كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ساعة في العاصمة 120

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1822
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: ساعة في العاصمة 120   الأحد 28 أغسطس 2011 - 0:15

ساعة في العاصمة

انطلقت سيارة الأجرة الصغيرة صوب محطة القطار العطلى منذ ما ينيف عن الأربعين عاماً, لم تعرج على الحي الجامعي في مدينة العرفان, كم كنا نغتبط كالأطفال, حين نغير اسمها إلى مدينة الخرفان, أربعُ سنواتٍ مرتْ بلا لون ولا طعم, سوى لون البدلات الزرقاء والخضراء, وطعم السباب والدفع بالواقيات إلى الخلف, رحمة الله عليك يا أمي, لو سمعت كلامك وتعلمت الخياطة خلال أربع سنوات, لكنت الآن "معلمة", ربما يكون نصيبي من الدنيا رجل من بين أهل عروس أو عروسة, ماتتْ ولم ترني أُزَف امرأة كباقي النساء.

فكرتُ في إثارة انتباه السائق إلى احتياله علي, لا يأخذني عبر الطريق المألوف, انشغلت بتلاعب الريح بالأعلام العربية, تشرع صدرها بلا أدنى مقاومة, يفقد الثوب لونه فيكلح, وتهترئ الجنبات بتوالي عوامل التعرية, كم كانت دروس الجغرافية جميلة, قال المعلم وهو يمرر يده على الخريطة, ليشرح لنا درسا في التاريخ, حول بني أمية.
- لا يمكن اليوم المرور عبر الطريق الاعتيادي, توسط شاربه المرآة الصغيرة أمامه, متحركاً فوق شفتيه الغليظتين,
- لا يهم , فقط أريد الوصول إلى العنوان قبل الثامنة.
لم يعلق, انشغلت عنه بمتابعة اللافتات البراقة على امتداد شارع "النصر" عبارات ترحيب بزائر البلاد من الثلث الخالي, صور عريضة بألوان قزحية, وجه أعرفه, ووجه بجانبه لم أستبن بالضبط من يكون.
- أكيد أنه رئيس أو ملك أو أمير.
هـز ثم عطف كتفيه.
- ربما.
حاولت التمعن في خيالات الصور, كبيرة في الحجم, ملامحها لا تنقشع بين كثافة الضباب, الجثة ضخمة, واللباس معلوم, تميزه عمامة وقعت في دائرة سوداء.
- عرفته.
لم يبال.
هي هكذا العاصمة, لا تقتات إلا من مثل هذه الزيارات, تصبح خضراء غناء بين عشية وضحاها, وتمسي ذابلة يحضنها الخوف, بعد تفرق مراسيم الاستقبال في ساحة القطار.
- هل رأيت نخلة تنبت في الثلج ؟
كنت أفكر في لون النخيل الأخضر, على امتداد الشارع المفضي إلى باب "الدخلة" يفاجؤك السـعـف المتهـدل, وأنت تعرف أنها من غير جذور,
بين الفينة والأخرى, يتلصص نظراتٍ في وجهي المنعكس في الإطار, لعله كان يرغب في سؤالي إياه عن الحدث الذي ستشهده العاصمة, لم تنجح بعض قطرات العرق, في ستر تجاعيد الرجل المترهل, توقف إجباري أمام الضوء الأحمر, تسللت إلى أذني منبهات وصفارات, كما تسللت بالداخل حمرة فاقعة عبر أشعة شمس باهتة.
- ما زلنا بالقرب من مسجد "السنة" ؟
تحاشاني وهو يستعد للانطلاق من جديد, رأيت عيناه جاحظتان, أمره الشرطي بانفعال للتحرك بسرعة, سمعته يغمغم بألفاظ لا تنم إلا عن سخط, بدا كأنه يتمايل بحثاً عن مسلك بين التدافعات الحديدية, خلف المسجد, أفق كليح تتوزعه براقع سحابات خريفية, وأشجار كانت تحلم بالتفتح ذات يوم, كنا إذا بلغنا هذا الملتقى, نستشعر رغبة في الانطلاق إلى "باب الحد", هناك يمكن أن تغيب عن أنظار المخزن, نذوب وسط الزحام الشعبي, نمارس اشتهاء اللذة بعيداً عن رقابة السلطة, أجمل ما آمنا به أيام الكلية, دع السياسة وافعل ما شئت في هذا الوطن العزيز. باغتني السائق وأنا في رحلة الماضي غير المأسوف عليه:
- سنضطر إلى الانحراف أكثر.
نظرت إلى امتداد المكان من حولي, أسفل واجهة الجدار قُدامي, كلمات بذيئة, جمل تناثرت بألفاظ العهر, نابية من قاموس سافل, لو كان لي شَعْر, لقلت إنها تحركه.. بل توقفه, وضعت يدي على رأسي, لم يكن بينه وبين الغطاء المحكم الالتفاف شيء, لم ينبت بعد, وعدني الطبيب بعودته بعد انتهاء حصص العلاج الكيميائي, مرت الآن ستة أشهر, كل صباح, أعري رأسي أمام المرآة, أتحسس هل نبتت شعرة, تطول المسافة,
- الله يخليك, أنا مستعجلة, لدي موعد مع الطبيب.
استدار الهيكل الحديدي نحو منعرج غير مألوف, دون حركة جسد الرجل, يتحرك شاربه دون أن تتحرك شفتاه, نطق:
- علينا قطع طريق الوزارات للوصول إلى المشفى بأقصى سرعة.
ناول فمه سيجارة هممت بتنبيهه إلى أثرها علي, ردعني زوغان عينيه في المرآة الصدئة,
لم أشعر كيف ألهب كفنها الأبيض, أحمد كان يدخن كثيرا, عاتبته على إدمانه خوفاً عليه من السرطان, يبتسم بملء شدقيه:
- تعددت الأسباب والموت واحد.
لم يمت بعد, من كان يدري أنني سأُصاب قبله, من غير تدخين ولا هم يحزنون. تزوج, أنجب, مازال يأكل ويدخن ويمشي في الأسواق, بينما بقيت عانسة أحسب الانتظار بالأيام والشهور للوصول إلى موعدي النصف سنوي.
- هل تزورين أحداً في مستشفى "السويسي" ؟
تأملت عنقه المعروق بين كتفين لم يفتر عن تحريكهما كأن به مس, سرت بداخلي رغبة الكذب عليه, لعله لم ينتبه إلى صفرة وجهي الشاحب المائل إلى البياض.
- لا , أنا المريضة.
وتملكتني رغبة في الاسترسال, وصلتني "النوبة" بعد ستة أشهر, مرت كأنها ست عجاف,
رمقـته يبتـسم بضحكة مختنقة.
- اقـتربنا , وما مرضك ؟؟
- الله ينجيك , فيّ السرطان .
كادت السيارة ترتطم بالرصيف.
- ولكن السرطان , فيه و فيه ؟؟
- الله يحفظ .
سكت, تابع سيره,
- هذا فندق "حياة ريجنسي" هل تعرفين بأنهم سيغيرون اسمه, بمناسبة الاحتفال بالألفية الثانية لميلاد المسيح؟؟
كنت في غفلة منه, أفكر في المسافة المتبقية, لا يعرف قيمة الخط المستقيم غير المرضى. توقفت السيارة وسط ركام آدمي, تململتُ لأستبين التدافع الحاد, برزت لافتات مكتوبة بخط اليد ولون واحد أسود, الطلبة المعطلون يشنون إضراباً لا محدوداً عن الطعام. فجأة, تدخلت قوى الأمن لتفـريق الحشود, أحكم السائق صعود الزجاج, الباب الكبير لقبة البرلمان يذكرك بمداخل السجون العتيقة والحديثة, نظرت إلى ساعتي اليدوية, الثامنة والربع.
- مازال مقفلا , قبلكِ أوصلت عشرين راكباً, لا أظن أنهم سيفتحون اليوم.
- لماذا ؟؟؟؟؟
وانطلق لسانه من عقاله, يمتزج صوته بطنين المحركات المتوقفة, لا أستمع إلا لنداء بداخلي, يستفهمني عن معاناة العودة بخفي حنين, مثُلَتْ أمامي مسافة الخمس مائة كيلومتـر, كل ما فهمته هو أن وفدا شقيقـاً يزور المستشفى, وهو الآن متواجد بالداخل, نظرت حولي, المرضى بالمئات في مساحة خضراء, تفصلهم عن جدار المستشفى حواجز آدمية مثبتة كالدمى في معارض الأطفال, الهم يضحك, لم أمنع نفسي من الضحك على حزام جلدي, تدلى متراخيا حول خصر متعب بالوقوف,
- هل تنزلين هنا ؟؟؟
ليتـني كنت أستطيع اختراق الحواجز, الله يعلم أن المسؤولين يعلمون, الناس وحدهم ضحايا بين عَلم وعَلم.
- لا , أعدني إلى محطة الحافلات من حيث أتيت. ربما أعود مرة أخرى, إن كُتبت لي حياة.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
ساعة في العاصمة 120
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نصوص :: للاشتغال-
انتقل الى: