كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السيد الرئيس و الأزبال

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1821
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: السيد الرئيس و الأزبال   الأحد أغسطس 28, 2011 5:23 am

السيد الرئيس و الأزبال

خرجت كما دخلت مهـموما مغمـوما , لكن بحماسة أكثر فتـورا , تاركا خلفي مستطيلا ينحدر إلى أسفل , مكتب السيد رئيس المجلس البلدي , لو كان أحد حدثني عنه بسوء ما يأت من أفعال مع جمهور المواطنين , ما كنت صدقت , ارتسمت عنه صورة جميلة في الذاكرة , يصعد المنصة للخطبة في الناس , ملوحا بالوعيد في حق هؤلاء السماسرة الذين تناسلوا كالفطر , وكلما أحس أنه ممسك بالعـواطف الجريـحة , كلما زاد صوتـه حدة في النبر والتنغيم , بكل ما أوتي من بلاغة المنابر العصماء , حتى ظن البعض أنه هو الآخر يقرأ مكتوب الوزارة الدينية . سألني بسخرية لاذعة :

- هل تريد أن نطرد عامل النظافة الليلي ؟

اكتبوا عريضة يوقع عليها كل سكان الحي , مستنكرين إهماله في القيام بواجبه , و سترى , لن يطلع عليه النهار , حتى تجده في الشارع ملوما محسورا غير مأسوف عليه , ليته فسح لي المجال لأضعه في الصورة , أفشل باستمرار في إقناع زوجتي أيام آخر الشهر , تتـمـنـع حتى عن الاستماع إلي , ثم استدرك , أنت تعرف هؤلاء الاشتراكيين , إذا سمعوا بقرار في حق رفيق منهم , سوف يقيمون الدنيا على رأسي , و لن يقعدوها إلا على جثتي .

- العريضة احتياط إذن ؟ كان الصمت دليلا على الرضاء عن السؤال , شعرت برغبته في التخلص مني , زوجتي عنيدة في رفضها إذا رفضت , تتخلص من محاولاتي بمهارة , أبدى انشغاله عني بتناول بعض الأوراق المبعثرة أمامه , سبحان مبدل الأحوال , وقام ورائي ليحكم الباب , سمعت حركة المزلاج , استدرت تاركا خلفي مستطيلا ينحدر إلى أسفل , مكتب السيد رئيس المجلس البلدي , تماما كما تصدني كلما حاولت معها , لم نتمكن من لقائه إلا بعد خمسة أيام , تناوبنا خلالها على التربص به صباح مساء , ألجأنا إليه المسؤول عن قسم النظافة بالبلدية , بعدما اعتذر عن التدخل في الأمر , بدعوى أن كل شيء بيد السيد الرئيس , أثارت نبرته المستكينة شفقتنا , يتحدث عن سيده في الغياب كأنه ماثل أمام عينيه , قال *السي عبد السلام* شيء عادي , علاقة المرؤوسية تستلزم هذا الاحترام , حكينا له عن الوضعية التي يتخبط فيها الساكنة , بسبب لجوء العمال إلى مراكمة الأزبال تحت نوافذ ملتقى أربعة دروب , مما يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة , يتضرر منها الصغار قبل الكبار.... كدت أحدثه عن الليالي البيضاء صحبة العاطر من روائح تلك الأزبال , عيرتني أكثر من مرة بالسؤال عن الرجولة , حاولنا تبرير الشكوى إليه من هؤلاء العمال , بنفاذ صبرنا بعد بذل كل ما يمكن من الجهد , لإقناعهم باختيار مكان آخر أنسب و أبعد عن إلحاق الأذى بالعباد .... كنا نظن أننا سنلتقي مسؤولا عليه الهيبة والوقار , وإذا بنا أمام إنسان يجلس على كرسي خشبي , واضعا رجلا على رجل , يقرأ جريدة بالفرنسية ....كما تجلس النساء في *الموقف* بانتظار الزبناء من كل الأصناف ,يبادرنك بالسؤال عما تقصد , فتحدثهن عيناك , يقرأن الزيغ قبل الكف , لا مكتب ولا رفوف ولا أدنى ما يمكن أن يوحي بأنك في مكتب إداري ...... بادره*السي عبد السلام*بالتحية الإسلامية , فردها باندهاش فاتر , كـنا جماعة تحجب عنه ما يصل بالكاد من ضوء الشمس .... استمع إلينا باهتمام لم يمنعه حتى من طي الصحيفة , استرسل في الجواب عن أمرنا بحديث يخصه هو , وانتهى إلى نفض يده من المشكلة التي جئنا لعرضها على سيادته من موقعه , مكتوب على الباب : رئيس مصلحة النظافة البلدية .........

والمعمول ؟

- عليكم بمقابلة السيد الرئيس ... و جحظ *السي عبد السلام* عينيه , ظننته سيقع في نفس الخطأ الذي يقع فيه إذا قابل مسؤولا ... يبدأ باستنكار العبث الإداري , وينتهي بلعنة السياسة والسياسيين من أهل اليمين واليسار وما بينهما .... كدت أتدخل لإنقاذ الموقف , لولا أنه عاد و استسمح صاحب النظافة عن هذا الإزعاج... فيما بعد , قال لي بأنه لم يقصد التهكم منه , وتفهمت مقالته ...., حتما لم يكن مستعدا لهضم شماتة النساء بعجزنا عن حل مثل هذه المشاكل , حدثتني زوجتي ذات ليلة سوداء , عن همسات نساء الحي , يقلن : رجال غير في الفراش , يقف بباب مكتب الرئيس شاب مربوع القد حسن الهندام , لم أكد أن أستبين ملامحه , حتى بادرنا بالسؤال عن القصد من الدخول عند سعادة الرئيس , ابتسمنا... بقي جامدا لا تلمح غير زوغان المقلتين في محجرين متعبين , لعله يقرأ كف مشاعر السخرية في نظراتنا القلقة . وحتى أشبع فضوله اليتيم , أخبرته بأزمة سكان حي*بوشويكة* مع عمال النظافة الليليين.... , وما أصبـح الأطفال يعانون من زكام حاد , أشبه بما يعرف بأنـفلوانزا الطيور , انتصب الشاب مستعيدا ثقته بنفسه , ثم نطق بموازاة حركة جسده النحيف , مشيـرا علينا بالاتـجاه نحـو المسؤول صاحب الجريدة , ــ إنه ليس هنا , أفضل لكم.......... كان وجهه محمرا من غضب أو من خجل , ويمناه تمسك بمقبض الباب إمساك الجائع بكسرة خبز ,

ــ نأتي غدا ....

ــ أو بعد غد , إنـه في الرباط ..... وأدار وجهه إلى جهة الممر الضيق , كل الناس يعرفون أن السيد الرئيس , لا يدخل أو يخرج من البوابة الرئيسة .... أحسست أن *السي عبد السلام* فهم الحركة ,

ــ بعد غد إذن - إن شاء الله...... عدنا بخفي حنين , كـما نعود أيام آخر الشهر , وفي أنفسنا أكثر من سؤال , أقسم *الحاج عبد الله* باليمين المغلظة , أننا لن نلتقي الرئيس بعد غد ... وأيـدتـه على قسمه في داخلي .... استدرك بأن الموضوع لا يستحق كل هذه الهـيـلـلـة.... إنما يتعلق الأمر بعامل بسيط , يصر على مراكمة النفايات في المكان الخطأ , ونحن منه المتضررون , ألم يقل العامل نفسه , بأننا لن نلحق إلا الريح , وأن هذا هو شغله , أحب من أحب وكره من كره ... بنفس الاستقبال , ولنفس النتيجة انتهينا بعد غد , سوى أن الشاب كان أكثر احمرارا , من خجل أو من شعور بذنب أتاه في حقنا.... ــ والعمل ؟ ــ لقد جاء إلى المكتب مبكرا , قضى بعض حوائجه على عجل ثم خرج , والله لا أعلم أين هو ... .. تعالوا بعد غد , إنه يستقبل يوم الجمعة ... أثناء الطريق , حكيت للرفقة عما وقع لي مع العامل إياه , ليلة الخميس الفائت , انتظرت وصوله المعتاد في منتصف الليل , لأضبطه وهو في حالة التلبس , ما كاد يبدأ في التجميع الذي نشتكي منه , حتى كنت له بالمرصاد , وقفت في وجهه , أمنعه من تكرار اللعبة, حاول التمادي بصم الأذن , نبهته إلى ما يمكن أن يكون لفعله من عواقب , تحداني بلغة بذيئة , لحسن الحظ لم يكن أبنائي مستيقظين .... تصديت له دون جدوى , أصـر على مواصلة ما قال عنه إنه شغله , وانسحب تاركا خلفه ركاما من الأزبال أكثر من المعتاد , رائحة نتنة , عيونها مسمرة علي , هل أرضيت شوقها لرؤيتي رجلا ..... عادة الشاحنة أن تمر للجمع مع وقت صلاة الظهر , ستبقى هذه الكومة أكثر من اثني عشر ساعة, وليس علينا إلا احتمال هذا الضرر .... أخرجت من البيت مدية كبيرة حادة , وبدأت أمزق ما وسعني التمزيق , كل الأكياس البلاستيكية السوداء , كان أكثرها ممزقا سلفا , تقطر منه عصائر الطماطم والبطيخ و الدلاح , وأحشاء سردين ودجاج أبيض.... ابتسمت , لا يفهم تجاعيدها بيت التمدد والتقلص غيري , تصير أكبر من سنها , حين وصلت الفرقة الزوالية , كنت واقفا بالباب أنتظر ردة فعلهم إزاء الذي وقع , كانوا على وشك الصراخ في وجه الساكنة , حين أجبتهم عن تساؤلهم عن الفاعل ...

ــ أنا من مزق الأكياس , وسأفعل ذلك كل ليلة ,حتى تفهموا أننا نتضرر من هذه الوضعية.... حاول أحدهم التدخل , لم يقل أكثر مما يقوله صاحبهم .... اعترفت للرفقة بأنني هددت العمال بالسلاح الأبيض , إن وجدت أحدا يجمع ذلك الركام تحت النوافذ... ــ هذا إذن سبب عدم استقبالنا...

ــ يمكن....... عدنا لمقابلة السيد الرئيس , في يوم الاستقبال الأسبوعي للعامة من أهل المدينة , صرنا ثلاثة فقط , بعدما تعذر على اثنين الحضور يومها وساعتها ...., الصف طويل بمثنى وثلاث ورباع وخماس... كنا ضمن المبكرين , وكان الشاب راضيا عن التحدث إلينا .... حدثه عن زكامكم دون وصفه بالكلمة الاجنبية, تعرفون أن السيد الرئيس أمي , انحنى ما وسعه الانحناء كالخائف من ريح عاتية , نبهني إلى تقديمكم حال وصوله , سوف يستقبلكم السيد الرئيس ....... ابتسم له *السي عبد السلام* , وهو يستـديـر إلي .

ــ أنت من سيتكلم في الموضوع , كن حارا , وقبل أن أنبس ببنت شفة , فاجأنا بالسؤال , أتعرفون بأن الحديث في *أنفلوانزا* الطيور من أمور السياسة ؟ تبادلنا نظرات استغراب , نطق الكلمة كما يجب , عرضت أمامه مضمون تظلمنا مما يلحقنا من أذى , وما نعانيه من ضرر باختصار شديد , ساكـتا عن حادثة المواجهة وما صاحبها من التهديد , كان يستمع إلينا باهتمام , كنا واقفين , لم يعرض علينا اعتمار المقاعد الوتيرة إلى جانبه الأيسر , مرت خمس دقائق , تدخل *الحاج عبد الله* بما يشبه الاستعطاف والرجاء في تدخل السيد الرئيس , لوقف هذا الضرر , استعمل لفظة النفايات وهو يقصد الأزبال ......... نحنح السيد الرئيس وهو يستوي ثانية على مقعده الجلدي المتحرك كأنه لم يفهم , ثم قال : - أنا أتفهم المشكلة , لكن الناس هم الذين لا يتفهمون , أين سنجمع هذه الأزبال ؟ ثم عاد إلى السياسة من باب الفتنة المحتملة , إن نحن استمررنا في ترويج إشاعة وجود أنفلوانزا الطيور في المدينة , لم أدر كيف خطرت على *السي عبد السلام* فكرة إقحام تضرر المسجد خلف الدرب المحاذي للمقبرة , اضطرب السيد الرئيس , كـأني بالرجل أصابه مس , أليس محسوبا على الجماعة , ــ سيدي الرئيس , يمكن أن تعد قمامات كبيرة متحركة , تفتح وتغلق , إلى حين وصول الشاحنة , وبذلك يمنع الأذى عن السكان .... قاطعني بازدراء متهكما من اقتراحي , أنا أحدثك عن شأن عام وأنت تتكلم على قد أنفك ....

- كيف تسمحون لأنفسكم بالخوض في شؤون السياسة , أتظنون بأنني غافل عن حزبكم , هذا اختصاصكم , من الزبل للسياسة , وفتح السيد الرئيس فاه لتجلو بوضوح أسنانه الصدئة ,

- أسيدي , اتفقوا فيما بينكم , و اشتروا هذه القمامات من الغد , ــ لكن , سيدي الرئيس , هذا من اختصاص المجلس , نحن نـؤدي الضريبة المسماة صراحة بالضريبة على النظافة , وتحت طائلة المتابعة بالحبس عند عدم الأداء ...

ــ اكتبوا عريضة يوقعها هؤلاء المتضررون , وسأتولى أمرها بنفسي شخصيا , مع السلامة , استدرك بلغة تهديدية , لا أريد أن أسمع حس ذلك الزكام , انتم الآن مسؤولون عن تبعات الإشاعة في البلد ... تلقفنا الشاب عند مخرج الباب مستفسرا عن النتيـجة , مثل سيده , بدا منـشغلا بالزكام القاتـل , ارتد إلى الخلف بسرعة جنونية, كانت عطسة*السي عبد السلام*حادة , نصحنا بعدم كتابة تلك العريضة , لأنها ستكون السلاح الذي يبطش به في وجه بعض العمال من بقايا المجلس السابق , كان يتكلم بصوت خافت ينم عن خوف دفين , ولم يشعر الشاب بالارتياح , إلا بعدما أفرغ ما في جعبته , قال بأن أغلب العمال مؤقتون , و بأن مناصبهم موضوع مزايدات بين الرئيس وحواريه, فقد بلغت الرشوة المطلوبة للتعيين في مهمة" زبال " أكثر من ثلاثة ملايين , بعد الإدلاء بشهادة معطل جامعي ... , نظرنا إلى بعضنا البعض , والخطو يأخذنا إلى البهو المنفتح على نافورة جميلة تتعالى خيوط الماء وسطها بأشكال حلزونية... تمنيت لو أننا لم ندخل مكتب الرئيس بالمرة .... وتذكرت لقاءنا الأول مع رئيس مصلحة النظافة البلدية , لعله هو الآخر , من المغضوب عليهم في هذا المجلس الجديد ... للإشارة فقط , أغلب أعضاء هذا المجلس , معارف تاريخ نقابي وسياسي في المدينة , كانوا يأكلون ويمشون في الأسواق , ثم جاءت هذه الانتخابات الماردة , فحولت الصغير إلى كبير , والجاهل إلى عالم , والمتدين إلى فقيه , أما من ظل العمر كله يسكن في الأطراف , يركب إذا ركب دراجة , فقد صار يعرف كيف يقتعد سيارات المجلس من الخلف , يشيعه الحواري بالانحناء كالإمام , وهو يلقي بالتحية من فوق , فلا يتحركون إلا إذا غابت الصفيحة الحمراء , لماذا كتب حرف الجيم بالحمر ؟ قال *السي عبد السلام* :

- ج تعني جابها الله , لكن إلى متى ؟

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
السيد الرئيس و الأزبال
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نصوص :: للاشتغال-
انتقل الى: