كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في انتظار عزرائيل

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1821
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: في انتظار عزرائيل   السبت أغسطس 27, 2011 5:03 pm

في انتظار عزرائيل


نحيب وعويل وبينهما تهليل وتكبير بإيقاعات لا تسمع إلا في موت ، أطلقت أذنيها في اتجاه الصوت فعاد الصدى بنعي في البيت قبالتهم ، لم تجد صعوبة في تحديد زاوية الغرفة التي لم يطل منها '' الحاج قدور '' كعادته أيام كان ، منذ أكثر من عام ، نفس الطقوس في الشمال كما في الجنوب ، تعددت الجهات واللغات والموت واحد ، كان أبي ينصح بالإسراع في دفن الميت إكراما له ، وكنت أفكر باستمرار في سبب آخر لذلك الاستعجال ، ليس سوى الخوف من عدوى تحلل الجثة التي يصيبها النتن، حين قضى أبي في أرذل العمر ، تنفسنا الصعداء كل في سره، مع بداية المرض الذي نال منه ، ظهرت عليه بوادر الخرف ، فأخذ منه النسيان مأخذه، حتى صار كثير السؤال عن أشياء مرت به كأنها لم تكن،كم تحلقنا حوله نتسلى بحالاته ، بعدما ألفنا منه الدخول والخروج بلا استئذان في الكلام ، تضبطنا الوالدة في حالة تلبس، تنهرنا ، فيتفرق المجمع ، يسمح لي بولوج غرفتهما بعد النداء علي لغرض ، آخر مرة ، وجدته في حضنها وهي تبكي كدت أصرخ ، أشارت علي بكفها أن اثبتي ، فتراجعت ، لمحت ابتسامة تخالط انبساط جبهته من الجهة اليسرى ، أصيب بنوبة طارئة من نوباته ، يغيب فيهمد ، ينقطع حبل أنينه ، فتمدده أمي ليستغرق ما تبقى من الليل مسنودا إلى وسادة كالخشب ، لكنها هذه المرة ، تأخرت كثيرا في وضعه على الجانب الذي ينام عليه ، نطقت همسا خافتا كلمات لم أستبنها فدنوت منها ، كان أبي هامدا وذراعاها حول ظهره ، نادي على أخيك عصام ، بدأ يتلاشى الشك لفائدة اليقين ، أمي ، هل ؟ وذرفت عيناها سيلا من الدموع كانت محتبسة ، صرخت بملء عقيرتي أندب موت أبي ، فردد صدى الليل حشرجة عميقة ما زالت ترن في أذني ، وهذا نحيب في البيت المجاور ، لا يشبهه غير البكاء على ميت ، حكت لي '' مليكة '' عن أبيها عمي '' الحاج قدور'' ، كيف تراجع ملك الموت بجلال قدره أكثر من مرة ، بعدما نكون قد أسلمنا روحه لباريها ، سألتها يوما عن معنى هذه الجملة فاضطربت ، حتى في الموت تلحين في السؤال ، لم تؤمني بعد ، وربطت حكايتها بما أجمع عليه الأطباء ، لم يمهلوه أكثر من شهرين بعد وصفة طويلة عريضة مصحوبة بلائحة التعليمات في نوعية الوجبات ومواعيد الدواء ، لكنه عاش بعد ذلك سنتين ، و بأقل الخسائر ، ظل يتمنع في تناول المقادير المحددة ، فخف علينا حمل تعب التردد على تلك الصيدلية التي صارت دكانا لا يختلف عن حانوت '' با ابراهيم '' إلا في بدلة البائعين فيها ، ذات يوم ، تساءلنا عن الفرق بين الدجالين في الحلقات وهم يعلنون عن إشفاء كل الأمراض ، و هؤلاء الصيادلة الذين يمدونك بالدواء المناسب لما تصفه لهم من حالات ، كل يبيع سلعته بشطارته وهدف الربح والابتزاز واحد ، و حكت لي مليكة عن النوبات التي تعرض لها أبوها ، حتى ألفوا غيبوبته ، فإذا استفاق في الصباح على أنين ألم حاد يمزق معدته ، هلوا عليه وحسبوا اليوم عمرا جديدا كتب له ، أتوه بالشريفة '' القاسمية '' رغما عنه في أيامه الأخيرة ، فوقفت على رأسه بطقوسها الأسطورية ، تراود أجله المحتوم في مغازلة سافرة لعزرائيل ، حتى سال لعابها من فرط تخشعها وهي تردد شفرات تعاويذها ، قيل إن الحاج '' قدور'' حرك شفتيه بما يشبه الابتسامة الباردة وهو في النزع الأخير بين يديها ، شكرت أمها '' الشريفة القاسمية '' لأنها جعلته يلاقي ربه مبتسما ، وساهمت قدر ما تستطيع في الترويج لكرامتها ، كانت أمي سباقة إلى موقع الصراخ ، هرعت عارية الرأس ، لعل الموقف أنساها لف ذلك الثوب الأسود على رأسها إلى الكتفين، تمنيت لو كان لي مثل شعر أمي الشقراء ، أم مليكة أيضا كانت سباقة دون غيرها إلى أمي في نفس الموقف ، خمسون عاما من الجوار ، عاشتها الأسر التي حملها الفيضان إلى هذه الدور الرخيصة ، حي'' المناكيب '' ، هكذا نكتب عناويننا في السجلات الرسمية ، لا من رأى ولا من سمع ، لا نختلف عن باقي سكان الحي إلا في درجات البؤس ، تحكي أمي عن عهد الحماية وتتحسر ، لم أفهم حسرتها إلا بعد عشرين عاما أو يزيد، تقول: ألقي بنا في هذه الأطراف و تنوسينا إلى الأبد ، بعد خمسين عاما ما زلنا نطالب بالوادي الحار ، وتقوم الدنيا ولا تقعد في مواسم الانتخابات ، كلهم أولاد الحرام ، سمعت أبي يحاول صدها عن التمادي في السخط حرصا على عدم سماعنا باقي التفاصيل ، مسكين أبي ، مات ولم يعرف ما كنا نعرفه .
****************

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
في انتظار عزرائيل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: نصوص :: للاشتغال-
انتقل الى: