كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أبي والزكام و السيد الوزير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1821
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: أبي والزكام و السيد الوزير   السبت أغسطس 27, 2011 5:29 pm

أبي والزكام و السيد الوزير


ليس من عادتنا أن نجتمع على رؤية التلفاز ساعة الأخبار , ولا أدري إلى حد الآن , كيف تحقق اجتماعنُا يومها , يتذكر أخي الأكبـر المناسبة , ويربطها بترقب المواطنين ذلك الإعلان , عن قرار تخفيض أسعار الطاقة , بعد انطلاق الاستغلال الوطني للآبار المكتشفة منذ خمسين عاماً .

أما أنا فـلا أذكر سبباً لذلك الاجتماع المفاجئ , و الذي تحدث عنه أخي , وإن كان ثقة فيما يرويه من أحداث , فإنه لم يعرف النور بعد خمس سنوات مضت ...

تسمرتْ عيوننا حول إطار الصورة الباهتة , لم تصفُ , رغم جهود أبـي , صاعداً ونازلاً بين أدراج السلم الإسمنتي في أكثر من محاولة , يتأفف أبي من الصورة الباهتة باستمرار , ثم ينطلق في لَعْن من كان و يكون الحيلة والسبب , لكنه لا يلبث أن يقترب أكثر , حتى ليكاد يلامس أنفه مغناطيس الزجاج المكهرب .

ظللنا نكتم عنه ضحكاً في الأعماق يجاهد من أجل فك الحصار , حتى كان ذلك اليوم , فقد انفجر الجميع بضحكات عالية , رددتها زوايا جدارات الغرفة الضيقة , أُمرنا بالسكوت , حتى يتمكن أبي من سماع الـحـوار مع السيد الوزير ....

كانت مُحاِورتَه امرأة جميلة , ملأ صدرَ أبي مستطيلُ الشاشة , حتى خِلنا أنه يحضنها , ويدُه اليسرى من الخلف تشير علينا بالصمت , نظرتْ إلينا الأم شزراً منعاً لأي تعكير للجـو , فقد كانت باستمرار أولى ضحايا غضبة الأب إذا ثار , وما أكثر ثوراته المجانية , لن ينسى أحدُنا معاناتها معه , يبدأ بالصراخ مزبداً كالموج الهائج , ثم يتحول إلى وحش يمد يده إلى شعرها , فيلقي برأسها إلى الأسفل , تتكور, ترقب أين ستأتيها ضربة اليوم , سمعنا ارتـطام جبهتها بالأرض أكثر من مرة , تصبح متورمة الوجه , تستأنف حياة الخادمة بدون أجر, عم صمت رهيب لا نبادل فـيه الحوار سوى بعيون جاحظة ...

- لقد اتخذنا إجراءات وقائية قصوى , لا أظنُ أننا سُبقنا إليها في العالم ...

- كيف سيدي الوزير ؟ واستدرك أبي : جاوبْها ....

- بالنسبة للطيور المهاجرة , فقد تمكنا من السيطرة عليها بشـكلٍ مطلق منقطع النظير , وهي الآن قيد التلقيح الإجباري , بعد إحكام الإمساك بفـراخها رهائنَ في أوكار الضيافة.....أما الطيور الداجنة ... قاطعه أبي بضحكة ساخرة , وهو يتجه ببصره إلينا ... سيقول إنها بخير ...... ولا يخصها سوى النظر إليها بعين الرحمة خلف بريق السكاكين الحادة....

لم نتمكن من سماع تتمة ما قاله السيد الوزير عن طيور البلاد ... - لذلك , ولأسباب أخرى يعرفها الخاصة قبل العامة , فلا خوف على المستهلك من تناول اللحم الأبيض ومشتقاته ... كان السيد الوزير يفغر فاه بين يدي المذيعة , لم ينم ليلته السابقة , عول كثيراً على التخلص بسرعة من هذه المقابلة , لعله يُرضي زوجته التي باتت تعاتبه على المبيت خارج الفراش , حين أبلغه الصدرُ الأعظم , بضرورة التوجه عبر التلفزة , إلى الجماهير القلِقة على ما يروج حول وصول أنفلوانزا الطيور , كان بالفعل على وشك الاتصال بها , للاحتفال بعيد ميلادها العشرين , بدت وكأنها تخفي سناً ينفلت من عقده , خلف مقبض الميكروفون , ثم أردف قائلا :

- هناك إشاعات يروجها بعض المغرضين عن دواجننا , بعدما فشلوا في النيل من دوابنا بغالاً وحميرا , أ لمْ يروجوا أنها أصيبت بالعقم حتى أوشكت أن تنقرض !؟ ولم يكن من ذلك في الواقع شيء مما يفترون , فقد تناسلت الدواب في ظروف طبيعية , وتمكنت من الإنجاب بنسب عالية فاقت كل التوقعات , تصوري سيدتي , أننا بلا افتخار , حققنا الرقم القياسي لمتوسط عمْر الحمير في العالم , للعلم بالشيء ليس إلا , فإن التحليلات المخبرية جارية على قدم وساق , لإثبات ما يختص به الحمار الوطني من ميزات , على مستوى ارتفاع وحداته الحرارية , مما يعني الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء , أو على مستوى قوة احتماله الفريدة , في الركوب وحمل الأثقال ....

نحن السيد الوزير..... نتحدث عن مرض الطيور الذي يهدد الإنسان, ماذا عن وضعيته ؟ تقع عدسة الكاميرا على ورقة السيد الوزير بين يديه , حروف بارزة عريضة , لا تحسبها أعدت إلا لتلميذ بالكاد يفك الخط , يقرأ أسطرها بتستر إيهاماً بعدم وجودها , قلت في نفسي , من حق أبي أن يغضب .

انظري سيدتي , لقد أثبت العلم الدقيق , أن ما يجمع بين الحمار والإنسان من وشائج في السياسة كما في الاقتصاد , أكثر مما يفرق بينهما في الشكل والأخلاق . وكل تهديد للحمار في هذا البلد, إنما يعتبر تهديداً للإنسان, بل يمكن اعتبار التفكير في هؤلاء الحمير, من أولوية أولوياتنا , الحمير بخير . يمرر يده على صدره مزهوا بإفحامها , وجهه يملأ الشاشة في إخراج محكم , بصق أبي ما وسعه من لعاب , أصاب السيدَ الوزيرَ في خده الأيمن , بطيئة تنزل تلك المادة اللزجة مختلطة بألوان المساحيق , لم يجرؤْ أحد على الملاحظة جهراً , تراجع قليلا إلى الوراء , طلعة المذيعة الحسناء تفرج عن انقباضه في مواجهة السيد الوزير, لم يكن محظوظاً هذه المرة , هل غريمه من جديد , وكان على وشك أن يمسح ما علق بالشاشة , فعاد إلى وجومه السابق .

واليوم, نوجد مرة أخرى في مواجهة نفس هؤلاء الحاقدين الشامتين, إنهم يتهموننا بالسكوت عن إصابة دواجننا في المدن قبل البوادي , بمرض الزكام الخبيث , وإننا لنشهد العالم على صحة ما نقول دحضاً لكل الأباطيل الملفقة :

- لا توجد ببلادنا أية علامة عليه .. و كيف تظهر ؟! وقد كنا السباقين إلى معالجة البلاء قبل وقوعه وذيوعه في الآفاق ....

- عفوا سيدي الوزير , هلاٌ شرحتم لعامة الشعب !؟.

- إن الأمر بسيط يا سيدتي , فقد دأبنا منذ تحولت وجهتنا إلى أمريكا أم الدنيا , على التعاون وتبادل الخبرات في مجال التلقيح الاستباقي , وكان لنا شرف الحصول على حق التجريب في طيورنا الداجنة والمؤهلة للتدجين , أما المهاجرة منها , فإنها تعود بإذن الله , سليمة من كل عيب , سوى بعض الأنواع التي تظل تنتظر المواسم المناسبة.... وهكذا ترين أيتها الأخت , أننا محميون ضد هذا الوباء بقدرته تعالى , وبإرادة حكومتنا الموقرة , تسمرت عين أبي في عين السيد الوزير, اللعنة على من لا يخجل من نفسه , وسكت كأنه ينتظر رد فعل ما , لم أدر كيف تصور أبي أن يكون للسيد الوزير رد فعل , عاد وجهه إلى العبوس ثانية , توقعنا منه أن يبدأ في لعن كل شيء كعادته , حين ظهرت الجميلة للإعلان عن انتهاء اللقاء , وهو يودعها بتحية رقيقة لا تخلو من أنوثة ..... علقت أمي على نظرات المرأة ذات الثوب الضيق , حملق فيها أبي , كي لا تقع في السفه , كعادتها حين تغار من جمال أنثى في عز اليفاعة , قام منسحبا من الجلسة العائلية في اتجاه المرحاض لغاية في نفسه أو في جسمه , تبعـته أمي متجهة إلى المطبخ , وهي تجر ذيل قميصها المترهل , قالت أكثر من مرة , بأنها تحتفظ به منذ ثلاثين عاما , هدية أبي الأولى والأخيرة بعد التوصل بأول أجر ... قالت :

ليته حدثكم عما وقع بعد ذلك , انخرط في الوظيفة العمومية , بعد جهد جهيد , جرب كل المباريات التي تسمح بها شهادة الإجازة في الفلسفة, لكنه ظل يرسب بامتياز , ابتسمت أمي , فتأملت تجاعيد خديها إلى الجبهة , وقف واستوقف قبالة كل المحطات , هل تعرفـون أن أباكم هذا , اعتقل وحبس أكثر من مرة , وإن كان لم يحدثني عن التعسف والضرب , فأنا أعرف من بعض الجارات , أنه تعرض لأقساهما ... ولولا تدخل بعض المعارف في الحزب , لما كان قد حصل على وظيفة الحارس الخارجي بالمدرسة ... لم نسمع من كلماتها الأخيرة غير الصدى , هل كان يتجشأ استعداداً للقيء , صرختْ , الباب مقفل من الداخل , نظرنا إلى بعضنا البعض , وصلة إشهارية تتراقص على نغماتها فراشات ربيعية زاهية الألوان, محيطة بوجه طفلة بريئة تقول : بلادنا أجمل بلد في العالم ... لم نتمالك أوداجنا , فانطلقت ضحكات ظلت مكتومة , قطعت أوداجها صرخة أمي : أبوكم.... مات أبي بغصة الحزن على هذا الوطن .


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
أبي والزكام و السيد الوزير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نصوص :: للاشتغال-
انتقل الى: