتحدد قبل كل شيء بما ليس واردا في الأنواع الأخرى.إذا تأملت نوعين(المدح والهجاء مثلا) ، فإنك ستلاحظ خصائص متعارضة ومتبادلة الارتباط؛تحديد النوع يقتضي منك أن تعتبر الترادف في مجموعة من النصوص والتعارض بين النوع وأنواع أخرى. لهذا، فإن دراسة نوع تكون في الوقت نفسه دراسة للأنواع المجاورة.”
هذا، وقد استلزمت نظرية الأجناس الأدبية مسألة التقسيم على غرار البلاغة العربية التي تم تشذيرها إلى المعاني والبيان والبديع، فقد قسم كل علم إلى عناصر وفروع كثيرة. وينطبق هذا أيضا على الأنواع الأدبية التي تم تصنيفها إلى جنسين كبيرين : النثر والشعر، فقسم الشعر إلى أغراض وفنون ثانوية وفرعية، كما قسم النثر إلى فنون وأنواع وأنماط. وقد رأينا في تراثنا العربي القديم أن هناك من كان يفضل الشعر على النثر، ومن كان يفضل النثر على الشعر.
وبناء على ماسبق، فالأجناس الأدبية مقولات مجردة نظرية وسيطة تربط النص بالأدب من جهة، وتصله بالمتلقي من جهة أخرى. كما أن هذه المقولات هي التي تسعفنا في فهم الأعمال الأدبية وتأويلها وتقويمها، وتساعدنا على تصنيف النصوص وتجنيسها وتنميطها، وهي التي تخلق أفق انتظار القارىء أثناء التعامل مع النصوص والأعمال الفنية. وبهذا، تتحول هذه المقولات المجردة إلى بنيات ثابتة متعالية، وأشكال تصنيفية جاهزة، تعتمد عليها المؤسات الاجتماعية: الثقافية، والتربوية، والأدبية، وغيرها من المؤسسات المجتمعية، في التمييز بين النصوص والخطابات والأشكال التاريخية، وتصنيفها إلى أنواع وأشكال وأنماط ، ضمن خانات وأقسام ونظريات مجردة، تقوم بعمليات: الوصف والتفسير والتأويل.

 تاريـــخ الأجناس الأدبيـــة:

من المعروف أن سؤال الأجناس الأدبية قديم قدم الأدب نفسه،فقد نشأ في حضن الأدب، ليجيب بدوره عن أسئلته تجنيسا وتنويعا وتصنيفا . وقد ارتبط فعل التجنيس بملاحظة النصوص الأدبية، والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف بينها، فقادهم هذا العمل إلى التجريد والتنظير والمقارنة بين الظواهر النصية تنميطا وتجنيسا وتنويعا. ومن ثم، انتقل الجنس الأدبي من مرحلة النظرية إلى مرحلة التقنين المؤسساتي.ومن هذه اللحظة بالذات، بدأت الإنسانية في تنظيم ذاكرتها، وترتيب أدواتها المعرفية والعلمية والإبداعية إن نظرية وإن تطبيقا.
بيد أن الوعي بالأجناس بشكل نظري وعلمي مقنن بدأ مع ظهور كتاب:” الشعرية” لأرسطو، الذي قسم الأجناس الأدبية إلى شعر وملحمة ودراما ، وإن كان أفلاطون بدوره قد اهتم بنظرية الأجناس الأدبية في كتابه:” الجمهورية” ، حين ميز بين السرد والحوار . وفي الحقيقة، فقد ” كثرت التأملات حول الأجناس الأدبية، وهي قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للمحلمة والتراجيديا، فقد ظهرت،منذ ذلك الوقت، مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا، والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكرة المتبناة عن الجنس الأدبي في ذلك العصر، أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع بإمكاننا أن نقارنه بموضوعات نظرية الأدب السابقة ، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي هي خصائص مجردة للخطاب الأدبي، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه.”
وإذا كانت النظرية الكلاسكية تفصل بين الأجناس الأدبية، فإن الرومانسية قد وحدت بينها ضمن نظرية الأدب.وبعد ذلك، ستأخذ نظرية الأجناس الأدبية طابعها الأكاديمي والجامعي مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والسيميائيات…بيد أنه مع ظهور نظريات ما بعد الحداثة ، في الفترة الممتدة بين سنوات السبعين والتسعين من القرن الماضي، ستنبثق مجموعة من المذاهب والتيارات الفكرية والأدبية، ثائرة على نظرية الأجناس الأدبية تفكيكا وتقويضا وتشتيتا، وذلك مع مجموعة من الأسماء الغربية، مثل:جاك ديريدا، ورولان بارت، وموريس بلانشو، وجوليا كريستيفا… وهكذا، يقول موريس بلانشو بأن:” الأدب لايقبل التفرقة بين الأنواع ، ويرمي إلى تحطيم الحدود” . ويعني هذا أنه مازال مرتبطا بمجموعة يينا الألمانية كما في القرن الثامن عشر الميلادي. وهناك من يرى بأن النص الأدبي يجب، بالإضافة إلى التحرر من الأجناس والأنواع، أن يسعى إلى تضمين النظرية التي أنجته، وأن العناية كل العناية ينبغي أن تتجه نحو عملية الإنتاج نفسها ، فإننا مرة أخرى نردد ماجاءت به جماعة ييينا الرومانسية التي كانت تدعو إلى وحدة الأجناس الأدبية والفنية .
ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به نظرية الأجناس الأدبية هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية، باعتبارها إشكالية أرقت الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه:” جامع النص” قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:” ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.
ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية.”
وهذا ماتنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :” تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة ” علم تصنيف الشعر” (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو ” الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد” (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا.”
وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية – اليوم – جزءا لايتجزأ من نظرية الأدب، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية ، ولايمكن – بالتالي- الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

 قوانيــــن التجنيــــس الأدبي:

ثمة مجموعة من القوانين التي ينبغي احترامها في عملية التجنيس، والتصنيف، والتنميط، وتقسيم النصوص الأدبية ، ومن بين هذه القوانين المعيارية، نذكر:

 قانــــون المماثلـــة:

يعني هذا القانون أن ثمة مجموعة من النقط المشتركة والمتماثلة بين النصوص الأدبية التي تسمح بإدراجها ضمن خانة تجنيسية واحدة. وللتوضيح أكثر، فكل نص أو خطاب أدبي له مجموعة من العناصر التي تتآلف من خلالها مع باقي النصوص الأخرى. وفي الوقت نفسه، للنص عناصره الخاصة التي تميزه عن باقي تلك النصوص. لكن المشترك والمؤتلف هو الذي يخلق الجنس الأدبي. ومن هنا، يصبح معيار المماثلة مقياسا ضروريا في التصنيف والتجنيس والتنويع والتقسيم والتنميط. وهكذا، فقانون المماثلة هو الذي يوحد بين النصوص الأدبية والخطابات الفنية، ويدخلها ضمن صنف نظري واحد ، وضمن مقولة تجنيسية أدبية موحدة.

 قــــانــون التواتـــر :

يسمى هذا القانون كذلك بقانون التردد والتكرار. ويعني هذا القانون الإحصائي أن الجنس الأدبي يتحدد عبر الاستقراء والاستنباط والتحليل والتراكم، وذلك برصد العناصر المتواترة والمتكررة في النصوص الأدبية، عبر تطورها التاريخي أو في حقبة زمنية معينة. فالعناصر المتكررة داخل النصوص تصبح هي الضوابط والمعايير والمقاييس التي ينبغي الاستعانة بها في تصنيف الأجناس الأدبية، وترتيبها تجنيسا وتنويعا وتنميطا. والغرض من كل ذلك هو استكشاف العناصر العامة، واستكناه المبادىء الكونية التي تتحكم في الأجناس الأدبية سواء أكانت تاريخية أم نظرية.

 قانــــون الأهميــة :

يسمى هذا القانون أيضا بقانون الملاءمة. بمعنى أن النصوص الأدبية والفنية تحتوي على عناصر ذات أهمية كبرى، وتتضمن أيضاعناصر ثانوية وفرعية لا أهمية لها. وهذه العناصر المهمة التي يشترك فيها النص الأدبي مع باقي النصوص الأخرى، قد تصبح بحال من الأحوال ظوابط منهجية في عملية التجنيس والتصنيف والتقسيم، وتصبح تلك الضوابط كذلك مقاييس ملائمة لتحليل كل نص أدبي، وتجنيسه في قسم أو مقولة نظرية معينة، بعد أن يكون لذلك الجنس الأدبي تاريخ مشترك مع مجموعة من النصوص الأدبية. وهكذا، فعلى المتلقي أو الناقد أو الباحث في نظرية الأجناس الأدبية أن يستخلص الأركان المهمة في النصوص، ويستهدي بشكل من الأشكال بالشروط الثانوية. لكن تبقى الأركان الثابتة هي العناصر المهمة، بالمقارنة مع الشروط الفرعية التي قد توجد في مجموعة من الأجناس الأدبية.

قانـــون القيمــة المهيمنة:

يرتبط الجنس الأدبي – حسب رومان جاكبسون (R.Jakobson)- بقانون القيمة المهيمنة (la valeur dominante). بمعنى أن الجنس الأدبي يتحدد بهيمنة وظيفة معينة ، قد تكون تلك الوظيفة انفعالية أو تعبيرية كما في الشعر الغنائي، أو وظيفة شعرية وجمالية كما في النص الإبداعي، أو وظيفة انتباهية تأثيرية كما في الخطب والوصايا، أو وظيفة حفاظية كما في المكالمات الهاتفية، أو وظيفة مرجعية كما في النصوص التاريخية والإخبارية، أو وظيفة لغوية وصفية كما في النصوص النقدية. وكلما غلبت وظيفة ما في نص ما، صنف ذلك النص ضمن جنس تلك الوظيفة المهيمنة.

 قانـــون الثبــــات :

تتوفر مجموعة من النصوص الأدبية والفنية على عناصر ثابتة وقارة غير متغيرة ولامتحولة، هذه العناصر الثابتة هي التي تجعل هذه النصوص كلها تندرج ضمن خانة تصنيفية معينة. وبهذا، يتحدد الجنس الأدبي انطلاقا من وجود تلك العناصر الثابتة المهيمنة ، في مقابل العناصر المتغيرة. فرصد ماهو ثابت هو الذي يحدد الجنس الأدبي مأسسة وتسنينا وتشفيرا.وبالتالي، يصبح الجنس مؤسسة أجناسية معترف به أكاديميا وأدبيا ونقديا واجتماعيا. ويرى سعيد يقطين في كتابه:”الكلام والخبر” أن قانون الثبات هو الذي:” يحدد لنا العناصر الجوهرية التي بواسطتها نميز ماهية الشيء عن غيرها من الأشياء الأخرى المتصلة بها أو المنفصلة عنها. وحصول هذه العناصر الجوهرية ضروري لتعيين الشيء، لذلك ربطناها بمبدإ الثبات.”
وهكذا، فقانون الثبات من أهم القوانين النظرية التي تحدد الجنس الأدبي تقعيدا وتركيزا وتثبيتا.

 قانـــون التطـــور:

إذا استلهمنا آراء نظرية التطور في التعامل مع الأجناس الأدبية، فيمكن القول بأن الجنس الأدبي مثل الإنسان أو الكائن الحي، يخضع لثلاث مراحل متعاقبة ، وتشكل تلك المراحل سنة الحياة لكل كائن عضوي حي. فهناك أولا فترة الولادة ، ثم ثانيا فترة النمو والنضج، ثم، ثالثا فترة الموت والاندثار والتلاشي. وبتعبير آخر، تظهر – في البداية- أجناس وأنواع أدبية، ثم تنمو وتنضج وتتطور، لتختفي – في الأخير- تلاشيا وانقراضا واضمحلالا. وهكذا، يرى فرديناند برونوتيير (F.Brunetière) أن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر،بعد فترة انقطاع، تحولت إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر الميلادي.

 قانــــون العــــدد:

وضع ستالوني (Y. Stalloni) قانون العدد (La loi du nombre) ، ويقصد به أنه توجد مجموعة من الأعمال الأدبية التي تتماثل وتشترك في عدد من النقاط المشتركة والعناصر الملائمة، وتتحدد ائتلافا في مجموعة من الخصائص والمكونات والسمات المتشاكلة عدديا. ولقد استخلص ستالوني هذا القانون من معجم لالاند المتعلق بالمصطلحات التقنية الفلسفية، إذ عرف لالاند (A. Lalande,) الجنس (Genre) قائلا:” يطلق الجنس على شيئين متماثلين لهما بعض الخصائص المشتركة المهمة”.
ونجد هذا القانون أيضا لدى فيتور (K.Viëtor) الذي يقول:” كيف يمكن كتابة تاريخ الأجناس الأدبية في غياب أي معيار قبلي لتصنيف الأجناس الأدبية؟.ومن ثم، لايتحدد الجنس الأدبي إلا بعد نظرة كلية لمجموعة من النصوص الفردية التي ظهرت عبر التاريخ؟”
بمعنى أن الجنس الأدبي يتحدد عبر إبراز عدد من العناصر والقواسم المشتركة بين النصوص والخطابات، أو عبر مجموعة من النصوص التي تتراكم في الزمان والمكان.

 قانـــون أفـــق الانتــظار:

يرتبط قانون أفق الانتظار بجمالية التلقي أو التقبل، وخاصة مع هانز روبير ياوس. والمقصود بهذا القانون أن المتلقي يمتلك أفق انتظار في قرائته للنصوص الأدبية والفنية، فحينما يقرأ مثلا مسرحية تراجيدية فوق غلاف الكتاب الخارجي، فإنه ينتظر أن تقدم المسرحية أحداثا مأساوية، وتعرض صراعا تراجيديا. وحينما يقرأ مسرحية كوميدية، فينتظر القارىء من ذلك أن تقدم المسرحية أحداثا فكاهية مسلية تثير الضحك .وهكذا، يمتلك المتلقي أفق انتظاره في قراءة النصوص الأدبية وتجنيسها، فكل جنس لايراعي أفق انتظار المتلقي، نقول بأنه قد خيب أفق انتظاره المعهود .

 قانـــون التمثيـــل:

يقصد بقانون التمثيل أن يتضمن النص الأدبي مجموعة من العناصر والثوابت القارة التي يمكن أن تمثل جنسا أدبيا معينا.أي: تتوفر على نسبة معينة من العناصر التمثيلية التي تسمح لهذا النص بالانتماء إلى جنس أدبي معين .وبالتالي، تصبح تلك العناصر هي التي تمثل باقي النصوص الأخرى. وبتعبير آخر، يمكن أن يمثل ذلك الجنس الأدبي نظريا مجموعة من التجليات النصية والخطابية التاريخية المتحققة ممارسة وتطبيقا وإبداعا.

 قانـــون التــراكـــم:

يتحدد الجنس الأدبي نظرية وممارسة عن طريق التراكم الكمي والكيفي والنوعي. بمعنى أن يكون هناك عدد كبير من النصوص والخطابات الأدبية النوعية المتراكمة من أجل تعيين جنس أدبي معين، أو تسميته اصطلاحا ومفهوما. وغالبا ما يتحدد الجنس الأدبي من خلال تراكم ظواهر معينة، فالقصة هي نتاج لتراكم كثير من الحكايات، والرواية نتاج لتراكم كثير من القصص، والسيرة الذاتية نتيجة لتراكم كثير من أخبار التراجم، وهكذا، دواليك…

 قانـــون التكامـــل:

يتحدد الجنس الأدبي نظريا وتاريخيا عبر عمليتي التراكم والتكامل، ويعني التكامل ارتباط النوع الأول بالنوع الثاني ارتباطا وثيقا؛ مما يؤدي هذا الترابط والتكامل إلى توليد جنس أدبي جديد ، له مكوناته الخاصة به، فجنس الرحلة – مثلا- ينتج عن تكامل بين التاريخ والجغرافيا والسيرة الذاتية، ويتحقق جنس الرواية عبر تكامل تفاعلي بين الحكاية والقصة والوصف…

 قانــــون المقارنـــة:

يعمل هذا القانون على المقارنة بين النصوص الأدبية،برصد ماهو مشترك وماهو مختلف.أي: يعمل قانون المقارنة على ذكر مواطن الاختلاف والالتقاء بين النصوص الأدبية إن شكلا وإن دلالة وإن وظيفة ، بغية معرفة ما يحدد نصا ما، ويميزه عن باقي النصوص الأخرى،برصد المتماثل والمختلف. فعملية المقارنة مهمة في عملية التجنيس الأدبي، وانطلاقا منها يتأسس الجنس الأدبي، ويتكون، ويتولد . زد على ذلك، تقارن النصوص عبر ضوابط أسلوبية، وموضوعاتية، وخطابية، وشكلية، وإيديولوجية، ووظيفية… وبعبارة أخرى، تتم المقارنة بين النصوص والخطابات المعطاة – تاريخيا ونظريا- شكلا ودلالة ووظيفة.

 قانــــون المشابهــة:

يعد قانون المشابهة من أهم القوانين التي يتكىء عليها الجنس الأدبي في عملية التصنيف من جهة ، وعملية القراءة والتأويل من جهة أخرى. بمعنى أن المشابهة تساعدنا على معرفة النصوص المتشابهة في مجموعة من العناصر المشتركة، كما تسعفنا المشابهة في إدراك نصوص جديدة، وتحليلها في ضوء نصوص قديمة، تتشابه معها في مجموعة من العناصر والثوابت التجنيسية المشتركة. وفي هذا الصدد، يقول محمد مفتاح:” إن المشابهة لها دور كبير في التعميم والتصنيف وربط العلائق، وإدراكا من الباحثين لهذا الدور، فإننا نجدهم اهتموا بها، وخصصوها بدراسات مستفيضة، بعضها رياضي، وبعضها لساني، وبعضها سيميائي، ذلك أنها هي حجر الزاوية- وضعيا على الأقل- للمقارنة والمقايسة، ولعقد الصلات أو لرفضها.على أنها قد تكون ظاهرة أحيانا، وقد تكون خفية أحيانا أخرى (وظيفية أو عقلية)، ولكنه مهما كان الأمر، فإنها لابد لمن أراد أن يلحق شيئا بشيء.
بيد أن طبيعة الأشياء وقوتها تفرض أن التفرد هو أساس المشابهة، ومعنى هذا أن إدراك خصائص الشيء المفرد الملاصقة والمفارقة هي أصل القياس. واستنتاجا من هذا أنه لاينبغي بخس الجنس الأدبي خصائصه الظاهرة، فلايعقل أن نسوي بين نص شعري ونص قصصي بدعوى الاشتراك في أصل الوجود وآلاته، فإذا فعلنا هذا فقد نسوي بين مظاهر الطبيعة جميعها، وحينئذ فإننا نقع في اختزال مشين ومضحك، ولكنه ، في الوقت نفسه، يجب ألا يقتصر على الدراسة التجريبية الجزئية التي لاتنتهي إلى استنتاجات عامة؛ فالمزاوجة ، إذاً، بين اكتشاف الثوابت وبين مراعاة المظاهر، أمر متعين.”
هذا، ويعد مبدأ التشابه من الآليات التي تسعف الدارس في عملية التجنيس، وقراءة النص الأدبي، وتأويل دلالاته، وخلق اتساقه وانسجامه. بمعنى أن مبدأ التشابه يشدد على :” أهمية التجربة السابقة في المساهمة في إدراك المتلقي للاطرادات عن طريق التعميم، ولن يتأتى له ذلك إلا بعد ممارسة طويلة نسبيا، وبعد مواجهة خطابات تنتمي إلى أصناف متنوعة؛ مما يؤهله إلى اكتشاف الثوابت والمتغيرات. وعلى هذا النحو يمكنه الوصول إلى تحديد الخصائص النوعية لخطاب معين.
من ضمن ماتزود به التجربة السابقة المتلقي، القدرة على التوقع. أي: توقع ما يمكن أن يكون اللاحق بناء على وقوفه (أي المتلقي) على السابق. إن تراكم التجارب (مواجهة المتلقي للخطابات)، واستخلاص الخصائص والمميزات النوعية من الخطابات يقود القارىء إلى الفهم والتأويل بناء على المعطى الموجود أمامه، ولكن بناء أيضا على الفهم والتأويل في ضوء التجربة السابقة. أي: النظر إلى الخطاب الحالي في علاقة مع خطابات سابقة تشبهه، أو بتعبير اصطلاحي، انطلاقا من مبدإ التشابه.”
وهكذا، فقانون التشابه مهم لتثبيت الجنس، والتعرف عليه بشكل من الأشكال أثناء مواجه النصوص دلاليا، وملامستها فنيا وجماليا وسياقيا.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي   الخميس ديسمبر 29, 2011 5:08 pm

admin كتب:
قانــــون التوصيـــف:

يعمد الجنس الأدبي ، باعتباره مقولة تجنيسية مجردة، إلى توصيف النصوص الأدبية، وتوسيمها بأوصاف جنسية أو نوعية أو نمطية. بمعنى أن الجنس الأدبي بمثابة لغة وصفية ، نستعين بها لفهم النص الأدبي، وتفسيره، وتأويله، وتقويمه، والحكم عليه تصنيفا وتقسيما وترتيبا. ويعني هذا أن الجنس الأدبي يستخدم لغة وصفية (Métalangage) متعالية ومجردة، يفكر في النص الأدبي، ويقوم بوصف مكوناته، وتبيان سماته، وتحديد خاصياته الثابتة والمتغيرة، مع تجنيسه في خانة أدبية معينة ، في ضوء مجموعة من المعايير الدلالية والشكلية والوظيفية، أو في ضوء معايير مضمرة وأنساق أدبية، تعمل عليها كثير من النصوص الأدبية بشكل من الأشكال.
وعليه، ” فنظرية الأنواع وصفية بكل وضوح. فهي لا تحدد عدد الأنواع الممكنة، ولاتوصي الكتاب بقواعد معينة. فهي تفترض أن بالمستطاع مزج الأنواع التقليدية، وإنتاج نوع جديد، مثل: المأساة والملهاة.وترى أن بالإمكان إنشاء الأنواع على أساس الشمول أو الغنى ، كما كانت تبنى على النقاء في النوع عن طريق التفريع، وعن طريق إرجاع الفروع إلى الأصل. وبدلا من التشديد على التمييز بين نوع ونوع، بعد الإلحاح الرومانثي على تفرد كل عبقرية أصيلة وكل عمل فني- فإنها تهتم بإيجاد القاسم المشترك في كل نوع على حدة، إظهار صنعاته الأدبية المشتركة وهدفه الأدبي.”
وهكذا، يمد الجنس الأدبي الباحث والدارس والناقد بعدة منهجية وصفية ، بغية تطويق النص أو الخطاب تصنيفا وتبويبا وتنويعا وتنميطا.

 قانـــون التصنيـــف:

يعد الجنس الأدبي معيارا للتصنيف، والتقسيم ، والتنميط، والتنويع، والتمييز بين الأجناس الراقية النبيلة والأجناس السوقية الشعبية. ويعني هذا أنه معيار للتراتبية الانتقائية. ومن هنا، يتحدد الجنس – حسب تودوروف- بكونه مقولة لتصنيف النصوص .
ومن جهة أخرى، يرى كبيدي فاركا (A. Kibédi Varga) بأن الجنس الأدبي هو أداة للتصنيف، والتنميط، والتنويع، والتقسيم. بمعنى أن الجنس:” مقولة توحد مجموعة من النصوص الأدبية حسب معايير مختلفة” .
ويتم تصنيف الأجناس الأدبية تاريخيا ونظريا في ضوء معايير وضوابط معينة: شكلية، ودلالية، وخطابية، وأدائية، وإيديولوجية، وأسلوبية، ووظيفية…

 قانــــون التقسيـــم:

خضعت الأجناس الأدبية للتقسيم إلى أنواع وأنماط، بمعنى أن تقسيم الجنس الأدبي يتم بشكل متدرج من أعلى قاعدة الهرم إلى أسفله، وذلك بالانتقال من الأجناس النبيلة إلى الأجناس السوقية، وتتعدد التقسيمات بشكل يصعب حصر كل الأجناس الأدبية. ومن ثم، فقد تفرعت عن الشعر الغنائي والملحمة والدراما أصناف وأنواع كثيرة من الصعب استقصاؤها وحصرها في أشكال ثابتة ومعينة. وفي هذا الصدد، يقول عبد الفتاح كليطو:” مسألة الأنواع تذكر بمسألة الصور البلاغية.هل يمكنك أن تتكلم عن الأنواع دون أن تلجأ إلى التقسيم؟ ثم هل للأنواع عدد يمكن حصره؟ قل الشيء نفسه عن الصور والمحسنات التي تكاثر عددها مع مرور الزمن في المصنفات البلاغية. ولكن الشره الاستيعابي والتقسيمي لم يتعرض للأنواع كما تعرض للصور البلاغية. ومرد ذلك لكون القدماء يميزون بين الأنواع النبيلة والأنواع السوقية، فلا يهتمون إلا بالأولى .أما فيما يخص المحسنات، فإن التفضيل بصفة عامة غير وارد (هل الطباق أنبل من التورية؟)”.
وهكذا، نجد علماء نظرية الأدب قد قسموا الصيغة إلى أجناس، وقسموا الأجناس إلى أنواع، وقسموا الأنواع إلى أنماط، وقسموا كل عنصر من هذه العناصر إلى ماهو ثابت، وماهو متحول، وماهو متغير.

 قانـــون المأسسة:

حينما يتكون الجنس الأدبي وفق قواعد جماعية مشتركة مبنية على استقراء مجموعة من النصوص الأدبية المشتركة، يصبح ذلك الجنس الأدبي معيارا اجتماعيا للتصنيف والتجنيس والتقسيم، وتصبح قواعده الثابتة والمهمة والقارة مقاييس ضرورية في عملية التحليل البيداغوجي والديداكتيكي، بل تصبح تلك المقولات التجنيسية ذات طابع اجتماعي مؤسساتي خاضع لسلطة الضبط والتأديب . وفي هذا السياق، يرى تودوروف :” أن الجنس الأدبي هو الذي يحدد ثقافة المجتمع، ويؤسس بنيات مؤسساته المعرفية والأدبية والفنية والثقافية. وتبعا لذلك، فالجنس الأدبي يتحاور ويتواصل مع المجتمع الذي يتنمي إليه عبر وساطة المؤسسة، وكيفما كانت نوعية المؤسسة، فالجنس يعبر عن مجموعة من الخصائص المشتركة للمجتمع التي ينتمي إليها الجنس الأدبي.”
ويعني هذا أن الجنس الأدبي مؤسسة تنظيمية تفرض مجموعة من القواعد التي ينبغي احترامها ، وتمثلها ثقافيا واجتماعيا. وكما يقول أوستين وارين ورينيه ويليك:” النوع الأدبي مؤسسة كما أن الكنيسة أو الجامعة أو الدولة مؤسسة. وهو لايوجد كما يوجد الحيوان أو حتى كما يوجد البناء أو الأبرشية أو المكتبة أو دار المجلس النيابي، بل كما توجد المؤسسة. إن بإمكان المرء أن يعمل من خلال المؤسسات القائمة ، ويعبر عن نفسه بواسطتها، أو يبتكر مؤسسات جديدة، أو أن يعيش بقدر الإمكان بدون أن يشارك في السياسات أو الشعائر؛ كما أن بإمكان المرء أيضا أن يلتحق بالمؤسسات، ثم يعيد تشكيلها بعد ذلك.”
وهكذا، فالجنس الأدبي مؤسسة ثقافية واجتماعية وسلطة أدبية عليا، ينبغي احترام قوانينها، وتمثل معاييرها الفنية والجمالية.

 قانــــون التنظيـــم:

تنظم نظرية الأجناس الأدبية النصوص والخطابات – حسب بنياتها الداخلية- تشريحا وتركيبا. ومن ثم، يساعد بناؤها النسقي على فهم الجنس أو النوع الأدبي، ويساعدنا على التعرف عليه، والقدرة على تمثله، واستيعابه، وانتقاده في ضوء بنياته السائدة والمعروفة. وتبعا لذلك، نتعرف الأجناس الأدبية ضمن بناها وعناصرها التنظيمية التي تختلف عن أنساق تنظيمية أخرى. وفي هذا الصدد، يقول رينيه ويليك وأوستين وارين:” نظرية الأنواع مبدأ تنظيمي: فهي لاتصنف الأدب وتاريخه بحسب الزمان والمكان ، وإنما بحسب أنماط أدبية نوعية للبنية والتنظيم.إن أية دراسة نقدية أو تقييمية- متميزة عن الدراسة التاريخية- تنطوي بشكل ما على استجابة لمثل هذه البنيات.يتضمن الحكم على قصيدة – مثلا- استجابة المرء إلى مجموع خبرته وإدراكه، الوصفي والنمطي في الشعر، مع أن مفهوم المرء للشعر بدوره بحسب خبرة المرء وحكمه على المزيد من قصائد معينة.”
وهكذا، ينبغي للدارس أو الناقد أو القارىء المفترض أن يلم بجميع المقاييس والقواعد التنظيمية التي ينبني عليها الجنس الأدبي ، وذلك حين ملامسة النص أو الخطاب المعطى تفكيكا وتركيبا.

 قانــــون التسنيـــن:

يسمى أيضا بقانون التشفير، ويعني هذا أن الجنس الأدبي قد يتحول إلى شفرة مقننة ومسننة. وبالتالي ، يصبح الجنس الأدبي مؤسسة ثابتة وقارة، لها قواعد معينة، ينبغي احترامها، وتمثل ضوابطها، ويمنع انتهاكها، أو الخروج عنها بأي حال من الأحوال. وبتعبير آخر، إن الجنس هو عبارة عن مجموعة من القواعد التي قد تم الاتفاق عليها مؤسساتيا. لذا، فعلى المبدع الانطلاق منها، وعدم مخالفتها بأي شكل من الأشكال، بل يصبح هذا التشفير والتسنين ذا طابع اجتماعي ومؤسساتي من الصعب خرقه، وإلا سيتعرض صاحبه للنقد والعقاب الرمزي بتعبير بيير بورديو(Pierre Bordieu).

 قانـــون الاختـــلاف:

يعتبر قانون الاختلاف معيارا آخر لتحديد الأجناس الأدبية الأخرى، فقد تشترك النصوص الأدبية في قواسم مشتركة واحدة، تتحدد من خلالها الأجناس الأدبية، بيد أن العناصر التي تم الاختلاف حولها، قد تؤسس جنسا أدبيا فرعيا متميزا، يتولد عن الجنس الرئيس. بمعنى أن هناك أجناسا أدبية رئيسة وأجناسا أدبية فرعية. فمثلا الرواية والقصة القصيرة والحكاية والقصة القصيرة جدا تشترك في مجموعة من العناصر المتآلفة الموحدة، ولكن تختلف في مجموعة من المعايير والعناصر ، وهذا المختلف هو الذي يشكل تنويعة جنسية فرعية آخرى ضمن خانة الأجناس الأدبية. ويمكن أن نقول بمعنى آخر : إن الجنس الأدبي يتحدد بالتعارض مع الأجناس الأدبية الأخرى المقابلة. وفي هذا النطاق، يقول عبد الفتاح كليطو:” عندما تتحدث عن نوع من الأنواع، فإنك لامحالة تستند أثناء حديثك، بصفة صريحة أو ضمنية، إلى نظرية في الأنواع. خصائص نوع لاتبرز إلا بتعارضها مع خصائص أنواع أخرى. تعريف النوع يقترب من تعريف العلامة اللغوية عند سوسير: النوع يتحدد قبل كل شيء بما ليس واردا في الأنواع الأخرى.إذا تأملت نوعين ( المدح والهجاء مثلا)، فإنك ستلاحظ خصائص متعارضة ومتبادلة الارتباط؛ تحديد النوع يقتضي منك أن تعتبر الترادف في مجموعة من النصوص والتعارض بين النوع وأنواع أخرى.لهذا، فإن دراسة نوع تكون في الوقت نفسه دراسة للأنواع المجاورة.”
وهكذا، يمكن القول بأن الجنس الأدبي يتحدد عبر الاختلاف والتعارض بين العلامات النصية والخطابية، إن صياغة، وإن دلالة، وإن مقصدية.

 قانــــون التفاعــل:

من المعلوم أن النص الأدبي لا يوجد بمفرده، ولم يخلق من عدم، وليس نصا نقيا موحدا صافيا، بل تتداخل فيه النصوص والأجناس الأدبية تناصا وامتصاصا وحوارا وتفاعلا. بمعنى أن النص الأدبي يتضمن مجموعة من العناصر المشتركة التي يلتقي فيها مع مجموعة من النصوص الأخرى، بل يشترك حتى مع الأجناس الفرعية و الأنواع والأنماط في تلك القواسم التجنيسية المشتركة. لكن الجنس الأدبي يستضمر مجموعة من المعايير والعناصر الثابتة التي توجد في نصوص سابقة، قبل ولادة نص جديد، ومن ثم يدخل الجنس الأدبي في علاقات تفاعلية وتناصية مركبة ومعقدة مع نصوص سابقة .

 قانــــون التحـــول:

يسمى هذا القانون كذلك بقانون الانتهاك والانزياح. بمعنى أن الجنس الأدبي قد ينتهك من جنس آخر، حيث يغير كل المعالم التصنيفية القديمة، وينزاح عن المعايير التي تم التعارف عليها، بتقديم عناصر جديدة إلى عملية التجنيس، فيقع تغيير لما هو ثابت، ليتحقق التحول والانتقال إلى جنس أدبي آخر. وبتعبير آخر، فهذا التحول يقع – حسب يوس- بتخييب أفق انتظار القارىء؛ لأن المتلقي قد تعود على نص أدبي خاضع لمجموعة من العناصر والضوابط المألوفة، لكن حينما ينتهك هذا الجنس عبر آليات التحديث، والتجريب، والتفكيك، والتقويض، يخيب أفق انتظار المتلقي، ويتأسس لديه أفق انتظار جديد ، بعد أن يتمثل آليات هذا الجنس الأدبي المستجد. وهكذا، يتغير الجنس الأدبي بتغير أفق انتظار القارىء. ويقول سعيد يقطين عن هذا المبدإ، بأنه يتعلق :” بكل الظواهر والأشياء.غير أنه يختلف عن الأول بكونه لايتصل بـالعناصر الجوهرية، ولكن بالصفات البنيوية للشيء، وهذه الصفات قابلة للتحول كلما طرأت عوامل جديدة، تؤثر في الظاهرة، وتعطي لصفاتها البنيوية أوضاعا تتحدد بفعل الشروط المحيطة بها. ”
وهكذا، فقانون التحول من أهم القوانين النظرية التي تسعف الباحث أو الدارس في فهم تجليات الحداثة والتجريب والـتأصيل.

 قانـــون التغــير:

يتعلق قانون التغير بانتقال جنس أو نوع أدبي من حالة إلى أخرى حسب العوامل الذاتية والموضوعية، وحسب التغيرات الزمكانية. ومن ثم، فهذا القانون لايختلف عن مبدإ التحول والثبات من حيث الكلية.” فكل الظواهر عرضة للتغير الذي ينقلها من حالة إلى حالة أخرى مختلفة تماما،وذلك بفعل تدخل عوامل معينة تتصل مثلا بالزمن. فالصيرورة التاريخية تحيل الشيء أو الظاهرة من وضع إلى آخر.وتبعا لذلك، تكتسب الظواهر سمات مختلفة باختلاف الزمن.لذلك، ننظر في هذه التغيرات، في ذاتها، ومن زاوية علاقة الشيء المتغير بغيره من الظواهر في الحقبة الزمنية نفسها.”
ومن هنا، فالتغير يعتبر قانونا لتطور الأجناس الأدبية، وتحولها من حالة إلى أخرى سلبا أو إيجابا.

 قانــــون الوساطــــة:

يعني هذا القانون أن الجنس الأدبي يعد واسطة للتعرف على النصوص الأدبية. بمعنى أن الناقد الأدبي أو القارىء المفترض لايمكن له ملامسة النص، وقراءته، وتحليله، وتقويمه ، وتفكيكه، إلا بمعرفة الجنس الأدبي. وبهذا، يكون الجنس وسيطا بين الناقد المتلقي والنص الأدبي. وتعد هذه الوساطة المعيارية ضرورية لفهم النص الأدبي، وتفسيره، وتأويله. كأن الجنس مقولة تصنيفية خارجية، تسعف القارىء في استيعاب خصوصيات النص ، وتعرف بنياته الدلالية والفنية والجمالية. ويلاحظ أن قانون الوساطة قانون مجرد يجمع بين عنصرين محسوسين ، وهما المتلقي والنص الأدبي، أو يربط بين النص والأدب.

 قانـــون الجمـــال:

من المعروف أن الأجناس الأدبية هي بنيات جمالية وفنية قبل كل شيء. بمعنى أن الجنس الأدبي يحدد القواعد الجمالية التي يستند إليها الجنس أو النوع أو النمط، وتصبح هذه القواعد الجمالية بمثابة مبادىء تنظيمية ومؤسساتية، ينبغي احترامها، والاشتغال وفقها، وكل من ينتهكها أو ينزاح عنها يتعرض لهجوم النقاد والجمهورعلى حد سواء. وفي هذا الإطار، يقول رينيه ويليك: ” فالنوع الأدبي له وجود يشبه وجود المؤسسة. ويستطيع المرء أن يعمل من خلال المؤسسات القائمة ، وأن يعبر عن نفسه من خلالها، وأن يخلق مؤسسات جديدة. كما يستطيع أن يلتحق بها ثم يطورها. والأنواع الأدبية تقاليد إستطيقية (جمالية) في الأساليب والمواضيع، شكلت الأعمال الفنية كلا على انفراد تشكيلا هاما. ولقد يلتزم بالأنواع الأدبية حتى في غمار النشاط الأدبي في القرن العشرين المتصف بالفوضى.”
ومن هنا، يتضمن الجنس الأدبي في طياته مقومات جمالية وفنية، يبلورها النص الأدبي صياغة وخطابا وبناء وتشكيلا.

 قانــــون الهرمية أو التراتبــية:

ينبني الجنس الأدبي على تراتبية شكلية معينة، بمعنى أنه يمكن الحديث عن مستويات مختلفة ومتنوعة أثناء حديثنا عن الأجناس الأدبية، فهناك الجنس الأدبي الرئيس، والجنس الأدبي الثانوي، والجنس الأدبي الفرعي. بمعنى أن هناك أشكالا ثابتة، وأشكالا متحولة ثانوية . وبتعبير آخر، يمكن الحديث عن الجنس، والنوع، والنمط. وبالتالي، تخلق هذه الأصناف الفرعية والجزئية تراتبية في التصنيف والتجنيس والتقسيم ، وذلك حسب الأهمية والقيمة والنوعية.

 قانـــون المفاضلـــة:

لقانون المفاضلة دور كبير في ترجيح كفة بعض الأجناس على حساب أجناس أخرى، فقد كانت هناك أجناس نبيلة وراقية كالملحمة والشعر والدراما، وأجناس دونية كالأنواع الهزلية والفكاهية مثلا. فلو أخذنا الرواية – مثلا- فقد كانت قبل القرن الثامن عشر أفقر الأنواع الأدبية، وعدت نوعا مرفوضا عند القراء والنقاد ، لكن الرومانسية ستعيد الاعتبار لفن الرواية ، فستسمو به إلى أعلى هرم نظرية الأجناس الأدبية؛ لكونه يضم كل الأجناس والأنواع الأخرى، ضمن بوتقة فنية واحدة مترابطة ترابطا عضويا وموضوعيا. ولقانون المفاضلة أيضا علاقة بقانون التراتبية، فقد كان الشعر في ثقافتنا العربية أفضل بكثير من النثر؛ لأنه ديوان العرب ، وسجل تاريخهم وآثارهم. وهكذا، ” يرجع تراتب الأنواع في جزء منه إلى المفاضلة في مذهب نشدان المتعة: فنجد في التقارير الكلاسية عنه أن درجة المتعة ليست بأي حال كمية، لامن حيث شدتها المحضة ولا من حيث عدد القراء أو المستمعين أو المشتركين.قد نقول: إنها مزيج من النواحي الاجتماعية والخلقية والجمالية والتقليدية ونواحي الإمتاع. ولايهمل جانب حجم العمل الأدبي: فالأنواع الصغيرة كالسوناته والنشيد، يبدو بداهة أنها لاتستطيع أن تقف في صف الملحمة والمأساة. وقصائد ميلتون الأقل شأنا مكتوبة ضمن الأنواع الدنيا، كالسوناتات ومسرحيات القناع؛ أما قصائده العظمى فهي مأساة تقليدية وملحمة. ولو طبقنا الاختبار الكمي على أرفع نوعين متنافسين لفازت الملحمة. ومع ذلك، فأرسطو قد تردد أمام هذه النقطة، وبعد أن ناقش المعايير المتصارعة منح المقام الأول للمأساة. في حين، أن نقاد عصر النهضة فضلوا ، باتساق أشد، الملحمة. وعلى الرغم من وجود الكثير من التقلقل اللاحق، بين دعاوى النوعين، فإن نقاد مذهب الكلاسية الجديدة، مثل: هوبز أو درايدن أو بلير قنعوا في معظم الأحيان بأن يمنحوها مكانا مشتركا في الطبقة الأولى.”
ويبدو أن قانون المفاضلة في الحقيقة هو تعبير عن تراتبية اجتماعية وطبقية، تعكس الصراع بين ماهو علوي وماهو سفلي.

 قانـــون التأويـــل:

إذا انطلقنا من تصورات النظرية الظاهراتية أو النظرية التأويلية (الهيرمونيطيقية)، فالجنس الأدبي يقوم على قانون التأويل. بمعنى أن الجنس الأدبي يساعدنا ، وذلك بمجرد الاحتكاك به، وملامسة بنياته الأولى توقعا وافتراضا وقراءة وتجربة ، على استكناه الدلالة فهما وتشريحا وتفكيكا، واستكشاف معاني النص أو الخطاب، ورصد مقاصده القريبة والبعيدة عبر فعل التأويل أوالتفسير. وتبعا لذلك، فالجنس آلية من آليات استكشاف المعنى، ولكن بشرط أن يقوم على عمليتي: الفهم والتأويل.

 قانـــون الممانعـــة:

يلاحظ أن كثيرا من الأعمال والنصوص والمؤلفات الأدبية المعاصرة ترفض عملية التجنيس، وتأباها بشكل مطلق، وتمتنع عن إمكانية تصنيفها ، ولاترغب في الوجود أصلا، وتعمل على تفكيك نفسها بنفسها، وتحتمي بخاصية الأدب العامة، وتكره التجنيس، وترفض التنميط، وتدرج نفسها ضمن خانة الكتاب أو العمل أو الأثر أو الأدب(L’euvre)، مثل كتابات مابعد الحداثة: ككتابات موريس بلانشو( ” الفضاء الأدبي” 1955م- ” الكتاب الذي يأتي”1959م)، وكتابات رولان بارت، ونيتشه، وعبد الكبير الخطيبي، وكتابات التفكيكيين بصفة عامة. وتبعا لذلك، يصعب تصنيفها أو تجنيسها في خانة أدبية ما ، وذلك تمردا وانزياحا وتفكيكا وتشتيتا وتأجيلا.

معايـــير التجنيس:

ثمة مجموعة من المعايير التي يعتمدها الباحثون والدراسون والنقاد والقراء في عملية تجنيس الإبداعات الأدبية، وتنميط الكتابات الفنية والجمالية، ويمكن حصرها في معيار الشكل(الشكل، والسرد، والمسرح…)، ومعيار المضمون(الرواية التاريخية، والرواية السياسية، والرواية الاجتماعية، والرواية النفسية…)، ومعيار الرؤية(الرواية الإسلامية، والرواية الوجودية، والرواية السريالية، والرواية الواقعية الاشتراكية…)، ومعيار الأسلوب(الرواية المنولوجية ذات الصوت الواحد والرواية البوليفونية المتعددة الأصوات…)، ومعيار السجل(تراجيدي، و فانطاستيكي، وكوميدي…)…بل ثمة معايير أخرى تستعمل لتصنيف الأجناس الأدبية الثانوية، كمعيار الإيقاع الداخلي والخارجي (السونيت، والموشحات، وقصيدة التفعلية، والقصيدة النثرية، والزجل…).وفي هذا السياق، يقول ويليك ووارين :” ونحن نرى أنه يجب تصور الأنواع على أنها زمر من الأعمال الأدبية تقوم نظريا على كل من شكلها الخارجي( وزن معين أو بنية)، وشكلها الداخلي أيضا (الاتجاه، الجرس، الهدف، وبشكل أكثر فجاجة: الموضوع والجمهور)…”
ويمكن الحديث عن معيار آخر هو معيار مواز خارجي للنص يتعلق بالعتبات أو النص الموازي ، كالعناوين، والمقدمات، والتعيين الجنسي، واللوحات، والأيقونات، والهوامش، وعتبة المؤلف، وعتبة الإهداء، وكلمات الغلاف…وتساعدنا هذه العتبات على التمييز بين الأجناس الأدبية، ضمن ما يسمى بالتعيين الجنسي.

 نظريات الأجناس الأدبية ومناهجها:

درست نظرية الأجناس الأدبية من قبل دارسي الأدب ونقاده في ضوء مجموعة من النظريات والمناهج، ويمكن حصر نظريات التجنيس في عدة مقاربات على النحو التالي:

 النظريـــة التاريخيـــة:

تدرس النظرية التاريخية الأجناس الأدبية في تطوراتها التاريخية وتحولاتها الزمنية التعاقبية.بمعنى أنها ترصد الأجناس الأدبية باعتبارها مقولات تصنيفية وتجنيسية وتنميطية، فتحاول رصدها عبر عصور التاريخ، وتبيان تشكلاتها الدلالية والفنية والوظيفية.وهنا، يحضر البعد الدياكروني القائم على التعاقب والتحقيب والتحول والصيرورة الزمنية.فالأجناس الأدبية تتطور عبر العصور تلاقحا وتوالدا وتناسلا، حيث تظهر أجناس أدبية في عصر ما، ثم تختفي في عصر ما. وهذا مايهتم به تاريخ الأدب الذي يتتبع الأجناس الأدبية في تعاقبها الزمني، وتسلسلها التاريخي، دارسا إياها في حقبة معينة، بالتركيز على خصائص الشكل تاريخيا، وفنيا، وموضوعاتيا ، ووظيفيا.
وإذا عدنا إلى تاريخ الأدب العربي، نلاحظ أن ثمة مجموعة من الأجناس الأدبية قد ظهرت في عصر ما، ثم اختفت في عصور أخرى، مثل: شعر النقائض الذي ظهر في العصر الأموي عند جرير والفرزدق والأخطل، ولكنه لم يعد له وجود الآن بشكل من الأشكال في أدبنا الحديث والمعاصر. وقد اختفى شعر الزهد والعتاب والاعتذار والمدح في أدبنا الحديث ، بعد أن انتشر انتشارا كبيرا في العصر العباسي. كما اختفى شعر الموشحات في عصرنا هذا، بعد أن حل محله أجناس أدبية جديدة لم تكن معروفة في العهود الماضية، كشعر التفعيلة، والقصيدة النثرية، والقصيدة الشذرية، والقصيدة الكونكريتية… وهكذا، ” ففي كل عصر يصبح عدد معين من الأنماط الأدبية معروفا معرفة جيدة لدى الجمهور، بحيث يعتمدها مفاتيح لتأويل الأعمال. يصبح الجنس الأدبي، هنا، على حد عبارة يوس أفق الانتظار.إن الكاتب يستبطن بدوره هذا الانتظار فيصبح الجنس الأدبي لديه نموذج كتابة. وبعبارة أخرى، فإن الجنس الأدبي نمط كان له وجود تاريخي ملموس، وساهم في النظام الأدبي لعصر من العصور.”
وبناء على ماسبق، يمكن الحديث عن شعرية تاريخية تدرس الأجناس الأدبية في تطورها وتعاقبها الزمني، وتبحث عن قوانين الأجناس وعناصرها الثابتة والقارة، وتعيد النظر في كثير من المسلمات التجنسيسة. وفي هذا الصدد، يقول تودوروف(Todorov):” إذا كانت المهمة الأولى للتاريخ الأدبي هي دراسة تحول كل مقولة أدبية، فإن الخطوة الثانية ستكون أخذ الأجناس الأدبية بعين الاعتبار تعاقبيا، كما فعل باختين(بعبارة أخرى، دراسة التنوع الشامل لنمط واحد)، وتزامنيا في علاقة الأجناس بعضها ببعض.ويجب ألا ننسى ، في الوقت نفسه، أنه في كل عصر يصاحب نواة السمات المتماثلة عدد كبير من السمات الأخرى التي نعتبرها مع ذلك، أقل أهمية، ومن ثمة غير مصيرية في إلحاق هذا العمل بذاك الجنس الأدبي. وتبعا لذلك، يكون العمل جديرا بالانتماء إلى أجناس أدبية مختلفة طبقا لحكمنا بالأهمية على هذه السمة أو تلك من سمات بنيته. وهكذا، تنتمي ” الأوديسية” حسب القدامى بلا جدال إلى جنس الملحمة. أما عندنا نحن ، فإن هذا المفهوم قد فقد راهنيته. وقد نكون ميالين لربط ” الأوديسية” بجنس القصة أو حتى بجنس القصة الأسطورية.
والمهمة الثالثة للتاريخ الأدبي قد تكون، هي التعرف على قوانين التحول التي تتصل بالانتقال من عصر أدبي إلى آخر(على افتراض أن هذه القوانين موجودة).وقد اقترحت عدة نماذج تسمح بجعل منعطفات التاريخ ممكنة الإدراك. ويبدو أن تحولا قد حدث في تاريخ الشعرية من نموذج عفوي(يولد الشكل وينضج ثم يموت) إلى نموذج جدلي (أطروحة- نقيضها- تركيب). نحن نحترس هنا من تبنيهما، ولكن يجب ألا يستخلص من ذاك أن المشكلة غير موجودة. ولنقل: إنه من العسير معالجتها الآن في غياب أعمال دقيقة تمهد الطريق.وبما أن التاريخ الأدبي قد أراد، لمدة طويلة، امتصاص ميدان الفنون المجاورة، فهو ينظر بالنسبة إلينا، بمظهر قريبها الفقير. فالشعرية التاريخية هي القطاع الأقل تبلورا من قطاعات الشعرية(Poétique).”
وهكذا، فالنظرية التاريخية تنظر إلى الأجناس الأدبية من خلال ثلاثة منظورات متكاملة، تتمثل في دراسة تحولات الأجناس الأدبية، ودراستها في تعاقبها التاريخي عبر تتبع العصور الأدبية، ثم استكشاف قوانين التحول الفني والجمالي.

 النظريـــة الكلاسيكيـــة:

تعد النظرية الكلاسيكية امتدادا للنظريات الشعرية والأدبية والأجناسية اليونانية والرومانية(أرسطو، وديوميند، وهوراس..)، وتنبني هذه النظريةعلى احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراما كبيرا، من خلال الفصل بين هذه الأجناس، وتمثل قواعدها كما أرسيت في مرحلتي: اليونان والرومان. ويعني هذا أن الأجناس الأدبية- حسب النظرية الكلاسيكية- تتحدد بقواعدها ومضامينها وأساليبها وصيغها الفنية والجمالية. لذا، ينبغي على المبدعين احترام خصوصيات الأسلوب الشعري، والأسلوب الملحمي، والأسلوب الدرامي، وعدم الخلط بينها. وتبعا لذلك ، فقد كان مبدأ التجنيس هو الفصل بين الأنواع والأنماط والأشكال والأساليب، والاستعانة بالتراتبية الهرمية في التصنيف والتنويع والتقسيم. وبتعبير آخر، تستند النظرية الكلاسيكية إلى بلاغة الفصل بين الأجناس الأدبية. في حين، تتكىء النظرية الرومانسية على بلاغة الوصل والنقاء والصفاء.

 النظريـــة الرومانسيـــة:

إذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية في ضوء معايير تجنيسة معينة،فإن الرومانسية كانت تؤمن بانصهار الأجناس الأدبية في بوتقة أدبية واحدة.أي: إن الرومانسية كانت تقول بالوحدة الفنية بين الأجناس الأدبية، وتشكيلها لوحدة أجناسية كبرى. وفي هذه الفترة بالذات، ظهر مفهوم الأدب (La littérature) الذي كان يجمع في طياته أجناسا وأنواعا وأنماطا أدبية مختلفة داخل وحدة فنية وجمالية كبرى. وفي هذا السياق، يقول تزتيفان تودوروف (T.Todorov):” وأخيرا، بدأت فكرة وحدة الفنون تفرض نفسها. ومن هنا، أخذت تتبلور نظرية للفنون تحاول أن تؤطر على الأقل أكثر الممارسات الفنية هيبة، أعني الشعر والرسم. وتحولت هذه النظرية في القرن الثامن عشر إلى دراسة خاصة هي علم الجمال، حيث سيهيأ مكان لنظرية الأدب في الحدود التي تندمج بها في نظرية عامة للفنون، وسيكون ليسنج وكانط الممارسين الأولين لهذا الخطاب، وقد مهدت لهما بحوث طويلة منذ ليوناردو دافنشي إلى شفتسبري.
والنتيجة-إذاً- هي أن أيا من هذه التطورات الثلاثة لم يؤد مباشرة إلى تكوين الوحدة” أدب”. وبالرغم من ذلك، فإنها عملت كلها على التمهيد لها، فقد أصبحنا نتوفر على مقولة عليا هي مقولة الفن ، الذي يمكن تقسيمه بسهولة إلى كيانات، من رتبة أدنى هي الأجناس الأدبية، كما أننا نتوفر على كتاب الشعرية الذي تضمه استمرارية التقليد. لن يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق.لقد توقفت مفاهيم المحاكاة والتمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ماارتبط به من غياب الغائية الخارجية، والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل، وعدم قابلية العمل للترجمة.كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة، ذلك هو السؤال الذي نجده في الكتابات الرومانسية، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا خاصة في الدراسات الأدبية المؤسسية، وهذا يرجع بدون شك للشكل الذي اتخذته هذه الكتابات، إما لأنها كانت كتابات مقطعية شذرية تشبه الشعر في جوانب عديدة (كما هو الحال عند شليجل ونوفاليس)، وإما دراسات فلسفية منتظمة لن تحيد عن التقليد الذي رسمه علم الجمال، الذي يحتل الأدب فيه مكانا محدودا ، وتلك هي حالة شليجل وهيجل.”
وعليه، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت الأجناس الأدبية في نظرية أدبية وفنية واحدة، وهي التي ساهمت في ظهور مصطلح الأدب:” لاشك أن السؤال التالي يخامر ذهن القارىء: هل المعنى الحديث لكلمة(Littérature) كان مجهولا فيما مضى؟ إذا وضعنا السؤال هكذا فإننا نفترض أن السؤال واضح، وإننا نعرف ما نعني عندما نستعمل الكلمة ، إلا أننا ربما نستطيع أن نقول: إنه قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض.أما مع الرومانسية، فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات.لهذا، نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا بين الجد والهزل. والشيء الذي لا يجب إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة؛ لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع. في القرون الماضية، كانت الرواية بمثابة الفرد الفقير في عائلة الأنواع، إلا أنها منذ نهاية القرن الثامن عشر.أي: في فترة معاصرة لميلاد مفهوم (Littérature)، ولبزوغ الرومانسية، أخذت تشق طريقها شيئا فشيئا، إلى حد أنها صارت مع مرور الزمن قمة الأنواع. ذلك أنها تستوعب الرسالة والمذكرات والسيرة الذاتية والحوار المسرحي، بل يمكن أن تستوعب حتى الشعر. وإن تعودنا على قراءة الروايات هو الذي يجعلنا لا نلمح هذه الخاصية.”
وهكذا، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت بين جميع الأجناس والأنواع الأدبية في قالب واحد، رافضة مبدأ الفصل والتمييز بين المقولات التجنيسية.

 النظريـــة الجماليـــة:

تدرس النظرية الجمالية أو الإسطيتيقية الأجناس الأدبية في ضوء المعطيات الفنية والجمالية، بالاستعانة بمفاهيم التناسب والتشاكل والهارمونيا الإيقاعية والنغمية، والاعتماد أيضا على الذوق والتأثر الانطباعي، إلى حد يصبح فيه الجنس الأدبي بقواعده ومبادئه التنظيمية سرا من أسرار جمالية النص الأدبي أو الخطاب الإبداعي.
هذا، ويعد الفيلسوف الألماني هيجل من الذين ساهموا في بلورة نظرية للأجناس الأدبية في الغرب، من خلال رؤية فلسفية جمالية مثالية مطلقة . ويذهب هيجل إلى وجود قرابة كبيرة بين الرواية والملحمة ، إلا أن الفن الملحمي باعتباره شعرا لم يزدهر إلا إبان الفترة اليونانية. ومن ثم، يعبر هذا الفن عن تلاحم الذات والموضوع في إطار انسجام متكامل ومتناغم، يعبر عن شعرية القلب والتآلف والسعادة المطلقة. أما الفن الثاني، فهو الفن الروائي الذي يتخذ السرد النثري وسيلة للتعبير عن انفصال الذات والواقع، أو تشخيص الهوة التراجيدية الموجودة بين الأنا والعالم. وبالتالي، يؤكد هيجل مدى نثرية العلاقات الإنسانية في المجتمع الحديث، فيشير إلى وجود قطيعة فينومونولوجية بين الذات والموضوع، و بين الإنسان والواقع . ويعني هذا أن الرواية هي في الحقيقة تشخيص للوحدة المفقودة بين الذات والموضوع، ونشدان التكامل المأمول بينهما، واستشراف للسعادة الكلية المطلقة المعهودة في الملحمة اليونانية . وقد أقر هيجل بأن الرواية ملحمة بورجوازية أو ملحمة عالم بدون آلهة، أفرزتها تناقضات المجتمع الرأسمالي، ويبدو من خلال ما كتبه هيجل أنه يفضل الملحمة على الرواية، والشعر على النثر، والقلب على الواقع.
ومن جهة أخرى ، فقد ثارت النظرية الجمالية مع بيندتو كروشه في كتابه:” علم الجمال” (1902م) على نظرية الأجناس الأدبية:”هجوما لم تقم له بعد قائمة، على الرغم من المحاولات العديدة التي جرت للدفاع عنه أو لإعادة صياغته بشكل مختلف.”
ويعني هذا أن الإيطالي بندتو كروتشه يرفض مقولة الأجناس الأدبية، إذ لايميز بين الشعر الغنائي، والملحمة، والدراما، بل يعتبرها كأنها مجموعة غنائية واحدة مصوغة في بنية فنية خاصة، في شكل حكاية وشخصيات وفعل درامي. أي: إنه يدعو إلى وحدة العمل الفني على غرار جماعة يينا الألمانية. وفي هذا السياق، يقول محمد غنيمي هلال:” وفي الحق، يبدو الفيلسوف كروتشيه فريدا في نقده الجمالي، فقد رأينا أنه، في مثاليته، ينكر قيمة العالم الخارجي، ويجعل الفكر كل شيء في العمل الفني، ثم إنه ضد التفريق بين اللفظ والمعنى، والشكل والمضمون، ويرى القيمة كلها في الشكل؛ لأن الصورة فيه تفترق عن مضمونها، كما أنه ينكر الفروق بين الأجناس الأدبية، ويرى أن قيمتها الفنية تنحصر في صفاتها الغنائية، ولايعتد بعد ذلك بقواعد فنية للصفات الغنائية، فقد تكون التعبيرات الساذجة ذات طابع فني عميق في دلالتها على لسان السذج من الناس، والفرق بينهما وبين التعبيرات الفنية الناضجة على أيدي كبار الشعراء هو فرق في الامتداد لا في العمق.”
وهكذا، فالنظرية الجمالية قد انكبت على دراسة الأجناس والأنواع الأدبية بالدرس والفحص والنقاش، وذلك في ضوء مقارنات فنية، ومقايسات جمالية، كانت بطريقة أو بأخرى، تتأرجح بين القبول والرفض.

 النظريـــة التطوريــة:

تأثرت النظرية التطورية بتصورات داروين ولامارك صاحبي كتابين مهمين، وهما:” فلسفة علم الحيوان” (1809م)، و” في أصل الأنواع” (1859م)، حيث يقسم داروين الكائنات الحية تقسيما بيولوجيا إلى مجموعة من الكائنات الحية المختلفة، معتمدا في ذلك على المنهج العلمي التجريبي القائم على الافتراض، والملاحظة، والتجريب، والاستنتاج النظري. بمعنى أن النظرية التطورية قائمة على الغائية والتغير. وهكذا، نجد فرديناند برونوتيير(Ferdinand Brunetiere) ينقل المنهج التطوري من بيئته العلمية البيولوجية إلى حقل النقد الأدبي، فيؤلف كتابا تحت عنوان:” تطور الأنواع في تاريخ الأدب”، ثم يستعمل مصطلح الجنس لتصنيف النصوص الأدبية تنويعا وتنميطا وتجنيسا. ويرى أحمد اليابوري بأن أول من طبق:” المبادىء التطورية في مجال الدراسة الأدبية في ألمانيا منذ1860م كان ستاين تال، وسار على نهجه في روسيا تلميذه فيزلوسكي الذي عمل على تأسيس شعرية تطورية. وفي إنجلترا، اشتهر أدينكتون بكتابه:” تطبيق مبادىء التطورية في الأدب والفن” (1890م). وفي فرنسا، وفي السنة نفسها، ظهر كتاب فرديناند برونوتيير حول:” تطور الأجناس في تاريخ الأدب”، ثم بعد ذلك بسبع سنوات ظهرت دراسته الثانية :” موجز في تاريخ الأدب الفرنسي” ، وهما نموذجان للبحوث التي أنجزت في إطار التعالق بين التطورية الأدبية والتطورية البيولوجية في أفق تجاوز الدراسات التي كانت، إلى ذلك الحين، تعنى بمقاربة الأدب من منظور تاريخي، قلما يلتفت إلى عناصر الدينامية.”
هذا، ويرى فرديناند برونوتيير أن الأجناس الأدبية ليست مجرد كلمات، فحسب، بل توجد في الطبيعة وفي التاريخ، وتتكون هذه الأجناس وتتوالد كما تتوالد الكائنات الحية في الطبيعة ، عبر الانتقال من البسيط إلى المركب والمعقد، ومن الأحادي إلى المتعدد، ومن المتجانس إلى غير المتجانس، مع مراعاة مبدإ التعارض والاختلاف بين الأنواع، باستقراء خصائصها ومكوناتها الحية. ويمر الجنس الأدبي من فترات متنوعة: فترة الولادة، وفترة النضج، وفترة الموت والاندثار.أما فيما يتعلق بالتغييرات التي تطرأ على الأجناس الأدبية، فيرجعها برونوتيير إلى الوراثة، والجنس، وتأثير البيئات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية ، وكذلك شخصية المبدع أو الأديب وأثره على الجنس الذي يكتبه محافظة وتغييرا. ويتناول برونوتيير كذلك قضية تحولات الأجناس الأدبية الداخلية والخارجية. وقد اعتمد برونوتيير في منهجه التطوري هذا على بعض المبادىء الرئيسة، كالتطور، والمقصدية، والتفاعل، والصراع . وفي هذا السياق، يقول أحمد اليابوري:” ومن جملة مايثير الانتباه في نظرية برونوتيير إشارته في كتابه:” موجز تاريخ الأدب الفرنسي” إلى أن المأساة الهزلية التي ظهرت في القرن السابع عشر:” ليست سوى تردد الدراما بين الرواية والمأساة”. وهذا يعني التخلي، جزئيا، عن مبدإ التطور، وتوظيف مبدإ التفاعل الذي بفضله أمكن لجنس سردي أن يتفاعل مع جنس درامي لكي تتحقق المأساة- الهزلية. وفي هذا الإطار، يذكر برونوتيير:” إذا كانت الأجناس الأدبية لاتتحدد، كما هو الشأن بالنسبة للأنواع الحية، إلا بالصراع الذي تخوضه فيما بينها، فإن المأساة- الهزلية ، مثلا، ليست سوى تردد الدراما بين الرواية والمأساة. وكيف يمكن أن ننظر إلى المأساة- الهزلية إذا فصلنا دراسة الرواية عن دراسة المأساة”"
هذا، وقد تعجب رينيه ويليك وأوستين وارين كثيرا من رأي برونوتيير الذي يذهب إلى أن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر قد تحول، بعد انقطاع، إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر:”ثمة سؤال آخر يتعلق باستمرار الأنواع. فمن المتفق عليه أن برونوتيير ألحق الأذى بعلم الأجناس عن طريق نظريته البيولوجية الزائفة في التطور، فتوصل إلى نتائج معينة كقوله في تاريخ الأدب الفرنسي، إن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر تحولت- بعد فترة انقطاع- إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر.”
لكن الدراسات اللاحقة ستتجاوز النظرية التطورية التي لاتعنى سوى بدراسة الأجناس الأدبية في ضوء متغيراتها الوراثية والبيولوجية الخارجية، لتنتقل إلى دراسات شكلانية وبنيوية ومورفولوجية تهتم بدراسة المكونات الداخلية للنصوص الأدبية، واستكشاف بناها العميقة إن شكلا وإن دلالة وإن وظيفة. وتبعا لذلك، “إذا كانت التطورية، في تطبيقاتها الأدبية، قد أغرت الباحثين بالطموح في بلوغ درجة من العلمية وكتابة تاريخ أدبي عالمي، في إطار الأدب المقارن، فإنها، مع ذلك، لم يكن لها إلا تأثير ضئيل في تاريخ الآداب الحديثة، وتعرضت للإهمال على مايبدو، عندما أرادت أن تقيم علاقة متينة، أكثر من اللازم، بين التطور الأدبي والتطورالبيولوجي، كما ذهب إلى ذلك ويليك ووارن في كتابهما:”النظرية الأدبية”".
وعليه، إن السيميائيات التطورية أو الدينامية أصلح منهجية- في منظوري الشخصي- لفهم التطورات التجنيسية، ولكن من الداخل النصي، وعبر استخلاص المكونات الأجناسية داخل البنى الخطابية.

 النظرية الماركسية والسوسيولوجية:

تربط النظرية الماركسية الأجناس الأدبية بالمجتمع ربطا وثيقا. بمعنى أن الجنس الأدبي إفراز فوقي من إفرازات المجتمع، ونتاج لتناقضاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. كما أن تراتبية الأجناس الأدبية هو في الحقيقة تعبير عن التراتبية المجتمعية وهرميته الطبقية. وهكذا، فقد :” بنت النظرية الأدبية الماركسية إجاباتها على هذه الأسئلة – في الأغلب الأعم- على الفرضيات الخاصة بسوسيولوجيا الأنواع في التاريخ وتطورها وتحولها وتتابعها- باعتبارها أنواعا من الكتابة- لابد أن يتم تفسيرها وفقا للتطور الاجتماعي.”
وبتعبير آخر، تولد الأجناس الأدبية وتنمو وتنضج وتتطور وتختفي، حسب التطورات والتغيرات الجدلية التي تطرأ على المجتمع ، وذلك على الصعيد التحتي والفوقي. ويقول أحد الدارسين ، نقلا عن جوسدروف- :” إن ميلاد السيرة الذاتية الأدبية، جاء من المزج والتلاقي غير المستقر بين المسيحية والفكر الكلاسيكي في العصور الوسطى، بالإضافة إلى الشكوك الملتهبة ، ووجود حركة الإصلاح، التي أوجدت رغبة جادة، أدت إلى وجود ثورة لكتابة الذات.”
وهكذا، فقد اهتمت المقاربة الماركسية اهتماما لافتا للانتباه بتفسير نشأة الأجناس والأنواع الأدبية ، وذلك في ضوء التصورات الاجتماعية الماركسية.
ومن جهة أخرى، فقد ركزت النظرية السوسيولوجية على دراسة الأجناس الأدبية في ضوء الأبحاث الاجتماعية ذات الطابع المادي التاريخي، أو في ضوء معطيات السوسيولوجية التجريبية، أو في ضوء المقاربة البنيوية التكوينية القائمة منهجيا على الفهم والتفسير. وهكذا، ينطلق لوسيان ﮔولدمان في دراسته السوسيولوجية للرواية من تصور بنيوي تكويني في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البورجوازية الأوربية، مستفيدا في ذلك من تصورات هيجل، وماركس، ولوكاش، وفرويد، وجان پياجيه. وقد حاول دراسة مسيرة هذه الرواية فهما وتفسيرا من خلال مفاهيم أساسية، وهي:التشيؤ، والبطل الإشكالي، والوساطة، والتماثل، والبنية الدالة، والرؤية للعالم، ونمط الوعي… فاستخلص بأن الرواية الفردية (البيوغرافية) في القرن التاسع عشر كانت تعبيرا عن الرأسمالية الفردية. أما في بداية القرن العشرين، فقد كانت الرواية المنولوجية أو رواية تيار الوعي تجسيدا لرأسمالية الشركات. أما الرواية الجديدة مع نتالي ساروت، وكلود سيمون، وآلان روب ﮔرييه، وجان ريكاردو، وميشيل بوتور… فقد كانت تعبيرا عن المجتمع التقني الآلي.

 النظـــرية الفلسفيـــة:

هناك من الباحثين والدارسين الذين درسوا نظرية الأجناس أو الأنواع الأدبية في ضوء المقاربة الفلسفية. وهكذا، نجد إميل شتايغر في كتابه:” مبادىء البويطيقا” (1944م) يدرس الأجناس الأدبية بالاعتماد على الوجودية الهايدغرية، حيث يتمسك بالثلاثية المعروفة في تاريخ الأجناس، وهي: الغنائية، والملحمية، والدرامية. وتبعا لذلك، فهو يرى أن كل قطعة شعرية تقع بين هذه الأطراف الثلاثة بشكل من الأشكال، و” لكن لاتتمثل خاصيات الغنائية التي يدعوها الغنائية والملحمية والدرامية تمثلا كاملا إلا في عدد محدود جدا من الأعمال” . زد على ذلك، يربط شتايغر المحلمة بالحاضر، والغنائية بالماضي، والدرامية بالمستقبل.ويعني كل هذا بالمفهوم الهايدغري أن الماضي قائم على الاستذكار، ويدل الحاضر على العرض، ويحيل المستقبل على التوتر. وهناك مفاهيم أخرى هايدغيرية في تصنيف إميل شتايغر:” هناك سلسلة الاستبشار للغنائية، والسقوط للملحمية، والإدراك للدرامية، وهي أيضا سلسلة مستمدة من هايدغر، وهي تطابق المراحل الثلاث في حياة الإنسان. الغنائية والطفولة، والملحمية والشباب، والدرامية والنضج.أما ثالوث الملكات الإنسانية، فيدخل في الصورة بدعوة الغنائية عاطفية أو حسية، والملحمية تصويرية أو حدسية، والدرامية منطقية أو فكرية، ويماثل ذلك مانفعله حين نشعر ونبين ونثبت. كذلك يقول لنا الكاتب: إن الأشكال الثلاثة تماثل سلسلة المقطع والكلمة والجملة. وتعتبر نظريات كاسيرر مصدر الاصطلاحات في هذا المجال.”
وعليه، فإن مايميز نظرية إميل شتايغر حول الأجناس أو الأنواع الأدبية هو:” استخدامها الخاص للتصور الهايدغري للزمن أدى إلى ربط القصيدة الغنائية بالماضي، والملحمة بالحاضر والدراما بالمستقبل. ولا تلجأ نظرية شتايغر إلى المتكلم كمعيار لها على عكس النظريات الأخرى . وتنتفي عنده ثنائية الذات والموضوع استنادا إلى مسلماته الهايدغرية: وهو يصف القصيدة الغنائية وصفا يقوم على هذا الدمج الغيبي بينهما. كما تعزف أقواله الخاصة بقصائد غوته التي كتبها في ستراسبورغ في كتابه عن غوته نغمة أخرى تعتبر تنويعا آخر على وحدة الذات والموضوع معبرا عنها تعبيرا عاطفيا، أو تعبيرا تشتم منه رائحة الإيمان بوحدة الوجود.”
.في حين، تميل الآنسة كيت هامبرغر في كتابها:” منطق الشعر” (1957م) إلى الاستعانة بالفلسفة الظاهراتية أو الفينومينولوجية ، حينما ميزت بين نوعين من الشعر: الشعر القصصي أو شعر المحاكاة، والشعر الغنائي أو شعر الوجود. وترى هامبرغر بأن الشعر الغنائي ماهو إلا تعبير عن الواقع:” يصدر عن الأنا، ولابد من أن يفهم موضوعه على أنه تجربة مر بها المتكلم.”
وهكذا، تهدف النظرية الظاهراتية أو الفينومينولوجية إلى دراسة الأجناس الأدبية من خلال ربط الذات بالموضوع، وتشغيل فعل التأويل الذي تمارسه الذات المتلقية أثناء تعاملها مع النص المعطى. ومن هنا، فالقراءة تتحول إلى تجربة وممارسة في التعلم، مختلفة عن القراءة الإدراكية العادية. وتبعا لذلك، يتعامل القارىء الظاهراتي مع الأجناس الأدبية في ضوء نظرية كلية قائمة على الفهم والتأويل. ومن ثم، فالدلالة تستخلص بشكل تدريجي من خلال التأرجح بين الجزئي والكلي.أي: ينطلق المتلقي الظاهراتي من جزئيات النص نحو كلياته، وهكذا، دواليك استشرافا واستذكارا. ويمثل هذه النظرية على سبيل التمثيل كل من : كيت همبورغر (Käte Hamburger) وبول ريكور (Paul Ricoeur)…
.....................................................

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي   الخميس ديسمبر 29, 2011 5:10 pm

admin كتب:
admin كتب:
النظريــــة اللسانيــة:

هناك مجموعة من الدارسين اللسانيين قد صنفوا الأجناس الأدبية في ضوء النظريات أو المقاربات اللسانية، مثل : كيت هامبورغر (K. Hamburger) التي وضعت نظرية للأجناس الأدبية – إلى جانب تصورها الفلسفي الظاهراتي- قائمة على التلفظ ، وذلك في كتابها القيم:” منطق الأجناس الأدبية”، إذ ميزت بين ثلاثة أنواع من صيغ التلفظ: التلفظ التاريخي، والتلفظ النظري، والتلفظ التداولي.ومن ثم، فمنطق الأجناس الأدبية يستلزم الجمع بين ذوات التلفظ، والتعارض بين التخييل واللاتخييل. ويعني هذا أن همبورغر تتحدث عن التخييل الملحمي والدرامي، أما الشعر الغنائي فهو جنس أدبي غير تخييلي؛ لأن الذات المتلفظة مرجعية وتاريخية. في حين، إن الذات المتلفظة في الجنسين السابقين(الدرامي والملحمي) معروضة بشكل إيجابي ملحميا ودراميا، كما يستعين الجنسان معا بالماضي البسيط (Passé simple) باعتباره زمن التخييل. وهناك عند هامبورغر أجناس أخرى مختلطة تجمع بين ماهو تخييلي وغنائي.
ومن جهة أخرى، يميز إميل بنيفست في كتابه:” قضايا اللسانيات العامة” بين الحكاية (Histoire) والخطاب(Discours) ، وذلك في ضوء القرائن الإشارية والتواصلية. بمعنى أن الحكاية تستبعد هذه القرائن السياقية. في حين، يعتمد الخطاب عليها تبليغا وتوصيلا وتسنينا. ولقد اعتمد فينرش (Weinrich) على نظرية إميل بنيفنست، فبدأ يميز ، وذلك على مستوى السامع أو المخاطب أو المتلفظ له، بين التعليق(Commentaire) والسرد(Récit) تجنيسا وتقعيدا.

الشكلانيــــة الروسيـــة:

اهتم الشكلانيون الروس بقضية التجنيس مع فلاديمير بروب، وشكلوفسكي، و تينيانوف، وإيخنباوم ، وشلوفسكي، وتوماشفسكي، ومكاروفسكي، ورومان جاكبسون… وقد انصبت اهتمامات هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بوصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، وخصوصا الصوتيات والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب ، فقد أعطى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فوضع لها مجموعة من القواعد المولدة لها، والتي تترجم بنية سردية منطقية كونية مجردة ذات بعد ثلاثي: (التوازن- اللاتوازن- التوازن).
وعليه، فرومان جاكبسون (R.Jakobson) يركز كثيرا على أدبية النص وشعرية الرسالة، حينما يحدد مجموعة من الوظائف التي تميز جنسا أدبيا عن باقي الأجناس الأخرى. وهكذا، يرى رومان جاكبسون أن اللغة تتضمن ستة عناصر أساسية، وهي: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، واللغة. وللتوضيح أكثر، نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه، حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي… ويستنتج رومان جاكبسون بأن اللغة ذات بعد وظيفي، وأن لها ستة عناصر، وست وظائف: فالمرسل له وظيفة انفعالية، والمرسل إليه وظيفته تأثيرية، والرسالة وظيفتها جمالية، والمرجع وظيفته مرجعية، والقناة وظيفتها حفاظية، واللغة وظيفتها وصفية. ويركز رومان جاكبسون على الأدبية في تمييز الأدب عن باقي الأجناس الأخرى. لذا، تحضر القيمة المهيمنة (La valeur dominante) في عملية التصنيف والتقسيم. وقد أثبت جاكبسون أيضا على مستوى التجنيس أن الشعر قائم في جوهره على المشابهة(التشبيه والاستعارة)، بينما يرتكز السرد على المجاورة (المجاز المرسل والكناية).

 النظريـــة الأسلوبيــة:

تهتم النظرية الأسلوبية برصد الأجناس الأدبية التي تتحول على مستوى الصياغة والأسلوب. وهكذا، نجد بيير لارتوماس (Pierre Larthomas) يميز أسلوبيا بين الشفوي والكتابي.فالمسرح على سبيل المثال يزاوج بين الشفوي والكتابي، فالمؤلف يكتب مسرحية ليتم عرضها شفويا فوق خشبة المسرح. بمعنى أن ثمة أجناسا أدبية تستعمل الشفوي فقط، وهناك في المقابل أجناس كتابية، وأجناس مختلطة تجمع بين الكتابة والشفوية.
ومن ناحية أخرى، يتتبع ميخائيل باختين الرواية البوليفونية أسلوبيا، من خلال استكشاف أجناسها التقليدية التي تتمثل في الحوارات السقراطية، والهجائيات المينيبية اللاتينية، والأدب الكرنفالي في العصر الوسيط وعصر النهضة. وقد ميز ميخائيل باختين في كتابه:” شعرية دويستفسكي” بين الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية، تنحى المنحى الديمقراطي، حيث تتحرر بشكل من الأشكال من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات عن حرية البطل النسبية ، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف بحال من الأحوال مخالفة لرأي الكاتب. وللتوضيح أكثر، تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، بواسطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. بمعنى، أن الرواية تقدم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبرأصوات متعددة؛ وهذا ما يجعل القارىء الضمني الواعي يختار بكل حرية الموقف المناسب، ويرتضي المنظور الإيديولوجي الذي يلائمه ويوافقه ، دون أن يكون المتلقي في ذلك مستلبا أو مخدوعا من قبل السارد أو الكاتب أو الشخصية على حد سواء. ويعني كل هذا أن الرواية البوليفونية مختلفة أيما اختلاف عن الرواية المنولوجية الأحادية الراوي والموقف، واللغة، والأسلوب، والمنظور، وذلك بوجود تعددية حوارية حقيقية على مستوى السراد، والصيغ، والشخصيات، والقراء، والمواقف الإيديولوجية .

 النظريــــة البنيويــــة:

من المعلوم أن النظرية البنيوية اهتمت كثيرا بعملية التجنيس الأدبي، وخاصة مع رواد الشعرية البنيوية، كتودوروف، ورولان بارت، وجيرار جنيت، وشولز، وكلود بريمون، ونورثروب فراي في كتابه :” تشريح النقد” (1957م)، وأندري جول في كتابه:”الأشكال الثابتة” (1930م) ، وغيرهم… وهكذا، فقد درس تودوروف الأدب الفانطاستيكي دراسة تجنيسية بنيوية ، تهدف إلى استكشاف مكوناته البنيوية الثابتة، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابيه:” مدخل إلى الأدب العجائبي” (1970م) ، و” أجناس الخطاب” (1978م) . وتبعا لذلك، يميز تدوروف بين الأجناس الأدبية التي تنقسم إلى أجناس تاريخية وأجناس نظرية، فالأجناس التاريخية هي النصوص المنتجة عبر الحقب التاريخية، أما النصوص النظرية فهي تلك التصورات الإدراكية التي ارتبطت بالنصوص والخطابات النصية تنظيرا وتقعيدا ، كما فعل أرسطو وغيره، وذلك ضمن ما يسمى بشعرية الأجناس الأدبية ومنطقها. ومن هنا، فعملية التجنيس تنتقل من مرحلة التجلي والممارسة النصية إلى مرحلة الإدراك النظري والتصنيفي.إذاً، فالعلاقة استلزامية وتكاملية بين ماهو تطبيقي وماهو نظري.
أما جيرار جنيت في كتابه ” جامع النص”(Introduction à l’achtexte)، فقد أعاد تصنيف الأجناس الأدبية مرة أخرى، وانتقد الثلاثية المنسوبة خطأ إلى أفلاطون وأرسطو. وقد اعتبر جنيت أن موضع الشعرية ليس هو النص، بل هو جامع النص أو ما يسمى كذلك بنظرية الأجناس الأدبية. وفي هذا الصدد، يقول جنيت:” ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.
ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية.”
ومن جهة أخرى، يميز فيليب هامون بين المكون السردي والمكون الوصفي، إذ لم يعد الوصف تابعا للسرد كما كان شائعا، بل أصبح الوصف عند هامون مكونا مستقلا.

 النظريــــة السيميائيـــة:

اهتمت النظرية السيميائية السكونية بالأجناس الأدبية ، عن طريق التعامل مع النص باعتباره خطابا يحمل معنى، فيتم تفكيكه وتركيبه في ضوء مقاربة بنيوية محايثة، تستكشف منطق المعنى والدلالة عن طريق الربط بين البنيتين: السطحية والعميقة، كما عند كريماص، وجوزيف كورتيس، وجاك فونتانيي، وفرانسوا راستيي، وغيرهم… وبعد ذلك، تتحدد البنيات العميقة ذات الطابع المنطقي والدلالي المسؤولة عن توليد كل التمظهرات السطحية للنصوص والآثار الأدبية. وتعد هذه البنيات مكونات تجنيسية لهذه النصوص والآثار.
ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن سيميائية تطورية جديدة تتجاوز السيميائيات السكونية. وفي هذا الصدد، يقول أحمد اليابوري:” في إطار التصور الجديد للنص يمكن الإشارة كذلك للتعديلات التي اقترحها بعض الباحثين لتجاوز النظرية السيميائية التي أصبحت، في نظرهم :” مجرد دراسة سكونية للعلامات، تعنى بدراسة التقاربات والثنائيات، والاستقطابات المزدوجة والقياسات والتناوبات وصيرورات الإدماج.ربما يوجد هناك، حيث يخاطر النص بالانفلات من هذه الشبكة، مكان لسيميائيات أخرى، مكملة للأولى ، سيميائيات دينامية أكثر منها سكونية ، تحدد موضوعها، ليس في رصد دقيق لاشتغال إواليات الارتداد، بل في مراقبة الاختلالات ومايعترضها من حذف، وماينتج عن ذلك من اضطرابات وتغيرات”.
ينطلق فلاديمير كريزنسكي(Wladimir Krysinski) في تعامله مع الرواية من مقاربة سيميوطيقية تطورية ، في كتابه:”ملتقى العلامات: أبحاث حول الرواية المعاصرة” .بمعنى أنه يتجاوز السيميوطيقا النصية السكونية التي تنطوي على البنيات الخطابية الداخلية، إلى سيميوطيقا تطورية حركية تعتني بالمكونات النصية الداخلية والمكونات السياقية الخارجية على حد سواء. ومن هنا، فالسيميوطيقا التطورية أو الدينامية تستكشف النص في ضوء ماقبل النص وخارج النص، وتنطلق من مجموعة من المفاهيم، وقد حصرها كريزنسكي في: التناص، والإيديولوجيا، والقيم، والمرجع، والجمال، والغريزة. ويعني هذا أن تكون الرواية وانبثاقها يعتمد على صياغة مرجعية مقترنة بماهو جمالي وتناصي، وصياغة إيديولوجية مبنية على ماهو قيمي (أخلاقي) وغريزي(نفسي). وبالتالي، فهذه الصياغات والمكونات هي التي تتحكم في توليد الرواية وتكوينها. لذا، قد يلاحظ في النص الروائي هيمنة مكون ما على مكون آخر. وبتعبير آخر، فإنتاج الرواية :” ينشأ عن توترات تتم، ضمن حركة مراوحة، بين سيناريوهات إيديولوجية وإحالية وأخلاقية وتناصية وإسطيتيقية ونزوية.
وهكذا، تبدو الرواية عامة …أثناء تكونها وتطورها، تحت ضغط عوامل مختلفة ومعقدة، وكأنها مؤهلة للتعبير عن لحظة وعي مزدوج إيديولوجي وإستطيقي، غيرأن مايميزها، بصفة عامة، هو استجابتها للقوانين الداخلية أكثر من تأثرها بالقوانين الخارجية المصاحبة؛ وذلك ما جعلها بتعبير السيميائية الدينامية، مجالا للكوارث والاختراقات الناتجة عن تعدد خطوط الانفلات، وتنوع المستويات، واكتساح موجات التشويش لفضائها غير المنضد، والمنفتح باستمرار، على أفق تجاوز الصيغ والأشكال الجاهزة.”
هذا، ويرى كريزنسكي أن النص الروائي مثل الكائن الحي له بنيته الوراثية والبيولوجية التي تجعله قادرا على التوالد، والتناسل، والتكيف، والتأقلم مع الظروف والوضعيات والضغوطات الذاتية والموضوعية. وبالتالي، فهو يقوم على مجموعة من عمليات التأثير والتأثر والبناء الدينامي، ويعتمد أيضا على مجموعة من التبادلات والتغيرات التجنيسية في إطار التطور النوعي والأجناسي.وبهذا، يكون كريزنسكي قد تأثر ببرونوتيير، وداروين، وسبنسر، وجاكوب، وكوينو(Cuénot)…

 النظريـــة البلاغيـــة:

اهتمت البلاغة سواء القديمة منها أو الجديدة كغيرها من النظريات بدراسة الأجناس الأدبية ، ولكن من منظور مقامي وسياقي ومقصدي وأسلوبي وخطابي. وهكذا، نجد كبدي فاركا (Kebidi Varga) في كتابه:” البلاغة والأدب” (1970م) يدرس الأجناس الأدبية الثلاثة: الملحمة، والشعر، والدراما في ضوء المقام البلاغي. ويرى فاركا بأن هذا التقسيم الثلاثي قد تم استحداثه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ولم تكن هذه الثلاثية موجودة في المرحلة اليونانية والكلاسيكية. وتبعا لذلك، فإن هذه الأجناس الخطابية الثلاثة:” تمثل مقامات اجتماعية.أي: إنها تحدد بالنظر إلى مقاييس خارجية بالنسبة للخطاب. في حين، إن الأجناس الأدبية تتميز، في الدرجة الأولى، اعتمادا على مقاييس داخلية، إن السامعين هم الذين يحددون اختيار جنس من أجناس الخطابة، بينما تحدد الذات اختيار الجنس الأدبي.غير أن عدم ارتباط الأجناس الأدبية الثلاثة- بخلاف ما عليه في الخطابة- بثلاثة أنماط من المقامات لايعني، مع ذلك، أن الأعمال الأدبية توجد خارج المقام، إن الكاتب، شأنه في ذلك شأن الخطيب، يتوجه إلى أحد ما أو مخاطب ما.
والفرق الموجود بين القاضي والمستمع، من جهة، والمتفرج أو القارىء من جهة أخرى هو الفرق في الدرجة. إن المحامي يخاطب قاضيا. والشاعر يخاطب امرأة .إن أغلب القصائد الغزلية تتغنى بامرأة ما، وللمسرحيات مشاهدون ، ويتعين إقناع هذه المرأة المحبوبة، كما يتعين إقناع المتفرجين، فهم جميعا سيصدرون أحكامهم بعد ذلك، ويبدو من جهة أخرى، أن ليس هناك أدب أكثر مقامية من الأدب الكلاسيكي، فالكاتب كان يعرف جمهوره، ويقبل معاييره، إن الأمر يتعلق، بالنسبة إليه، بأن يعلم ويمتع حسب قوانين المجتمع.”
وبعد ذلك، يميز كبدي فاركا بين المقام الأدبي الداخلي والمقام الخطابي الخارجي، ويرى أن ثمة نوعا من التقارب بين الخطابة والأدب بشكل من الأشكال على مستوى المقام التواصلي:” وإذا ما سلمنا ، نتيجة لذلك، بوجود مقامات في الأدب، فسيطرح علينا أن نعرف ما إذا كان هناك تناسب بين مقام متخيل وبين مقام أدبي.وقبل مناقشة هذه القضية، يحسن أن نحدد مانعنيه بالمقام الأدبي.إذ يوجد خلاف أساسي بصدد هذه النقطة بين الخطابة والأدب. فالخطيب يهدف بخطابه إلى التدخل مباشرة في الواقع الاجتماعي، فخطابه يكون جزءا من الواقع. في حين، إن الكاتب يبدع إنتاجا، ولايتدخل في الواقع الاجتماعي إلا بشكل غير مباشر. وبهذا التحويل للواقع الاجتماعي إلى واقع ثانوي يحصل العمل الأدبي على واقع مزدوج: واقع موضوعي، وآخر يتحقق أثناء القراءة، أو خلال التمثيل نتيجة الالتقاء بالجمهور، بجمهور ما. ففي حين لاتعرف الخطابة إلا مقاما واحدا، يجب نتيجة ماتقدم تمييز مقامين أدبيين: المقام الداخلي بين الناس، تلك العلاقات الماثلة داخل عمل أدبي. والمقام الخارجي، أي: العلاقات بين العمل الأدبي والذي يوجه إليه هذا العمل…
إن المقام الداخلي لايمكن أن يظهر إلا في العمل الأدبي الذي تمثل فيه عدة شخصيات، وبشكل خاص في الأدب المسرحي والملحمي والقصصي. ويلزم ، بالمقابل، أن يتحقق المقام الخارجي في كل عمل أدبي. ومادام الأمر يتعلق في الحالتين بمقامات مشابهة للتي تحدد الأجناس الخطابية- وإن كان ذلك في مستويات مختلفة، فإن دراسات التشابهات بين مقامات الأدب ومقامات الخطابة تبدو مبررة.”
علاوة على ذلك، يشير كبدي فاركا إلى وجود تشابه بين مقامات الخطابة الثلاثة وبين الأجناس الأدبية في منظورها الكلاسيكي:”وحسب الدراسات (التي تناولت البلاغة)، فإن الأجناس الخطابية الثلاثة تمثل المقامات الثلاثة الممكنة، بل المقامات الوحيدة الممكنة في الخطاب.أي: في التواصل الشفوي الدائر بين الخطيب والمستمع. ولنتذكر بهذه المناسبة التمييز بين الأجناس الثلاثة، كما صيغ في مختصر مجهول المؤلف:” إن هذه الأجناس الثلاثة صادرة عن الطرائق الثلاثة الممكنة للتعامل مع الناس، فإما نكتفي بعرض خالص للأشياء أمامهم لنمكنهم من معرفتها، وإما أن نجعل منهم قضاة وحكاما في الأشياء التي حدثت، وإما أن نقصد الإقناع بعمل يلزم فعله (مستقبلا..). وهكذا، يتحدث الجنس الاحتفائي إلى الناس كمستمعين لاأكثر، ويتحدث إليهم الجنس القضائي (التشاجري) باعتبارهم قضاة فيما وقع في الماضي، والاستشاري باعتبارهم حكاما في قضايا مستقبلية”. والواقع أن الأجناس الأدبية الثلاثة لاتمثل هذه المقامات الثلاثة، غير أن المنظور الكلاسيكي يسمح بتحديد كل عمل أدبي بالعلاقة مع واحد من هذه المقامات الخطابية.”
وهكذا، تصنف المقاربة البلاغية الأجناس الأدبية حسب المقام والسياق وأحوال المخاطبين.

نظريـــة التلقـــي أوالتقــبل:

تعتبر نظرية التلقي أو التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، ونشأت هذه النظرية في ألمانيا الغربية، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها : ياوس وآيزر، ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، كأفق الانتظار، والمسافة الجمالية، والقارئ الضمني، وفعل القراءة، والقطب الفني، والقطب الجمالي، ومرحلة استجماع المعنى، ومرحلة الدلالة.
وعليه، تهتم نظرية التلقي بكيفية تلقي النصوص والخطابات، وتبيان الوسائل والطرائق التي تتم بها عملية استقبال الكتابات الإبداعية، والمساهمة في عملية تجنيس النصوص الأدبية وتصنيفها وتنميطها. وقد اعتمدت نظرية التقبل على أفق الانتظار في عملية التجنيس، فالمتلقي يصنف الأعمال الأدبية حسب ما تعود عليه أفق انتظاره من أجناس وأنواع وأنماط. ومن ثم، فهناك أعمال تراعي أفق انتظارنا، وأعمال تخيب أفق انتظارنا، وأعمال تؤسس أفق انتظارنا. فالأعمال الحداثية هي التي تنتهك أفق انتظارنا لتؤسس أفقا جديدا . وقد تكون القراءة عمودية أو أفقية أو مائلة ، وقد تبدأ القراءة من البداية أو الوسط أو النهاية.ويمكن القول:” إن كل نوع أدبي يفتح “أفق انتظار” خاصا به. راجع نفسك وسترى أنك لاتقرأ رواية بوليسية كما تقرأ رواية جنسية أو رواية أبطالها رعاة بقر.
كيف يتكون أفق الانتظار؟ عندما يطلع القارىء(أو المتفرج) على مجموعة من المآسي، فإنه ينتبه إلى العناصر التي تجمع بينها. وعندما يطلع على مأساة جديدة، فإنه ينتظر أن يجد فيها نفس العناصر التي سبق له أن أفرزها (عادة بصفة ضمنية). النوع يتكون عندما تشترك مجموعة من النصوص في إبراز نفس العناصر.
هناك عناصر أساسية وعناصر ثانوية.إذا لم يحترم النص العناصر الثانوية ، فإن انتماءه إلى النوع لايتضرر.أما إذا لم يحترم العناصر الأساسية (المسيطرة)، فإنه يخرج من دائرة النوع، ويندرج تحت نوع آخر أو ، في الحالات القصوى، يخلق نوعا جديدا.والجدير بالذكر أن الإخلال بالنوع، يعتبر، حسب الثقافات والعصور، تقصيرا مذموما أو فضيلة يرحب بها.”
وهكذا، يحاول هانز روبير يوس كتابة تاريخ الأدب على غرار تصورات غادامير، حيث لن يعتمد في تأريخه على سير الكتاب ، ولا على رصد الحركات والمدارس الأدبية، بل اعتمادا على جمالية التلقي. بمعنى أن تأريخ الأدب وتحقيبه سيخضع لمجمل القراءات التي يدلي بها القراء في زمان ومكان معينين؛ لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان. وبالتالي، يوظف يوس مفهوم أفق الانتظار والمسافة الجمالية لمقاربة النصوص الأدبية عبر سياقها التاريخي. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:” يستخدم يوس مصطلح” أفق التوقعات” للإشارة إلى المعايير التي يستخدمها القراء في أي مرحلة معينة، عندما يريدون دراسة أي عمل من أعمال الأدب. وقد يكون من الممكن إقامة أفق التوقعات لتقييم كيف يمكن لعمل أن يفسر عندما ظهر للمرة الأولى، ولكن هذا لايشوش معنى دائما أو نهائيا. ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الكاتب يمكن أن يكتب وفقا لتوقعات أيامه، ولكنه أيضا يمكن أن يتحدى هذه التوقعات.وهذا مايحدث غالبا مع الكتاب الذين لايكونون مشهورين في أيامهم، ولكنهم يثيرون إعجاب الكثيرين في عصور لاحقة. إن الهدف من تأسيس أفق التوقعات للعمل هو في نهاية المطاف من أجل السماح بانصهار الآفاق، وجعل كل التصورات الصحيحة عنه في وحدة متماسكة.”
وهكذا، يتبين لنا بأن مقياس أفق الانتظار هو المعيار الفني الذي يستخدمه يوس لبناء تاريخ الأدب، من خلال تصنيف القراءات إلى قراءات مراعية لأفق انتظار القارىء، وقراءات مخيبة لهذا الأفق، وقراءات مؤسسة له، وهذا ما يسميه أمبرطو إيكو بالقراءة المنغلقة والقراءة المنفتحة.

 النظريـــة التفكيكيــــة:

إذا كانت الشعرية البنيوية تحترم الأجناس الأدبية، حيث تضع كل جنس على حدة تصنيفا وتنويعا وتنميطا، فتحدد لها قواعدها وأدبيتها التجنيسية، فإن “مابعد الحداثة” لاتعترف بالحدود الأجناسية، فقد حطمت كل قواعد التجنيس الأدبي، وسخرت من نظرية الأدب. ومن ثم، أصبحنا اليوم نتحدث عن أعمال أو نصوص أو آثار غير محددة، وغير معينة جنسيا.
هذا، ويعرف جاك ديريدا التفكيكية بأنها هي التي لاتؤمن بلغة واحدة. أي: تؤمن بلغات متعددة عبر آليات الاختلاف والتناقض والحوار والتقويض والتناص. ويعني هذا التشديد على التعددية اللغوية والدلالية والثقافية. ويمكن القول بأن تفكيكية جاك ديريدا تفكيكية تعددية اختلافية ، لاتؤمن بمنطق الوحدة، والانسجام، والكلية، والعرقية، والخصوصية، كما تأبى منطق الهيمنة والتمركز والتثبيت … ولقد أصبح التناص ، ولاسيما مع جوليا كريستيفا وجماعة ييل الأنكلوسكسونية ، من أهم التصورات النظرية والتطبيقية التي اغتنت بها التفكيكية بصفة خاصة، و”مابعد الحداثة” بصفة عامة، وخاصة أن التناص يعبر عن تعدد المعاني، واختلاف الدلالات ، وتكرار النصوص والخطابات تناسلا وتوالدا. وبتعبير آخر، لم يقف التفكيك :” عند هذه الحدود، فقد اغتنى إثر اكتشاف التناص، ولم تعد آفاق الدلالة منظورة، فضلا عن ذلك، إن اكتشاف التكرارية من قبل ديريدا قد ألغى الفواصل بين النصوص الأدبية، ولما كانت النصوص متداخلة مع غيرها، يصبح مستحيلا حصر دلالاتها. ويقوم ليتش (Leitch) بتنظيم التكرارية ضمن نظرية طريفة، قيقول: ” إن تاريخ كل كلمة في النص مضروبا في عدد كلمات ذلك النص، يساوي مجموع النصوص المتداخلة مع النص الأخير، قيد القراءة، ولتعذر تحديد تاريخ كل كلمة في النصوص السابقة، فإن النصوص المتداخلة لاحصر لها، ومن ثم، فإن دلالاتها لايمكن الوقوف عليها لسعتها وتعددها”".
وهكذا، يرفض التفكيكيون نظرية الأجناس الأدبية رفضا مطلقا، فهذا موريس بلانشو (M. Blanchot) يرفض مقولة الجنس الأدبي، وينكر مدى أهميتها. بمعنى أن العمل الأدبي لايقبل التصنيف ، إذ يتضمن في طياته عناصر الرفض والامتناع عن التصنيف، وقد لايرغب في الوجود والتمظهر. ومن ثم، فهو يحتوي على مكوناته البنيوية الخاصة به .

 النقد العربي ونظرية الأجناس الأدبية:

كانت هناك اهتمامات كثيرة في الحقل الثقافي العربي القديم بعملية التجنيس والتصنيف الأدبي، فما نظرية الأغراض الشعرية (مدح- فخر- هجاء- وصف…) سوى دليل قاطع على اهتمام نقادنا العرب القدامى (قدامة بن جعفر-ابن طباطبا العلوي- الباقلاني- ابن وهب- الخفاجي- العسكري- الجاحظ- الكلاعي- ابن رشيق القيرواني- حازم القرطاجني- السجلماسي- القلقشندي- الحموي- الصفوري…)بعملية التجنيس بشكل من الأشكال، حيث ميزوا في البداية بين الشعر والنثر، وتحدثوا عن أفضلية كل واحد منهما، وخاصة في العصر العباسي، ثم شمروا عن سواعدهم للتمييز بين مجموعة من الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية (الرسالة-النادرة-المقامة- الخطبة- الوصية- العتاب- الاعتذار- الحكاية- المثل- الأدب- الموعظة – النقد- الخبر- الحديث- الطرفة- النكتة- الأحجية- المناظرة-…)، ونجد هذا الاهتمام أيضا عند الفلاسفة المسلمين أنفسهم (الفارابي، وابن سينا، وابن رشد…)، وبالضبط بعد ترجمة كتب أرسطو الفلسفية.
ومن جهة أخرى، فقد اهتم النقاد والدارسون المحدثون والمعاصرون بنظرية الأجناس الأدبية تأريخا وتعريفا وتنظيرا وتطبيقا. ومن بين هؤلاء ، نذكر: طه حسين الذي أعاد النظر في تقسيم القدماء للكلام العربي إلى شعر ونثر، وذلك في كتابه:” من حديث الشعر والنثر” ، إذ ميز بين الشعر كجنس أدبي مستقل، وقسم الأجناس النثرية إلى قسمين رئيسيين، وهما: الخطابة والنثر الفني، بعد أن كان قد أشار إلى مجموعة من الأنواع النثرية المعروفة، كالخطابة، والتاريخ، والترسل، والمناظرات العلمية والفلسفية والدينية، والقصص الخاصة، وأيام العرب.
علاوة على ذلك، فقد خصص الباحث المغربي عبد الفتاح كليطو نظرية الأجناس الأدبية بفصول متميزة ومركزة في كتابه:” الأدب والغرابة”. وقد اعتمد عبد الفتاح كليطو في عملية التجنيس على نظرية التلفظ، بمعنى أنه يعتمد على تحليل علاقة المتكلم بالخطاب. ويعتني على سبيل الخصوص بمسألة إسناد الخطاب، وبما يترتب عن الإسناد من أنماط خطابية. ومن ثم، يحدد كليطو أربعة أنماط خطابية:” 1- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، والخطب، والعديد من الأنواع الشعرية التقليدية..
2- المتكلم يروي لغيره: الحديث، وكتب الأخبار…
3- المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.
4- المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه.وهنا حالتان: أما لايفطن إلى النسبة المزيفة فيدخل الخطاب ضمن النمط الثاني، وأما يفطن إلى النسبة فيدخل الخطاب الأول.وكمثال نذكر ” لامية العرب” التي أنشأها خلف الأحمر ونسبها إلى الشنفرى.
ثلاث ملاحظات:
- النمط يلم عدة أنواع.
- الخطاب الواحد يمكن إرجاعه إلى نمطين، مثلا:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات أنك مرجلي
كلام الشاعر من الصنف الأول: أما كلام حبيبته فإنه من الصنف الثاني(إن كان الأمر يتعلق برواية)، أو من الصنف الرابع (إن كان الأمر يتعلق بنسبة).
- في الخطابات المندرجة ضمن الصنف الأول، ينبغي مراعاة حصة الخطاب العام الذي ينبع من الحقل الثقافي.
للتبسيط يمكن إرجاع الأنماط الأربعة التي ذكرنا إلى نمطين:
1- الخطاب الشخصي.
2- الخطاب المروي:
 بدون نسبة.
بنسبة:
أ- صحيحة.
ب- زائفة.
ج- خيالية.”
أما عبد السلام المسدي في كتابه:” النقد والحداثة”، فيرى أن قضية الأجناس الأدبية هي قضية مستوردة من الغرب، وأن العرب كانوا يعرفون الشعر والنثر ليس إلا. بمعنى أن:” مقولة الأجناس دخيلة على قيم الحضارة العربية في مكوناتها الإبداعية، وهذه من ظواهر الخصوصيات المميزة، إذ لايحكم لأمة من الأمم بتفوق حضاري إن هي عرفت لونا من ألوان الأدب، كما لا يحكم على حضارة أخرى بنقصان إن هي لم تعرفه، بل ليس بقادح في تاريخ العرب أن تصورهم للأدب لم ينبن على مقولة الأجناس أصلا، وإنما قام على تصنيف ثنائي مرتبط بنوعية الصوغ الفني، غير متصل بطبيعة الجنس الإبداعي، فكان بذلك تصنيفا نوعيا أكثر مما كان تصنيفا نمطيا.
لقد أقام العرب أدبهم على منظوم ومنثور وبين الشعر والنثر فاصل فني بنائي قبل كل شيء، أما مضامين الدلالة فليس واحد منهما بأحق بها من الآخر، بل إن كان منهما ما هو خليق بالكل دون البعض، فإنما هو الشعر إذ بفضل طاقته الاستيعابية حاز السبق فقال عنه أهله:” الشعر ديوان العرب”.
وبما أن كل إبداع في فن الأدب قد حام على فلك هذين المدارين، فقد تمسك بهما أجدادنا العارفون بشأن الصياغة الإنشائية، فتوسلوا بالمنظوم والمنثور كرة أخرى لما هموا بتعريف النص المقدس الذي تحدى العرب في أقوى خصائصهم المميزة: بلاغة اللفظ وفصاحة اللسان. فقالوا عنه:” إنه ليس بنظم ولابنثر، وإنما هو قرآن”"
وينتقد عبد السلام المسدي تلك الدراسات العربية الحداثية التي تحاول دراسة الأجناس الأدبية في تراثنا العربي، في ضوء مقاييس ومنهجيات نقدية غربية حداثية ظلما وتعسفا:” فإذا عدنا إلى نقدنا العربي المعاصر وما يسعى إليه رواده من حداثة في الوصف والاستنطاق أيقنا أن من معضلاته الإجرائية اصطدام مقولة الأجناس الأدبية بإشكالية التعامل مع التراث الإبداعي في تاريخ حضارتنا العربية، وعديدون هم النقاد الذين غفلوا عن تلكم الحقائق الأولية، فلم ينجوا من مأثم الإسقاط المنهجي حين توسلوا بمقولة “القراءة”، فتعسفوا المقروء متسترين برداء الحداثة، إذا بهم يسقطون على الأدب العربي أنماطا من التصنيف غريبة على روح التراث الحضاري الذي هو منبته وحوض منشئه…
ولكن هذا الاعتراض المنهجي لايعني قطعا الاعتراض على منزع الحداثة في النقد العربي، ولا هو متضمن نقض مقولة القراءة كنمط من المعالجات التي توجه طبيعة الالتقاء مع النص الأدبي، ولكنه ينشد تأسيس مبدإ الاستكشاف الذاتي الذي يتسلح فيه الناقد بسلاح الحداثة، ثم يلج التراث، فيستخرج خصوصياته في بناء نظري متناسق كفيل بأن يفضي إلى وضع مقولات من القراءة الذاتية، فلايطعن التراث في الحداثة، ولا تتجنى الحداثة على التراث. ”
وهكذا، يعيد عبد السلام المسدي تصنيف الأجناس الأدبية في تراثنا العربي في ضوء مقياسي القراءة والحداثة، معتمدا في ذلك على معايير معينة، وهي: الصياغة، والمضمون، والتركيب. وهذه الأصناف الأدبية التراثية هي: فن الخطبة- فن الخبر- أدب الأغاني- أدب التأريخ للأمثال- فن المقامة- أدب المرايا- الترجمة الذاتية.
ومن جهة أخرى، فقد خصص رشيد يحياوي الجنس الأدبي في كتابه:” نظرية الأنواع الأدبية” ،بمقالات ودراسات متنوعة، حيث تحدث في البداية عن استقلالية الأثر عند كروتشه، وتلاشي الأدب، وتفرد الأثر عند موريس بلانشو، فاستقلالية النص والكتابة عند رولان بارت. ثم ، ناقش ثلاثية الملحمي والغنائي والدرامي كما ناقشها جيرار جنيت. ثم، تناول قضية تصنيف الأنواع وتحولها بالدراسة والمناقشة والفحص.
هذا، وينطلق محمد العمري في مقاله القيم :” المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي” ،من المقاربة البلاغية في دراسة الأجناس والأنواع الأدبية ، حيث يدرس مجموعة من الأنواع الخطابية، كالخطاب الشعري، والفلسفي، والعلمي، والإقناعي،في ضوء تصورات البلاغة القديمة والجديدة ، معتمدا في ذلك على دراسة المقام وأحوال المخاطبين في البلاغة الغربية والبلاغة العربية على حد سواء.
أما سعيد يقطين في كتابه:”الكلام والخبر”(1997م)، فيميز بين المقولات الثابتة، وهي الأجناس، والمقولات المتحولة، وهي الأنواع، والمقولات المتغيرة، وهي الأنماط. كما يقسم التجليات النصية إلى تجليات ثابتة،وهي الأجناس أو معمارية النص، وتجليات متحولة، وهي الأنواع أو التناص، وتجليات متغيرة، وهي الأنماط أو المناصات.
هذا، وينطلق يقطين من مفهوم الصيغ الكلامية :” ونحن حين ننطلق من الصيغة أساسا للتمييز بين أجناس الكلام العربي، فذلك لأننا نعتبرها تقوم على مبدإ الثبات أكثر من غيرها من المعايير المعتمدة. فهي متعالية على الزمان واللسان، أنها ذات طبيعة لسانية وتداولية كما يرى جنيت.غير أن انطلاقنا منها لايعني بالضرورة استنساخنا للأجناس أو للأصول الثلاثة الطبيعية التي ركز عليها الغربيون، وذلك لأننا لاننطلق من محاولة رصد طرائق تمثيل الأحداث، بواسطة اللغة، كما نجد ذلك في البويطيقا الغربية.إننا ننطلق من منطلق مغاير تماما، فالصيغة نراها كامنة في طرائق التمثيل الكلامي بوجه عام.ونعتبر هذا الفرق جوهريا، لأننا في التصور الاول، نقابل بين: اللغة والعالم.
وتبعا لذلك، تمثل (تحاكي) اللغة” أحداث العالم إما بواسطة السرد الخالص أو المختلط أو المحاكاة.ونجد هنا، ضمنا أو مباشرة تصورا أفلاطونيا للعالم (وتاريخ الآداب الغربية خير مثال على ذلك)، وما التمييز بين الذاتي والموضوعي الذي تقدمه لنا إحدى النظريات الجنسية (كيت هامبورغر) سوى أحد التجسيدات الدالة على هذا.أما في التصور الثاني الذي ننطلق منه في رؤية الكلام العربي، يغدو التمثيل الكلامي عالما مستقلا بذاته.فهو لايأتي لمحاكاة العالم الخارجي بهذا الشكل أو ذاك كما نجد في الآداب الغربية، ولكنه يشكل عالما موازيا ومختلفا عن العالم الخارجي ، وهذا هو سر احتفاء العرب بالكلمة احتفاء لانكاد نجد له نظيرا.”
ويدخل في نطاق القول كل من المخاطبات، والمحاوارات، والمراسلات، والخطب، والمساجلات، وما يدخل في هذا النطاق من أنواع القول، حيث نجد القائل يعبر عما في نفسه كالشكوى والحنين والعتاب…أو يتوجه إلى المخاطب بالقول ليدفعه إلى شيء ما ، ليفعله أو يتركه كالأمر، والنهي، والسؤال، والوصية، والنداء…
ويتصل الخبر بالوقائع والحكايات والأخبار والتواريخ وماشاكل ذلك من الإخبارات، وفيها جميعا نجد العلاقة بين المخبروالإخبار والمخاطب تقوم على الانفصال بوجه عام، لأنها تتم على مسافات متعددة الملامح والأبعاد. ويذكرنا هذا التمييز بتمييز العرب بين الخبر والإنشاء، وتمييز بنيفنست بين الخطاب والحكي، وتمييز كيت همبورغر بين التخييل واللاتخييل.
هذا، ويقسم يقطين القول والخبر – حسب الأداة- إلى ثلاثة أجناس متداخلة فيما بينها، وهي: الشعر، والحديث، والخبر. بمعنى أن الحديث هو قول، والداخل بين القول والخبر هو الشعر. وقد أضاف يقطين السرد، باعتبار أن الخبر قد يتحول إلى سرد. وبالتالي، يميز داخل السرد – من خلال ليالي الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي- بين نوعين: وهما: الخبر والحكاية. وعلى مستوى النمط، يميز بين جهات ثلاث:
1- الكلام في علاقته بالتجربة الإنسانية أو مدى مطابقته للواقع، ومن هذه الجهة ينقسم الكلام إلى أليف وغريب وعجيب.
2- الأثر الذي يحدثه الكلام في المتلقي، حيث نميز بين مواقع الجد ومواقع الهزل، وضمن ذلك يحقق الكلام أحد المقاصد الآتية: التعرف- التدبر- التفكر- اللذة.
3- أسلوب السرد ولغته: وهو يكون إما ساميا وإما منحطا وإما مختلطا.
وهكذا، نرى سعيد يقطين يقسم الجنس الأدبي إلى صيغة (القول والخبر)، ثم يقسم الصيغة إلى أجناس ثلاثة، وهي: الحديث، والشعر، والخبر. ويقسم الجنس إما إلى أنواع ثابتة تتمثل في: الخبر، والحكاية، والقصة، والسيرة، وإما إلى أنواع متحولة تتمثل في: أخبار الظراف والحمقى والعشاق، أو حكايات الصالحين، أو المقامات، أو السير الشعبية، أو النكت واللطائف والبدائع… وإما إلى أنواع متغيرة ومختلطة تتمظهر في قصص الحيوان التي تجمع بين قصة الحيوان والمثل، والرحلة التي تقوم على التاريخ والجغرافيا والسيرة…
وينقسم النمط بدوره إلى أنماط ثابتة، مثل: الواقعي والتخييلي والخيالي من جهة، والأليف والعجيب والغريب من جهة أخرى. وتكمن الأنماط المتحولة إما في الجد والهزل، وقد تتم المزاوجة بينهما ، وإما في التعرف (القصص الرمزية، وقصص الحيوان..) وإما في التدبر(قصص الوعاظ والزهاد والمصلحين)، وإما في الضحك( قصص الحمقى والمجانين والمغفلين والظرفاء والملح والنكت والطرف)، وإما في اللذة( أخبار العشاق والظراف والمتماجنين وحكايات الغلمان والجواري )… وتنقسم الأنماط المتغيرة إلى: الأسلوب السامي، والأسلوب المنحط، والأسلوب المختلط .
وثمة كتب أخرى تناولت نظرية الأجناس الأدبية بطريقة أو بأخرى، ومن أهم هذه الكتب ، نذكر كتاب: “الأدب المقارن” لمحمد غنيمي هلال ، وكتاب:” الأدب وفنونه” لمحمد مندور ، وكتاب:”الأدب وفنونه” لعزالدين إسماعيل ، وكتاب:” مقدمة في نظرية الأدب” لعبد المنعم تليمة ، وكتاب:” في نظرية الأدب” لشكري عزيز الماضي ، وكتاب:” مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم” لمجموعة من المؤلفين، وكتاب:” بحوث في النص الأدبي” لمحمد الهادي الطرابلسي ، وكتاب:” الخبر” لمحمد القاضي ، وكتاب:” الفن الأدبي” لغازي يموت ، وكتاب: ” في السرد الروائي” لعادل ضرغام ، وكتاب:” تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية” لصبحة أحمد علقم …
وثمة العديد من الدراسات المقالية المؤلفة والمترجمة التي اعتنت بقضية الأجناس الأدبية بالتعريف والتأريخ والتحليل والتقويم ، حيث يصعب حصرها واستقصاؤها ؛ نظرا لكثرتها وانتشارها في مواقع رقمية وورقية عدة، من الصعوبة بمكان الوصول إليها كلها.
بيد أن أحمد اليابوري في كتابه:” دينامية النص الروائي” يتجاوز نظرية الأجناس الأدبية، ليهتم بمكونات التجنيس الداخلية على غرار نظرية ماري شيفر وكريزنسكي.بمعنى أن ما يهمه هو الاستكشاف الداخلي للنصوص، واستقراء مكوناتها البنيوية والسيميائية والجمالية واللاشعورية. أي: ينطلق من الداخل النصي لتحديد مكوناته التجنيسية والجمالية والفنية، بعيدا عن التصور الأجناسي الخارجي المجرد والمسبق. وفي هذا الإطار يقول أحمد اليابوري:”وعلى الرغم من تسلمنا ، كما أشار إلى ذلك إي، دي، هرش(E.D.Hirsch) بأن:” التصور الأجناسي المسبق لدى مؤول نص معين، يعتبر مكونا لكل ما سيفهمه من ذلك النص”، فإن ابتعادنا عن مسألة الجنس الأدبي، في هذا البحث، وتقيدنا بالنصوص، في خصوبتها وتنوعها، ربما جعلنا في مأمن نسبي من الوقوع في أوهام التصورات المسبقة،والتأويلات المرتبطة بها؛ ذلك على الأقل، ماكنا نهدف إليه.”
هذه- إذاً- مجمل الكتابات العربية النظرية والتطبيقية حول نظرية الأجناس الأدبية ، وقد تنوعت منهجيا،إذ نجد المقاربة التاريخية، والمقاربة الاجتماعية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة السيميائية، والمقاربة الجمالية، والمقاربة البلاغية…

 كيـــــف نقارب الجنس الأدبي؟

حينما نريد الحديث عن جنس أدبي سواء أكان كتابيا أم شفويا، فلابد من مراعاة مجموعة من القوانين، كقانون العدد الذي يستوجب أن يكون هناك مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية.وبعد ذلك، نلتجىء إلى قانون التواتر أو التردد لمعرفة العناصر المتواترة والمتكررة في هذه النصوص جميعها ، وعزل العناصر التي قد يتم فيها الاختلاف. وتصبح العناصر المتواترة عناصر رئيسة وأساسية. وبالتالي، ننتقل إلى قانون الأهمية والملاءمة للتركيز على العناصر المهمة والملائمة لنص أدبي معين، بإبعاد العناصر أقل أهمية. كما نهتم بقانون الثبات الذي يستلزم وجود عناصر ثابتة وقارة في الجنس الأدبي وغير متغيرة أو متحولة. زد على ذلك، ننتقل إلى قانون المشابهة ، ففي ضوئه نحلل النصوص الأدبية، ونقومها إيجابا وسلبا، وذلك انطلاقا من النصوص المتشابهة فيما بينها. أما قانون الانتهاك والتحول والتغير، فيعني أن كل جنس أدبي يتطور ويتحول إلى جنس أدبي آخر حسب انتهاك هذا الجنس وتدميره وتقويضه وانتهاكه فنيا وجماليا. أي : بتخييب أفق انتظار القارىء. ومن هنا، يمكن الحديث عن أجناس أدبية كلاسيكية، وأجناس أدبية حداثية، وأجناس مابعد حداثية، وأجناس تأصيلية. ونصل إلى خانة التصنيف، والتجنيس، وتقسيم الجنس الأدبي إلى أنواع وأنماط فرعية. ويمكن كذلك دراسة الأجناس والأنواع والأنماط والصيغ الأدبية استقراء واستنباطا، واستدلالا واستكشافا.
وعلى وجه العموم، هناك طريقتان في التعامل مع الجنس الأدبي منهجية ومقاربة ودراسة، فثمة أولا طريقة تجنيسية داخلية تنطلق من المكونات البنيوية النصية المحايثة ، كما نجد ذلك عند البنيويين والسيميائيين والبلاغيين والأسلوبيين ، وطريقة تجنيسية خارجية معطاة مسبقا قائمة على الإسقاط القبلي المبني على التوقع الافتراضي، وأفق الانتظار، والتأويل المرجعي أو الذاتي أو التداولي.

 تقـــويم نظرية الأجناس الأدبية:

لايمكن للناقد أن يقرأ النصوص، فيحللها ، ثم يقومها إلا في إطار نظرية الأجناس الأدبية. وبالتالي، لايمكن أن يميز النصوص الحداثية من قديمها إلا بالاطلاع على نظرية الأجناس الأدبية بصفة خاصة، والنظرية الأدبية بصفة عامة. ولايمكن استيعاب نظرية الأجناس الأدبية إلا إذا فهمنا بأنها تقوم على ظابطين رئيسين، وهما: المحاكاة والتغيير، أو الثابت والمتحول، أو التقليد والتطوير.كما يستند الجنس الأدبي إلى نوعين مهمين من العناصر والبنيات: بنيات الاشتراك وبنيات الاختلاف. ومن ثم، لايمكن للأدب أن يتطور ويحقق انتعاشه وازهاره إلا بالتقويض، والتشتيت، والتفكيك، والانزياح، وانتهاك المعايير التجنيسية الثابتة والسائدة.
وعليه، يتبين لنا بأن النص الأدبي مرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية الأجناس، فهي التي تعطيه قيمته المادية والرمزية، وتقدم له شرعية التداول والتحول إلى نص. ومن المعلوم أن النص لايكون نصا إلا إذا كان يحمل ثقافة ونظاما، وينسب إلى كاتب حجة، ويكون قابلا للتعليم والتفسير والتأويل. ومن شروط النص الأخرى أن يكون خاضعا لقوانين الجنس الأدبي، حيث يساعدنا هذا الجنس على فهم التطور الداخلي للأدب ، وذلك في علاقة مع التطور التاريخي الخارجي. ويساعدنا الجنس الأدبي كذلك- باعتباره مقولة وصفية تصنيفية وتجنيسية- على قراءة النص الأدبي، وتلقيه، واستقباله دلاليا وفنيا ووظيفيا. وفي غياب مقولة الجنس، يغيب الأدب، وتغيب معه متعته، ولذته، وكينونته، ووظيفته، ودلالاته،ومقاصده.
بيد أن هناك من يرفض مقولة الأجناس الأدبية بشكل مطلق، ويرفض التصنيف، ويأبى التنميط على غرار كتاب مابعد الحداثة، فيفضلون الأثر أو النص أو الكتاب. وتبعا لذلك، سيبقى الجنس الأدبي دائما يثير داخل نظرية الأدب مشاكل عويصة، يصعب حلها بشكل دقيق، وهذا مايثبته أوستين وارين:”إن موضوع الجنس يثير أسئلة مركزية في تاريخ الأدب والنقد الأدبي وفي العلاقات الداخلية المتبادلة بينهما، وهو يطرح في سياق أدبي نوعي المسائل الفلسفية المتعلقة بالصلة بين الطبقة والأفراد الذين يؤلفونها، وبين الواحد والمتعدد، وطبيعة الكليات.”

خلاصـــات ونتائــــج

وأخيرا، نستنتج ، مما سبق، بأن نظرية الأجناس الأدبية قديمة بقدم الأدب نفسه، وأن الجنس الأدبي مقولة نظرية ومجردة توظف للتصنيف والتجنيس والتنميط، بمعنى أن الجنس الأدبي بمثابة وساطة مجردة بين النص والأدب أو بين المتلقي والنص. لكن ثمة عدة مشاكل تواجه الدارس أثناء تعامله مع نظرية الأجناس الأدبية، وتتمثل هذه المشاكل، في تعريف الجنس الأدبي، وتحديد تاريخه النظري والتطبيقي، وتعدد مصطلحات الجنس الأدبي من دارس إلى آخر، ومن حقبة تاريخية إلى أخرى، ولا ننسى كذلك تعدد معايير التجنيس، وكثرة قوانينه، بله عن نسبية تلك المعايير وضبابيتها بشكل من الأشكال، علاوة على مشكل عدد الأجناس، وكيفية تصنيفها، وتعدد أنماطها الثانوية والفرعية. ومن ثم، ستبقى نظرية الأجناس الأدبية – كما كانت في القديم – تطرح مشاكل عويصة سواء على الصعيد النظري أو التطبيقي، وستساهم في إثارة الكثير من المشاكل والنقاشات الجدلية العويصة بين الباحثين والنقاد ودارسي الأدب.
ومن جهة أخرى، يصعب الحديث اليوم عن جنس أدبي نقي يمكن تصنيفه وتجنيسه؛ لأن ذلك تصور خيالي وأسطوري، مادام النص الأدبي نصا بوليفونيا مفتوحا، متعدد الأصوات والأجناس. لذا، يمكن تعويض النص بمصطلح ” العمل الأدبي الكلي” أو “الأثر الأدبي الشامل”، أو” النص” أو ” الكتاب” بصفة عامة.

الهوامش:

– رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، عالم المعرفة، ترجمة: د.محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد:110، السنة 1987م، ص:376.
2 د.عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1983م، ص:22.
3 – J.M.Caluwl:(Les genres littéraires),Méthodes du Texte,Ouvrage dirigé par:Maurice Delcroix et Fernand Hallyn,Duclot,Paris,1987,p:148.
4- أرسطو: فن الشعر، ترجمة: د.إبراهيم حمادة، مكتبة المسرح، رقم:3، مركز الشارقة للإبداع الفكري، بدون تاريخ للطبع.
5- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1974م، صص:267-270.
6 – تزفيطان طودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:15.
7 – Blanchot(M): Le livre à venir,Paris,Gallimard,collection Idées,p164.
8 – Lacoue-Labarthe(Ph) et Nancy (J.L): L’absolu littéraire,Paris,Ed.Du Seuil,1978.P:275.
9- د.عبد الفتاح كليطو: نفسه، ص:19.
10- جيرار جنيت: جامع النص، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1985م، صفحة المقدمة.
12- د.سعيد يقطين: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:181.
13- LALANDE (André), Vocabulaire technique et critique de la philosophie. Paris: Presses universitaires de France, 1972, p: 385.
14- Viëtor(K.): (L’histoire des genres littéraires),Poétique,32,1977,pp:490-506.
15-Yauss(H.R):(Littérature médiévale et théorie des genres),Poétique ,1970,p:91.
16- د. محمد مفتاح: دينامية النص، المركز الثقافي العربي،

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
من أجل قوانيـــن جديدة لتحديد الجنس الأدبي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: