كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عبد النور إدريس أُفق التجريب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: عبد النور إدريس أُفق التجريب   الأحد ديسمبر 25, 2011 3:41 am


عبد النور إدريس
أُفق التجريب القصصي في المغرب: نزق اللغة عند القاص أنيس الرافعي
إمدادات هذا الكاتب عبد النور إدريس 23 ديسمبر 2011

أُفق التجريب القصصي في المغرب
بقلم د. عبد النور ادريس

■ تعتبر القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، شكلان من الأشكال الأدبية التي تثير الانتباه من حيث الثراء الكيفي والتنوع على المستوى الكمي، وبفضل انخراطهما المستمر في التجريب وعكسهما للحالة النفسية لكُتابها، وخلقهما لمستويات عالية على صعيد الرؤية والتقنية، حتى باتا من أكثر الأنواع الأدبية التي تستقطب اهتمام المبدعين والمتلقين على حد سواء، فكون القصة القصيرة المغربية في طور التجريب يعني أنها ما تزال في طور التأسيس.
إن القصة القصيرة تتميز على الرواية بما يخلقه التكثيف والترميز من إشباعات دلالية لدى المتلقي، وهي تشاكس المعاني عبر فضاءات سردية متعددة كالأمكنة والأزمنة والأحداث والأشخاص، وما تنطوي عليه من أبعاد درامية مشحونة بالتوتر والقلق. ولم تحز القصة القصيرة هذه المكانة إلا عندما اقترن حكيها بالوعي الحاد الذي ينخرط فيه الإنسان احتجاجا على واقع سريع التغير، تخترقه أزمات حادة في شكله ومضمونه، كما يعود الاهتمام بها لما تتميز به من إيقاع يتماشى وسرعة الإيقاع في الحياة العادية والذي نعتبره من أكثر الإيقاعات انسجاما مع طبيعة العصر السريعة، وتمثيل شخصياتها للواقع المعيش كما المتخيل، فالشخصيات الإنسانية عليها أن تتحرك على صفحات القصة سواء استمد القاص موضوعه من التجارب الحياتية المعيشة، أو تعدى نطاق العادي إلى عوالم المتخيل.
وقد اشتهر من القصاصين العرب على سبيل المثال كل من يوسف الشاروني، يوسف إدريس، يحيى حقي، زكريا تامر، إبراهيم عبد المجيد، جمال الغيطاني، يوسف القعيد ونجيب محفوظ، وغيرهم. ومن القصاصين المغاربة وحسب مرجعياتهم في الكتابة القصصية هناك:
1- كتابة الهامش، ومن مبدعي هذه المرجعية، محمد زفزاف في مجموعته ” بيوت واطئة” و إدريس الخوري في مجموعته” ظلال”( ) وابراهيم بوعلو في مجموعته “السقف”، ومحمد شكري في مجموعتيه ” مجنون الورد” و”الخيمة” …
2-كتابة الذات الاجتماعية التي احتلت فيها المرأة الكاتبة دورا مهما من حيث سيطرة نزعة التمرد والحنين والمناجاة والبوح، نظرا لمحاولتها الاندماج النهائي في المجتمع والبحث عن مكان في الوجود. ومن قصص هذه المرجعية نذكر القاصة خناتة بنونة في نصّيها السرديين “ليسقط الصمت” و”النار والاختيار”. وأحمد المديني في مجموعته “المظاهرة”، ومحمد عز الدين التازي في مجموعته”أوصال الشجر المقطوعة”…
3- كتابة الذات والإحساس بالكتابة كأزمة، وتمتح هذه المرجعية من العوالم التي تنتمي للذات والعاطفة والبوح، وهي تغترف من الذاكرة والوعي الثقافيين، وتنحو نحو تقديم الكتابة القصصية كصنعة من أجل تكسير نمطية القص، ونذكر من بين قصاصي هذه المرجعية، محمد الغرناط في مجموعته القصصية ” الصابة والجراد”،وحسن برما في مجموعته”ضمير الخائب”) (…
4- تبئير الواقع وكتابة الوعي الثقافي: هذه الكتابة تهدف إلى تبئير اليومي، وهي تُشعرنا بحضور الواقع المتعفن، وترصده وهو في نزعه الأخير يحتضر بفعل هشاشة مكوناته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن كتاب هذه المرجعية، محمد برادة في مجموعته “سلخ الجلد”، وأحمد بوزفور في مجموعته ” النظر في الوجه العزيز”، الذي ضمنها القاص كتابة تسعى إلى خلق أنساق فنية تفوق انخراط كتابته في حل المشاكل الاجتماعية. فبدلا من أن توظف هذه المرجعية السردية الكتابة من أجل تغيير الواقع، حاولت أن تجعل الواقع منخرطا في عملية تغيير الكتابة.
5- الكتابة المُغايرة:– ولتمثيل ذلك على سبيل المثال لا الحصر- نجد أنها كتابة مُجدِّدة تستند على نزق اللغة، (علبة الباندورا لأنيس الرافعي) وشعرية الحكي،(ورثة الإنتظار لعبدالنور ادريس) والكتابة بالتيمة بدل النص المفرد، ( في انتظار الصباح لمحمد سعيد الريحاني)، والكتابة القصصية ذات الرؤية الروائية، (الليل العاري لعبد الرحيم العطري) وكتـابة الحالة الاجتماعية للنساء، (أنين الماء للزهرة رميج).
إن هذه الكتابة تلتحق بالمـرجعية المنفتحة على اللغة والمعنى، وهي مرجعية منفتحة أساسا على التجريب وتفترض إمكانية انصهار الأنواع والأجناس لتوليد نوع جديد.
ففي هذه المرجعية عبّر الجيل الجديد من القصاصين والقصاصات المغاربة، عن توجه نحو التجريب وكتابة القصة من الداخل، متجاوزين بذلك ماضي القصة القصيرة، راسمين بذلك خصوصياتها الفنية والجمالية المتشظية والمتفجِّرة على مستوى المعنى والمبنى، وأثبت تجارب هذه المرجعية أن القصة القصيرة المغربية فن، من خلال اهتمامها الواضح بالأداء الفني للقصة القصيرة، فجعلت من اللغة ورشة نشيطة لصقل اللغة، والحفر في مكوناتها الدلالية انطلاقا من الحرف ثم الكلمة فالجملة، ومن ثم خرجت اللغة من المختبر اللغوي إلى فضاء يحقق فيه النص توافقه مع ذاته في تجانس تام مع إمكانية تحقق النص بوجود متلقي يعمل على تخمين معاني النص بشكل فردي، يجعل عملية التفسير فردية غير متكررة، الشيء الذي يجعل تفسير نص ما محاطا بالتفسير المنفرد ( )، بينما كانت القصة التقليدية تكتب المعاني الملقاة على الطريق انطلاقا من معيارية النموذج المكرس، وقد أكد التجريب القصصي أنه من الممكن كتابة اللاّمعنى غير المرتبط بالأحداث والشخصيات.
إن القصة القصيرة المعاصرة (بما فيها القصة القصيرة جدا) والتي يمثلها قصاصو المغرب المعاصر أمثالSad حسن برطال- أبراج وقوس قزح، حسن البقالي- الرقص تحت المطر و مثل فيل يبدو عن بعد، حميد ركاطة – دموع فراشة ، وآخرون..) .
بهذا المعنى لم تعد القصة القصيرة تتقمص دور المنتقد والكاشف عن عيوب المجتمع كما أنها لم تعد تهتم بالتحولات الإجتماعية المتسارعة الإيقاع، لذا فقد تجاوزت مفهوم الذيلية للخطابات السياسية والإيديولوجية تماشيا مع الإضطراب الإيديولوجي الحاصل لدى المتلقي المعاصر، والذي جعل القاص يكتب أساسا لذاته مركزا ومكثفا كل أشكاله الذاتية في حكي لا يهادن المعيش، ولا يضع في اعتباره أي مقوم من مقومات قارئ نموذجي محتمل.
6- “علبة البّانْدورا “وكتابة نزق اللغة،(أنيس الرافعي نموذجا)
تنخرط هذه المرجعية مع القاص أنيس الرافعي في تحميل اللغة سياقات لسنية حادة في خرق المرجع اللسني المتعارف عليه مع تفصيح للغة الدارجة وإكسابها سياقات فوق- محلية، ففي مجموعاته القصصية “أشياء تقع دون أن تحدث فعلا‮” ‬و”السيد ريباخا‮” ‬و”البرشمان‮” ‮‬ثم‮ “علبة البَّانْدورا” وهي مجموعة تجميعية حيث لم يعد للبطل أو الحدث من معنى، تكلمت اللغة واجتاحت الحكي بكامله، فتم الرهان على اللغة وإمكاناتها التدليلية وانشحانها بالتعدد في السياقات، معبّرة عن الأكليشيهات الإبداعية التي تربط اللحظة الإبداعية باللغة، وهي نصوص مُتْرعة بحمى التجريب القصصي على مستوى التقنيات السردية، وهي إذ تسعى ضمنيا إلى تدمير البناء القصصي التقليدي، تحاول أن تدمر في نفس الوقت ذلك التآلف الحاصل بين المتلقي وهذا النمط من الحكي، وتعمل على فتح آفاق سردية مغايرة لإنتاج نص مفارق تقنيا تكون فيه ذات القاص محورا للمعاني وموضع تشريح.
إن الجملة السردية عند أنيس الرافعي امتداد لنفسيته المتشظية ما بين الواقع كما يعاش على المستوى الوجودي، والمتخيل كما يوحي بذلك ذوبان لغة القاص في ذاته، وهو ما يمكن تسميته ب” شعرية الموقف اللغوي” الذي يؤسس له القاص مرجعا ينطلق ويعود إليه، حيث نجد أن عماء المعنى يتجاوز داخل النص إلى خارجه بسبب لجوء القاص إلى عدة تركيبات لغوية تضع أمامها كل امكانيات اللغة على المجاز والاستعارة والشعرية الطوباوية، حيث يجعل القاص عالمه ضمن قابليته القصوى لاحتلال دلالات مغايرة وعميقة في تجانسها الداخلي.
إن شخصيات قصص أنيس الرافعي نعرفها ونعلم بوجودها من خلال الوجود اللغوي الذي يحيل عليها، ويتميز بطابعه المزدوج في البناء القصصي، ويتحدد من خلال بنيتيه الشكلية والدلالية، وفيما استطاع القاص أن ينسجه أنموذجا تتصف به كل أعماله السردية، انتقلت اللغة من إطار البنية الشكلية إلى فضاء بنية الدلالة، فرغم أن اللغة هي أصل فعل الحكي فهي في سرد الرافعي استمرت في الوجود وتلاقحت من خلال قوة الشكل الغوي، وأشَّرَت على قص مفارق يتحدد في ما وراء فعل الحكي، هذا إن هذا التطور يُرغم المتلقي على القيام بعملية فك شفرة النص، واستحضار المعطى الغائب في النص عبر تمثيله المخيالي أيضا حتى يلامس حلم اللغة بأبعادها الجديدة التي تحتفل بالنص السردي، يقول القاص معبرا عن الإمكانية التأويلية التي يضعها بين يد القارئ منذ الجملة السردية الأولى متجاوزا بذلك الحكي التقليدي الذي ينتظر نهاية الزمن التأويلي كي يبوح بمساراته الدلالية، يقول في قصة “ملاحظات حول الصور الفوتوغرافية”: “كأني نحيت إلى أبعد مسافة ممكنة يقظتي التي أخفقت مسدسات القهوة السوداء في إطفاء أنفاسها الأخيرة وتدهورت صوب نوم مضمون فوق القميص الداخلي للسرير، إلا أنني في حقيقة ” الوصف” كنت فحسب أغفو بعينين مفتوحتين داخل محبرة عيني المغلقتين” ( ).
وإن كان الجسد وخاصة المرتبط بالشخصيات النسائية هو المحفل السردي الذي يطبع التحققات السردية، وتُقرأ وتُؤول التجربة الفنية لكل قاص من خلال إمكانية توظيفه، وإن كانت الشخصيات حسب يانيك رايش yannick Resch :” تكشف العالم والآخرين عبر جسدها” ( )، فالجسد في “علبة الباندورا” يشكل لحمة منسجمة مع اللغة التي تظهر كشخصية محورية في النص، يعشقها الكاتب ويقودنا بوساطتها إلى اكتناه لذة النص وسلطته من خلال جعل اللغة تتمرد على ذاتها، وجعلها بكل ما في السرد من جهد قليلة الحياء المعجمي، لا تستجيب للسياق المتداول، لغة ترفع إيقاع التوزع الذهني، وتنخرط ببطء في مجتمعها اللغوي، فتصبح قراءة النص لمسا للجسد، وتستحضر الكيفية التي تجعل الرغبة منبثقة من مختلف التفاصيل والأجزاء وتعبر في نفس الوقت عن الكل، ولهذا قال جان بودريار jean Baudrillard ” يجب القول أن الأنثوي يغري لأنه ليس أبدا في المكان الذي يُفترض وجوده فيه” ( ).
فالجسد الأنثوي في قصص الرافعي لا يُقَدََّم في نصوصه إلا عبر ما يثير المساءلة عن هويته الحقيقية كجسد مملوء بالشر، ولايشير إلى نهد أو صدر أو خصر، فهو إما جسد مُشاع لا يقدم لإغراء المؤنث أي توصيف جديد كما يشهد بذلك نص ” انشطارات(1)” الذي تحضر فيه المرأة كمومس محترفة أو امرأة تبلغ سن الأربعين:” ومن هنا، وضع النادل-مرة أخرى- افتراضا مؤداه أن المرأة الأربعينية قد سلمت للمومس المحترفة السوار الذهبي المتفق عليه”( ) ويمكن تلمس ذلك فيما فتحه أمام المتلقي من دلالة العنوان محذرا المتلقي من جموح التأويلات يقول:” بّاندورا(pandore)، حسب الأسطورة الإغريقية، هي أول امرأة خلقها هيفيسْتوس (Héphaïstos). أهداها ثيوس(Zeus) مملوءة بمزايا وسيئات الإنسانية، ثم أرسلها إلى الأرض مع أول رجل، إييميثيو(Epiméthe) . فتح هذا الأخير العلبة فتناثر محتواها عبر العالم، ووقعت الكارثة !أيها القارئ حذارٍ أن تفتح عُلبة هذه القصة حتى لا يقع”مابعد السرد” ! “(علبة البّانْدورا، ص: 5)، إن وظيفة المرأة في “علبة الباندورا” قائمة على أشكال تلقيها في “ما بعد السرد”، وقد تصبح فعلا جنسيا لا يُعطينا أوصافه العادية لتمظهره بشكل طبيعي، ولهذا فكل جسد في نصوص الرافعي هو كجسد دونكيشوطي.
وقد جعل القاص فضاء النص مكانا لالتقاط تحولات السرد بادراك العين التي تشاهد حكيا واصفا باللغة، فأعار أدواته من السرد الفني لعالم الكرتون carton التي يصنع بها “والت ديزني” عالما سرديا واسع التخييل، يقول القاص في قصة “التحولات غير المعقولة للسيد ريباخا” ما يمكن أن يتمثله فقط المنطق الذي تصاغ به أفلام الكارتون: ” فجأة وعلى نحو يتجاوز المعقول، يخرج منك شخص آخر يشبهك ويواصل الركض أمامك بخفة عداء .. تتوقف أنت، فتتجاوز المرأة بذات الخفة وتركض خلفه بلا هوادة.” (علبة البّانْدورا، ص: 76) ولهذا ممكن أن تتحول قصص المجموعة “علبة الباندورا ” إلى قصص كارتونية من حيث يصعب إدراكها لغويا على القارئ العادي، ولكن يسهل تمثلها كحكي بصري يشهد للقاص أنيس الرافعي بالتفوق في بلورة جديدة لسينارية السرد المشهدي.
وما دمنا نردد مع أرسطو قولته الشهيرة بأن التقنية وحدها تولد الأفراد في حين تمسك المعرفة بالأنواع، نجد القاص في قصة ” ملاحظات حول الأحصنة المعدنية ” يستشعر بعده عن جمهور القراء الذي لا يني بول ريكور يلح على أن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهما ودالا ( ) عندما يقول ” على الرغم من كوني أعلمُ الصعوبات الناجمة عن محاولة ارتكاب مقترح سردي من هذا الطراز المعقد، لكني أريدك – بداية-أن تنجح في تخيل نافذة وكرسي ورجل”(علبة البّانْدورا، ص: 131)، فالتقنية التي يستعملها القاص في مجموعته التجميعية ” علبة البَّانْدورا” بعد أن يخترق القاعدة الذهبية للأدب والتي تقول بأننا يجب أن نكتب عمّا نعرفه، تحتوي على أمل ترويض القارئ الكلاسيكي للتماهي مع الإمكانات المفتوحة للمرحلة السردية الجديدة دون أن ننسى المتعة الكبيرة التي تلفحنا بها نصوص الرافعي ذات الرصد الحالم لزمن اللغة الأخرق باعتباره يسكن خارج سيطرة المعاني المتداولة، الشيء الذي يضع أعمال القاص في خانة ” السرد الأطروحي” للحكي البصري نظرا لنسقها الدلالي الخاص المشتمل على صيغ خطابية تنتعش بفضلها التحولات في اللغة والخطاب

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: عبد النور إدريس أُفق التجريب   الأحد ديسمبر 25, 2011 3:42 am

admin كتب:

متابعة لما ينشر من قبيل هذه القراءات حول نصوص سردية ،
أزعم أن الكتابة فيها أو عنها ،
لم تفلح بعد في الخروج من عباءة الإنشائية،
للانخراط بجدية في التأسيس لمقاربات نقدية مقنعة معرفيا ومنهجيا.
فبعد المقدمات الطويلة العريضة للنوع الأدبي،
من خلال ما تسعف به الأدبيات المتداولة حول الموضوع،
تنتهي القراءة إلى اختزال التجربة السردية لدى المبدع ،
في عناوين يمكن توقيعها على أي نص قصصي آخر ،
بعد سحب ما يحيل عليه في القراءة،
فيجد المتتبع نفسه في متاهات تمتح من التظيرات العامة،
دون وصل موضوعي بمادة الاشتغال.
للهمس فقط،
أتساءل باستمرار ، كيف لا تجد مثل هذه القراءات، طريقها إلى ممارسة رؤية نقدية يستقيم لها منهج يغني إمكانية التلقي النقدي لدى القارئ،
بعيدا عن الوقوف عند مستوى الاحتفاء الاحتفالي بالنص ،
من خلال وصفات جاهزة .
هل يغتني النقد الأدبي بمثل هذه القراءات السياحية؟
لا أظن،
علما بأن ثمة اقتناعا بامتلاك أساتذتنا ما يكفي من المعرفة الأدبية والنقدية، لنسج قراءات أكثر جدية و أبعد عمقا.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: عبد النور إدريس أُفق التجريب   الجمعة مارس 30, 2018 4:15 pm

مداخلة الاستاذ عبد النور ادريس

من الامتداد الفاعل إلى الاغتراب الوجودي

قراءة سيميائية في ديوان معلقة باريس

للشاعر الفيلسوف عبد الله الطني
مداخلة الاستاذ عبد النور ادريس

من الامتداد الفاعل إلى الاغتراب الوجودي

قراءة سيميائية في ديوان معلقة باريس

للشاعر الفيلسوف عبد الله الطني



"إن مهمة الشعراء هي أن يكونوا حراس السر إلى يومنا هذا" بوفري

استهلال: الشاعر عبد الله الطني واحد من أبرز الشعراء المغاربة الذين يمزجون بين الشعري و الفلسفي، في القصيدة الواحدة التي تنضح بقضايا فلسفية عميقة يعبر فيها الشاعر عن الذات والعالم.

و من بين قصائد ديوان "مقامات الوله" التي أرتضيها مدخلا لهذا الاحتفاء قصيدة "فص الدخول" ص 26:

حرف

على

حرف

تكوثر ديوانك يا ولدي

استفقت وحيدا

كما تستفيق الأرض من وهدتها

واصلت وحدك

عندما انثنى

من قدميك الطريق

عانقت وحشة الأيام

و الأشياء

و كتبت ما كتبت

في لوح الغاب و ماء الغدير

اسمك مفصولا

عن تاريخ الأسماء

قرأت سرك سافرا

و موصولا بالطين

و بالأشجار

بدأت أعزلا كالحقيقة

بلا لغة و لا كتاب

سوى لغة الغابة

و تلاخيص السماء

1- فرضية القراءة : سؤال الشعري في جُبّة الفلسفي

هل يمكن تفجير هذا القلق الوجودي الذي ينتمي إليه شعر الشاعر الفيلسوف عبد الله الطني وهو يغني اغراءات باريس.

هل الشعر عنده يستنشق نفس الهواء الذي تتنفسه الفلسفة ؟

هل يمكن أن يصب نهر شعره الحالم في نفس بحر الفلسفة العقلانية وتُغرقه أكاليلها المنطقية في نفس الحلم المشترك ونفس السؤال الذي يعشق الامتداد؟

أن تقبض على اختراقات الشعر للذات والكائن ، أن تعبُر امتدادك حلما، هو أن تقبض على المصير الماكر للوجود، أن تبني حقيقة الشعر على الحلم فقط والخيال الجامح هو أن تؤسس لعلاقة التضاد بين الشعر والفلسفة إلى حدود قيادة التضاد بينهما باتجاه القطيعة.

أكيد أن الشعر والفلسفة من طبيعة مختلفة لكن مظاهر الوجود ماتزال تؤسس لعدم الفصل بينهما، هذا التواشج الفكري الذي يقول مظاهر الحياة وظواهر الوجود نجده في شعر عبد الله الطني متسربلا بتطلعات الحلم والخيال بما هو تاريخ الشعر ممزوجا بنكهة ترسم الإشكال على الحدود الفاصلة بين دهشة السؤال عن الوجود ، وبين ما يحدد شروط علائق الفلسفة كحقيقة منطقية واجبة بذاتها.

ماذا يحدث

لو أن الحُلم الغامر مثل النهر

يُسرج عينيه ويحمل صاحبه نحو عوالمه

طولَ العمر وعرضَ الشعر

فلا يصحو

(معلقة باريس – سرنمة البعث ص: 9)

قد تجد الشاعر هنا يدغدغ الوجود عبر اللغة لكن الحكمة هنا تفيض على السياق اللغوي وقد تواطأ الشاعر مع قوى الحلم لينسج لنا خيطا ناظما لنفس الواقع غير القابل للتجزيء بين الحلم والواقع حيث يمتزجان في القصيدة بشكل أثيري يحكمه الافتتان بهما معا،

ماذا يحدث

لو أن رؤاكم

أيها الغرباء

توزعت مُدنا

فوق الأرض

وصارت أحلامكم

بالنهار المضيء حمامها

(سرنمة الرؤيا ص: 15)

2- من قول الوجود إلى تسمية المقدس

لغة الشعر الحالمة لاتخون لغة الإله لأنها قريبة من لغة السماء، هكذا يتجلى القول الشعري عند عبد الله الطني فيحيل تارة على الفكر ، وتارة أخرى على تمظهراته، وهما معا تضافرا داخل الديوان ليحيلان على ماهو مفتوح و متجاور مع الذات، فكل من الشعر والفلسفة ينقشان وجودهما عبر اللغة ، وإن امتزج الحلم بالخيال ، بالواقع في الديوان فإن الانحراف الدائم الذي نرصده هنا يتجلى من خلال تواجد ما يقارب 22 علامة استفهام مصحوبة بعلامة التعجب مبثوثة في الديوان لتأسس عالم الأجوبة التي تحفل بها العوالم المعطاة وهي تعتنق مدينة أقل ما يقال عنها ، أن من زارها قد ينال حصته من الجنة ، إن قلق السؤال الشعري يلقي بظله في النص باعتباره أصلا تدرك من خلال السؤال وتبرر وجوده ، فهو بالمفهوم الابستمولوجي للكلمة يشي بحقيقة مقدسة تصدر في الديوان كحس صوفي بالأمكنة، إذ للأمكنة عشقها المدمر ، والشاعر وحده قادر على تحديد أبعاد هذا العشق متوحدا مع العالم بأبعاده الأربعة : الآلهة والانسان والمكان والزمان....

3- شاعر المعلقة شاعر السر

تعتبر الفلسفة دوما حارسة عرش الحقيقة والناطق الرسمي باسم أنماط استعراضها على شكل معقولات ، ومن هنا يمكن طرح السؤال مجددا على طبيعة العلاقة القائمة بين الشاعر والفيلسوف ، فهل مارس صاحب معلقة باريس الفلسفة بوصفها حالة شعرية أم بوصفها أشكال التحقق المتولدة عن مكان " هو باريس هنا " تُدرك عبره باعتبارها تأثيثا أوليا للعناصر التي تعطي للقول الشعري بُعده الجمالي القادر على صياغة القيم الفلسفية وفق رؤى تتحدد من خلالها الإرغامات المعرفية .

إن الانتقال من البنية الفلسفية للديوان إلى البنية الشعرية لا يحدد الألوان الثقافية لكافة النصوص، بل إن ما يحدده هذا الانتقال يؤثر بشكل واضح في الوقع الجمالي الذي نستشعره من متعة الإحساس بجاذبية المكان ونحن منخرطين في عملية التلقي.

من أخبر باريس

بأن ميلاد القصيدة

يبدأ من عينيّ

وإذا أمست شجرا

تاهت عيناي بغابته

فكتاب الأشجار لا تأويل له

وأجمل ما فيه التيه

فرمت حولي

من أول نظرة ولقاء

غابات وشباكا تاهبها ولهي

(ألواح لاديفونس ص: 86)

إن التحققات المتنوعة للقيم الثقافية داخل النص تخلق سلسلة من الأشكال الوجودية الخاصة بقيم لا يستسيغها منطق النص الشعري إلا من خلال حضورها بفضاء شاعري لكنه أكثر واقعية من وصفه ، قد يمنح لهذه القيم أبعادها الزمنية.

كان إبفيل شاعرا ينام قرونا

بمغارة هيرقل بكف البحر

منذ خسوف مجرتنا الأولى

يحلم فوق وسادة طنجة

تعلوه سوالفها

يحلم بالتحليق بعيدا

نحو كواكب لا نعرفها

(معلقة إيفيل ص: 79)

وإذ أن قيمة العالم تكمن في التأويل الذي نمنحه له كلما تجلّى مُسقطا الواقع في حبائله الشعرية ، فإن تناقضاته الداخلية لا تستجيب إلا لإمكانيات الخرق التي تفرضها الرؤية الفلسفية على السياقات العادية ، هكذا نجد أنفسنا في نصوص ديوان معلقة باريس أمام ترسيمة أساسية " الشعر- الفلسفة" التي تنشحن راضخة في وقائع ملموسة انطلاقا من وجود تموجات نفسية ماتزال تفرض على طول الخط الشعري داخل الديوان سلسلة إرغاماتها على قواعد البناء الشعري بصفتها سندا لكل التحولات على صعيد التجلي الدلالي.

آه لو كانت

هضبة فيمي Vimi

تُنطق

وينطق فوقها حزن الشجر

وتنطق التربة

من فرط الارتواء

والدماء التي ما جفت بها

رغم الذي

تهاطل فوقها

من مطر

(بعقدك بصمات من ماضي دمي ص: 97-98)

ثم يقول :

قال أنين الأرض:

هنا يرقد أسلافك

من أجل فداها

أوَ تسعُ وستون عاما مضت

ولا زال لباريس بريق

يأتيها الدهر عشقا وقهرا

بالأرواح وبالمُثُل

(ص:100)

4- عندما ينتج سؤال الذات امتداداتها الممكنة

يرتكن التأويل بجانب نص " ماكنت لألقاك" الذي يبني استراتيجيته وفق العوالم المخيالية المنبثقة عن مرآة السؤال التي تعكس في نفس الآن سؤال الوجود وسؤال الذات.

قد ندفع بالتأويل إلى رصد معنمي لا يستقيم أودها إلا من خلال تحقق خاص ، فما تُخبرنا به القصيدة ليس انشطارات ذات تحقق رؤى عامة وليس انكسارات الآخر تحقق مبادئ غربة عامة ، وإنما يتم الاخبار بما يتسلل إلى ذات الشاعر المنكتبة ، إلى ذات النص المكتوب من انكسارات هذه المدينة الغاوية التي تقدم العشق المُتاح وتتجوهر في كينونة الزوار حيث تُطوى امتدادات الكائن .

فأين يقع المستوى الشعري من عملية انتاج الدلالة الفلسفية داخل النص الشعري الذي لا يشكل سوى لحظة التوسط بين تجلي المعاني على شكل محافل أولية ، وبين الصيغ التجريدية التي تُلخص البناء النفسي للشاعر وهو يتلقى وجوده المتشظي على شكل عشق ، ما إن يضع محافله النهائية " أشرف وإكرام" على أبواب الحياة حتى يصبحان مسارات مرتحلة في فعله الوجودي، كما يحدد حفيده " فارس" الدلالة الوجودية القصوى التي تتركها ذات الشاعر في الوجود المفارق وفي الامتداد الآخر .

ما كنت لألقاك

لو ما سبق العين إليك

أول البراعم من جسدي

لألقاه أزهر بين يديك

(" ماكنت لألقاك" ص:44)

وكأن الدم بعد تسع وستون عاما ما يزال حاضرا في مجرى التاريخ يذلّ الشاعر قهرا وحنانا ، ويُقتّل الأبناء عشقا .

قلت سمّه قهرا

أو موتا- لا يهم-

فمن قهر باريس ما أذل

ومن عشق باريس ما قتل

(ومن عشق باريس ما قتل ص: 100)

ثم يقول الشاعر في ديباجته بالصفحة الثانية والثالثة :" وإن كنت قد وُلدت مرات ومرات في عوالم وأماكن لا أعلم عددها جميعا ولا أزمنة الولادة فيها ، فإنني أعلم آخرها لحد الآن، وهي ولادتي الجديدة في باريس من خلال حفيدي وامتدادي بها فارس"( ص:2)

5- هسيس الوجود يجوهر المكون اللغوي

أن يكون للشعر قيمة فنية معينة هو أن يأتي من الداخل، فلعبة الداخل تعرف تدليلها من الكون الشعري لعبد الله الطنّي الذي تعتبر جملته الشعرية من أنقى الجمل الشعرية والتي تبدأ فيها الجملة الشعرية ثورتها على علامات الترقيم ليصبح المعنى دائريا يتجاوز حجم وامتداد المعاني المعروفة والمبثوثة في البناء النصي الشعري.

إن النمط الشعري الذي يحدد التمفصلات المعنمية الكبرى التي أقام عليها عبد الله الطني هيكله الفني لعدد من قصائد الديوان محكومة بخلفية المتلقي من حيث ما وضعه فيها من خصائص يستطيع القارئ تحديد تقاطعاتها الدلالية ، خاصة وهي تدفع بالإمكانية القصوى لتأويل الجملة الشعرية انطلاقا من الحياة التي تبثها الصور الشعرية المتخيلة والمنسوجة بإتقان في حنايا النصوص التي تمنح العين مدركاتها ، وهي خصائص أسلوبية امتازت بها قصائد الديوان حيث تستورد اللغة سلسلة لا متناهية من الجمل الفنية لتَصْدُرها لوحات فنية تحتوي على درجة متقنة من مقروئية هذا العالم الذي يدور عبد الله الطني في فلكه، وتتجلى تلك السيولة التي للمكان في توأمة الانشطار والتلاحم الذي يربط الشوق بالموت وهي لوحة يعانق فيها الشوق الألم ويترنم في هذا التناسب بمقتضيات ما تفرزه اللحظة الشعرية من متعة وقلق وهي لوحة الثانية من قصيدة " ما كنت لألقاك" وهي تنفذ أحكام الطبيعة لتتحول متشرنقة من الأب إلى الإبن إلى الحفيد ولكل التحول الأزلي للعناق الممكن بين الشوق والموت .

وينحو لأبراز الإمكانات المحتملة للمتخيل كي يجدد في السياقات التي تستمد قوتها من رؤية الشاعر لنفسه ولمجتمعه على صفحة مرآة تستطيع أن تجعل المحفل الشعري بوابة لفعل تم تغييبه وهو الفعل الشعري الذي يملك صلاحية تغيير أدواته ولغته ورؤيته كي يجعل الكلمة الشعرية أداة تواصل ومعرفة.


"إن مهمة الشعراء هي أن يكونوا حراس السر إلى يومنا هذا" بوفري

استهلال: الشاعر عبد الله الطني واحد من أبرز الشعراء المغاربة الذين يمزجون بين الشعري و الفلسفي، في القصيدة الواحدة التي تنضح بقضايا فلسفية عميقة يعبر فيها الشاعر عن الذات والعالم.

و من بين قصائد ديوان "مقامات الوله" التي أرتضيها مدخلا لهذا الاحتفاء قصيدة "فص الدخول" ص 26:

حرف

    على

           حرف

تكوثر ديوانك يا ولدي

استفقت وحيدا

كما تستفيق الأرض من وهدتها

واصلت وحدك

عندما انثنى

من قدميك الطريق

عانقت وحشة الأيام

و الأشياء

و كتبت ما كتبت

في لوح الغاب و ماء الغدير

اسمك مفصولا

عن تاريخ الأسماء

قرأت سرك سافرا

و موصولا بالطين

               و بالأشجار

بدأت أعزلا كالحقيقة

بلا لغة و لا كتاب

سوى لغة الغابة

و تلاخيص السماء

1-   فرضية القراءة : سؤال الشعري في جُبّة الفلسفي

هل يمكن تفجير هذا القلق الوجودي الذي ينتمي إليه شعر الشاعر الفيلسوف عبد الله الطني وهو يغني اغراءات باريس.

هل الشعر عنده يستنشق نفس الهواء الذي تتنفسه الفلسفة ؟

هل يمكن أن يصب نهر شعره الحالم في نفس بحر الفلسفة العقلانية وتُغرقه أكاليلها المنطقية في نفس الحلم المشترك ونفس السؤال الذي يعشق الامتداد؟

أن تقبض على اختراقات الشعر للذات والكائن ، أن تعبُر امتدادك حلما، هو أن تقبض على المصير الماكر للوجود، أن تبني حقيقة الشعر على الحلم فقط والخيال الجامح هو أن تؤسس لعلاقة التضاد بين الشعر والفلسفة إلى حدود قيادة التضاد بينهما باتجاه القطيعة.

أكيد أن الشعر والفلسفة من طبيعة مختلفة لكن مظاهر الوجود ماتزال تؤسس لعدم الفصل بينهما، هذا التواشج الفكري الذي يقول مظاهر الحياة وظواهر الوجود نجده في شعر عبد الله الطني متسربلا بتطلعات الحلم والخيال بما هو تاريخ الشعر ممزوجا بنكهة ترسم الإشكال على الحدود الفاصلة بين دهشة السؤال عن الوجود ، وبين ما يحدد شروط علائق الفلسفة كحقيقة منطقية واجبة بذاتها.

ماذا يحدث

لو أن الحُلم الغامر مثل النهر

يُسرج عينيه ويحمل صاحبه نحو عوالمه

طولَ العمر وعرضَ الشعر

فلا يصحو

(معلقة باريس – سرنمة البعث ص: 9)

قد تجد الشاعر هنا يدغدغ الوجود عبر اللغة لكن الحكمة هنا تفيض على السياق اللغوي وقد تواطأ الشاعر مع قوى الحلم لينسج لنا خيطا ناظما لنفس الواقع غير القابل للتجزيء بين الحلم والواقع حيث يمتزجان  في القصيدة بشكل أثيري يحكمه الافتتان بهما معا،

ماذا يحدث

لو أن رؤاكم

أيها الغرباء

توزعت مُدنا

فوق الأرض

وصارت أحلامكم

بالنهار المضيء حمامها

(سرنمة الرؤيا ص: 15)

2-  من قول الوجود إلى تسمية المقدس

لغة الشعر الحالمة لاتخون لغة الإله لأنها قريبة من لغة السماء، هكذا يتجلى القول الشعري عند عبد الله الطني فيحيل تارة على الفكر ، وتارة أخرى على تمظهراته، وهما معا تضافرا داخل الديوان ليحيلان على ماهو مفتوح و متجاور مع الذات، فكل من الشعر والفلسفة ينقشان وجودهما عبر اللغة ، وإن امتزج الحلم بالخيال ، بالواقع في الديوان فإن الانحراف الدائم الذي نرصده هنا يتجلى من خلال تواجد ما يقارب 22 علامة استفهام مصحوبة بعلامة التعجب مبثوثة في الديوان لتأسس عالم الأجوبة التي تحفل بها العوالم المعطاة وهي تعتنق مدينة أقل ما يقال عنها ، أن من زارها قد ينال حصته من الجنة ، إن قلق السؤال الشعري يلقي بظله في النص باعتباره أصلا تدرك من خلال السؤال وتبرر وجوده ، فهو بالمفهوم الابستمولوجي للكلمة يشي بحقيقة مقدسة تصدر في الديوان كحس صوفي بالأمكنة، إذ للأمكنة عشقها المدمر ، والشاعر وحده قادر على تحديد أبعاد هذا العشق متوحدا مع العالم بأبعاده الأربعة : الآلهة والانسان والمكان والزمان....

3-  شاعر المعلقة شاعر السر

تعتبر الفلسفة دوما حارسة عرش الحقيقة والناطق الرسمي باسم أنماط استعراضها على شكل معقولات ، ومن هنا يمكن طرح السؤال مجددا على طبيعة العلاقة القائمة بين الشاعر والفيلسوف ، فهل مارس صاحب معلقة باريس الفلسفة بوصفها حالة شعرية أم بوصفها أشكال التحقق المتولدة عن مكان " هو باريس هنا " تُدرك عبره باعتبارها تأثيثا أوليا للعناصر التي تعطي للقول الشعري بُعده الجمالي القادر على صياغة القيم الفلسفية وفق رؤى تتحدد من خلالها الإرغامات المعرفية .

إن الانتقال من البنية الفلسفية للديوان إلى البنية الشعرية لا يحدد الألوان الثقافية لكافة النصوص، بل إن ما يحدده هذا الانتقال يؤثر بشكل واضح في الوقع الجمالي الذي نستشعره من متعة الإحساس بجاذبية المكان ونحن منخرطين في عملية التلقي.

من أخبر باريس

بأن ميلاد القصيدة

يبدأ من عينيّ

وإذا أمست شجرا

تاهت عيناي بغابته

فكتاب الأشجار لا تأويل له

وأجمل ما فيه التيه

فرمت حولي

من أول نظرة ولقاء

غابات وشباكا تاهبها ولهي

(ألواح لاديفونس ص: 86)

إن التحققات المتنوعة للقيم الثقافية داخل النص تخلق سلسلة من الأشكال الوجودية الخاصة بقيم لا يستسيغها منطق النص الشعري إلا من خلال حضورها بفضاء شاعري لكنه أكثر واقعية من وصفه ، قد يمنح لهذه القيم أبعادها الزمنية.

كان إبفيل شاعرا ينام قرونا

بمغارة هيرقل بكف البحر

منذ خسوف مجرتنا الأولى

يحلم فوق وسادة طنجة

تعلوه سوالفها

يحلم بالتحليق بعيدا

نحو كواكب لا نعرفها

(معلقة إيفيل ص: 79)

وإذ أن قيمة العالم تكمن في التأويل الذي نمنحه له كلما تجلّى مُسقطا الواقع في حبائله الشعرية ، فإن تناقضاته الداخلية لا تستجيب إلا  لإمكانيات الخرق التي تفرضها الرؤية الفلسفية على السياقات العادية ، هكذا نجد أنفسنا في نصوص ديوان معلقة باريس أمام ترسيمة أساسية " الشعر- الفلسفة" التي تنشحن راضخة في وقائع ملموسة انطلاقا من وجود تموجات نفسية ماتزال تفرض على طول الخط الشعري داخل الديوان سلسلة إرغاماتها على قواعد البناء الشعري بصفتها سندا لكل التحولات على صعيد التجلي الدلالي.

آه لو كانت

هضبة فيمي Vimi

تُنطق

وينطق فوقها حزن الشجر

وتنطق التربة

من فرط الارتواء

والدماء التي ما جفت بها

رغم الذي

تهاطل فوقها

من مطر

(بعقدك بصمات من ماضي دمي ص: 97-98)

ثم يقول :

قال أنين الأرض:

هنا يرقد أسلافك

من أجل فداها

أوَ تسعُ وستون عاما مضت

ولا زال لباريس بريق

يأتيها الدهر عشقا وقهرا

بالأرواح وبالمُثُل

(ص:100)

4-  عندما ينتج سؤال الذات امتداداتها الممكنة

يرتكن التأويل بجانب نص " ماكنت لألقاك" الذي يبني استراتيجيته وفق العوالم المخيالية المنبثقة عن مرآة السؤال التي تعكس في نفس الآن سؤال الوجود وسؤال الذات.

قد ندفع بالتأويل إلى رصد معنمي لا يستقيم أودها إلا من خلال تحقق خاص ، فما تُخبرنا به القصيدة ليس انشطارات ذات تحقق رؤى عامة وليس انكسارات الآخر تحقق مبادئ غربة عامة ، وإنما يتم الاخبار بما يتسلل إلى ذات الشاعر المنكتبة ، إلى ذات النص المكتوب من انكسارات هذه المدينة الغاوية التي تقدم العشق المُتاح وتتجوهر في كينونة الزوار حيث تُطوى امتدادات الكائن .

فأين يقع المستوى الشعري من عملية انتاج الدلالة الفلسفية داخل النص الشعري الذي لا يشكل سوى لحظة التوسط بين تجلي المعاني على شكل محافل أولية ، وبين الصيغ التجريدية التي تُلخص البناء النفسي للشاعر وهو يتلقى وجوده المتشظي على شكل عشق ، ما إن يضع محافله النهائية " أشرف وإكرام" على أبواب الحياة حتى يصبحان مسارات مرتحلة في فعله الوجودي، كما يحدد حفيده " فارس" الدلالة الوجودية القصوى التي تتركها ذات الشاعر في الوجود المفارق وفي الامتداد الآخر .

ما كنت لألقاك

لو ما سبق العين إليك

أول البراعم من جسدي

لألقاه أزهر بين يديك

(" ماكنت لألقاك" ص:44)

وكأن الدم بعد تسع وستون عاما ما يزال حاضرا في مجرى التاريخ يذلّ الشاعر قهرا وحنانا ، ويُقتّل الأبناء عشقا .

قلت سمّه قهرا

أو موتا- لا يهم-

فمن قهر باريس ما أذل

ومن عشق باريس ما قتل

(ومن عشق باريس ما قتل ص: 100)

ثم يقول الشاعر في ديباجته بالصفحة الثانية والثالثة :" وإن كنت قد وُلدت مرات ومرات في عوالم وأماكن لا أعلم عددها جميعا ولا أزمنة الولادة فيها ، فإنني أعلم آخرها لحد الآن، وهي ولادتي الجديدة في باريس من خلال حفيدي وامتدادي بها فارس"( ص:2)

5-  هسيس الوجود يجوهر المكون اللغوي

أن يكون للشعر قيمة فنية معينة هو أن يأتي من الداخل، فلعبة الداخل تعرف تدليلها من الكون الشعري لعبد الله الطنّي الذي تعتبر جملته الشعرية من أنقى الجمل الشعرية والتي تبدأ فيها الجملة الشعرية ثورتها على علامات الترقيم ليصبح المعنى دائريا يتجاوز حجم وامتداد المعاني المعروفة والمبثوثة في البناء النصي الشعري.

إن النمط الشعري الذي يحدد التمفصلات المعنمية الكبرى التي أقام عليها عبد الله الطني هيكله الفني لعدد من قصائد الديوان محكومة بخلفية المتلقي من حيث ما وضعه فيها من خصائص يستطيع القارئ تحديد تقاطعاتها الدلالية ، خاصة وهي تدفع بالإمكانية القصوى لتأويل الجملة الشعرية انطلاقا من الحياة التي تبثها الصور الشعرية المتخيلة والمنسوجة بإتقان في حنايا النصوص التي تمنح العين مدركاتها ، وهي خصائص أسلوبية امتازت بها قصائد الديوان حيث تستورد اللغة سلسلة لا متناهية من الجمل الفنية لتَصْدُرها لوحات فنية تحتوي على درجة متقنة من مقروئية هذا العالم الذي يدور عبد الله الطني في فلكه، وتتجلى تلك السيولة التي للمكان في توأمة الانشطار والتلاحم الذي يربط الشوق بالموت وهي لوحة يعانق فيها الشوق الألم ويترنم في هذا التناسب بمقتضيات ما تفرزه اللحظة الشعرية من متعة وقلق وهي لوحة الثانية من قصيدة " ما كنت لألقاك" وهي تنفذ أحكام الطبيعة لتتحول متشرنقة من الأب إلى الإبن إلى الحفيد ولكل التحول الأزلي للعناق الممكن بين الشوق والموت .

وينحو لأبراز الإمكانات المحتملة للمتخيل كي يجدد في السياقات التي تستمد قوتها من رؤية الشاعر لنفسه ولمجتمعه على صفحة مرآة تستطيع أن تجعل المحفل الشعري بوابة لفعل  تم تغييبه وهو الفعل الشعري الذي يملك صلاحية تغيير أدواته ولغته ورؤيته كي يجعل الكلمة الشعرية أداة تواصل ومعرفة.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
عبد النور إدريس أُفق التجريب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: