كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة   الأحد يونيو 03, 2018 8:14 am

 الحلقة 18

علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة


لم يكن تدبير السكن اللائق والعيش الكريم وتعلم الأطفال وحده من أرق حياة الأسرة والعائلة الكبيرة في تلك الجزيرة. فقد كان وشيئا فشيئا زالت التخوفات والهواجس التي كانت تنتاب الأسرة من المدارس العمومية؛ بسبب ما كان يصدر من تصرفات من بعض ضحايا الدعاية الفرنسية، الواصفة لعبد الكريم بأنه عدو للمسيح. إضافة إلى ما كانت تنشره بعض الجرائد المحلية من هجوم متواصل على الخطابي؛ وخاصة جريدة "الشعب". إذ حين التحق الأطفال بالمدارس لم يشتك أي واحد منهم بأي تمييز عنصري، أو انحياز ظالم في المعاملة، إلا ما كان من مناوشات اعتيادية، ومشاكسات بينهم وبين التلاميذ غير المسلمين، فيما يخص العادات الغذائية. لكن ما يلفت الانتباه، ونحن نتتبع حياة الأسرة الخطابية في لرونيون، أن روابط من الاحترام والصداقة المتينة ربطت بين الأمير وأعضاء هيأة تدريس الأطفال؛ فقد كان يكرمهم الساتذة بدعوتهم إلى البيت، وتقديم الهدايا المناسباتية لهم؛ وحين اقتنى سيارة لنقل أبناء الأسرة إلى مدارسهم وضعها تحت تصرف أبناء المواطنين الآخرين، خاصة أبناء وأحفاد أمبراطور الفيتنام السابق المنفي، بل المنسي في تلك الجزيرة.

هكذا تم حل مشكلة تدريس الأبناء؛ وهكذا تم قبول اللغة الفرنسية لغة للمدرسة. في الوقت الذي كانت فيه اللغة الريفية هي لغة التخاطب في البيت. ولا يزال أبناء الخطابي يتحدثون اللغة الريفية كما كان بتحدث بها الآباء والأجداد قبل 1926.

أما التربية الإسلامية فكان يقوم بها العم عبد السلام، وبمراقبة الأمير. وقد حكى لنا بعض أنجاله كيف كانوا يستظهرون العقائد الإسلامية على والدهم في الليل قبل النوم، أو في الصباح الباكر قبل ذهابهم إلى المدرسة؛ وعندما تم الاستقرار في القاهرة أوكلت المهمة إلى الشيخ الأزهري أحمد بن موسى، وإلى سيدات لهن تكوين إسلامي عال بالنسبة للبنات.

العلاقات الإنسانية والاجتماعية

وفي الجانب الإنساني والاجتماعي استطاع عبد الكريم بحسه التواصلي، الذي عمقه من خلال تجاربه في التدريس والصحافة والقضاء وقيادة حركة التحرير، ومن خلال إرادة تحدي معوقات المنفى التي كانت تحول دون السير العادي للحياة، أن ينشئ شبكة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية مع أهل الجزيرة؛ وقد عبر عن ذلك بقوله: «لقد وجدنا فيهم الأخوة الصادقة والإخوان الأوفياء، وقدموا لنا المساعدة بغير حدود، وواسونا في الغربة مواساة تجعلنا نذكرهم دائما بالتقدير والإعجاب». وبفضل هذه الأخوة والصداقة التي نمت بالتدريج وتوسعت، على الرغم من مضايقات أولئك الذين كانوا يعتبرونه رجلا سيئا، لأنه حارب المسيحيين، وعلى الرغم من حضور الرقيب، في البداية، مع زواره من الجالية الإسلامية، قبل أن ترفع حكومة الاشتراكيين تلك المضايقات سنة 1936، استطاع عبد الكريم ورفاقه من تكوين صورة عن مجريات الأمور في الجزيرة، وعن توجهات الرأي العام، والاطلاع على الصحافة الخارجية، بفضل علاقته بالشخصيات الإسلامية في البداية؛ ثم أعيان المجتمع المحلي. ومن الشخصيات الإسلامية التي ثُمّنت عاليا في مذكرات الخطابي، بالنسبة لتلك المرحلة، شخصية المفكر المصري محب الدين الخطيب، الذي كان وراء إفشال القرارات الفرنسية بعزل الخطابي عن العالم؛ ثم انضمت إليه جهود شخصيات من الجالية الإسلامية بالجزيرة، من مثل محمد على كريمجي الذي ساعده على شراء ضيعة تروى باسان، ومحمود دينداغ رجل الأعمال، وإبراهيم مولانا مكتوم، وعلي إبراهيم قارة التاجر من جزيرة موريس، وغيرهم من شخصيات سكان الجزيرة الكوريوليين، وفي مقدمهم الدكتور فيرجيس والد المحامي الفرنسي الشهير بنفس الاسم، والذي ذاع صيته بالدفاع عن الأحرار والمحرومين في العالم.

ونظرا للمكانة التي استطاع الأمير أن يكتسبها بين ساكنة الجزيرة، واعتبارا للخصال التي اكتشفوها فيه، سرعان ما أصبح من كبرائها وأعيانها، يحظى بتقدير المسؤولين الفرنسيين، واحترام الكريوليين، والجالية الإسلامية، بل أن هذه الأخيرة اتخذته قدوة ومرشدا دينيا لها، ومصلحا وقاضيا يفصل في الأمور التي يعرضها عليه مسلمو الجزيرة. وكان الجميع يقصده لطلب المشورة والنصح. ذلك، لأن المعادن النفيسة لا تفقد قيمتها لا بتغيير المكان ولا بتغيير الزمان.

برنامج الخطابي اليومي

أما كيف كان برنامج الأمير اليومي؟ فيمكن تلخيصه كالآتي: بعد صلاة الصبح والإفطار يطالع الجرائد، كل الجرائد بمختلف توجهاتها؛ ثم يقوم بالإشراف على مراقبة دروس الأولاد، وتفقد نظافتهم وهندامهم وكل ما يتعلق بالتربية العامة. وينتقل عقب ذلك إلى مجلس العائلة، المكون من أخيه السي امحمد وعمه السي عبد السلام، ومحمد بن زيان الخطابي؛ وكان ينضم إليهم من حين لآخر، حسب الحاجة والضرورة، المكلفون بالمهمات التجارية والزراعية. وباستثناء مسائل تسيير شؤون المزارع والتجارة والعمال والحسابات، التي كان يحدث فيها أمر جديد أو طارئ، فإن اجتماعات المجلس العائلي تكاد تكون محاورها قارّة، وتخص متابعة أحوال الأسرة وتحليل أسبابها، ونقد ما يجب نقده، واقتراح الحلول لتحسين تلك الأحوال؛ إضافة إلى المتابعة اليومية للوضع العالمي وتطوراته. وكان هذا البرنامج تتخلله زيارات من أعيان الجزيرة الكريوليين والمسلمين، أو الزوار الأجانب، وكذا بعض المسؤولين الفرنسيين.

لا أحد من المغاربة زار الخطابي في منفاه بلارينيون

وكان عبد الكريم يتألم كثيرا لتنكر أهل وطنه له في منفاه وغربته، إذ لم يزره ولو مغربي واحد في تلك الجزيرة؛ وقد علق على ذلك، بكل مرارة، في مذكراته قائلا: «أتأسف لكون منزلي لم يشهد، ولو يوما واحدا، زائرا من المغرب، الذي ضحيت بحريتي في سبيل حريته».

والأمر الغريب حقا لا يعود إلى عدم قيام "الوطنيين" المغاربة، أو غيرهم من أهل المقدرة، في القيام بزيارة الخطابي في منفاه فقط، بل إلى سرعة نفي بعض الزعماء ما نشرته بعض الصحف الأجنبية من أن الرجل ضاق ذرعا بمنفاه، وأنه قلق على مصير والدة، وأعمام، وأبناء وبنات أسرته، وأنه يريد أن يعود وأهله إلى بلده المغرب. فقد بادر الزعيم عبد الخالق الطريس إلى التشكيك في مراسلة الخطابي للحكومة الفرنسية بشأن حق العودة إلى وطنه، واعتبرها مجرد إشاعة. وكأن عبد الكريم ليس من حقه أن يطالب بأن ترى والدته، التي توفيت سنة 1938، المتقدمة في السن، "بلده من جديد"، كما جاء في رسالته إلى الحكومة الفرنسية. وقد علل الزعيم الطريس نفيه لوجود مثل هذه المراسلة من قبل الأمير عبد الكريم، بكون هذا الأخير يعيش عيشة فاخرة في جزيرة لارينيون. فالحكومة الفرنسية «خصصت له قصرا من أفخم القصور، وقررت له ماهية شهرية من ميزانية الدولة المغربية». إنه لأمر مؤسف أن يرى بعض الناس أنّ قيمة الحياة تتجلى في تحقيق الرفاهية المادية فقط. في حين أن عبد الكريم الخطابي كان شديد الإيمان بأن سعادة الإنسان وقيمته لا يمكن الإحساس بهما إحساسا حقيقيا ورائعا، إلا في ثرى وطنه، وطن الآباء والأجداد؛ فهو الذي وصف نفيه من هذا الوطن بأبلغ ما يكون الوصف، حين قال في مذكراته: «خروج الإنسان من الوطن كخروج الروح من الجسد، حالة صعبة، لا يتغلب عليها المرء إلا بالإيمان بالقضاء والقدر».

لكن ينبغي ألا نعتقد، أو يخطر في بالنا، بأن عبد الكريم ومرافقيه كانت معاناتهم تُختصر في نسيان أهل وطنهم لهم فقط، بل كثيرا ما كانوا يعانون من تصرفات محرجة، أو حمقاء، من زوار لم يكن لديهم القدر الكافي من كرم الخلق، ومن ذكاء العواطف الإنسانية؛ ففي سنوات المنفى الأولى كان يُمنع من استقبال الزوار، وفي حال السماح للبعض بزيارته يكون ذلك بحضور الرقيب. وكانت أحاديث بعض الرسميين الفرنسيين، كوكيل المستعمرات وبعض الضباط المتعجرفين تثير الشفقة؛ فهي كانت أقرب إلى شخوص روايات سارتر التي تثر الغثيان الوجودى، أو إلى الشخوص العبثية لكامو. إلا أن الأمير عبد الكريم، الخبير بالذهنية الاستعمارية، كان يعلق على تلك التصرفات والمواقف، التي تتاجر بشعارات الثورة الفرنسية، المعلقة في الإدارات الرسمية، وتتصدر الكتب المدرسية، بقوله: «إن موقف الأوربيين المستعمرين يدعو إلى الرثاء، إنهم لا يزالون ينظرون إلينا كأطفال، يكفي أن تقدم إليهم قطع الحلوى فيسكتون. وتأبى الأيام إلا أن تثبت لنا، بوقائعها المتوالية، أن المسافة بيننا وبينهم ترفض التقارب، لأنها طريق تمتد إلى حيث لا لقاء، ولا تفاهم».

الفرج ومغادرة الجزيرة

هن زوجات الأمير محمد بن عبد الكريم، وشقيقه امحمد وعمه عبد السلام ، ومرافقيه الشيخ حسن وأمزيان . وتظهر في اول الصورة على اليمين مرافقة إسبانية كانت أسيرة حربية في بيت الأمير بالريف، اختارت أن ترافق نساء أسرة الخطابي إلى منفى لارينيون، فقد اعتنقت الإسلام واختارت لها اسم رحمة.

هناك كثير من الدروس يمكن أن تستخلص من تجربة الأمير الخطابي في منفاه؛ فبقدر ما كانت العلاقة مع أصحاب الذهنية الاستعمارية علاقة لا تفاهم ولا لقاء، كانت في المقابل العلاقة مع الإنسان، من حيث هو إنسان، تزداد تعاطفا ورحابة صدر، وتتحد تلقائيا حول قيم الحرية والعدالة والكرامة، قبل أن تتحد لأسباب أيديولوجية أو عقائدية. ومن الدروس الأخرى المستفادة من تلك التجربة المريرة أن المحن تقوي همم الرجال. فالأزمة تلد الهمة، كما قال جمال الدين الأفغاني؛ وأن الضيق يشحذ سلاح الفرَج؛ ويأذن بقرب الفجر وبلج الحق كما قال شاعر قديم:

الحـق أبلج لا تَخـفى معالمه كالشمس تظهر في نور وإبلاج

وبلجُ الصبح من عزيمة الأحرار وإرادتهم. وكلما اتسعت دائرة الأحرار إلا وتقهقر ليل الاستعمار، وقربت ساعة الفجر والخلاص للأمم كما للأشخاص. وإذا كانت إرادة النخب المغربية قد انتكست مؤقتا أمام القوة الاستعمارية العاتية، فإن أرادة نخب العالم الإسلامي قامت بواجبها كأفراد، كما رأينا فيما تقدم، لكنها قامت بواجبها كجماعة متكاتفة متآزرة؛ حين أسست لجنة للدفاع عن الأمير الخطابي برئاسة الأديب والمفكر الإسلامي محب الدين الخطيب، وبرعاية الملك عبد العزيز آل سعود، والزعيم التركي عصمت إينونو، والزعيم الباكستاني محمد علي جناح، والدكتور أحمد سوكارنو الزعيم الأندونيسي.

انتصر صمود الأمير، إذن، اجتماعيا وإنسانيا، ثم سياسيا؛ فبدأ ظلام وظلم المنفى ينزاح رويدا رويدا، بفضل تشبثه بمبادئه في الحرية والكرامة، وبتآزر الإرادات الفاعلة، وبتكاتف الجهود المتواصلة، وبحسن توظيف تطور تاريخ الاستعمار وتناقضاته مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان. فجاء الفرج بقرار نقل الأمير ورفاقه إلى فرنسا، على أن يتمتع هناك بكامل حريته. بعد أن أصبح العالم كله في تغير وتحول عقب الحرب العالمية الثانية.

وفعلا، تلقى رئيس لجنة الدفاع، المشار إليها، السيد الخطيب، في أوائل شهر فبراير 1947، البرقية التالية من سفارة فرنسا بالقاهرة جاء فيها: «نحيطكم علما بأن الحكومة الفرنسية استجابت للمساعي التي قامت بها اللجنة، وقد قررت الإفراج عن عبد الكريم الخطابي، ونفيدكم بأنه سيصل إلى باريس في الأيام القليلة المقبلة». ومن مكر التاريخ أن يتأجل تاريخ مغادرة الأمير للجزيرة أكثر من مرة، وكأن إرادة خفية قررت محو تلك السنين الطويلة من المنفى؛ لكي يتوافق تاريخ استعادة الحرية مع التاريخ الذي تم الحجر عليها في 27 من شهر مايو 1927.

كانت وجهة الخطابي فرنسا، وفقا للقرار الفرنسي؛ لكن ظروفا وحسابات متشابكة جعلت الرحلة تنتهي في مصر في 31 مايو1947. ولا نريد الخوض في تفسير حدث انتهاء الرحلة في بور سعيد بمصر، أهو نزول أو إنزال، هروب أو تهريب، فرار أو اختطاف؟ فقد سال كثير من الحبر، ولا يزال، حول الموضوع في أكثر من بحث ودراسة. وربما تساءل الأمير تساؤلات بقيت بدون جواب شاف. لكن ما نحن متأكدون منه هو أن الرجل عندما تيقن بأن أعضاء أسرته، أطفالا ونساء ورجالا، أصبحت أقدامهم ثابتة على التراب المصري، وأنهم نجوا جميعا من قبضة البوليس الفرنسي الذي كان على ظهر السفينة الناقلة لهم، لم يكن يدور بخلده أي شيء آخر غير التوجه بالشكر إلى الله على نجاتهم من الأسر؛ وقد عبر عن ذلك بقوله: «رفعت رأسي إلى السماء، حامدا شاكرا خالق هذا الكون ومدبره..... وتنفست الصعداء، واستـنشقت نسيم الحرية الشخصية في أرض العروبة والإسلام».

نعم، الحرية أغلى من كل شيء. ففي لحظة بزوغها تغيب كل الأسئلة وحسابات الربح والخسارة؛ فلا شيء يمكن أن يضاهي قيمتها. فلا الأثاث الرفيع ولا الأمتعة الشخصية الغالية، التي بقيت في الباخرة، ولا ملكية قصر "كاستل فلوري،" الذي لم بتم بيعه في الجزيرة، ولا احتمال فقدان الأموال التي حولت إلى بنوك فرنسية للاستفادة منها أثناء الإقامة المحتملة في فرنسا، ولا أهداف ومقاصد أولئك الذين توجهوا إلى بور سعيد لإقناعه بالبقاء في مصر، حالت دون اختيار الأمير ورفاقه لنسائم الحرية؛ ولذلك لم يأسف على أي شيء تركه وراءه سوى رفات والدته التي بقيت ضمن تركته في الباخرة.

*تعليق الصورة: نساء وبنات العائلة الخطابية، وهي تستعد لمغادرة منفى جزيرة لارينيون
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:06 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حياة الخطابي في مصر وخططه الحلقة 19   الإثنين يونيو 04, 2018 10:44 am

admin كتب:
 الحلقة 19

الحلقة 19

حياة الخطابي في مصر وخططه

ما لا شك فيه أنه لا يمكن المقارنة بين المنفى الفرنسي في لارينيون ولجوئه الاضطراري إلى مصر كاختيار ظرفي. فقد كان ذلك اللجوء يحقق له أهدافا كثيرة، أولها الاطمئنان الثقافي والروحي على أبناء وبنات الأسرة، وثانيها أن يجدد كفاحه من أجل تحرير وطنه، الذي وصف الخروج منه كخروج الروح من الجسد.

تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي ورئاسته لها

ولم تتأخر البلاد الإسلامية من تقديم العون والمساعدة للأمير الخطابي ومرافقيه. فقد نزلت الأسرة أرض مصر وهي صفر فجاءتها الرعاية من قبل الملك فاروق، ملك مصر في ذلك الوقت. ثم سرعان ما تناهى الخبر إلى البلاد العربية والإسلامية فأبدى قادتها وزعماؤها من التعاطف والمساندة الشيء الكثير. ونذكر في هذا المقام مساندة دولتي السعودية وباكستان، بصفة خاصة، ثم العراق، وليبيا بعد الاستقلال. مما فك حصار الخطابي وبدد هواجسه في هذا المجال، ووفر لطاقته التحررية وثبَتها الجديدة. وتجلى ذلك بصفة واضحة في تأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي" في القاهرة، برئاسته الدائمة، وبمساعدة أخيه السي امحمد، الذي كلف بالدفاع والشؤون العسكرية، وباتفاق ومؤازرة زعماء وممثلي الأحزاب السياسية المغاربية؛ وكان يعتقد اعتقادا راسخا أنه إلى جانب تضافر الجهود واتحاد النوايا وتآزر الإرادات لا بد من التسلح بالإيمان الذي «هو العامل الرئيس، وهو العامل الأقوى في كل عمل جاد مهما كان». ولهذا كان يبتدئ دروسه في التوعية، التي كان يلقيها على طلبته الذين يختارهم لكي يكونوا النواة الصلبة في قيادة حركة التحرر من الاستعمار، ـ كان يبتدئ ـ بقراءة وتفسير فصل من فصول كتاب "الشمائل المحمدية" لابن تيمية؛ وفقا لرواية أحد تلامذته الكولونيل/ القائد الهاشمي الطود؛ وكان يركز على إبراز قيم الإسلام الخالدة بخلود الإنسان، المنافية لقيم الاستعباد والمناقضة لمقاصد الاستعمار.

إن خطط التحرير التي كانت طاغية على برنامج حياة الخطابي في القاهرة، جعلت مفهوم اعتبار الذات لديه يتمحور حول القضاء على الاستعمار، الذي كان ينعته بـ"آفة العصر"؛ ومن ثمة راح يُفعّل، مرة أخرى، آفاق العمل الوطني التحرري؛ لكن في مجاله الأوسع، من الحدود الليبية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، متخذا لنفسه عدة الزهد في مغريات الحياة؛ فقد اعتذر للسلطات المصرية على الإقامة هو وأسرته في قصر من قصور الحكومة المصرية، شاكرا لها حسن ضيافتها، كما شكر لها سخاء كرمها، واعتذر عن قبول رخصة الديوان الملكي باقتناء ما يحتاج إليه من المحلات التجارية العامة والخاصة؛ واكتفى باكتراء فيلا صغيرة تتكون من طابق أرضي وطابق علوي، في 5 شارع قاسم أمين بحدائق القبة؛ حيث استقر حتى التحق بالرفيق الأعلى. وكان بيت نوم الأمير في الطابق السفلي لا يتجاوز 14 مترا مربعا، وكان مكتبه أيضا بنفس المساحة، وفيه استقبل محمد الخامس في 13 يناير 1960، فقد كانت حياته بسيطة، بعيدة عن زخرف الحياة، أو مظاهر الفخفخة. فبالإضافة إلى اعتذاره عن الإقامة في قصر، وعن خدمات المحلات التجارية المدفوعة الثمن، فضل أن يعيش عيشة متواضعة، على عكس ما كان عليه الأمر، بنسبة كبيرة، في جزيرة لارييونيون. وتفيدنا المعلومات التي استقناها من أسرته أنه لم يقبل أبدا الهدايا العربية والاسلامية المتمثلة في السيارات الفخمة الفارهة، وكان يردد، عندما يسأل عن سبب ذلك، حينما تعم العدالة الاجتماعية المجتمعات الإسلامية سأكون سعيدا باستقبال تلك الهدايا، ويؤكد أبناؤه أنه لم يتناول طعامه أبدا في آنية فضية أو ما يشبه ذلك، ولم يحدث أن لبس لباسا غير الكاكي والصوف. وكان يتصدق بالأشياء المخالفة لذلك، ولا تزال ابنته عائشة تحتفظ بالسكاكين والمعالق والشوكات التي كان يتناول بها طعامه في السنوات الأخيرة من عمره، وهي من المعادن العادية. وتحضرني في هذه المناسبة عبارة لأحد المجاهدين الجزائريين، الذي عرف مولاي موحند عن قرب، كان يرددها على مسامعي وهي: "عبد الكريم أمير حقيقي لأنه كان يتناول معنا على سفرته العدس والبيصارة".

ولم تكن حياة السي امحمد والسي عبد السلام اللذين استقرا في الجهة الغربية لنهر النيل في كل من الجيزة والدقي مخالفة لنمط حياة الأمير.

أما الفيلا الني كان يسكنها الأمير بالإيجار، فقد أعيدت إلى أصحابها، ثم في معمعة الانفتاح، الذي قاده الرئيس أنوار السادات في السبعينيات من القرن الماضي، أُقيم في حديقتها عمارتان سكنيتان، بدل أن تتحول إلى متحف لمرحلة الخطابي في مصر يبقى شهادة مصرية على مساهمتها في العمل التحريري للمغرب. لكن لماذا نطلب أو نلوم المصريين على شيء لم نبادر به نحن في المغرب إلى الآن، وتركنا بيته الذي انبعثت منه الوطنية المغربية الحديثة ليصبح أثرا بعد عين، وأطلالا دارسة؛ كي لا تتعرف الأجيال على مواقع رامزة إلى ذاكرتها وتاريخها.

تطور وضعية الأسرة الخطابية: اجتماعيا ومعاشيا

نعود إلى الجانب المالي، ونشير إلى أن الحكومة المصرية خصصت معاشا ثابتا للأمير مقداره، حسب علمي 500 جنيه مصري شهريا. ومن جهتها أرسلت السعودية مساعدات مالية كبيرة؛ لكن عبد الكريم لم يكن بتوصل بها كلها لأنها كانت تمر عن طريق "مكتب المغرب العربي"، الذي كان قد تأسس في شهر فبراير1947. وكان الزعماء المغاربيون يتقاسمون تلك المساعدات؛ ولم يعلم بها مولاي موحند إلا عن طريق شهيد تونس الحبيب ثامر، الذي جاء يوما ليسلمه مبلغا ماليا، فعرف منه أنها أموال سعودية أرسلت إليه واستولى عليها زعماء الحركات الوطنية المغاربية في " مكتب المغرب العربي" بالقاهرة.

وذكر لي أنجال الخطابي أن الجزء الأعظم من المساعدات، التي قدر لها أن تصل إلى والدهم، كانت توجه إلى الطلبة الذين كانوا يقصدون مصر للدراسة، ولتهيئة الظروف لانطلاق جيش تحرير البلدان المغاربية تحت إشراف "لجنة تحرير المغرب العربي". ومن هذه اللجنة تكونت النواة الأولى لجيوش المغرب الغربي بقيادة القائد الهاشمي الطود، والمجاهد محمد حمادي العزيز، والشهيد حدو أقشيش، المعروف باسمه الحركي: أحمد عبد السلام الريفي، عبد الحميد بن الهاشمي الوجدي، وعز الدين عزوز التونسي، المعروف باسمه الحركي: أمين الطرابلسي، ومحمد إبراهيم القاضي الجزائري، الذي تم اختطافه مع حدو أقشيش وعرف نفس المصير، وغيرهم من أبطال المغرب الكبير.

قصة المعاش المغربي لأسرة الخطابي

وبالعودة إلى موضوع معاش الخطابي وأسرته تجب الإشارة إلى أن السلطات المغربية، في المنطقتين السلطانية والخليفية، لم يثبت أنها قدمت أي مبلغ مالي لمولاي موحند. وهذا عكس ما يشاع هنا وهناك. لكن عند زيارة محمد الخامس للقاهرة في يناير سنة 1960 أدى زيارة لعبد الكريم في بيته، الذي أشرنا إليه أعلاه، فقدم له عدة هدايا من مثل 50 قطعة ذهبية من نوع لويزة لكل فرد من أبنائه الذكور، و25 لويزة لكل واحدة من البنات، ثم قرر، رحمه الله، أن يخصص معاشا ثابتا لمولاي موحند مقداره 1000 جنيه مصري شهريا، ولأخيه السي امحمد معاشا قدره 400 جنيه شهريا كذلك.

شكر عبد الكريم الملك محمد الخامس على هذه الالتفاتة، التي طال انتظارها؛ ثم كتب في الحين إلى كل الدول التي كانت تساعده، شاكرا لها أفضالها، مبلّغا إياها أن جلالة الملك محمد الخامس قد ناب عنهم بتخصيص معاش قار له.

غير أن مواقف عبد الكريم من الدستور الأول للمغرب، في عهد الحسن الثاني، سنة 1962، الذي كان رأيه فيه بأنه ليس دستورا تعاقديا بين الحاكم والمحكوم، كما هو متعارف عليه، ومعمول به في كل الأنظمة الديمقراطية في العالم ، بل هو دستور ممنوح، يحرم الشعب من أي مراقبة حقيقية، أو مساءلة الحكومة، لأنها غير مسؤولة أمام نواب الشعب؛؛ وبأن هذا الدستور لا يضمن أي استقلال فعلي للسلطات الثلاث على أرض الواقع. أدت ـ تلك المواقف ـ إلى الانتقام منه بتوقيف المعاش الذي والده قرره محمد الخامس.

أما ما يقال عن تخصيص المغرب ميزانية، وامتيازات مادية واجتماعية لأسرة الخطابي، كما يشاع هنا وهناك، فهو مجرد كلام يردده البعض لمآرب أخرى...وسنحاول توضيح الصورة التي استطعنا تكوينها بالمعطيات المتوافرة لدينا؛ ونبدأ بالأمير، فهو لم يحصل في حياته ولا في مماته على أي امتياز باستثناء المعاش (إذا كان ذلك امتيازا) الذي قرره الملك محمد الخامس سنة 1960، وتم إلغاؤه في أواخر سنة 1962، كما أسلفنا القول. ولم تحظ أسرته بامتيازات اجتماعية؛ فحتى أرملته لم يفكر أحد من المسؤولين في منحها، مثلا، جواز سفر ديبلوماسي، أو معاملتها في المطارات معاملة الشخصيات الاعتبارية،vip، أسوة بمعاملة المصريين في مطاراتهم، وهي ليست مصرية، ولم يمنح لها بيت تستقر فيه حين قررت الإقامة في وطنها، ولم تجد من يؤويها غير ابنتها عائشة في منزل زوجها السيد مصطفى بوجيبار، ولم تحصل على بيت من الدولة المغربية إلا سنة 1994، لكنه بيت خال من أي أثاث. إضافة لمزرعة في مراكش. وقد تخلص الورثة من كليهما معا.

وحالة أرملة الأمير لم تكن حالة منعزلة في معاملة السلطات المغربية لأعضاء أسرة الخطابي؛ فشقيق الأمير السي امحمد حين عاد للمغرب سنة 1967 عاد كأي إنسان عادي؛ لم يخصص له أدنى استقبال يليق بشخصية لها حضور قوي في الكفاح الوطني. فقد تم إبلاغ المقربين إليه بعدم إذاعة تاريخ رجوعه، بدعوى تجنب مشاكل محتملة نتيجة حضور مكثف للجماهير إلى مطار سلا ـ الرباط حيث سينزل!! وفقا لشهادة السيدة عائشة الخطابي، بل حتى أفراد الأسرة الذين جاؤوا لاستقباله تم إخبارهم، من قبل سلطات المطار، بأن الطائرة سجلت تأخيرا مدته ثلاث ساعات، فغادروا المطار للراحة عند بعض الأصدقاء بالرباط. إلاّ أن أحد مقربي الأمير وصهره في آن واحد، وهو السيد محمد بوجيبار، تكاسل عن مغادرة المطار وفضل البقاء هناك؛ وتفاجأ أن الطائرة المعلن رسميا عن تأخر وصولها قد حطت بعد لحظات قصيرة من ذلك الإعلان، وشاهد السي محمد واقفا في صف طويل بين المسافرين ينتظر دوره لختم جواز سفره، مثله مثل عامة الناس، دون أدنى اعتبار أو تقدير للرجل الذي ضحى بعمره في سبيل الوطن. فهل يمكن أن نتخيل تصرفا أسوأ من هذا التصرف؟؟

ثم ماذا جرى بعد ذلك؟ أخذ إلى فندق حسان ليُعزل عن الناس الذين اشتاق إلى رؤيتهم ورؤية ألوان بلده في سحناتهم، وهم كانوا مشتاقين إليه كذلك، ليروا فيه رمزا من رموز تضحياتهم في سبيل عزة وطن لم يرضوا أن يكون فاقدا لحريته وعنفوانه في أي لحظة من لحظات تاريخه.

بقي السي امحمد رهين محبسه في الفندق يتألم من صروف الزمن المغربي في عهد الاستقلال أكثر من صروف المرض الذي كان يعاني منه، فلبى نداء ربه بعد وقت قصير، لأن ظلم أهل الوطن اشد مضاضة من ظلم الغرباء والأعداء.

ونستأنف حديثنا عن الجانب المعيشي، فنسجل أنه منذ توقيف المعاش، في أواخر سنة 1962، عاشت الأسرة الخطابية وضعا ماليا مضطربا. فالمعاش المغربي ألغي بعد سنتين من إقراره، والمساعدات الأجنبية كانت قد توقفت بطلب من مولاي محند عقب التفاتة محمد الخامس ، كما أشرنا أعلاه، ولم يبق للأسرة ، إذن، إلا المعاش المصري المقدر ب 500 جنيه؛ الذي كان قد فقد قيمته الشرائية مرات عديدة.

وبعد وفاة مولاي موحند في 06 فبراير 1963 قرر أفراد الأسرة شكر مصر، والتنازل عن ذلك المعاش، كونه كان مخصصا لشخص والدهم، وهنا اشتدت الأزمة المعيشية. وعاشت الأسرة، منذ تلك اللحظة، ضائقة مالية خانقة، فالسيدة عائشة، مثلا، حين تزوجت بالدكتور مصطفى بوجبار سنة 1964 تعذر على أسرتها أن تقيم لها حفل زفاف يليق بمقامها، بل لم تستطع أن تقتني لها قفطان العروس كباقي العرائس. والأكثر من ذلك فإن الكولونيل عبد السلام بن محمد بن عبد الكريم الخطابي وجد نفسه معدما بعد طرده من الجيش الملكي، كما تقدم، بل وصل به وضعه المادي إلى المبيت في الحديقة العمومية في الرباط.

وعاش إدريس في ضائقة مالية شديدة، ولم يسعفه إلا عديله السيد السدراوي حين وظفه في شركة النقل التي يمتلكها. هذه بعض الشذرات من حياة أسرة الخطابي في جانبها الاقتصادي والمعيشي.

أما ما تم ويتم تداوله بين المغاربة، والذي يفيد أن أعضاء أسرة الخطابي حصلوا على معاشات حكومية، فهو أمر لم يحدث إلا في أوائل الثمانينيات، بفضل جهود قام بها بعض المسؤولين من أمثال السيد المنصوري بنعلي وأحمد بنسودة، لدى الدوائر المغربية العليا. وتقرر تخصيص معاش قار مدى الحياة للأبناء المباشرين لأسرة الخطابي الكبرى (مولاي موحند، وسيدي امحمد، وسيدي عبد السلام) ومقدار ذلك المعاش كان يتراوح بين 25000 و 10000درهم بالنسبة للذكور و 15000 و 10000درهم بالنسبة للاناث شهريا. إضافة إلى مبلغ 25000. لأرملة الأمير.

فروع الأمير الخطابي

ولتكوين صورة مصغرة عن هذه الأسرة يجدر التذكير بأن محمد بن عبد الكريم الخطابي كان قد تزوج سنة 1920 من أسرة بوجبار من أجدير، كما هو معلوم. وفي سنة 1921 ازداد له ابنه البكر عبد الكريم، الذي توفي في القاهرة سنة 1984؛ وهو الوحيد من أبنائه الذي لم يسبق له أن زار المغرب، ولا يزال منفيا ميتا، كما كان حيا، إلى جانب والده بمقابر الشهداء في القاهرة، و ترك ابنة واحدة اسمها رانية، مقيمة في مصر.

وفي سنة 1924 ولد له عبد المنعم الشهير ب "عبده" تقديرا من والده للشيخ محمد عبده، وتوفي في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم في القاهرة، وضريحه يوجد بمقبرة الإمام الشافعي، وهو لم يتزوج.

وفي السنة نفسها، أي 1924، رأى النور ابنه الثالث عبد السلام من زوجته الثانية، التي تزوج بها سنة 1923. ولم يترك عبد السلام الذي توفي بالمغرب أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات، عقبا، وقد دفن في مقبرة المجاهدين بأجدير الحسيمة. علما أن عبد السلام التحق بالجيش الملكي غداة الاستقلال، ثم تركه مطرودا لأنه رفض محاربة الجزائر فيما يسمى بحرب الرمال سنة 1963، التي لا تزال الشكوك من جدوى خوضها قائمة إلى الآن.

وفي سنة 1926 ازدان بيت مولاي موحند بـ "تيموش" أو فاطمة، شقيقة عبد السلام، وتوفيت سنة 1989 بالقاهرة، وكانت متزوجة ولها ولدان هما : لامية وعبد الكريم.

وفي لحظة الوصول إلى جزيرة لرونيون (La Rreunion)، مقر منفاه الأول في وسط المحيط الهندي، في أواخر سنة 1926 ولد إدريس، الذي تتفق جميع الآراء أن سلوكه ومواقفه كانت متطابقة مع مواقف والده، وقد توفي في حادثة سير قرب القنيطرة صيف 1979، ودفن في أجدير الحسيمة وترك ولدان: هشام وياسين.

أما الابن السادس فهو سعيد الذي ولد سنة 1933توفي سنة 2007. ولسعيد ثلاثة أولاد، هم: عبدالكريم وإيمان وطارق.

وفي سنة 1937 رزق امّيس ن سّي عبد الكريم بابنته الثانية : "رقية" وهي متزوجة ومقيمة في مصر، ولها ولد وبنت : محمد وياسمين.

وفي سنة 1939 رأت النور الابنة الثالثة، مُنات ، الشهيرة ب "منى" المقيمة في مصر إلى الآن ، متزوجة وليس لها عقب.

وفي سنة 1940 رزق الخطابي بتوأمين، هما عبد المحسن ومريم. استقر عبد المحسن بالدار البيضاء منذ شبابه، وكان من رجال الأعمال؛ وتوفي في أواسط التسعينيات، ودفن في أجدير الحسيمة إلى جانب إدريس وعبد السلام، وترك بنتا واحدة اسمها شهد.

أما مريم فكانت مقيمة بالدار البيضاء بعد طلاقها، ولها ابن واحد، هو أحمد. توفيت سنة 2017

وفي سنة 1942 اكتمل عنقود الأمير بازدياد كريمته عائشة، التي التحقت بالمغرب سنة 1964، بعد أن عُقد قرانها على ابن خالها الدكتور مصطفى بوجبار، رحمه الله، ورزقت بثلاثة أولاد هم: خديجة وعبد الكريم ومنير.

وخلاصة القول إن الأمير محمد عبد الكريم الخطابي بقدر ما كان يشغله مصير حياة أسرته في منفاها بقدر ما كانت تسكنه هموم التحرر من ربقة الاستعمار؛ ولذلك عاش مناضلا ومجاهدا في سبيل القيم التي آمن بها، ثابتا على مبادئه، عاملا على تحقيقها، لم يسع لا إلى سلطة ولا إلى جاه؛ فقد كان بوسعه أن يحصل عليهما جميعا، كما كان زاهدا متقشفا في مباهج الحياة المادية، وغريما لأعداء العدالة والحرية؛ لا شيء يحرك سواكنه أكثر من قضايا تحرير الشعوب من كل أشكال الاستعمار والاستعباد، ونشر قيم العدالة الاجتماعية، والعيش في كرامة، واسترخاص الحياة في سبيل العزة الإنسانية.

ولذلك فضل أن يستمر في منفاه، حيا وميتا، على ألاّ يكون شاهد زور على استقلال وطن بُترت أطرافه، وأهين شعبه، وقمعت إرادة أحراره، واقتسمت ثرواته، لأنه استوعب وجهة التاريخ ومكره في آن واحد.
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:06 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة 20 علاقة الخطابي مع الطبقة السياسية المغربية   الثلاثاء يونيو 05, 2018 1:12 am

admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 20

الحلقة 20

علاقة الخطابي مع الطبقة السياسية المغربية

من المؤكد أن تجربة الخطابي في التحرر من قوى الاستعمار كانت نبراسا لعدد من الحركات التحررية، في الصين مثلا، وفي الفيتنام، وفي كوبا، وغيرها من الحركات. وقد سبق أن قرأنا شهادة علال الفاسي عن مكانة الخطابي لدى السوريين والعراقيين. وقلما حدث أن أنجزت دراسات وأبحاث تاريخية، كما ونوعا، دونما إشراف أو توجيه من أي جهة كانت، كتلك التي أنجزت عن وحول، الخطابي. ففي إحصاء أولي أنجزه الباحث مصطفى اللوه، تم رصد حوالي 2000 مؤلف وبحث ودراسة ومقال علمي، تناولت كلها مساهمة الرجل ورفاقه ، كمنطلق لتأسيس وعي جديد عند الشعوب المستعمَرة، استطاعت من خلاله أن تستعيد إيمانها بقدرتها على نفض الغبار الاستعماري ، والتمرد على نزعة الاستسلام لمجريات الأحداث، والتواكل والتقاعس عن عدم القيام بالواجب. وقد عبر الخطابي نفسه عن ذلك بقوله: «عدم الإحساس بالمسؤولية هو السبب في الفشل، فكل منا ينتظر أن يبدأ غيره.» .فكيف نظر إليه قياديو ما سمي بالعمل الوطني في المغرب؟

منهج عبد الكريم ومنهج أحزاب الحركات الوطنية السياسية في المقاومة

إن الوعي بالمسؤولية التاريخية، المقرون بإدراك واقع الضعف الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن الانسحاب منذ قرون من حركية التاريخ، يتطلب البحث عن أساليب جديدة لإعادة الاعتبار للذات ودحر القوى الاستعمارية؛ هذه القوى التي وظفت تفوقها الصناعي والتقني والعسكري والتنظيمي لغزو الشعوب الأقل تطورا لأسباب معروفة، لتنهب موادها الخام، وتستغل يدها العاملة الرخيصة، وتفتح أسواقها لمنتجاتها الصناعية؛ وكان لابد أن تكون تلك الوسيلة مخالفة للمناهج العسكرية الاستعمارية، نظرا لغياب الحد الأدنى من التناسب بين قوتي الفريقين في كل المناحي التي أشرنا إليها؛ ولم تكن تلك الوسيلة إلا ما اصطلح عليه لاحقا بـ "حرب العصابات"، أو الحرب الثورية، التي تعتمد على القلة الفاعلة العارفة بتضاريس الأرض التي تجري فيها المعارك، وتجعل من المسالك الجبلية بحرها الذي تسبح فيه بمهارة لا يتقنها الغزاة، ومن منحنياتها الشديدة الوعورة طوق نجاتها الآمنة، التي توفر للوطنيين الفاعلية في العمل، وإحداث الخلخلة في صفوف العدو، وإلحاق الخسائر الموجعة به، على الرغم من تفوقه في العدد والعتاد.

ولذلك تركزت جل الأبحاث والدراسات، المشار إليها، عن إنجازات الأمير الخطابي الحربية والإستراتيجية والمنهجية الجديدة في مقاومة الاستعمار وتحرير الأوطان. وقلما تعرضت تلك الدراسات إلى المرحلة اللاحقة، مرحلة القاهرة الممتدة من صيف سنة 1947 إلى تاريخ وفاته يوم 6 فبراير 1963، وبصفة أخص المرحلة التي كانت فيها القاهرة مركزا مهما للحركات الوطنية السياسية المغاربية (حركات المغرب والجزائر وتونس). فقد أسست هذه الحركات في بداية سنة 1947 "مكتب المغرب العربي"، قصد التعريف بقضايا شمال إفريقيا ونضالات شعوبه ضد الاحتلال الفرنسي والإسباني. وتعززت تلك النضالات بلجوء الأمير الخطابي إلى أرض مصر في 31 مايو 1947؛ حيث التفّ حوله زعماء تلك الحركات الذين شاركوا، كل بطريقته، في عملية " تحريره" من الأسر والنفي؛ فكيف تطورت علاقة هؤلاء به، وكيف كانت علاقته هو بهم؟ ثم لماذا صار اسمه غداة الاستقلال محرم التداول بين المغاربة بأمر من قادة حزب الاستقلال؟ وصار بالتالي كل من ظهر عليه شيء من التعاطف معه، أو وجدوا عنده مقالا من مقالاته، أو نداء من نداءاته الوطنية، إلى مصير مجهول؟



تأسيس مكتب المغرب العربي، من اليمين إلى اليسار: إدريس السلاوي، امحمد بنعبود، حسن التريكي، عبد الكريم غلاب، رشيد إدريس (في الوسط)، الفهري الفاسي، إبراهيم طوبال، عبد المجيد بنجلون، الشادلي المكي، عز الدين عزوز.
ومن الملاحظ أن عملية التأسيس لم يحضرها أي زعيم سياسي قيادي.

نحاول أن نوجز القصة من بدايتها. فمما لا شك فيه أن شخصية الخطابي ليست من النوع الذي يركن إلى الراحة ووطنه لا يزال مستعمرا، وليس من الصنف الذي يقنع بالعمل الإعلامي والسياسي كمنهجية للتحرر الوطني. ولذلك، وبمجرّد أن تعرف بدقة أكثر على أوضاع الأقطار المغاربية، بعد لجوئه إلى مصر، بادر إلى تأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي" بـ"مشاركة" و"مباركة" زعماء الحركات الوطنية، كما بادر، في الوقت نفسه، إلى إنشاء نواة جيش تحرير المغرب العربي لتفعيل ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي، ولإيمانه الراسخ بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وهنا وقع أول خلاف بينه وبين زعماء الأحزاب الذين اعتبروا أحزابهم «أحزابا شرعية دستورية» ترفض اللجوء إلى العمل المسلح.

وتطلعنا الأحداث التي وقعت في الإبّان، والوثائق المتوافرة اليوم أن الوئام الذي ساد بين الخطابي والزعماء السياسيين في الشهور الأولى من استقراره في مصر لم يدم طويلا، خاصة مع جناح من الحركة الوطنية السياسية المغربية بزعامة علال الفاسي، وجناح بورقيبة في الحركة الوطنية التونسية؛ إذ سرعان ما تمت مقاطعة أشغال لجنة تحرير المغرب العربي من قبل هذين الجناحين. لقد ظهر ذلك، بداية، في غياب هذين الجناحين وعدم مشاركتهما في الإعداد للمقاومة المسلحة لتحرير أقطار الشمال الإفريقي التي كان يرى فيها الخطابي الخلاص الأكثر نجاعة من الاستعمار، والضامن الأساس لاسترجاع كل التراب الوطني، والخطوة الأكثر إيجابية نحو تحقيق الوحدة المغاربية التي تفككت منذ نهاية دولة الموحدين في القرن الثالث عشر. في حين كان الزعيم علال الفاسي يؤمن بالعمل السياسي السلمي، ولا يعطي للسلاح المقام الأول في العمل الوطني.

ومن جانب آخر بقي الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة وفيا لخطته السياسية لتحرير بلده من الاستعمار الفرنسي، التي كان قد قدمها إلى المؤتمر الثاني للحزب الدستوري الجديد، سنة 1937، حين توجه إلى المؤتمرين قائلا: «إن الاستقلال لن يتحقق إلا بثلاث طرق؛ وتتمثل الأولى في ثورة شعبية عنيفة عارمة تقضي على الحماية، والثانية في هزيمة فرنسا في حربها ضد دولة أخرى؛ أما الثالثة فتنطوي على حل سلمي على مراحل بمساعدة فرنسا نفسها، وتحت إشرافها. إلا أن اختلال توازن القوى بين الشعبين التونسي وفرنسا يلغي أي حظ في انتصار شعبي، كما أن أي هزيمة عسكرية على يد دولة أخرى لن تساعد عملية الاستقلال، بل تسقطنا بين مخالب استعمار جديد؛ فلا مجال، إذن، للخلاص إلا بالطرق السلمية وتحت رعاية فرنسا.»



من اليمين إلى اليسار: إبراهيم طوبال (تونس)، عمر سليمان (مصر)، علال الفاسي(المغرب)
تطورَ الاختلاف حول منهجية التحرير الوطني بين عبد الكريم الخطابي وبين قادة حزب الاستقلال والحزب الدستوري الجديد إلى خلاف مستحكم، مما أدى في نهاية المطاف إلى قطيعة عدائية لخطط رئيسها، ولشخصه بالذات؛ الأمر الذي جعل اللجنة تتخذ قراراتها من قبل رئيسها الأمير الخطابي وشقيقه السي امحمد بصفته رئيسا للجنة الدفاع، مع حضور واضح للجناح الثوري في الحركة الوطنية الجزائرية.

علل المؤرخ المغربي محمد زنيبر ما آل إليه الأمر بين الخطابي وقادة الحركات الوطنية السياسية في موضوع مسألة القيادة، فاستخلص أن هؤلاء الزعماء اعتبروا «عبد الكريم قيمة تاريخية وأسطورة يجب استغلالها، لكن أن يضعوا أنفسهم تحت إمرة عجوز يضطلع بالقيادة وتكون له الكلمة الأخيرة، فتلك مسألة لم تكن مطروحة؛ كان على عبد الكريم، في نظرهم، أن يقبل بدور صوري فخري، دور الشيخ الحكيم الذي يصغون إليه باحترام وإجلال، دون أن يكونوا ملزمين تجاهه بأي أمر. من جانبه لم يكن البطل الريفي يهدف للدخول في هذه اللعبة، فشخصيته القوية لم تكن لتتيح له القيام بهذا الدور؛ إنه كان يريد الاضطلاع كليا بمسؤولياته كزعيم قائد.»

الواقع أن منطق استغلال " أسطورة "عبد الكريم بعيدا عن منهجه في التحرير الوطني كان حاضرا بقوة في خطط الزعيم علال الفاسي؛ فهو حين يقيم أهمية "تحرير" الأمير الخطابي من أسر المنفى الفرنسي يقر بأن ذلك كان من أجل «السماح لحركتنا بالاستفادة من مجده وتجربته وشهرته العالمية الكبرى» . ويشير الزعيم الحبيب بورقيبة إلى هذا المنطق الاستغلالي، حين أقر في شهادته التي أدلى بها لملتقى باريس لسنة 1973 حول عبد الكريم بأن «تطور العلاقة بينهم ـ( الزعماء) ـ وبين عبد الكريم الخطابي يعود إلى مجابهة بين عصرين؛ فعبد الكريم كان يمثل عصر التحرك المباشر: عصر الحرب. أما الآخرون فكانوا من الوطنيين ممن أسسوا أحزابا شرعية دستورية الذين كانت لهم إستراتيجيتهم المختلفة؛ ولم يكن باستطاعتنا التفاهم، فالاستراتيجيات كانت مختلفة». وهذا يعني أن قادة هذه الأحزاب كانوا بحاجة إلى استغلال سمعة عبد الكريم في العالم، وليس إلى منهجيته التي رحلت إلى الفيتنام مع هوشي منه، وإلى الصين مع ماوتسي تونغ، وإلى أمريكا اللاتينية مع تشي جيفارا.

وأهم مجال تم فيه استغلال سمعة عبد الكريم الخطابي هو الضغط على فرنسا بأن تتفاهم معهم هم، من أن تواجه الخطابي في الميدان مجددا. وقد أقلقت خطط الخطابي فعلا القيادة الفرنسية، وسببت لهم أرقا سياسيا كبيرا، كما تشير إلى ذلك مذكراتهم حول الأزمة المغربية.

نعتقد أنه لم يكن هذا كل ما في الأمر؛ فقادة الحركة الوطنية السياسية لم يجعلوا حركة عبد الكريم الخطابي ومنجزاتها، ما بين 1921 و1926، مرجعا لأدبياتهم السياسية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خاصة «أن غالبية سكان المدن والمثقفين من البرجوازية الصغيرة من القادة لم يفكروا قط في الخروج عن طـريق التحرك السلمي والشرعي»، على حد تعبير المؤرخ زنيبر. لكن هؤلاء القادة كانوا يتوجسون خيفة من قواعدهم النضالية التي كانت تميل إلى منهج الخطابي أكثر مما تثق في منهج الأحزاب الخاص بموضوع التحرر الوطني. هذا ما لمسناه في أحاديث قدماء القواعد النضالية للحركة الوطنية المغربية، خلال مشاركاتنا في الملتقيات التي كان ينظمها المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. ومن جهة أخرى أثار غياب حركة الخطابي في خطاب الحركة الوطنية تساؤلا محيرا لدى المؤرخين المغاربة المعاصرين. فعبد الله العروي، بعد أن سجل إغفال قيادة الحركة الوطنية السياسية لمرحلة 1926 و 1947 التجربة الريفية، يتعجب كيف أن ما بقي من إنجازات تلك المرحلة الوطنية التي قادها الأمير الخطابي في ذاكرة جيل الحركة الوطنية يغلب عليه، بشكل حاسم، «العنصر العسكري والعاطـفي أو الأسطوري، ويطغى على أي تحليل سياسي موضوعي، مفصل، يتناول نقاط القوة عند عبد الكريم ومكامن ضعفه»، إلى أن يقول: «إننا لا نجد عمليا في خلال الفترة التي سبقت 1947، أي قبل عودة عبد الكريم إلى المسرح السياسي، شيئا ذا شأن حول الأسطورة الريفية؛ وأن هذا الغياب شمل التيارين الوطـنيين في المغرب.»

من الصعب، إذن، استبعاد أثر تلك القطيعة، بين الحركة الوطنية المسلحة التي طغت عليها منهجية الخطابي، القائمة على الكفاح المسلح، وبين منهجية الحركة الوطنية السياسية بزعامة علال الفاسي، القائمة على "المقاومة" السلمية، على استقلال المغرب وعلى ما واجهته من مشكلات خطيرة، أهمها تلك المعاناة التي لا يزال المغاربة يعانونها في استكمال وحدتهم الترابية، جنوبا وشمالا، وبناء دولتهم الديمقراطية التي تكفل حقوق المواطنة والكرامة لكل المواطنين دون استثناء أو إقصاء. ولعل هذه المعاناة هي التي جعلت العروي يتمنى على المغاربة العمل على فهم رسائل وكلام الخطابي وعلال الفاسي والأخذ بهما معا، والعمل بهما وطنيا، قصد تجاوز كل ما من شانه أن يعزز التوجهات الفئوية أو الجهوية، التي وقع المغرب في فخها عشية الاستقلال، وأثرت سلبا على بناء الدولة الوطنية الحديثة. فالخطابي وعلال الفاسي، بالنسبة للعروي، «شخصيتان مرموقتان، وجهان عرفا العظمة، ولكنهما عرفا الفشل: الأول في ساحة المعركة، والثاني لاحقا، وبشكل قد يكون أكثر مأساويا، على طاولة المفاوضات. ولم ينهض المغرب من هذا الفشل المزدوج؛ أما نحن، نحن الذين علينا بناء هذا المغرب المهدوم...، طـالما سمعنا رسالة علال الفاسي، أما آن لنا القيام بحل رموز الكلام المتقطع لعبد الكريم الريفي؟».
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:06 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 21   الأربعاء يونيو 06, 2018 1:26 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 21

الحاقة 21

اختلاف المشاريع السياسية لبناء الدولة المستقلة

توقفنا في الحلقة السابقة عند دعوة العروي إلى استحضار آراء الحكيمين عبد الكريم وعلال الفاسي. لكننا نعتقد أن ما اعتبره العروي كلاما متقطعا للخطابي قد لا يبدو كذلك لمن يمعن فيه النظر من موقع آخر. فالخلاف المركزي بين القادة السياسيين والخطابي كان قبل كل شيء حول منظورهما إلى الاستقلال الوطني؛ فأولئك الذين شدوا الرحال إلى إكس ليبان مهرولين للحصول على حصتهم في المغرب المقطّع الأوصال، لم يكن لهم أي برنامج سياسي واضح المعالم والأهداف، كما أكد السيد الغالي العراقي في مذكراته، حين ذكر أن مجموعة تطوان، التي كانت تهيء لانطلاق جيش التحرير، استقبلت السيد المهدي بن بركة، قبل أن يتوجه إلى مفاوضات إكس ليبان، ولم تجد لديه أي مشروع سياسي يمكن طرحه على الجانب الفرنسي، بل اكتفى بالقول: «إن مطلب جماعة المفاوضين ينحصر في حماية أظهرهم، حتى يطمئنوا لمساندتكم ودعمكم.»

ومن جهة أخرى تؤكد شهادة المفاوض الفرنسي الرئيس، في مفاوضات إكس ليبان، ما ذهب إليه الغالي العراقي، من كون المفاوضين المغاربة لم يكن لديهم أي مشروع سياسي متكامل الأركان والأبعاد، أثناء استقبالهم من قبل الفرنسيين المفاوضين لهم؛ إذ يبدو أنهم ذهبوا إلى هناك لا للتفاوض حول الاستقلال، وإنما للحصول على اعتراف فرنسا برغبتهم في الاستقلال، ليس إلاّ. فقد نقل السيد إدغار فور(Edgard Faure) عن تقرير للوزير Pierre July، الوزير الكلف بالشؤون المغربية والتونسية قوله: «يبدو أن الوطنيين أكثر انشغالا بأن تعترف فرنسا رسميا برغبة المغاربة في الاستقلال، أكثر من اهتمامهم بأن تمنحهم إياه فورا». ويؤيد إدغار فور ما جاء في تقرير بيير جولي بما أبلغه إياه السيد عبد الرحيم بوعبيد، العضو البارز في وفد حزب الاستقلال إلى إكس ليبان، ومفاده «أن قادة جيش التحرير مصرون على القيام بتمرد عسكري منسق، يشمل مجموع البلاد المغربية الجزائرية، وأن الوطنيين المؤيدِين لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس وحدهم من يستطيع إيقاف تلك الدسائس الآن. وإذا تأخر الأمر بضعة أشهر دون تحرك سيكون الوقت قد فات. وسيشتعل المغرب العربي حربا.» ثم أضاف: «يمكننا أن نؤخر لبضع سنين استقلال المغرب بناء على اتفاق معقول بيننا (فرنسا) وبين السلطان الشرعي؛ غير أنه إذا تأخرنا في ذلك سيكون الوقت قد فات حتى لو قدمنا كل شيء لمحمد الخامس»، إلى أن قال: «إن عبد الرحيم بوعبيد لم يخف عني وجود تيارات متعددة بين المجموعات الوطـنية ليس لها توجه عسكري، فإذا تحركنا بسرعة ستلتف تلك التيارات حول محمد الخامس، فيصبح ساعتها تحييد وعزل المحاربين الثوريين أمرا ممكنا.»

في واقع الأمر شارك هؤلاء "الوطنيون" بقوة في عزل الثوريين وقطع الطريق على جيش التحرير وعلى عبد الكريم الخطابي. وقد حاول الفقيه البصري استعادة مجريات الأحداث، بعد انقضاء نصف قرن من الزمن عن تلك المرحلة الخطيرة من التاريخ السياسي للمغرب، فأوضح أن اتفاقا عقد بين الأحزاب والملك محمد الخامس في باريس، بعد رجوع هذا الأخير من منفاه بمدغشقر، وكان هدفه «محاصرة المقاومة وجيش التحرير، وقطع الطريق على عبد الكريم الخطابي.»

لكن لماذا اتخذت العلاقة بين الخطابي وبين قادة حزب الاستقلال هذا المنحنى الذي أثر سلبا على المغرب، وهو يستعيد استقلاله ودوره في التاريخ، ويتلمس طريقه لبناء مستقبله السياسي؟ هل تعلق الأمر بصراع الأجيال السياسية كما قال المؤرخ زنيبر؟ أم أن التباعد حدث منذ أن قرر القادة " الوطنيون"، المنتمون إلى برجوازية المدن التقليدية، أن يبنوا "وطنيتهم" على أرضية مخالفة تمام الاختلاف لأرضية حركة الخطابي الوطنية، ذات الأصول البدوية، كما أشار إلى ذلك عبد الله العروي؟ أو أن المسالة لم تكن إلا ترجمة لنوايا وأهداف الزعيمين علال الفاسي والحبيب بورقيبة اللذين صرحا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، بأنهما كانا بحاجة إلى شهرة الخطابي في العالم وليس إلى خططه، لكون أن عملهما السياسي عمل شرعي ودستوري مخالف تماما لما قام ويقوم به الخطابي؟ أم أن تعميق الخلاف إلى درجة القطيعة والعداء كان استجابة لما سماه عبد الرحيم بوعبيد، كما ورد على لسان إدغار فور، حين نبهه إلى أمرين في غاية الخطورة على الوجود الاستعماري، أولهما، نصيحته لإدغار فور بقوله: «انتبهوا إلى البادية التي تعتقدون أنها منضبطة بالكامل، سيكون من الصعب ضبط الغرائز هناك، إن رد فعل الفلاجا ، الذي خبرتموه في تونس، سيكون أهون مما سيقوم به رجال البادية، أولئك الفرسان المهرة البدائيين»!!! وثانيهما، حثه على التعاون مع «الوطـنيين المؤيدين لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس، (لأنهم) هم وحدهم من يستطيع إيقاف تلك الدسائس»، أي الأعمال الفدائية في المدن وتهيئة انطلاق جيش التحرير في جبال الريف.

والظاهر أن دلالة عبارتي " الوطنيين" و" الوطنية "، كما جاءت على لسان السيد بوعبيد، لم تكن زلة لسان، أو وليدة تحايل سياسي ظرفي؛ فالسيد بوعبيد الذي نُشرت هذه المذكرات في حياته، لم ينف مضمونها أو سياقها، ولم يعلق عليها. ثم بعد مرور خمسين سنة على الأحداث يأتي مؤرخ الجناح الأقوى في الحركة الوطنية السياسية، السيد عبد الكريم غلاب، ليرد متطوعا على منتقدي موقف قادة حزب الاستقلال من الأمير الخطابي، بعد أن افترق جمع لجنة تحرير المغرب العربي؛ وتهميش الرجل من مسلسل التسوية والاستقلال عن فرنسا وإسبانيا؛ وجاء الرد في جريدة " الأحداث المغربية "، عدد 23 يناير 2004، محشوا بكثير من التساؤلات عن إنجازات الخطابي في حركته المسلحة في العشرينيات من القرن الماضي، مستغربا استسلامه في الوقت الذي لم تكن هنالك دواعي كافية لذلك، حسب قوله، ثم راح يحكي بعض الحكايات عن نزوله ولجوئه إلى أرض مصر، والتي يبدو أنه أراد من خلالها تبرئة ذمة قادة حزبه مما وقع فيه المغرب المستقل من «أزمات شبه مزمنة ترتبط في أصولها ومسبباتها بمرحلة الكفاح التحريري الوطني»، على حد تعبير المؤرخ زكي مبارك. ومما جاء في تلك الحكايات أن الخطابي أصبح شيخا مضطرب السلوك لا يؤمن بالعمل الوطني؛ وقد عبر عن ذلك غلاب بقوله: «بعد ذلك، أصبحت مواقفه مطبوعة بالشدة والاضطراب، ولم يكن يؤمن بالحركة الوطنية، ولا بالعمل الوطني، ويؤمن بالقتال؛ وعندما نتحدث إليه عن العمل السياسي يرفض ذلك، ويشير بيده، وكأنه يحمل مسدسا»، إلى أن يقول: «ظل عبد الكريم الخطابي يؤمن بالعمل العسكري، ولما قام العمل العسكري في بلدان المغرب العربي، سواء جيش التحرير، أو ثورة الجزائر، أو الفلاكَة في تونس، إلا أنه لم يقتنع بذلك.»

نسي السيد عبد الكريم غلاب، الذي سماه والده باسم عبد الكريم، تبرّكا باسم عبد الكريم الخطابي وأملا في أن يسير على طريقه، أن الأحزاب السياسية التي لم تكن تؤمن بقتال المستعمر هي التي جعلت استقلال المغرب ناقصا، ووحدته الترابية مبتورة إلى اليوم، وأرغمت أجيال الاستقلال على دفع ضريبة كان يمكن أن تستغني عنها لفائدة التنمية الوطنية، لو استمع أولئك "الوطنيون المؤيدون لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس" إلى نداء عبد الكريم الخطابي المنتقد، برؤيته الاستراتيجية، لأخطار صفقة الاستقلال التي طُبخت في إيكس ليبان وقدمت إلى مائدة سال سان ـ كلو ( La Celle Saint-Cloud) لتمريرها؛ ذلك النداء الذي جاء فيه: «إن المغرب لا يمكن أن يعتبر مستقلا إلا إذا انسحب عنه الجيش الفرنسي، ولم يبق بالإدارة المغربية أجنبي، وأن تعرب كلها. إن الاستقلال الذي يتوهم المغاربة معه أنهم مستقلون ليس إلا مخدرا ناولته فرنسا المغرب، لتتفرغ لمحاربة الشعب الجزائري المكافح. إن فرنسا لا تزال تسيطر بقوتها على الصحراء المتممة للمغرب، والتي لا يمكن للمغرب أن يحيى بدونها... فمن صالح المغرب أن يكافح في سبيل استقلاله الحقيقي، ما دام الشعب الجزائري يقلق فرنسا ويرغمها على أن تعيش في فقر وقلق؛ وليس للجزائر من مساعد ولا معين إلا الله سبحانه.

إن الثورة المغربية جاشت في صدور الأمة، حتى إذا أتت أولويات ثمراتها تزعمها متخرجو المدارس الفرنسية؛ فأول ما قاموا به أنهم حموا فرنسا، وأخذوا يشيدون بمجدها وعظمتها، ويصرحون في حق الإسلام والعروبة ما يستفضع الإنسان أن يفوه به. ستعلم يوما الأحزاب السياسية المغربية أنها كانت خاطـئة في الانحناء أمام الاستعمار بالمغرب، مع أنها تعلم أن الشعب المغربي لا يزال يحمل من روح الثورة ما يكفيه لمواجهة رواسب وبقايا الاستعمار في بلاده.»

والواقع أن ما ذهب إليه السيد غلاب، في حق الأمير الخطابي، ليس جديدا على قادة حزب الاستقلال القديم، فقد كانوا ينشرونه في مجالسهم الخاصة والعامة، بل حتى في مهرجاناتهم. أما الذين كانوا يرددون أقوال الخطابي ونداءاته فكان مصيرهم ينتظرهم في معتقلات الحزب في طول المغرب وعرضه؛ حيث كان المختطف إليها مفقودا، والخارج منها مولودا. وقد تم إحصاء أكثر من 76 مركزا للاعتقال السري. وغاب عن أولئك المروجين للترهات الحزبية الحكمة التي تقول: إنك تستطيع أن تكذب على بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بشعوب تمتلك ذاكرة، لها القدرة على مقاومة ثقافة النسيان كالشعب المغربي.

شهادات على أسباب الإخفاق السياسي لأحزاب الحركة الوطنية

فلنترك، إذن، الأجيال لتعرف من كان وراء إجهاض مشروع المغرب المستقل، الذي كان يسعى إلى استرجاع كامل سيادته على كل ترابه الوطني، ومن كان وراء اضطراب أحوال المغرب المستقل، ومن كان وراء تخلفه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي طيلة ستين سنة من عمر الاستقلال.

لكن، ولكي تكتمل صورة الأحداث التي نجمت عنها سنوات الرصاص نستفتي بعض من عاصر تلك الأحداث رأيهم في وقائعها؛ ونقرأ في ما كتبوا ودونوا:

أولا: كتب السيد فتحي الديب، الضابط المصري المكلف بالتنسيق مع الأحزاب السياسية واصفا حال هذه الأحزاب، بعد اجتماعات ماراطونية معهم، بهدف تفعيل الكفاح ضد الاستعمار، فقال: «...لا أريد أن استفيض في شرح الصورة السلبية التي وصل إليها ممثلو الأحزاب في كلماتهم ومناقشاتهم، التي أقل ما يمكنني التعبير عنه هو أنني شعرت وكأنني أعيش وسط جماعة وجدوا أنفسهم، فجأة، على أبواب كنز فبدأوا يتصارعون على بابه، ليقضي كل واحد منهم على زميله لينفرد بالاستحواذ على الغنيمة.»

ثانيا: لخص السيد الغالي العراقي، وهو من قادة مجموعة تطوان لجيش التحرير، الذين صاغوا مشروعا لتحرير المغرب، الذي لم يكن مضمونه يختلف كثيرا عن رؤية الخطابي، وكان يتألف من:

« ـ إرجاع الشرعية.....

ـ إعلان استقلال المغرب داخليا وخارجيا

ـ توحيد التراب المغربي بكل أجزائه المبعثرة بين عدة مناطـق

ـ الانسحاب الشامل لكل الجيوش الأجنبية من التراب الوطـني

ـ تكوين حكومة وطـنية مؤقتة تسهر على بناء أسس الدولة الملكية الدستورية».

ومن جهة أخرى لخص السيد العراقي ما آلت إليه الأوضاع غداة الاستقلال الناجم عن مفاوضات، أو لقاءات، إيكس ليبان، وتصريح سال سان ـ كلو، فقال: «لقد شارك الجميع، وتضامن الجميع مع أصحاب الحال في إجهاض حركة المقاومة وجيش التحرير الذي تشرد الكثيرون من أجله، واستشهد آخرون لتحقيقه وترسيخه... » ثم يقترب كثيرا من توصيف فتحي الديب السابق، حين أدرك بدوره «أن الجميع كان منغمسا في نشوة النصر يتذوق طـعم ما تحقق، ويخطط لمستقبل غامض، ولمصالح ضيقة»؛ محملا مسؤولية ذلك للمؤسسة الملكية والحركة الوطنية والمقاومة المسلحة، على حد سواء.

ثالثا: انخرط الجميع، إذن، في تذوق طعم ما استولى عليه من كنوز" علي بابا"، أو ما أسماه فرانتز فانون بحلم المستعمَر «أن يأخذ مكان المستعمِر» ؛ ولكي يتم لهم ذلك يجب إيجاد المسوغ لإسكات كل صوت معارض. وكان ذلك المسوغ هو عبد الكريم الخطابي، فبدل أن يتم الالتفات إلى آرائه التي كانت تدعو إلى تحرير الوطن، كل الوطن، وبناء الدولة المغربية، لصالح كل المغاربة، راحوا يتهمونه بكل الأعمال السيئة، إلى درجة أنهم ربطوا بينه وبين الاستعمار ربطا سحريا، وهم مختصون في ممارسة السحر السياسي؛ أليس هم من "برهنوا" بسحرهم أنهم رأوا محمد الخامس في القمر؟!!. وها هو الفقيه البصري، الذي شارك في الأحداث قبل أن يكون شاهدا عليها، يروي لنا في مذكراته كيف كان يُقحم اسم الخطابي في التخلص من المعارضين لخلفاء الاستعمار فقال: «وكثر الإيحاء آنذاك بأن من يطرح موضوع إعادة بناء الدولة ومسألة الدستور، إنما يحركه عبد الكريم الخطابي "الجمهوري"، أو يخدم مصالح الاستعمار، أو يحاول التآمر على الملك.»

ليس الغرض من تقديم هذه الشهادات إبراء ذمة الأمير الخطابي مما ألصق به من تهم، ومن حرمانه من وطنه، حيا وميتا، فمثله لا يحتاج إلى شهادة إبراء ذمة، لأن مبادئه ومواقفه في تاريخ التحرر العالمي أشهر من نار على علم، وهي محفورة كذلك في ذاكرة المغاربة، جيلا بعد جيل، لا تستطيع ثقافة النسيان النيل منها؛ ثم أن وطنه ليس محصورا في قطعة أرضية، مهما تكن عزيزة وغالية، بل هو في كل مكان يكون فيه الثوار في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. لكن الذين يقدرون رموزهم الوطنية والتاريخية، إنما يصنعون لأنفسهم تاج العزة الوطنية ويضعونه على رؤوسهم بافتخار نبراسا يضيء لهم طريق الحرية والتقدم.

أما ما يتعلق بالتحايل على التاريخ، فمن المؤكد، بداهة وتجربة، أن لا أحد يستطيع تأميم التاريخ وتطويعه لرغباته؛ ولذلك يبقى القصد الأساس من تناول العلاقة بين الخطابي الوطني المحارب وبين الوطنيين السياسيين هو الحث على القيام بعملية نقد ذاتي لمسيرتنا، منذ أن وطأت أقدام الاستعمار ثرى بلادنا، وتعريف الأجيال بلحظات تضحيات آبائهم وأجدادهم ومكمن عثراتهم ، من أجل تجاوزها وعدم تكرارها؛ لأن الأجواء اليوم في المغرب لها كثير من القابلية لهذه العملية؛ نتيجة دروس المعاناة التي ذاق مرارتها المغاربة في العقود الماضية من عمر دولتهم الوطنية، خاصة وأن المؤسسة الملكية، التي كان يختبئ وراءها مؤممو التاريخ، أبانت منذ أن تولى محمد السادس سدة الملك عن قناعتها وإرادتها في ضرورة قيام المؤرخين بعملهم، بحيث لا يكون رائدهم في ذلك إلا سلطة العلم والضمير؛ وقد كان الخطاب الملكي بتاريخ 6 يناير 2006 الفيصل النهائي في الموضوع..
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:07 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة   الأربعاء يونيو 06, 2018 9:25 pm

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 22

الحاقة 22

ماذا لو.....؟

نستخلص من الحلقة السابقة أن أحداثا ومواقف كثيرة نجمت عن أولئك الذين احتكروا المغرب وخيراته باسم "الوطنية" لطالما شوهت وقزمت نضال المغاربة في سبيل استقلالهم استقلالا حقيقيا غير منقوص، سواء من جهة الجغرافيا السياسية، وحدود المغرب الحقة، أو من جهة الطموحات السياسية للشعب المغربي في دولته المستقلة، يمكننا القول: إن تتبع تطور العلاقة بين الأمير الخطابي من جهة، وبين قادة أحزاب الحركات الوطنية والسلطة المركزية من جهة ثانية، يدرك مدى الضرر الذي ألحقته تلك العلاقة، التي سارت في اتجاه أقل ما يقال عنه أنه ليس وطنيا، ولا ديمقراطيا، فأضر باستقرار المغرب الحديث، وهو في طور إرساء أسس دولته المستقلة، التي كان عموم المغاربة، ومنهم الخطابي، يريدونها دولة عصرية تقوم على المؤسسات وليس على الولاءات الشخصية أو القبلية، أو العصبية، أو على زعامات كاريزماتية أو حزبية. وفي غمرة الانتشاء بالسيطرة على السلطة، والتمتع بملذاتها ومباهجها، التي لا يحدها قانون أو ضمير، حدثت أثناءها أخطار: منها أن المجتمع المغربي انقسم إلى فئة قليلة جدا تملك الجمل وما حمل، وإلى غالبة ساحقة مسحوقة بالفقر والقمع والإدارة الفاسدة والعدل المرفوع. وأدى كل ذلك إلى إلحاق ضرر كبير بتناغم مكونات المجتمع، وإلى ما حاق بالوحدة الترابية الوطنية المتعثرة، أصلا بفعل عوامل تاريخية تعود إلى التفكيك الاستعماري لوحدة الجغرافيا السياسية للمغرب؛ حيث استولت إسبانيا على أقصى الجنوب وأقصى الشمال، واحتلت فرنسا وسط البلاد الأكثر ثراء بالنسبة لذلك العهد؛ وتم تحويل طنجة إلى قاعدة دولية. إضافة إلى استعمار إسبانيا لسبتة ومليلة وكل الجزر المتوسطية.

إن إقصاء الخطابي من عملية ومسلسل استعادة الاستقلال الوطني، وهو ورفاقه من قدموا أكبر التضحيات في سبيل حرية وطنهم وعزته، مع ملاحقة المتعاطفين مع آرائه السياسية وتصفيتهم جسديا، وتهميش المنطقة الجغرافية التي انحدر منها ، بل معاملتها معاملة المناطق المغضوب عليها المستباحة، بذهنية القرون الوسطى، وتغييب كل ما له علاقة بمقاصد السياسة المدنية، يقودنا كل ذلك إلى طرح الأسئلة الملحة التالية:

ألم يكن الاختلاف بين الخطابي وأحزاب الحركة الوطنية السياسية في منهجية العمل الوطني مجرد مظهر خارجي لخلاف يتعلق بمشروع سياسي عميق لم تلتحق تلك الأحزاب به، بعد مرور أكثر من 6 عقود على الاستقلال إلا قليلا، والذي يتمركز على ثلاثة محاور، هي: بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية؟

ويحق لنا أن نفترض أن محمدا الخامس يكون قد أدرك مبلغ الخطأ الذي وقعت فيه الطبقة السياسية المغربية التي ورثت سلطات الاستعمار دون أن ترث حكمته، ودون أن تكون مدركة إدراكا سليما بأن الدولة المغربية المستقلة يجب أن تكون صاحبة رؤية سياسية شاملة ووطنية بالمفهوم المتعارف عليه عالميا، فقام بزيارة الأمير الخطابي في بيته بالقاهرة، يوم 13 يناير 1960، حيث أظهر له كثيرا من الود، معبرا له عن تفهمه لانتقاداته لسلطات الاستقلال. وربما تفاهم الرجلان على الخطوط العريضة لبناء الدولة المغربية الديمقراطية. لكن الموت عجل برحيل محمد الخامس، في 27 فبراير 1960، قبل أن يحقق مشروعه السياسي.

وهل يحق لنا أن نفترض، في المقابل، أن الملك الحسن الثاني، الذي خلف والده، يكون قد شكك في جدوى النظام الديمقراطي، بوصفه نظاما للدماغوجيين، مفضلا مشروع حزب الاستقلال لنظام الحكم السياسي في المغرب المستقل، الذي نصت عليه عريضة 11 يناير 1944، القائم على «إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية بالشرق»،

فقد علق الحسن الثاني على مشروع والده بقوله: «عندما أعلن والدي أن المغرب يجب أن يصبح ديمقراطيا وحديثا، لم يكن يعني بذلك أن عليه أن يحرق المراحل ويختصر الزمن، ويسلم الأمة إلى الديماغوجيين» ؛ ولكي يبرهن على صحة فهمه للمشروع السياسي لوالده ربط بينه وبين ما ورد في خطاب عيد العرش، لعام 1958، حين قال محمد الخامس: «إن الخطر الحقيقي ليس في انعدام النظام التمثيلي، ولكن الخطر كل الخطر في وجود نظام صوري يكون أداة اضطراب وهدم، لا أداة استقرار وبناء» ؛ ثم يشير بعد ذلك إلى أن الملكية الدستورية لا تعني بالضرورة «أن الملك يملك ولا يحكم؛ [لأن] الكلمات يمكن أن تعني حقائق مختلفة(...) فلكل شعب أخلاقه ومعتقداته وآراؤه، ولا وجود لطريقة حكم عالمية» ؟

وثاني هذه الأسئلة المحرجة، ألاَ يشعر أولئك الذين أجهضوا حلم المغاربة في الحصول على استقلال وطنهم كاملا غير منقوص من أطرافه، وعلى إقامة دولتهم الوطنية على مؤسسات ديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية واحترام مقومات الهوية الثقافية، مسؤولية أخلاقية وسياسية عما تعرض له المواطنون وجهات كاملة في الوطن من تنكيل وتقتيل غير مبررين، واعتماد العنف كسبيل وحيد لممارسة الحكم، ولحل المشكلات السياسية، من قبل سلطات الاستقلال. وكمثال على ذلك الأسلوب والمنهجية التي تمت بها معالجة الأحداث الأليمة التي ذهب ضحيتها آلاف المواطنين في الريف سنتي 1958/1959، الذين لم يكن ذنبهم سوى الاستنجاد بمحمد الخامس لرفع ظلم الإدارة المغربية، التي خلفت الإدارة الإسبانية، وتجاوزات حزب الاستقلال ومعاداته للسكان وللأمير الخطابي، والحصول على حقوقه الأولية في المواطنة، مثل الحق في التعليم والتنمية المحلية، والمطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن المغرب؟

ألم تظهر مسؤوليتهم السياسية في التوترات الاجتماعية، والمواجهات السياسية العنيفة بين شركاء الأمس وفرقاء الاستقلال، الذين أغرقوا فيها المغرب بسبب ذهولهم عن مقاصد السياسة المدنية، طيلة عقود الاستقلال، الذي تحول إلى ما يشبه "الاحتقلال"، كما عبر عنه الخطابي نفسه، وتم بالتالي تفويت الفرصة على المغاربة بتوظيف ذكائهم وقدراتهم الجماعية في تقدم بلدهم وازدهاره، عوضا عن إهدارها في سنوات الجمر والرصاص التي أحرقت الجميع، وتركت المغرب عرضة لاختبار كل أساليب العنف، بل مهدت الطريق لظهر نزعات تعادي الوحدة الترابية للمغرب، كي تزيد الخرق علي الراقع؟

ألاَ يحق لنا أن نعتقد أن الطبقة الحاكمة والنافذة لو التزمت المبادئ الوطنية، التي ضحى من أجلها أجيال وأجيال منذ الشريف محمد أمزيان، مرورا بماء العينين، وموحا حمو الزياني، ثم وصولا إلى عبد الكريم الخطابي في مرحلة المد الاستعماري ومرحلة التحرير الوطني، مع ما رافقها من انتفاضة شعبية عارمة، عقب خلع محمد الخامس ونفيه، والتزمت بالتالي النزاهة في ممارسة السلطة، واحترمت ثقافة الاختلاف وتعدد الرأي، لجنبت المغرب المستقل سياسة العنف والعنف المضاد، ولجعلت المغرب بلدا رائدا ونموذجا في ممارسة الحقوق السياسية، ولوَظفت ذكاء أبنائه في بناء دولة الأمان أحسن توظيف، بدلا من التقوقع في الخطط الأمنية التي أدخلت المغرب في نفق توجس البعض من البعض الآخر، والخوف المتبادل. ذلك الخوف الذي لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم، تعرقل السير الطبيعي للدولة المغربية نحو المستقبل الذي ينشده أبناؤه؟

وثالث هذه الأسئلة ماذا لو قامت الطبقة السياسية، بما في ذلك تلك التي تقول إنها تنتمي إلى الحركة الوطنية، بعملية نقد ذاتي لممارستها السياسية، وتقديم الاعتذار للشعب المغربي عن أخطائها في حق الوطن والشعب المغربي، وعن الأضرار التي جعلت المغرب يتخلف كثيرا عن تحقيق طموحات ومشاريع أولئك الذين قدموا النفس والنفيس في سبيل أن يستعيد بلدهم دوره في التاريخ، بصفته فاعلا لا مفعولا فيه أو به. وبذلك فقط ستطمئن الأجيال على المستقبل السياسي لوطنهم القائم على الحرية والعدالة والكرامة، أو بكلمة واحدة: على المواطنة؟.
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:07 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حراك الريف الحلقة 23   الخميس يونيو 07, 2018 7:02 pm

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 حراك الريف الحلقة 23


حراك الريف
محمد سعدي*
الجمعة 08 يونيو 2018 - 00:00
هذه الحلقات الرمضانية هي تأملات وقراءة أولية لبعض جوانب حراك الريف، وهي مستوحاة من نبض وزخم الحراك الذي حظيت بفرصة ملاحظة وتتبع بعض لحظاته، والإصغاء الهادئ إلى إيقاعات هزاته وارتداداتها، ونقل شهادات حية من قلب الريف لشباب شاركوا أو تعاطفوا مع الحراك.

السلة والعصا: الرفقة الطيبة

لا يتوقف هاتفه النقال البسيط عن الرنين، الكل يسأل عن أحواله من كل بقاع المغرب..يتابع كل الأشكال التنظيمية للحراك وأوضاع كل المعتقلين..لا يحب التضامن والدعم عن بعد، بل يحرس على التواجد الفعلي في المسيرات والوقفات وأمام المحاكم خلال محاكمة المعتقلين سواء في الحسيمة أو الدار البيضاء..

لا يكل ولا يمل في خدمة الحراك، الشهور الخمسة التي قضاها بالسجن لم تزده إلا قوة وعزيمة..لم يتغير أي شيء في حماسه ووتيرة تنقلاته وحركاته، أينما حل وارتحل لا تفارقه سلّة القصب وعكازه الخشبي اللذان اكتسب بهما شهرة واسعة.. السلة هي ذكرى من والده الذي ربطته به علاقة خاصة قوية أكثر من باقي إخوته.. داخل السلة يوجد كيس أصفر (خنشة صفراء) يستعملها في كثير من الأحيان كسجادة للصلاة وحجر رمادي اللون للتيمم ولمآرب أخرى، وقارورة مياه وبعض ما يتزود به من أكل في الطريق.



لماذا يصر عزي أحمذ على حمل السلة والعصا؟ ما هي قوتهما الرمزية؟..إنه عبر سلته وعكازه يحب دائما أن يذكر بأصالة الريف ويحفز الشباب على التشبث بقيمهم وتراثهم، وكأن لسان حاله يقول ليذكرهم: "لأجدادكم تاريخ يشرفكم وعليكم أنتم الأحفاد أن تشرفوهم ولا تخذلوهم وأن تتشبثوا بقيمهم وتستنيروا بهم لتكملوا الطريق". ولكن عزي أحمذ يربط الماضي بهموم الحاضر. وفي المخيال الجمعي والشعبي بالريف سلة القصب تحيل على البركة وعلى جلب الرزق. والرسالة واضحة وهي أن مشكلة قلة الرزق واشتداد الفوارق الاجتماعية هو مكمن الداء، وأن تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية بالمغرب لم تلق بعد الاستجابة الحقيقية لها.

في بيت الضيافة علق أحمذ صورة "مولاي موحند" في الوسط، وإلى جانبيها صورة له وصورة لـ"عبد النبي نسوق"؛ كما يضع على الطاولة مجموعة كتب حول تاريخ عبد الكريم الخطابي، بجانب كتاب دافيد هارت في جزئيه حول "أيث ورياغر".

ولا يخفي عزي أحمذ تعلقه الشديد وحتى الإدمان بتاريخ الريف، وبالخصوص تاريخ المقاومة للمستعمر الإسباني بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي.

عزي أحمذ يجسد رمزيا جيلا يحظى باحترام كبير وسط شباب الحراك، وهو يشكل حلقة وصل حميمية تربط جيل الأجداد بجيل الشباب، وجسرا يذكر أهل الريف بإرثهم الثقافي، قيمهم، عوائدهم، وتقاليدهم وتاريخهم من جهة، وبحياتهم البسيطة التي لم يكن فيها مكان للتصنع والتباهي الاجتماعي من جهة أخرى.

وبالنسبة لجيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات تستدعي صورته الحنين للماضي وذكريات بطعم الحلو والمر. وإذا كان صمت جيل الآباء وعدم إقدامه على البوح والاحتجاج من أجل فضح ما جرى في الماضي جبنا وخذلانا في عيون العديد من الشباب، فإن عزي أحمذ يحاول في نهاية كل كلماته وخطاباته التعبوية، التي تبث على المباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل غير واع، أن يجد عذرا مقبولا لهذا الجيل من خلال التأكيد على غياب وسائل الاتصال المتقدمة آنذاك؛ لهذا فهو يقدم تحية خاصة لمارك (يقصد مارك زوكربيرغ مؤسس موقع الفيسبوك) في هذا الظرف العسير، لأنه جعل العالم بين يدي الجميع، ويتحسر بشدة ويقول: "لو جاء هذا الجهاز (يقصد الفايسبوك) مبكرا لانكشفت مجازر ذهبت في الظلمات وفي الخفاء".

واجه عزي أحمذ منذ طفولته الكثير من الأهوال، التيه كان مصيره والترحال الطويل كان قدره المكتوب، عاش وتعايش مع الكثير من المحن وتعلم من تصاريف الحياة التي أتت على غير هواه؛ لم تتعبه دواهي الزمن ولم يصب جسده الوهن، بقيت روحه وهاجة وقادة تبحث عن معنى لوجوده، فكان بعد صبر طويل أن جاءه الخلاص..إنه حراك الريف، انبعث معه كمولود جديد يتدفق بالحياة وعنفوان الشباب..كان في رحلة شاقة بحثا عن ذاته وعن اعتراف طالما افتقده..بقوة حدسه وتخاطره الذهني كان في انتظار هبوب نسائمه: "أحب أن أختلي في الطبيعة، أستمتع بجمالها وأتزود من هدوئها. وأنا أتأمل في الأسلاف والأجداد كنت أشعر بأنا قريبا سنعيش حدثا".

يؤمن عزي أحمذ بتوارد الخواطر: "منذ مدة استشعرت وأنبأني حدسي بأن شيئا قادما سيغير مسار حياتي ومسار الريف، منذ 20 فبراير 2011 وأحداث بني بوعياش في 2012، كان الأمر يسيطر على تفكيري ويسكن خاطري، وذات يوم وجدت هبة الحراك تطرق بابي برفق..مع الحراك وجدت ذاتي التائهة..ظهرت على ظهر الكوكب.. ولولا الحراك وبمساعدة من زوكربيرغ ما كان لأحد أن يعرفني أو يعترف بي أو يقدرني..جاء الحراك فإذا بي أشعر وكأن بابا كبيرا يشرع في وجهي وحياة جديدة بدأت تلوح لي في الأفق".

لم يكن أحد يعرف احمذ في الريف، وكان هائما على وجهه لا أحد يشير إليه ولا أحد يتوقف إليه في الطرقات؛ اليوم في أي مكان حل يشار إليه بالبنان..ما إن يبدأ المشي في أي طريق في ربوع الريف أو الوطن إلا ويجد من يطلب منه الركوب معه في سيارته ليتقاسم معه الحديث ومسافة الطريق.. ذات يوم كان يتمشى في بعض وديان تمسمان وبعد إحساسه بالتعب اتكأ على شجرة قرب أحد المنازل لأخذ قسط من الراحة، وبعد ثوان سمع صوت طفل صغير يطل من نافذة وهو يصيح: "أبي، أبي عزي أحمذ موجود هنا"، والأب يرد عليه دون أن يأخذ عناء التأكد من الأمر: "اطلب منه أن يصعد للمنزل بسرعة..الباب مفتوح والسمك مازال ساخنا ليقاسمنا إياه".

نداءاته ومناشداته المستمرة عبر "اللايف" والداعية لقبائل ومداشر الريف للخروج والالتحاق بالمسيرات المختلفة بالريف حولته في مدة وجيزة إلى إيقونة حية، لا يمكن تخيل الحراك بدون حضور صورته..يقول عزي أحمذ: "للحراك فضل كبير علي، بعد الله، بدونه أنا كنت لا شيء ومعه أصبحت كل شيء، فقط أريد أن أسهم مع كل الإخوان في الحفاظ على استمرارية الحراك وعلى سلميته".. وبعد أن كان شعاره في الحياة: "أنا هائم في الأرض إذن أنا موجود"، أصبح شعاره: "أنا حِرَاكِي إذن أنا موجود"..تعلقه بالحراك أصبح قويا وغريزيا، فقد استعاد معنى وجوده وملأ الفراغ الذي كان يشعره بألا جدوى منه؛ ولأنه لم يأخذ حظه من الحياة فإن الحراك عوضه عن اللحظات المسروقة من أيامه وعمره. وآخر شيء يفكر فيه عزي أحمذ هو الشهرة، إنه لا يعبأ لصورته ولا لمظهره، وحتى بعد أن أصبح يشار إليه بالبنان لم يتغير فيه أي شيء واستمر على الوفاء للسلة والعصا والمعطف الرمادي.

*أستاذ حقوق الإنسان والعلوم السياسية بجامعة محمد الأول بوجدة.
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:07 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر ـ 23 ـ .. إرادة تحرير شمال إفريقيا عند الخطابي   الجمعة يونيو 08, 2018 2:46 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 23

الحلقة 23

عبد الكريم وإرادة تحرير شمال إفريقيا

بعث عبد الكريم في 10 غشت 1925 نداء إلى كل من الجزائريين والتونسيين، جاء فيه: "يأيها المسلمون التونسيون والجزائريون إن الأمر الذي يشق علينا تحمله هو أن نرى أبناءكم يأتون قهرا لمحاربتنا ... إن أربعة أخماس الجيوش التي هي على حدودنا شاهرة السلاح في وجوهنا هم من أبنائكم. وكان من الواجب عليهم أن ينقضوا على أعدائنا المشتركين، المضطهدين لنا ولكم". هذا ما كان الخطابي يتمناه ويريده في عشرينيات القرن العشرين، فهل استمرت إرادة تحرير شمال إفريقيا لديه يوم لجأ إلى مصر سنة 1947، بعد نفي فرنسي دام 21 سنة؟ لكن، كيف صورة المغرب عند جيرانه في بداية القرن العشرين؟

صورة المغرب في بداية القرن العشرين عند جيرانه

كانت صورة المغرب، في بداية القرن العشرين، في أﺫهان جيرانه في اشمال إفريقيا قاتمة السواد، مما حذا بالزعيم التونسي الإصلاحي عبد العزيز الثعالبي (مؤسس الحزب الحر الدستوري) أن يضم صوته إلى صوت الاشتراكيين الراديكاليين الفرنسيين، الذين أسسوا " لجنة المغرب" (Comité du Maroc) قصد تيسير وتمهيد الطريق أمام الحكومة الفرنسية لاحتلال المغرب. وزادت قناعة الزعيم التونسي بأهمية الاحتلال على إثر زيارة قام بها إلى المغرب أواخر سنة 1903، حين اعتبر أن الاحتلال الفرنسي هو السبيل الوحيد أمام المغرب لإدخال المدنية إليه، وتغيير الحالة المزرية التي شاهدها خلال زيارته له.

فكيف كان موقف الثعالبي وباقي التونسيين من الحرب التحريرية التي خاضها المغاربة في الريف بعد ذلك بحوالي 20 سنة؟ ثم كيف كان موقف الجزائريين الذين كانوا خاضعين لاستعمار استيطاني، منذ ما يقارب قرنا من الزمن، والذين كانوا بدورهم يبذلون المحاولات تلو المحاولات للنهوض من عثرتهم؟

لا توجد أشياء كثيرة في الوثائق التونسية والجزائرية تخص حرب الريف، في بداية أمرها، باستثناء الصدى الكبير الذي أحدثته المعركة الشهيرة بأنوال، والذي يعود الفضل في إذاعة خبرها وتفاصيلها إلى الصحف الإنجليزية والأمريكية، وإلى الصدمة الشديدة التي أصابت الرأي العام الإسباني، مما عجل بتصاعد الاختلافات السياسية والأيديولوجية بين المكونات السياسية الإسبانية. فالعلاقات بين الأقطار المغاربية، يومذاك، كادت تكون منعدمة، لأن الاتصال الذي كان قائما بين المغرب والجزائر وتونس كان يغلب عليه طابع العمال المهاجرين. وإذا كانت الجزائر قد استقطبت عدد كبيرا من العاملين في المجالات الزراعية، منذ أواسط القرن التاسع عشر، فإن مناجم فوسفاط تونس، وخاصة في منطقة قفصة، اعتمدت على عدد غير قليل من العمال المغاربة منذ 1919. ولا نستطيع الجزم بأن أولئك المهاجرين كان لهم دور ما في التعريف بحرب الريف وأهدافها، لكننا نعرف أن السيد عبد السلام الخطابي، عم محمد بن عبد الكريم الخطابي وأحد مساعديه الأقربين، عمل إماما خطيبا في بعض مساجد تلمسان بالجزائر، قبل أن يدعى للمساهمة في الإعداد لمقاومة الاحتلال الإسباني والمشاركة في القيادة. ونعرف أيضا أن حدو لكحل، أحد قادة حرب التحرير، هو من مهاجري الريف إلى الجزائر أثناء هجوم المخزن على قبيلة بقوية في أواخر القرن التاسع عشر، وهناك تدرب على قيادة الطيران، وهو الذي تولى قيادة الطائرة الوحيدة التي استطاع عبد الكريم ورفاقه الحصول عليها. أما الهجرة المعاكسة، أي من الجزائر إلى المغرب، أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب، فكانت تتمثل أساسا في فئة المترجمين ومساعدي الإدارة الفرنسية.

إن أحوال المغرب الكبير آنذاك كانت توحي بأنه لم يكن هنالك ما يشير إلى حدوث شيء مهم في غرب العالم الإسلامي، بعد استعمار الجزائر سنة 1830، وتوقف مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، وخمود الانتفاضات التي حدثت هنا وهناك، وبعد استسلام تونس للاحتلال الفرنسي سنة 1881، وإرغام سلطان المغرب على توقيع عقد الاحتلال، المسمى في الأدبيات الاستعمارية بـ"الحماية" سنة 1912، وتفكيك أوصال المغرب بين أكثر من دولة، وإخفاق أكثر من محاولة لاستنهاض الهمم، ونفض غبار قرون من الجمود «في ظل فهم خاطئ للدين، وفي ظل تقاليد اجتماعية بالية»، على حد تعبير عبد الكريم غلاب في كتاب "تاريخ الحركة الوطنية".

الخطابي وانبعاث الأمل في التحرير

لكن انتصارات المجاهدين في مثلث الحرية، اضهار أُوبَران – إغريبن - أنوال، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقيام الصحافة الإنجليزية والأمريكية بنشر أصدائها أثبتت عكس ما روج له أنصار الاستعمار. فقد وصل صوت المجاهدين في الريف إلى كل الشعوب المستعمرة وليس الشعوب المغاربية فقط، قبل قرار توجيه المنشورات التي بعث بها إلى الشعبين الجزائري والتونسي، يدعوهم فيها إلى مؤازرة إخوانهم في الريف، أسوة بإخوانهم في أقطار مشرقية كثيرة، ويطلب منهم الامتناع عن التجنيد في الجيش الفرنسي المتوجه لمحاربة المغاربة الريفيين. كما لعب الأسرى الجزائريون والتونسيون الذين رفض عبد الكريم الاحتفاظ بهم، دورا في التعريف بما يجري بالريف من أحداث. ولم تتخلف الصحافة الصادرة في كل من الجزائر وتونس عن الركب، وخاصة بعد هزائم فرنسا أمام المقاومة سنة 1925، ولم تتوان الصحف الفرنسية المتعاطفة مع الحزب الشيوعي الفرنسي، ومع جناح من الاشتراكيين، الذين أبدوا معارضة قوية لنجدة بلدهم لجارتهم الإسبانية «المخذولة بدافع العصبية الملية وعملا بتقاليد السيادة الأوروبية بوجوب تآلب الدول الإفرنجية على الأمم الإسلامية»، حسب تعبير عبد الكريم الخطابي في منشور مؤرخ في شهر غشت 1925.

كان الخطابي يبين في منشوراته أسباب الحرب التي يخوضها المغاربة في الريف ضد الاحتلال والغزو غير الشرعي، والإذلال المنافي للكرامة الإنسانية، ويبدي رغبته في السلم القائم على الاستقلال. ثم يوجه نداءه إلى الشعبين التونسي والجزائري قائلا: « إنه يشق علينا أن نرانا ملتزمين لأجل الدفاع عن استقلالنا، أن نتقابل في ساحة القتال مع إخواننا في الجنس والدين، إنها حالة والله لتتنغص منها نفوسنا حسرا، ولتتفتت منها نفوسنا كمدا، ألم يقل الله عز وجل "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " (سورة النساء: الآية 93).... وإتباعا للأوامر النبوية الشريفة "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (الحديث).»

فكيف كان أثر تلك المنشورات، وروايات الأسرى المسرحين، وأخبار وكالات الأنباء والصحف على المتلقي في تونس والجزائر؟

أولا: تونس

يتفق المؤرخون التونسيون لفترة العشرينيات في تونس على أن الحزب الحر الدستوري، الذي كان يعاني من جمود إثر سفر زعيمه الشيخ الثعالبي إلى الخارج سنة 1923 وجد في حرب الريف وتأثيرها في مشاعر الشعب التونسي فرصة لتعبئة السكان ضد سياسة فرنسا، ومناسبة لتعميق الوعي بالمخاطر الناجمة عن الاستعمار، وبث النداءات إلى المجندين التونسيين في الجيش الفرنسي قصد رفض القتال ضد إخوانهم المغاربة. وحملت تلك النداءات عبارات متطابقة مع عبارات الخطابي في المنشور أعلاه وهي «أنه من الإجرام مقاومة الريفيين بمهاجمتهم بواسطة إخوانهم في الجنس والدين.»

ويبدو أن بعض الجنود تأثروا بمفعول تلك النداءات، فقد أورد المؤرخ التونسي علي المحجوبي أن جنودا من قبيلة "جلاص» المشاركين في حرب المغرب كانوا يعربون بصورة غير مباشرة، في رسائلهم إلى ذويهم، عن تمنياتهم بانتصار عبد الكريم.

وفي الجانب الإعلامي كانت هنالك حملة صحفية تونسية ضد التدخل الفرنسي في الحرب، إلى جانب إسبانيا المنهزمة، محتمية وراء «موقف الحزب الاشتراكي، الذي وقف ضد الحرب وشن عليها حملة كبيرة.» وراحت الصحافة تكتب في شبه إجماع أن «عبد الكريم قائد كبير واتخذته رمزا من رموز التحرير من مخالب الاستعمار الفرنسي.»

ويُعدّ مقال أحمد توفيق المدني، عضو اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري، في جريدة "افريقيا" بتاريخ 25 ماي 1925، ترجمة لمشاعر جل التونسيين نحو الحرب الريفية، ومما ذكره في ذلك المقال قوله، إن «عبد الكريم مجاهد في سبيل الله، يعيد لأمته مجدا ويهيىء لها نصرا مؤزرا، ويحاول تغيير مجرى التاريخ في العالم العربي، ويحفر للاستعمار، وقد حفر فعلا، قبرا عميقا ضيقا مظلما، بفضل مجاهدين أبرار، ورجال أحرار باعوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله والأمة والوطن.»

وفي شهر يونيو 1925 حاول المدني عرض مسرحية "طارق بن زياد" التي تتضمن أحداثها إسقاطات عن انتصار عبد الكريم على الإسبان الذين لم يكن في وسعهم إلا الاستنجاد بجارتهم اللدودة «بدافع العصبية الملية ومعاداة الأمم الإسلامية» بتعبير عبد الكريم نفسه. ويترجم هذه العصبية وهذه المعاداة للأمم الإسلامية ما كتبه المارشال ليوطي(Lyautey) المقيم العام بالمغرب، إلى حكومته في 11 دجنبر 1924 يحثها على إرسال مزيد من القوة إليه لأن «دولة إسلامية، قوامها قومية الشمال الإفريقي، أخذت تنشئ نفسها شمال المغرب الفرنسي.» أما في تونس فقد أمر المقيم العام لوسيان سان (Lucien Saint) بنزع الثقة من الجنود التونسيين والحيلولة دون إشراكهم في المعارك بالمغرب. وفي الإطار نفسه، تم إبعاد أحمد توفيق المدني إلى الجزائر في 25 يونيو 1925. وهذا غيض من فيض. فماذا عن الجزائر؟

ثانيا: الجزائر

أما في الجزائر فكان متداولا بين الأوساط المختلفة ومعروفا عند الطبقة السياسية أن السلطات الاستعمارية الفرنسية اعتقلت مجموعة من الأشخاص كان يتزعمهم رجل اسمه " الريغي" واتهمتهم بالتآمر على فرنسا، وبالتواطؤ مع الحزب الإصلاحي، الذي كان يرأسه الأمير خالد بالتنسيق مع ثورة الريف بالمغرب. وقالت إدارة الحاكم العام بالجزائر إن المتآمرين كان لديهم خطة تحتوي على 18 درسا تتضمن إنشاء منظمة ثورية في كل أنحاء الجزائر، وأن برنامجهم كان يقوم على إقناع «السكان بأن قضية المغرب هي قضيتهم، وإقناعهم برفض دفع الضرائب، وعصيان أوامر الإدارة، وأن يلجؤوا إلى حرب العصابات.» وفقا لرواية سعد الله أبو القاسم في مؤلفه الحركة الوطنية الجزائرية. كما تم اعتقال كل من تبرع وتعاون أو تعاطف مع حركة الأمير عبد الكريم.

ويذكر المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي كان في العشرين من عمره آنذاك، في مذكراته أن الكلام عن حرب الريف، في أواخر عام 1924، كان كلاما صريحا في الصحافة الجزائرية «وكان اسم الأمير عبد الكريم يشار إليه بالبنان، فكانت الشرطة الفرنسية تخلق المصاعب حتى لباعة " اسفنج" المتجولين، الذين يعرضون سلعتهم في الشوارع من الفجر، وهم يصيحون صياحهم المألوف قائلين : يا كريم.»

ثم يضيف أن الإدارة الفرنسية كانت «تجند فرسان الكوم من العرب. وقد غدت تلك الحرب الموضوع الرئيس في قهوة ابن يمينه (في قسنطينة)، فكان الناس يحلمون بالحرب، ويبحثون عن تفسير أحلامهم في مخرج يوائم عبد الكريم»، إلى أن يقول: «وبأية حال، كانت حوادث الريف تلهبنا في قهوة ابن يمينه وتؤجج فينا مشاعر كان عنفها يشدني شدا قويا؛ وكانت قراءة صحيفة "L’humanité" وحدها تنزل السكينة علي»، بسبب مقالاتها التي كانت تصب جام غضبها ولعناتها على دعاة الحرب ؛ ثم ينقل إلينا اهتمامات المهاجرين إلى فرنسا بحرب الريف؛ فأثناء رحلة له إلى فرنسا في ربيع 1925 دخل مقهى عربية تضج بلاعبي الدومينو، وبمجرد أن عرف صاحب المقهى أنه قادم لتوه من الجزائر، ودون أن يكون بينهما معرفة سابقة، أتى إلى طاولته وجلس «وسأل ومرفقاه يستندان إلى الطاولة ورأسه بين يديه:

ما هي أخبار الريف؟

فجعلني سؤاله في الموضوع الذي كان شغلي الشاغل. فانقطعت القاعة كلها من اللعب بلعبة الدومينو وعن الكلام حتى تصغي إلي.»

ويستمر التفاعل والتعاطف مع المجاهدين المغاربة. فخلال شهر غشت 1925 يطلعنا مالك بن بني على مشاعر بلدة جزائرية صغيرة تقع على الحدود الجزائرية التونسية، وهي مدينة تبسة، نحو الحرب المغربية بقوله: «كانت حرب الريف تبلغ أوجها في الصحافة وفي النفوس. وكانت الإدارة الفرنسية تستمر في التجنيد، وبلغ بها الأمر أنها كانت تستنفر منابر الجوامع للنداء للحرب. وكنا أنا وأصدقائي نتتبع ذلك التطور.... فنودي للحرب من على المنبر في جامع تبسة يوما أظن أنه في نهاية شهر أغسطس من سنة 1925»، إلى أن قال: «لم نعد نستطيع مع ذلك الوضع صبرا، وقد عزمنا على الرد في جلسة سرية ليلية... كلفني المؤتمرون أن أكتب نداء كان علينا أن نعلقه على باب الجامع ليلة الغد.» ثم أورد رد فعل السلطات الفرنسية على المنشور الذي دعا إلى مؤازرة المجاهدين ورفض التجنيد فقال: « انفجرت الورقة في ضمير الإدارة الفرنسية أكثر مما انفجرت في ضمير إخواننا المواطنين.» لكن ماذا استخلص مالك بن نبي وأمثاله من تلك الحرب بعيدا عن الأحلام التي كانت تسعى إلى إيجاد "مخرج يوائم عبد الكريم"؟

مما لا شك فيه أن كل شيء، من الناحية المادية، كان لصالح القوتين الاستعماريتين فرنسا وإسبانيا، وبخاصة فرنسا القوة الاستعمارية الكبرى والمنتصرة على ألمانيا في معركة فيردان نهاية الحرب العالمية الأولى.

ولذلك نرى مالك بن نبي يستعير جملة، لخص بها صحافي أمريكي ما آل إليه الأمر في النهاية، تقول: «فرنسا انتصرت ولكن المجد يبقى للريف.» أما الدرس الذي استوعبه هو وأمثاله من الشباب الواقع تحت نير الاستعمار فيكمن في قوله: «برهن عبد الكريم على أن إمبراطورية استعمارية يمكن أن تخدش.»

نعم كان هناك خوف المارشال ليوطي من قيام دولة إسلامية قوامها قومية شمال إفريقية، أو مغاربية كما نقول اليوم، لأن مشاعر هذه الشعوب كانت قد بدأت تعود من منفاها الطويل خارج التاريخ بفضل التصدي للاستعمار، الذي اعتبره عبد الكريم «وسيلة للتقارب بين الشعوب.»

وكان هناك مجد للمغرب ممثل في جزء من أجزائه اسمه الريف، هذا المغرب الذي كان نسبيا منسيا، مستسلما للأقدار والأهواء، فأصبح صانعا للتاريخ بعد أن كان يصنعه التاريخ، ومبشرا المقموعين والمقهورين بان في مقدورهم الانتصار على ضعفهم، وتجاوز أوضاعهم، شرط أن يسترجعوا الثقة في أنفسهم.

وكان هناك خدش لأمبراطورية استعمارية لا تغيب عنها الشمس من الهند الصينية وغويانا إلى المغرب والكارييب. وأي خدش؟ إنه البشير بقرب اندحار الليل الاستعماري الطويل، وانبلاج صبح الشعوب.

وهكذا، وبعد ربع قرن من الزمن على حرب الريف، أمسى قبر الاستعمار عميقا وضيقا ومظلما، كما توقع توفيق المدني، أو كما كان يقول عبد الكريم، في منفاه الثاني بالقاهرة لزعماء الحركات الوطنية: «لو عرفنا حقيقة الاستعمار لقلنا إنه انتهى فعلا، ولا نحتاج إلا لدفنه.» وكثرت بل انتشرت مدافن الاستعمار من جاكارطا إلى طنجة.

فما هي الوسائل التي أعدها، بعد أن تخلص من نفيه الأول واستقراره في القاهرة، ليتمم خطته في دفن الاستعمار في شمال إفريقيا، بصفة خاصة، وماذا كانت استراتيجيته في ذلك؟

من أجل التعرف على هذه الوسائل وهذه الإستراتيجية نستقصي آراء شاهدين رافقا الأمير منذ أن استقر بالقاهرة سنة 1947، وهما ضابطان من الضباط الذين كونهم الأمير الخطابي في المدارس العسكرية العربية إعدادا لهما للمساهمة وقيادة العمل التحريري، وهما القائد العقيد الهاشمي الطود، والقائد محمد العزيز، المعروف بحمادي الريفي، وكانا من المقربين إليه مع ثلة من إخوانهم الذين استشهدوا في ميدان الشرف؛ وقد أشرنا إلى أسماء بعضهم في ثنايا هذا الكتاب. وهذا ما نطلع عليه في الحلقتين المقبلتين..
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:08 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة   السبت يونيو 09, 2018 5:00 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 24

الحلقة 24

خيار الكفاح لتحرير شمال إفريقيا في شهادة الهاشمي الطود

حين استقر الخطابي في القاهرة بعد لجوئه إلى مصر قرر استئناف عمله لتحرير شمال إفريقيا من الاستعمار تحت لواء "لجنة تحرير المغرب العربي" برئاسته. وهذه شهادة أحد ضباطه العقيد الهاشمي الطود، أحد أوائل الضباط الذين كونهم الخطابي في العراق ومصر وسوريا. وقد أصدر مؤخرا الأستاذ أسامة الزكاري مذكرات العقيد الهاشمي الطود تحت عنوان: "خيار الكفاح المسلح".

اختلاف الأحزاب مع الخطابي حول منهجية التحريــر

قال الهاشمي الطود "اتخذ الوجود السياسي المغاربي بالقاهرة صفة مؤسسية قانونية بإنشاء "مكتب المغرب العربي" بتاريخ 22 فبراير 1947. وكان هدف هذا الإنشاء تنسيق مجهودات الوطنيين المغاربة والجزائريين والتونسيين المقيمين آنذاك بالقاهرة، بصفاتهم الشخصية وباستقلال عن المنظمات والأحزاب التي ينتمون إليها، من أجل «توسيع نطاق الدعاية للقضية المغربية بكل الوسائل الممكنة... » وقد كان من أهم منجزات هذا المكتب عدم الاعتراض على لجوء أمير الجهاد محمد عبد الكريم الخطابي إلى مصر.

يعتبر تاريخ 31 مايو 1947 يوما حاسما في تاريخ نضال شعوب المغرب العربي ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني. ففي ذلك اليوم الأغر انفك أسر المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، هذا الأسر الذي امتد واحدا وعشرين سنة، وذلك بنزوله في ميناء بورسعيد من الباخرة التي كانت تقله من منفاه القديم في جزيرة لارينيون إلى منفى جديد في التراب الفرنسي، وباستجابة الحكومة المصرية لطلبه اللجوء السياسي إلى مصر.

لقد اتسم هذا الحدث الجلل برمزية خاصة مغرقة في العمق بالنسبة لأمير الجهاد، لكونه يمثل بصفة جلية فرصة سانحة لانبعاث الكفاح المسلح المغربي بعد واحد وعشرين سنة من سقوط آخر قلاعه في قمم الريف الشماء.

هذا الانبعاث الذي أصبح يتطلب استراتيجية جديدة ومتجددة على ضوء موازين القوى الدولية الجديدة الناجمة عن انتصار الحلفاء من جهة، وانتقال زعامة العالم إلى روسيا السوفياتية وأمريكا من جهة ثانية، ووفق مفهوم جديد لجبهة القتال يقوم على وحدة الهدف والمصير المغاربيين من جهة ثالثة.

وفي الوقت نفسه كان السياق السياسي المغربي قد تميز بتحولات كبرى، وشكل منعرجا تاريخيا اتخذ فيه جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله ذلك الموقف العظيم الذي حفظه له التاريخ في خطاب طنجة في 9 أبريل 1947، من أجل استعادة المغرب لسيادته، وتثبيت انتمائه الإسلامي وارتباطه العضوي بدول الجامعة العربية.

تحملت مصر، دولة وشعبا وهيئات سياسية، بكل شجاعة، مسؤولية قرارها بقبول لجوء المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي إليها، رغم ردود الفعل العنيفة والضغوط القوية التي مارستها عليها الدول الاستعمارية المعنية والدوائر الموالية لها. وكان من آثار هذه الحملة المسعورة أن جعلت الأمير الخطابي يعزف عن كل نشاط سياسي علني خلال الأشهر الأولى لإقامته بالقاهرة، حرصا منه على عدم إحراج مضيفيه. غير أن ترادف الأحداث الجسام بُعيْد ذلك، رفع عنه كل حرج ورمى به في وطيس المعركة.

ففي ندائه إلى الأمة العربية والإسلامية بتاريخ 29 نوفمبر 1947، إثر صدور القرار الأممي بتقسيم فلسطين، داعيا إلى الجهاد من أجل تحرير الأرض السليبة، أعلن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ضمنيا وبصفة بينة وحاسمة عودة لا رجعة فيها إلى ساحة الجهاد من أوسع أبوابها، بادئا بتجنيد الشباب المغاربي على جبهات المواجهة مع العدو الصهيوني العنصري، حيث بلغ عدد المتطوعين الذين حشدهم على الجبهة المصرية وحدها، تسعمائة مقاتل.

وقد حافظ المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي على صلاته النضالية مع هؤلاء المتطوعين بعد عودة معظمهم إلى ديارهم بانتهاء حرب فلسطين، ليكوّن منهم تنظيمات جيش التحرير المغاربي فيما بعد، كما احتفظ بجواره بالقاهرة بمجموعة محدودة العدد منهم، شكل منها نواة صلبة سهر على تكوين عناصرها تكوينا عسكريا عالي المستوى في الكليات الحربية المصرية والعراقية والسورية. وقد كان لهذه النواة الصلبة فيما بعد شرف تأسيس جيش التحرير المغاربي وإشعال نار الثورة الصلبة.

أما الخطوة الثانية التي أقدم عليها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بعد حرب فلسطين، فكانت تأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي" التي أراد لها أن تجمع شمل الأحزاب الوطنية المغاربية، التي كان لها آنذاك تمثيل رسمي في مصر، حول المشروع التحريري المغاربي، الذي كان يراه هو بأنه لا يمر إلا عبر الكفاح المسلح، بينما كان معظم شركائه في هذه اللجنة يرون غير رأيه.

رأت لجنة تحرير المغرب العربي النور يوم 5 يناير 1948، على يد ممثلي الأحزاب المغاربية الآتية أسماؤهم: حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال وحزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية من المغرب، وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، (حزب الشعب الجزائري) من الجزائر، وحزب الحر الدستوري بشقيه القديم والجديد من تونس.

وقد أسفر هذا التأسيس عن تشكيل مكتب للجنة. يتولى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رئاسته الدائمة، ويضم في عضويته شقيقه محمد (فتحا) بن عبد الكريم الخطابي، والحبيب بورقيبة، والمرحوم محمد أحمد بن عبود. وقد ورد في بيان التأسيس، أن لجنة تحرير المغرب العربي تقوم على أساس مبادئ " الميثاق" التالية:

أ - المغرب العربي بالإسلام كان، وللإسلام عاش، وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبلية.

ب - المغرب جزء لا يتجزأ من بلاد العروبة، وتعاونه في دائرة الجامعة العربية على قدم المساواة مع بقية الأقطار العربية أمر طبيعي ولازم.

ت - الاستقلال المأمول للمغرب العربي هو الاستقلال التام لكافة أقطاره الثلاثة تونس والجزائر ومراكش.

ث - لا غاية يسعى لها قبل الاستقلال

ج - لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر

ح - لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال

د - للأحزاب الأعضاء في لجنة تحرير المغرب العربي أن تدخل مخابرات مع الحكومة الفرنسية والاسبانية على شرط أن تطلع اللجنة على سير مراحل هذه المخابرات أولا بأول.

ذ - حصول قطر من الأقطار الثلاثة على استقلاله التام لا يسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح لتحرير البقية..

بالرغم من الإجماع الظاهر على هذه المبادئ، تباين في لجنة تحرير المغرب العربي تياران مختلفان: الأول يمثله الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وشقيقه امحمد، بينما يضم التيار الثاني ممثلي الأحزاب السياسية المغاربية المشاركة في اللجنة.

أولى التيار الجذري للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي الأسبقية المطلقة للكفاح المسلح كطريق لا بديل عنه للوصول إلى الاستقلال، لأن السيادة المنتزعة بالقوة لا يمكن استردادها إلا بالقوة، على أن تستفيد المعركة المسلحة التي كان المغرب العربي مقبلا عليها من التجارب المتراكمة عبر السنين في مختلف مناطقه وجهاته، كما أن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الحقائق الجيوسياسية والميدانية عن الحرب العالمية الثانية من جهة، وعن الحرب الأهلية الاسبانية من جهة أخرى.

فقد خرجت فرنسا من الحرب منهكة ومهانة، كما أن جراح الحرب الأهلية الإسبانية لم تكن قد اندملت بعد، بالإضافة إلى بروز قوى عالمية جديدة تتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي اللذين يجب أن يحسب حسابهما. هذا إضافة إلى التوتر الذي أصبحت تتميز به العلاقات بين الخصمين الاستعماريين: فرنسا الديمقراطية البرلمانية، واسبانيا الدكتاتورية الشمولية، والذي يمنح للحركة التحريرية هامشا رحبا للمناورة.

لذلك قامت استراتيجية الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي على تعبئة كافة القوى الوطنية والحزبية في المنطقة، وتعميم الحركة المسلحة على جميع أنحاء المغرب العربي، باستثناء منطقة الحماية الاسبانية، شمال المغرب، التي أراد لها أن تشكل قاعدة خلفية للثورة وواجهة ومنفذا لها على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الذي يجب أن يبقى صلة وصل للثورة بمجالها الحيوي العربي.

أما التيار الثاني الذي ينتمي إليه ممثلو الأحزاب السياسية المغاربية، التي قامت أساسا على أنقاض المقاومة المسلحة الأولى كبديل "مشروع" لهذه المقاومة التي " لم تنجح في رد الاستعمار"، فكان يؤمن بالعمل السياسي السلمي في إطار المشروعية والعلنية؛ العمل الذي بنى عليه سياساته، وبه استقطبت جماهيره وأُفرزت قياداته على أساسه، بحيث أصبح كل ميل للخروج عن الشرعية أو لاستعمال العنف أمرا مستبعدا وغير قابل للنقاش، رغم بعض النزعات الفردية المتمردة على القيادات الحزبية التقليدية.

كان لهذا الاختلاف المبدئي في المواقف، انعكاسات مباشرة على منهجية العمل وطرائقه. فبينما كان الإعداد للعمل المسلح يتطلب أقصى حدود الانضباط والسرية ونكران الذات والإخلاص للقيادة الواحدة، كان العمل السياسي الحزبي يتميز بانعدام أدنى مستويات التنظيم والتعبئة؛ ويكاد يقتصر على المهاترات اللفظية الاستعراضية.

إضافة إلى انصراف القيادات والأطر الحزبية إلى التنافس والتباري على القيادة والدسائس والمكائد السياسوية التي تضع المصلحة الحزبية تارة والشخصية تارة أخرى فوق كل اعتبار. لذلك كله حرص هذا التيار على التملص من كل موقف جدي وفعال لصالح العمل المسلح.

وغني عن القول إن الزعامات السياسية الجديدة لم تكن لتنظر بعين الاطمئنان إلى عودة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى ساحة المعركة برصيده النضالي الذي لا يضاهى، وبوزنه الوطني والعربي الإسلامي والدولي، خوفا منها على مراكزها القيادية آنذاك، وعلى مستقبلها السياسي في المغرب الذي كانت ترى نفسها الوريثة الشرعية له دون غيرها، كما أثبتت الأيام ذلك فيما بعد.

بغض النظر عن كل هذه الخلافات، انصرف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى مهمته الأساسية المتمثلة في إعداد العدة لانطلاق الثورة المغربية المسلحة، فكان أن أرسل، أوائل سنة 1952، الضابطين الهاشمي الطود وحمادي العزيز إلى أقطار المغرب العربي الثلاثة للوقوف على رأي القيادات الحزبية الوطنية في مشروع الثورة المغاربية المسلحة.

وقد أسفرت هذه المهمة عن استبعاد القيادات والتنظيمات التقليدية لجميع الأحزاب السياسية المغاربية من المشروع بسبب موقفها العدائي تجاهه، وعن التزام أفراد بصفتهم الشخصية بهذا المشروع، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: رضا بن عمار وحمادي غرس والطاهر قيقة من تونس، والدكتور الأمين الدباغين ومحمد الطيب بوضياف، كممثل عن المنظمة السرية داخل حزب انتصار الحريات الديمقراطية، أحمد بن بلة ومحمد خيضر والحسين آيت أحمد وعبد الحميد مهري في الجزائر، والشهيد عباس المسعدي ومحمد البصري والشهيد عبد الواحد العراقي ومحمد بلحاج ومحمد حجي والحاج أحمد معنينو ومولاي أحمد العلوي الشهير بأبي المحاسن والغالي الطود ومحمد بن زيدان والشهيد عبد السلام الخمار ووهبي بن جلون الشهير بفريندي في المغرب.

اتضح الموقف أكثر، بعد تنفيذ هذه المهمة الدقيقة، بوصول وفدين حزبيين إلى القاهرة لمخاطبة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في أمر التخلي عن فكرة الثورة المسلحة وعدم إقحام أحزابهم في هذا المشروع على الإطلاق، الأمر الذي أذكى شكوك الأمير وضباطه في نوايا شركائهم الحزبيين في لجنة تحرير المغرب العربي وفي مدى الوثوق بدعمهم للثورة القادمة أو وقوفهم ضدها.

لم تكن هذه المواقف المتخاذلة لتفت في عزيمة الثوار، فقد استمر الإعداد للثورة على قدم وساق، إذ استمرت المهام الميدانية في المغرب العربي لإحكام التنظيم وتعزيز حلقاته بالرجال والعتاد، وأسست خمسة معسكرات للتدريب في القاهرة، خرّجت العديد من الأفواج التي تضم خيرة المجاهدين المغاربيين. وتتابعت الأحداث بعد ذلك كما يلي:

- سبتمبر 1952: اندلاع الانتفاضة الشعبية في تونس التي أفضت فيما بعد إلى الثورة المسلحة.

- 21 دجنبر 1952: انعقد مؤتمر الضباط المغاربيين بالقاهرة بمشاركة نخبة مختارة محدودة العدد لضمان السرية، وقد تقرر في هذا المؤتمر:

- تشكيل هيئة مؤسسة لجيش تحرير المغرب العربي.

- تنظيم هيئة للمقاومة المسلحة المدنية في بلدان المغرب العربي باسم "جامعة تحرير المغرب العربي" .

- إرساء الهيكل التنظيمي لجيش تحرير المغرب العربي ووضع نظامه الداخلي.

- وضع الخطة العامة لجيش تحرير المغرب العربي.

- 20 غشت 1953: الاعتداء الفرنسي على الشرعية الوطنية في المغرب بنفي ملك البلاد محمد الخامس، وتجنيد لجنة وجيش تحرير المغرب العربي لمواجهة الحدث، وانطلاق المقاومة المسلحة في المغرب.

- فاتح نونبر 1954: انطلاق الثورة المسلحة في الجزائر

- 1955: انسحاب القطر التونسي من الثورة التحريرية المغاربية بعد حصوله على الاستقلال الداخلي. وقد أدى إلى استمرار القوى الوطنية الرافضة لهذا التخلي في أعمالها العسكرية ضد الجيش الفرنسي.

- 2 مارس 1956: انسحاب القطر المغربي من الثورة التحريرية المغاربية مقابل حصوله على الاستقلال. ـ استمرار أعضاء جيش تحرير المغرب العربي في مقاومة يائسة أحبطها تحالف إكس ليبان بعمليات مضادة أبرزها:

- 20 مارس 1956 حصول تونس على الاستقلال

- تسريب معلومات إلى السلطات الفرنسية عن وصول الباخرة آتوس المحملة بالسلاح إلى المياه المحاذية للشواطئ المغربية الجزائرية، واستيلاء هذه السلطات عليها

- اضطهاد المناضلين بالاختطاف والتصفية، ومن بين الضحايا الذين سقطوا في هذه الحملة: محمد إبراهيم القاضي وشباطة تركي سعيد والنقيب بربر من الجزائر، ومن المغرب حدو أقشيش وعباس المساعدي وعبد السلام الخمار وعبد السلام أحمد الطود، وعبد السلام الهاشمي الطود وعبد الواحد العراقي وغيرهم من الشهداء الأبرار.

- 6 فبراير 1963: وفاة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي تغمده الله برحمته وأكرم مثواه

وبعد، فإن تاريخ المغرب المعاصر بحاجة إلى إعادة كتابته بروح علمية مجردة، تترفع عن الغايات الشخصية أو الفئوية أو الجهوية أو القبلية، وتراعي الحقيقة التاريخية بدون محاباة لأي أو لأية هيئة، ودونما رغبة في الانتقام أو تصفية الحسابات. لقد كلفت "أخطاء" الماضي بلادنا سنوات من التعثر والاضطراب والتناحر الحزبي والسياسي والقمع والإقصاء والتهميش لهيئات ولمناطق وفئات سكانية بأكملها، وأفرزت تناقضات جديدة لا يجادل عاقل في أن المغرب كان في غني عنها لإنجاز مسيرته التحريرية والتنموية.

حرر بالرباط في 3 فبراير 2005



صورة تعود إلى أكتوبر 1948

الواقفونمن اليمين : عبد الوهاب أكومي، عبد الحميد الوجدي، الحبيب الكبداني، الهاشمي الطود، حدو أقشيش، محمد أبراهيم القاضي ( الجزائر)، حمادي العزيز.

الجالسون: محمد عبد الراضي، الكاتب الخاص للأمير امحمد، الأمير امحمد، عبد المنعم الشهير بـ: عبده.



صورة أول بعثة عسكرية إلى العراق:

الهادي عمرات ( تونس)، حدو أقشيش، (المغرب) يوسف العبيدي (تونس)، عبد الحميد الوجدي، محمد إبراهيم القاضي، الهاشمي الطود، ضابط عراقي، حمادي العزيز ( جالس) ( المصدر: أرشيف العقيد الهاشمي الطود).

ذكرى استقلال ليبيا بتاريخ 24 دجنبر 1951

الهاشمي الطود، صالح التواتي (الجزائر)، حمادي العزيز، محمود الخفيف ( عمر المختار)، عبد الحميد الوجدي، محمد عرعار ( الجزائر).



عبد الكريم وسط جنوده، ويظهر في الأول من اليمين نجله سعيد والقائد الهاشمي الطود



الأمير محمد عبد الكريم الخطابي مع مجموعة من المجاهدين الجزائريين

إضافة إلى نجله عبد الكريم والهاشمي الطود الواقف في الوسط بالبيري



في معسكر أنشاص



الهاشمي الطود مع جنوده



في رحلة للقناطر الخيرية:

مجموعة من أعضاء جيش تحرير المغرب العربي، ويظهر القائد الهاشمي الطود جالسا، وفي حضنه ابنته.

*مصدر الصور: أرشيف العقيد الهاشمي الطود..
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:08 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة   السبت يونيو 09, 2018 9:10 pm

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 25

التاريخ المحاصر ـ 25 ـ شهادة القائد الضابط محمد حمادي العزيز
د.علي الإدريسي 10-يونيو-2018 03:00

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي تنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

الحلقة 25

شهادة القائد / الضابط محمد حمادي العزيز

المأمورة السياسية الوطنية

بعد شهادة العقيد الهاشمي الطود عن خلافات الأحزاب والخطابي حول منهجية التحرير، المنشورة في الحلقة السابقة، نقوم، في هذه الحلقة، بنشر شهادة زميله الضابط محمد حمادي العزيز الخاصة بنموذج من المأموريات التي كان الخطابي يكلف بها ضباطه، وهي منشورة في كتابه "جيوش تحرير المغرب العربي".

نص الشهادة

"في في أواخر شتنبر 1951 كلفتنا لجنة تحرير المغرب العربي بالسفر إلى بنغازي عاصمة ولاية برقة في ليبيا الشقيقة في مأمورية سياسية وطنية مكونة من مهمتين:

المهمة الأولى: إعداد ليبيا لكي تكون القاعدة المتقدمة لبلدان المغربي العربي في حرب التحرير، والجسر الذي يصل القيادة المغاربية في القاهرة بهذه البلدان.

المهمة الثانية : الدخول إلى بلدان المغرب العربي، إن أمكن، والاتصال بمسؤولي قيادات الأحزاب الوطنية فيها، والتشاور معهم في قبول انضمامهم إلى حركة تحريرية موحدة، وما هي شروطهم السياسية والعسكرية والمالية لهذا الانضمام؟

مدة المأمورية: سنة.

مرجعية المأمورية

إن المرجعية السياسية بل والقانونية لمأموريتنا هي ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي.

وقد تم إقرار القانون الأساسي للجنة يوم التاسع من شهر دسمبر 1947، وتكوّن مكتبها المؤقت كما يلي:

الرئيس : ُمحمد بن عبد الكريم الخطابي.

وكيل الرئيس: امحمد بن عبد الكريم الخطابي.

الأمين العام: الأستاذ الحبيب بورقيبة (الحزب الحر الدستوري).

أمين الصندوق: محمد بن عبود (حزب الإصلاح الوطني).

وقع على ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي رؤساء الأحزاب المغاربية التالية ومندوبوها:

الحزب الحر الدستوري التونسي القديم.

الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد.

حزب الشعب الجزائري.

حزب الوحدة المغربي.

حزب الإصلاح الوطني.

حزب الشورى والاستقلال

حزب الاستقلال.

صورة الضابط محمد حمادي العزيز

وصول وفد لجنة تحرير المغرب العربي إلى بنغازي

وصل هذا الوفد في شهر مايو سنة 1952.

استقبله الملك إدريس السنوسي استقبالا أخويا حارا جدا،... وأقام على شرفه مأدبة غداء،... بعد نجاح المهمة الأولى من مأموريتنا السياسية الوطنية في بنغازي عاصمة ولاية برقة كان علينا أن نسافر إلى مدينة طرابلس عاصمة المملكة الليبية.

في طرابلس عاصمة المملكة الليبية

السفر إلى طرابلس من مدينة بنغازي في حافلات المسافرين يكون في الغالب ليلا، من غروب الشمس إلى طلوعها.

في طرابلس كان ممثل لجنة تحرير المغرب العربي هو الضابط السيد عز الدين عزوز التونسي، خريج الكلية العسكرية السورية، ويحمل اسما مستعارا هو " أمين الطرابلسي".

كلفته لجنة تحرير المغرب العربي بإدارة الشؤون السياسية والعسكرية المغاربية في طرابلس وولايتها.

وكان موظفا في مكتب الأمم المتحدة المعروف بمكتب " النقطة الرابعة" في طرابلس الذي يهتم بتقديم المساعدات للمملكة الليبية.

كان لتونس بصفة خاصة مزرعة في ضاحية من ضواحي مدينة طرابلس، اشتراها تاجر تونسي، ووضعها تحت تصرف مناضلي الحزب الحر الدستوري الجديد الذي يتزعمه الأستاذ الحبيب بورقيبة، الذي كان يوجد في ذلك الزمان في الإقامة الإجبارية في الجنوب التونسي في بلدة "أرمادة".

الجدير بالذكر والأخذ في التقدير تاريخيا هو أن أحداث تونس بدأت مباشرة بعد استقلال ليبيا في شهر مارس سنة 1952.

ثم خطت خطوات جريئة جعلها تستأثر باهتمام الرأي العالمي في فرنسا، والرأي العام في العالم العربي.

مشروع الإتيان بالزعيم الحبيب بورقيبة إلى طربلس

عقد عز الدين عزوز معنا اجتماعا، وأخبرنا فيه بمشروع جريء تنوي جماعة من الفدائيين التونسيين القيام بتنفيذه في الجنوب التونسي لإخراج الأستاذ الحبيب بورقيبة من مكان إقامته الإجبارية في "أرمادة" والإتيان به إلى مدينة طرابلس لكي يقود منها أو من القاهرة ثورة تحرير تونس.

لكن الأستاذ بورقيبة، بعد مشاورته في الشأن، شكر أصحاب المبادرة، وقرر البقاء في الإقامة الإجبارية في "أرمادة" في الجنوب التونسي لأن وجوده فيها يزيد في حماس مناضلي الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد الذي يتزعمه.

"الحوادث" حالة حرب تونسية

بعد انتهاء شهر رمضان وشهر يونيو كان علينا، الهاشمي الطود وأنا، أن ندخل إلى بلدان المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب لإنجاز المهمة الثانية في مأموريتنا السياسية الوطنية للاتصال بالأحزاب الوطنية.

تم الاتفاق بيننا نحن الثلاثة على ما يأتي:

يعود عبد الحميد الوجدي إلى مدينة بنغازي

يسبق الهاشمي الطود إلى تونس، ويخبرني بوصوله بسلام، ويرسل إلي عنوانه في تونس.

وصلت بدوري إلى مدينة تونس، ووجدته ينتظرني صحبة أخ تونسي اسمه حماد البوسطانجي، تاجر ذهب في سوق البركة بالعاصمة، وهو رئيس شعبة العاصمة للحزب الدستوري التونسي الجديد؛ أخذاني إلى الأوتيل الذي فيه الهاشمي الطود في غرفة واسعة فيها سريران.

كان صاحب الأوتيل مناضلا دستوريا. فلما شاهدني مع رئيس شعبة العاصمة للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد والهاشمي الطود، فهم وضعيتي، ولم يطلب مني هويتي الشخصية.

في جلسة عمل جمعتنا نحن الاثنين بالسيد حمادي البوسطانجي وشخصيات أخرى من الحزب الدستوري التونسي الجديد، بينا لهم هدف مهمتنا في تونس والجزائر والمغرب.

طرحنا السؤال الآتي:

إذا قامت حركة تحريرية موحدة في بلدان المغرب العربي فما هو موقفكم منها؟

هل تنضمون إليها؟

إذا قررتم الانضمام إليها فما هي شروطكم السياسية والعسكرية والإدارية (اللوجستيكية) ؟

فأجابونا على هذين السؤالين بقولهم:

كان السيد ماندس فرانس الاشتراكي يأتي إلى تونس لكي يدافع عن المناضلين المحكوم عليهم بالإعدام في "الحوادث التونسية" واتصلنا به وتحادثنا معه في القضية التونسية، طلبنا منه أن يساعدنا في إيجاد حل يحقق لنا مطلبنا في الاستقلال.

وأجابنا بما يلي:

«إذا نجح حزبه في الانتخابات، وعين رئيسا للحكومة الفرنسية فإنه يتفاوض معنا على اعطائنا الاستقلال الذاتي، وطلب منا أن نقبله لأنه لا يستطيع أن يعطينا أكثر منه.»

ونحن قبلنا عرض السيد بيير ماندس فرانس: إن قبولنا الاستقلال الذاتي لا يعني أننا خارج الحركة التحريرية الموحدة.

«إننا من موقع استقلالنا الذاتي سنقدم المساعدة الممكنة لها سياسيا وعسكريا وإداريا.»

كان علينا في اليوم الثاني عشر من شهر يوليو أن نقابل عضوين من الديوان السياسي (اللجنة التنفيذية -المكتب السياسي) هما الدكتور الصادق بن المقدم والهادي نويرة، لكي نحادثهما في مهمتنا التي كانا على علم مسبق بها.

ذهبنا في الصباح الباكر صحبة السيد البوسطانجي إلى مقر الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد في غفلة من رقابة الجواسيس والعملاء الفرنسيين.

قال لنا الدكتور الصادق بن المقدم:

«تعرفون وضعيتنا، وقد بينها لكم، إخواننا نرجو منكم عندما نبدأ المحادثات مع الحكومة الفرنسية أن تساعدونا بالصمت، وبالدعم المعنوي، إن الاستقلال الذاتي سيكون تمهيدا للاستقلال التام، نرجو أن تبلغوا إخواننا هذا في الجزائر وفي المغرب، وسنقابلكم عند عودتكم من المغرب والجزائر إن شاء الله.»

في الجزائر

في الجزائر العاصمة قابلنا السيد عبد الحميد مهري بناء على توصية من السيد قيقة التونسي.

أخبر السيد مهري أعضاء المكتب الإداري لحزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية (حزب الشعب الجزائري) بقدومنا وبمهمتنا.

قرر أعضاء المكتب الإداري الاجتماع بنا والاستماع إلينا فورا يوم وصولنا قبيل الغروب. كان المتحدث معنا هو السيد أحمد بودا، إلى جانبه أحمد مزغنة، وحولهما عدد من المسؤولين، بعضهم جالس وبعضهم واقف ، ومن الواقفين السيد عبد الحميد مهري، بدأنا نحن بالحديث.

طرحنا عليهم السؤال الآتي:

إذا قامت حركة تحريرية موحدة ببلاد المغرب العربي فما موقفهم منها؟

هل تنضمون إليها؟

إذا قررتم الانضمام إليها فما هي شروطكم السياسية والعسكرية والإدارية (اللوجستيكية)؟

فأجابنا السيد احمد بودا قائلا:

هذا الموضوع مهم جدا، يخصنا، وهو يحتاج إلى دراسة، ومشاورة، واتفاق جماعي لاتخاذ القرار في شأنه لذلك لا نستطيع الآن إجابتكم عليه، وسنجيبكم عليه فيما بعد.

ثم سألنا السؤال التالي:

هل توجد دولة كبرى تعاوننا؟

أجبناه بقولنا:

لا توجد دولة كبرى تعاوننا.

الدول التي تعاوننا هي الدول العربية، وجامعة الدول العربية، وبعض الدول الإسلامية.

فأجابنا قائلا:

لا بد من وجود دولة كبرى تعاوننا.

قوله هذا يندرج في التعاليم المبدئية لحرب العصابات، وفي صميم السياسة الدفاعية.

فقلنا له:

الدول الكبرى الأولى الآن هي الولايات المتحدة، وهي حليفة فرنسا في حلف شمال الأطلسي.

هذه الدول الكبرى لا يمكن أن تعاوننا بأي حال من الأحوال، وضعيتها في الحلف لا تسمح لها بذلك.

الدولة الكبرى الثانية هي الاتحاد السوفياتي، وهي دولة شيوعية، وزعيمة حلف وارسو.

فلا يمكن أن نطلب منها معاونتنا لأن فرنسا وحلف الأطلسي كله سيحاربنا. باعتبارنا شيوعيين.

وهذا ليس من مصلحة حركتنا التحريرية الموحدة.

إن الذي نضمنه لكم هو معاونة الدول العربية، وجامعة الدول العربية، وبعض الدول الإسلامية.

ثم طرحوا علينا عدة أسئلة في مختلف مسائل السياسة الدولية التي لها علاقة بقضايانا الوطنية.

فأجبناهم عليها.

الحق الذي يجب أن يقال وأذكره هنا هو أن هؤلاء المسؤولين الوطنيين الجزائريين في حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية كانوا على اطلاع كبير بالسياسة العالمية، وكانت ثقافتهم السياسية واسعة.

هذا الاجتماع دام حوالي ثلاثة ساعات.

ثم قال لنا أحمد بودا:

السيد مهري مكلف بضيافتكم، وسنلتقي بكم في موعد آخر نحدده فيما بعد، وتأتون إلينا هنا معه..

أخذنا السيد مهري إلى أوتيل يملكه أحد المتعاطفين مع حركة الانتصار للحريات الديمقراطية فخصص لنا غرفة بسريرين ولم يطلب منا وثائقنا الشخصية...

وكان الأوتيل قريبا من مقر الحزب..

تعرفنا على المناضلين.. كان بعضهم نوابا في الجمعية الجزائرية (البرلمان الجزائري في عهد الاستعمار)؛ وكانوا على دراية بالسياسة المغاربية، والعربية، وبما يجري في العالم.

بعد ذلك تعرفنا على السيد رشيد القسنطيني، أحد الأسماء المستعارة للرئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف.

قابلناه في مقهى جزائري شعبي في حي باب الواد، وتحدثنا معه في مسائل وطنية عامة.

قال لنا:

إذا كان المغرب مستعدا للثورة فهو مستعد للثورة! دار في فكري أن هذا الكلام لا يمكن أن يقوله إلا مسؤول يمسك بيده زمام الثورة.

عقد أعضاء اللجنة الإدارية لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية الاجتماع الثاني معنا.

أصر السيد أحمد بودا على ضرورة وجود دولة كبرى تعاوننا.

وافترقنا على موعد آخر يحددونه لنا بعد عودتنا من المغرب.

دار في فكري أن أحمد بودا لم يرد أن يلتزم بأي شيء حتى نعود من المغرب. كان هذا من جانبه، وباقي أعضاء اللجنة الإدارية، موقفا حذرا يستحق التقدير والاحترام.

في المغرب

قبل دخولنا إلى المغرب تذكرنا تصريح الجنرال كيوم، المقيم العام الفرنسي، الذي قال فيه! إنه جاء إلى المغرب لكي يطعم المغاربة التّبن!

سمينا خطتنا المغربية " خطة أكل التبن" وكنا نضحك ونحن نقول -على سبيل الفكاهة -دخلنا لأكل التبن مع إخواننا المغاربة.

لعل الجنرال كيوم أراد استفزازنا وتحدينا لكي يدفعنا إلى الثورة حتى يتمكن من قمعنا.

فهو كمواطن فرنسي وطني عاش زمان المقاومة الفرنسية، وهو دونما شك يتذكر "نشيد الأنصار" الذي كان ينشده مقاوموهم وخاصة المقطع الذي وردت فيه كلمة" التبن" وهو:

أيها الأنصار!

أيها الرفاق العمال

إنه الكفاح

أخرجوا من "التبن"

سلاحكم ورشاشكم.

نحن الذين كسرنا

قضبان السجون

ليخرج إخواننا

صديقي إذا سقطت!

صديق يخرج من الظل في مكانك!

هل هذا هو "التبن" الذي كان الجنرال كيوم يريد إطعامه لنا؟!

في الرباط

كان علينا أن نقابل أعضاء مسؤولين في حزب الاستقلال، وفي حزب الشورى والاستقلال.

ذهبنا إلى مطبعة جريدة "العلم" الاستقلالية، وطلبنا من أحد عمالها، وهو من مدينة القصر الكبير وصديق الهاشمي الطود، أن يحدد لنا موعدا مع الأستاذ عبد الكريم غلاب.

فحدد لنا موعدا للالتقاء به في داره بحي حسان بالرباط لنتناول طعام الغداء معه.

ذهبنا في الموعد المحدد إلى دار الأستاذ غلاب، وجدناه في انتظارنا، واستقبلنا ورحب بنا، وأدخلنا إلى الصالون المغربي التقليدي الخاص بالاستقبال.

تحدثنا في موضوع مهمتنا.

وطرحنا عليه السؤال الآتي:

إذا قامت حركة تحريرية موحدة في المغرب العربي فما موقفكم منها؟

هل تنضمون إليها؟

إذا قررتم الانضمام إليها فما شروطكم السياسية والعسكرية والإدارية (اللوجستيكية)؟

فأجابنا الأستاذ عبد الكريم غلاب بقوله:

إن جلالة السلطان محمد بن يوسف استدعانا للحضور في الديوان السلطاني، وأخبرنا أنه بصدد التفاوض مع الحكومة الفرنسية على الاستقلال الذاتي.

وطلب منا دعمه وتأييده في مفاوضته مع الحكومة الفرنسية.

أجبناه إلى طلبه بالإيجاب، وأكدنا له أننا ندعمه، ونؤيده.

أضاف قائلا:

إن حزب الاستقلال يريد الاستقلال التام

ولكننا ندعم جلالة السلطان ونؤيده في الحصول على الاستقلال الذاتي، فإذا حصلنا عليه فإننا نعمل لتطويره إلى استقلال تام.

كما نعمل على تكوين الأطر، وتنظيم الوزارات والإدارات وتأطيرها، وتنظيم شؤون الدولة والحكومة في سعة من أمرنا، وكفى الله المؤمنين القتال.

أما إذا فشلت المفاوضات مع الحكومة الفرنسية ولم نحصل على الاستقلال الذاتي، فإننا ننضم إلى الحركة التحريرية الموحدة التي تقوم في المغرب العربي.

وعندنا في القاهرة الأستاذ علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال فهو الذي يتفاهم معكم في الشروط.

في مدينة الدار البيضاء

كان علينا أن نسافر إلى مدينة الدار البيضاء لكي نقابل الأستاذ أحمد ابن سودة مدير جريدة الرأي العام وعضو في المكتب السياسي لحزب الشورى والاستقلال. ذهبنا إلى داره مرتين ولم نجده، على الرغم من أن الرجل هو الذي حدد لنا الموعد في منزله.

(وبعد فشلنا في مقابلة ابن سودة) كان علينا أن نقابل الحاج أحمد معنينو في مدينة سلا وهو عضو قيادي في حزب الشورى والاستقلال ...أخبرناه بمهمتنا التي جئنا من أجلها إلى المغرب.

طرحنا عليه نفس الأسئلة التي طرحناها على الأستاذ عبد الكريم غلاب.

وأخبرنا بنفس ما أخبرنا به الأستاذ غلاب، من استدعاء حزب الشورى والاستقلال إلى الديوان السلطاني، ومفاوضات جلالة السلطان مع الحكومة الفرنسية على الاستقلال الذاتي ودعم الحزب لجلالة السلطان وتأييده له. تماما مثل حزب الاستقلال.

وقال لنا: انه سيبلغ أمر مهمتنا إلى المكتب السياسي الذي كان بعض أعضائه ما يزالون في العطلة السنوية.....

العودة إلى مصر

خرجنا من محطة قطار القاهرة وتوجهنا إلى حي الدّقي، حيث يسكن رئيس لجنة الدفاع وخليفة رئيس لجنة تحرير المغرب العربي المجاهد امحمد بن عبد الكريم الخطابي، شقيق الأمير رئيس اللجنة.

خرج رئيس لجنة الدفاع ... واستقبلنا عند الباب بحرارة؛ وقدمنا له تقريرا شفويا عن المهمة.

تدريب ستين شابا مغاربيا

في شهر يونيو 1954 (شوال 1373 ﻫ) تم الاتفاق مع القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية على تدريب ثلاثمائة شاب مغاربي يقسّمون على خمس دفعات (دورات) تدريبية.

مدة كل دفعة (دورة) ستة أشهر

هذا يعني أن هذه الثلاثمائة (300) متدرب مغاربي سيتدربون كلهم في مدة سنتين ونصف سنة.

120 متدربا في السنة يحتاجون إلى ميزانية خاصة: إيواؤهم في المعسكر وتكاليف أثمان الماء والنور، والغذاء، واللباس، وبنزين السيارات، والذخيرة الحية، ومصاريف الحالات غير المتوقعة.

كان عدد المتدربين في الدفعة (الدورة) 60 شابا.

وكان الشاب الجزائري محمد بوخروبة الذي صار يعرف باسم "هواري بومدين" في هذه الستين.

الشهر الأول كان مخصصا للتدريب الأولي.

وعندما أوشك هذا الشهر على الانتهاء صحبني لزيارتهم الهاشمي الطود إلى المعسكر الذي يتدرب فيه هؤلاء الستون، وكان موقعه وراء حي حدائق القبة.

استقبلنا قائد المعسكر، وهو شاب برتبة صاغ (رائد)، رحب بنا، وقدم لنا شروحا عن وضعيتهم في المعسكر، وعن سلوكهم وحماسهم في التدريب، ،وجال بنا في المعسكر، ومر بنا أمامهم وهم يتدربون.

ثم عاد بنا إلى مكتبة بمقر المعسكر، أكرمنا بالمرطبات الباردة، وتناولنا حديثا عسكريا حول حرب العصابات، وودعنا بعد أن قضينا في ضيافته حوالي ساعة.

بعد هذه الزيارة بأيام قال الهاشمي الطود:

إن قائد المعسكر طلب منه أن نضع له برنامجا خاصا لتدريب هذه المجموعة، و المجموعات الأخرى التي تأتي بعدها.

أجبته بقولي:

قدمنا لهم شباننا لكي يدربوهم في معسكرهم، فليضعوا لهم البرنامج الذي يرونه صالحا ونافعا، وليس من اللائق سلوكيا أن نضع لهم برنامجا في معسكرهم. وهذا ما اعتبره أمرا صعبا تقبله من الناحية الأخلاقية والمعنوية، ثم اقترحت عليه عرض هذا الأمر على نظر خليفة رئيس لجنة تحرير المغرب العربي ورئيس لجنة الدفاع فيها.

وقد عرض هذا الأمر بالفعل -كنت معه -على نظره فكان جوابه مشابها لجوابي.

وقال له:

بلغ قائد المعسكر أننا وضعنا أبناءنا تحت تصرفهم يدربونهم، فليضعوا لهم البرنامج المناسب.

اتصل الهاشمي بقائد المعسكر، وبلغه جواب خليفة رئيس لجنة تحرير المغرب العربي و رئيس الدفاع فيها.

وظننت أن هذه المسالة قد انتهت

لكن الهاشمي عاد لكي يخبرنا أن قيادة المعسكر بعد تشاورها على أن نتناول نحن وضع برنامج تدريب مجموعاتنا.

فقلت له:

ما دام الأمر هكذا فبلغه إلى رئيس لجنة الدفاع في لجنة تحرير المغربي العربي لينظر فيه، ويرى فيه رأيه.

عندما بلغ الهاشمي رئيس لجنة الدفاع إصرار قيادة المعسكر على أن نتولى وضع برنامج التدريب طلب أن نتعاون في وضعه.

برنامج التدريب للشبان المغاربيين الستين

في مقهى شعبي جلسنا حول طاولة فأخرج الهاشمي مفكرة صغيرة بحجم اليد وأخذ يدون ما نتفق عليه أن يكون برنامجا.

وقد تضمن ما يأتي:

هدف التدريب

الهدف من التدريب إعداد شبابنا عسكريا لقتال حرب العصابات التي يمارسون واجباتها، وينفذون عملياتها ميدانيا في حرب التحرير في بلدان المغرب العربي.

التدريب على الأسلحة

يعطي لهم تدريب سلاح المشاة، شبه كامل، مركز على ما يحتاجونه في عملياتهم القتالية في مختلف الظروف.

تدريبهم على جميع أسلحة المشاة المستخدمة في الجماعة والفصيل، والسرية، والفوج (الكتيبة) بما فيها أنواع الهاونات والرشاشات، وأسلحة مقاومة الدبابات، وضمنها 6 رطل.

التكتيك

إعطاؤهم دروسا نظرية وتطبيقية، مركزة ومختصرة، تتناول واجبات الجماعة (الحضيرة) ، والفصيل، والسرية، في الهجوم والدفاع والانسحاب وربطها افتراضيا بالعمل في إطار الفوج، واللواء والفرقة لتوسيع الأفق العسكري عندهم.

إعطاؤهم دروسا نظرية وتطبيقية، مركزة ومختصرة، خاصة بالقتال القريب أثناء الاصطدام (الصدمة) والالتحام، وبحرب العصابات بالإضافة إلى تداريب تحمل المشاق والصعوبات

إعطاؤهم تداريب وتمارين قتالية عملية تطبق في جبل المقطم وفي الصحراء القريبة من القاهرة، ومسيرا ليليا لمسافة أربعين (40) كلم، عشرين كلم ذهابا وإيابا.

ثقافة عسكرية

إعطاؤهم دروسا نظرية مركزة ومختصرة في مواضيع عسكرية متنوعة تشمل: التنظيم، والإدارة، والصحة، والضبط (الانضباط) والمعنويات العالية، ومعارك مختارة من التاريخ العسكري..

وتركنا لإخواننا الضباط المصريين إضافة ما يرونه صالحا ونافعا لشباننا المغاربيين، كنا نظن أن هذا البرنامج سيكون مرهقا للضباط وللشبان المتدربين في مدة الخمسة أشهر الباقية.

لذلك ركزناه وحصرناه في الاهتمام بأهم ما يحتاج إليه المناضل الجندي، أو الجندي المناضل في حرب التحرير الذي قد يكلف، بادئ ذي بدء، بقيادة جماعة أو عدة جماعات مقاتلة وبمهام وواجبات مماثلة.

في نفس اليوم أخذ الهاشمي مفكرته الصغيرة التي دون فيها البرنامج وأسرع بها إلى قيادة المعسكر، الواقع وراء حدائق القبة، والمسافة بين ميدان الدقي، في محافظة الجيزة، وبين المعسكر أكثر من عشرة كلم.

وظننت أن قيادة المعسكر سوف لا تقبله.

وعاد الهاشمي من المعسكر وقال لي:

إن قائد المعسكر قد سر من البرنامج، وبدا على وجهه الانشراح، وقال معلقا عليه:

هذا برنامج نموذجي لتدريب خاص، وسأهتم بإعداد الدروس يوميا لإنجاحه وسأضيف إليه كل ما أرى أنه يجب أن يضاف.

كنا نظن أن الشبان المغاربيين المتدربين قد لا يتحملون تدريب تحمل المشاق والصعوبات والمسير الليلي لكنهم مارسوها بحماس عجيب، بل وكانوا يرغبون في الإكثار منها.

زيارة هؤلاء الشبان لرئيس لجنة تحرير المغربي العربي.

أخبرني الهاشمي الطود أن بعض هؤلاء الشبان المغاربيين الستين الذين يتلقون تدريبا عسكريا في معسكر مجاور وقريب من حي حدائق القبة يأتون لزيارة رئيس لجنة تحرير المغرب العربي كل يوم جمعة بعد الظهر، ويقضون معه متسعا من الوقت.

كان يحدثهم في مسائل تتعلق بالجهاد في الإسلام دفاعا عن الأوطان، وفي معلومات لها صلة بحرب العصابات انطلاقا من وقائع الحرب التحريرية الريفية في العقد الثالث من القرن العشرين.

كما كان يزودهم بالنصائح الضرورية لرفع الروح المعنوية (المعنويات العالية)

لقد كان رئيس لجنة التحرير شخصية عمومية مغاربية ودولية ومعلمة تاريخية بارزة لابد أن يهتم بها هؤلاء البعض من الشبان المغاربيين بزيارته للتعرف عليه، والاستماع إلى حديثه التاريخي والديني وهو شيخ في عمر متقدم."
..
 

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:09 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 26   الإثنين يونيو 11, 2018 2:43 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 26
الحلقة 26

دور الاتجاه المعادي لخيار الكفاح والخطابي

وفي مقابل شهادتي العقيد الهاشمي الطود والضابط حمادي العزيز، بصفتهما أنموذجين من النماذج التي تؤكد خيار الكفاح المسلح للجنة تحرير المغرب العربي، من جهة، ومعارضة الأحزاب المسماة وطنية لهذا الخيار، نرى كيف كانت مواقف الأحزاب من هذا الخيار؟

اتهام الخطابي وأنصاره بالنزعة الانفصالية

نتيجة لمعارضة الخطابي للاستقلال الناقص من أطرافه، الناجم عن محادثات "إيكس – ليبان" بين الأحزاب والحكومة الفرنسية، وتفاهمات "سال سان كلو" بين محمد الخامس وفرنسا، قامت جهات، محسوبة على حزب الاستقلال القديم، باختطاف كل من يشتم فيه أي انجذاب أو تعاطف مع رؤية الخطابي لتحقيق الاستقلال الكامل، والالتزام بميثاق لجنة تحرير المغرب العربي. وكثير من أولئك المختطفين أعدموا بدون محاكمة.

صدر هذه السنة، وتزامنا مع محاكمات 2017 و 2018 للمشاركين في احتجاج حراك الريف، عن مركز بنسعيد أيت يدر للأبحاث والدراسات، كتاب تحت عنوان "الهيأة الريفية، ملف وثائقي" يكشف جانبا من جوانب تلك الاختطافات دون أن يشير إلى الاغتيالات والإعدامات، التي رافقتها، بعد أن نسبت إليهم مليشيات حزب الاستقلال القديم، وبنسعيد كان عضوا فاعلا فيها، "اعترافات" ومحاضر ناجمة عن الاستنطاق، وتقارير منسوبة إلى أعضاء في حزب الشورى والاستقلال، الخصم السياسي الأول لحزب الاستقلال، لا يعلم أحد كيف انتزعت منهم.

لكن، ما يلفت الانتباه أن ما سمي باعترافات المختطفين المنشورة في الكتاب (كتب عليها "أرشيف محمد بنسعيد أيت يدر"). أما ما أطلق عليه صفة تقارير فليس لها أي مرجع.

إن ما أُطلق عليه "محاضر استنطاق وتقارير"، المتعلقة بما يسميه الكتاب "الهيئة الريفية"، تقدم صورة غير وطنية عن مواقف المؤيدين لرؤية الخطابي لما يجب أن يكون عليه استقلال المغرب. ولعل "الخلاصة" التي وردت في نهاية ما سمي بـ"تقرير عن حدو أقشيش"، أحد ضباط عبد الكريم المتخرج من العراق، الذي اختطف سنة 56 وأُعدم دون محاكمة، تبين (الخلاصة) مدى تشكيك الاتجاه المناهض للخطابي في مواقفه الوطنية وتجريم مناصريه. تقول الخلاصة:

"وجدت لديه (عند حدو أقشيش) أربعة رسائل ممضاة باسم عبد الكريم الخطابي وباسم إدريس الخطابي؛ وهذه الرسائل كلها تهجُّم وإثارة العواطف وإغراء أهل الريف بالقيام بالثورة ضد جيش التحرير وضد الفرنسيين كما يزعمون، والسياسة التي اتخذتها الحكومة المغربية في شأن إيقاف جيش التحرير، عندما اقتضى نظر صاحب الجلالة ذلك. وتزعم الرسائل كما يزعم من توصل بها، أن السياسة التي يتمشى عليها صاحب الجلالة إن هي إلاّ وحي من بعض الهيئات، وأن صاحب الجلالة عاجز عن تسيير الشؤون مستقلا عن هذه الهيئات، كما وجد لديه مناشير ضد سلامة الدولة، وضد حتى جلالة السلطان. وقد جاء في هذه النشرة أن حزب الاستقلال يستمد نفوذه من السلطان الأجنبي ويعني بذلك صاحب الجلالة كما يطلقون على صاحب الجلالة اسم (بويشرذان) وهي باللغة الريفية أبو البراغيث ويقولون (من هم الذين يقولون؟) هذه الكلمة لمن يقصدون إهانته.

كما أن عبد الكريم الخطابي يأمرهم (يأمر من؟) بالتظاهر بالمسالمة مع صاحب الجلالة عندما لقبه باللقب المذكور سابقا أي يظهرون له خلاف ما يبطنون". انتهى النص المنقول عن كتاب "الهيئة الريفية، ملف وثائقي". التقرير رقم 18. فما أشبه الأمس باليوم؟!

نموذج من التقارير التجسسية المرفوعة من خارج المغرب

إذا كان هذا نموذج من نماذج قطع الطريق على الخطابي وجيش التحرير داخليا، كما أشار إلى ذلك الفقيه البصري في مذكراته، التي أشرنا إليها في حلقة سابقة، فإن التقارير التجسسية ضد الرجل كانت تلاحق نشاطه في القاهرة وغيرها كذلك. وهذا نموذج منها:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

حضرة الأخ العزيز السيد أحمد المليح

تحية زكية وسلاما عاطرا راجيا لك دوام العافية والسرور

وبعد؛

ليس من حقي أن أغادر القاهرة من غير أن أودعك ولكن الظروف الصعبة التي كانت محاطة بي لا تسمح لي بذلك، إذ كنت غير متيقن من هذا السفر المفاجئ إلى بغداد، فأرجو منك العفو والصفح عني.

هذا وأنا اليوم موجود في مدرسة المشاة حيث نقضي فيها مدة ستة شهور نتعلم خلالها على 7 أسلحة مختلفة وبعدها نذهب إلى الموصل لتقضي هناك شهرين حيث نتدرب على الحروب الجبلية والتعبئة وعندما نرجع إلى بغداد نجري امتحان وأخيرا يمنحوا إلينا شهادة بدرجة ضابط احتياطي.

هذا كلما في الأمر أو ما يتعلق بالدراسة إذ نقضي يوميا ست ساعة أربع منها عملي والأخريين نظري، إننا نتعب كثيرا وهذا البرنامج (...)جهدنا ولقد طلبنا من الجهات المختصة تمديد المدة مع تخفيف العمل ولكن مع الأسف الشديد إن الأمير محمد لا يوافق على ذلك إذ كانت نيته كما استنتجت من أتباعه أن نتدرب في هذه المدة القصيرة ونرجع توا إلى ميدان العمل إلى الجبال المراكشية لنشارك مع المجاهدين، وحيث يقوم أتباعه ببث الدعاية هناك وليكسب المعركة ويفوز ولكن خطته باءت بالفشل الذريع إذ أن الجميع يلعنوه على خطته وعلى غلطه الفاحش. هذا من جهة أم من أخرى فإن جميع الطلبة الموجودين معي وهم ثلاثين فلا يخفى عليك أفكارهم السيئة الدنيئة، إنهم يكرهون كل شيء لا (...) إلى الأمير ولي نعمتهم فمثلا عندما أعلن الاتفاق المشترك بين جلالة الملك والحكومة الفرنسية باعتراف الأخيرة باستقلال المغرب استقلالا تاما عارضوه فيه لأنه جاء من صاحب البلاد وممثلها الشرعي الجالس على عرشها إذ يكرهونه بصفة لا يمكن أن تتصور في ذاكرة أي مغربي كان (...). أما عدوهم الأكبر هو حزب الاستقلال وعلى رأسه زعيمه الأكبر السيد علال حفظه الله للجميع.

لهذه الأسباب كلها التي ذكرت لك فضلت الذهاب إلى بغداد لأتابع جميع حركاتهم التي يقومون بها ولو أنني أعرفهم في مصر لكن أردت الذهاب إلى العراق لألاحظ أعمالهم ونشاطهم وبما أنني مواطن مغربي لي الحق أن أخالط الصالح والطالح لأعرف الجميع وكذلك أخبر الجهات المختصة لتكون على حذر منهم. لهذا فأنا ما زلت على مبدئي وعليه أسير لا أبالي بأي عقبة قد تعوقني، وفي كل آونة سأبعث إليك جميع التقارير والتفاصيل عن نشاطهم المستمر وكل ما أرجوه منك أيها الأخ أن ترد على رسائلي ولا تهملها.

أخي العزيز سلم مني على الأستاذ الجليل عبد المجيد بن جلون سلاما حارا وأهنئكما باستقلال بلادنا العزيزة تهنئة حارة معبرة عن ابتهاجنا جميعا بهذا الفرح العظيم جعله الله عيدا مستمرا مزدهرا تحت رعاية عاهلنا المعظم محمد الخامس وزعيمنا الأكبر السيد علال وأطال الله في عمرهما وجعلها ذخرا لهذه البلاد العزيزة.

هذا وسلم مني على عائلتكم النبيلة وبالأخص نجلك مروان وكذلك عائلة الأستاذ عبد المجيد وتحياتي إلى عبد الرحمن وفاضل.

ويسلم عليك وعلى الأستاذ عبد المجيد الأخ سعيد المنور البركاني ويتمنى لكما دوام العافية والهناء. وتقبل تحياتي الحارة.

في 20/2/1956 أخوك محمد العطار مدرسة المشاة. بغداد - العراق

الحمد لله ولا يدوم إلا ملكه

حضرة الأخ العزيز الأستاذ أحمد المليح

تحية وسلاما.

وبعد. لقد بعث لسيادتكم رسائل مع الأخ عبد الرحمن الشنقيطي وأخبار هامة يدليها لكم عند وصوله بطرفكم وكذلك الأخ محمد الريفي وعساهم قد بلغا كل شيء.

واليوم لقد بعثوا الطلبة برسالة مسجلة برقم 406 تحمل الاستمارات مع صورهم ووثيقة قد منحتها لهم المدرسة، وكذلك رسالة كتبها محمد بن عيسى من غير أن يطلع عليها أحد. ولست أدري ما فيها وعلى كل حال فلديكم الآن 16 طلبا قارا من أسماء الطلبة الذين ذكرت لكم فيما سبق حتى تعرفهم وتقوم بالواجب. أما الباقي فلم يريدوا أن يبعثوها.

هذا منذ أربعة أيام وصلت رسالة من القاهرة باسم الأمير محمد يحث الطلبة على محاربة حزب الاستقلال وصاحب الجلالة لأنه يعطف على هذا الحزب ويذكرهم بوعدهم الذي عاهدوه وجاءوا من أجله، وهم موافقون على أوامره ولقد بعثت للسيد الزعيم علال رسالة في هذا الموضوع بالتفصيل.

وأخبرك بأنني مسافر مع الباقي إلى شمال العراق، أي الموصل، يوم الخميس صباحا لقضاء شهرا ونصف هناك على تعليم التعبئة والحروب الجبلية وسنرجع يوم 12 أغسطس وفي آخره نسافر راجعين- نرجوكم أن لا تبعثوا إلى بأي رسالة وكذلك أخبروا الأستاذ علال في هذا. وإذا كان فلابد فارسلوها بالعنوان الآتي: الرئيس علي جابر يسلمها لمحمد العطار مدرسة المشاة الوشاشي- بغداد- حيث يقوم هو بتسليمها إلى لأنه آمر فصيلنا ومعلمنا

وسلام مني على عائلتكم الكريمة وبالأخص الأخ مروان وتحياتي لسيادة الزعيم الكبير السيد علال الفاسي وعائلته المحترمة والأخ الأستاذ عبد المجيد بن جلون والجميع سلاما عاطرا.

وتقبلوا فائق الاحترام

بغداد 24/6/1956 أخوكم محمد العطار

من حقنا، ومن حق كل من يتساءل عن الأسباب التي حالت دون تحقيق المغرب لاستقلاله الكامل، غير منقوص من أطرافه ومن صحرائه، واسترجاع كل حدوده الحقة أن يطرح السؤال التالي: هل بإمكان المقدمات الفاسدة أن تعطي ذات يوم نتائج سليمة؟

سيكون ذلك ممكنا في حالة واحدة، هي: إذا أشرقت الشمس من الغرب
..[/size]  [/b]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر ـ 27 ـ بين أنوال وشرعنة الوجود الاستعماري   الثلاثاء يونيو 12, 2018 2:05 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 27
الحلقة 27

بين أنوال وشرعنة الوجود الاستعماري

رحل عبد الكريم عن الدنيا في 6 فبراير 1963، واستقر جثمانه في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة؛ وودعته مصر وداع بطل من أبطال الكفاح العالميين ضد الاستعمار، ورمزا من رموز التاريخ المعاصر، ورحل رفاقه مكللين بأمجادهم في غير صخب المهرولين إلى ولائم السلطة، وبدون أوسمة أو نياشين؛ فقد كانوا هم الأوسمة وأكاليل النصر على بوابة تاريخ المغرب المعاصر والراهن في أنوال، وتيزي عزة وتفرسيت، وعين الحمرة بالشاون، والبيان وغيرها من معارك أحرار المغرب الذين كان لهم شرف الانتماء إلى الوطن المفدى؛ ففضلوا الانسحاب من زمن تنكر فيه قادة الدولة "الوطنية المستقلة" وأحزابها لتضحياتهم في سبيل استمرار الوطن في الوجود وفي وجدان أجيال المغرب المتعاقبة في الزمن، ومن أجل حفظ أمانة الآباء وعهد الأجداد الذين لم يرضوا أن يروا غيرهم لوطنهم مالكا.

وستبقى ملاحم مثلث الحرية المتوج بأنوال، وتيزي عزة، وأعروي، والشاون، والبيبان شاهدة لهم على تفانيهم في التضحية الوطنية. ولا صوت يعلو على صوت التضحية في سبيل الوطن وقيم الحرية والكرامة والعدالة، وستتعاقب ذكرى أنوال وأخواتها بتعاقب السنين في إباء، تذكّر الاستعمار بمصيره، وبما كان في وادي المخازن، كما تذكر أعوانه بقدرة الشعوب على دحر البغي والعدوان، مهما يكن مصدره، كما تذكرهم بقدرتها كذلك على كشف أباطيل مناهج الحصار وثقافة زمن النسيان، وادعاءات الانفصال وتهديد سلامة الدولة ووحدة الوطن.

وها هو العالم حولنا لا يزال يتناول بالتحليل والدرس تلك الملاحم وآثارها وتداعياتها على التحولات السياسية العالمية وتصفية الاستعمار في القرن العشرين، ومدى تأثيرها في التعجيل بطرد الاستعمار من شمال إفريقيا بصفة خاصة، وعن كل البلاد المستعمرة بصفة عامة.

لكن في المقابل لا يزال هنا في المغرب من يحاول إعادة الاعتبار للاستعمار بوصفه ظاهرة حضارية إيجابية، ويعمل على تمجيد المارشال ليوطي (Lyautey) وتقديمه للمغاربة كفاتح جديد، كما أشرنا إلى ذلك في ثنايا هذا الكتاب.

ويجدر بنا أن نشير إلى أن ما يقرأه المغاربة في عهد الاستقلال، عن مزايا وفضائل وإنجازات ليوطي أكثر بكثير عما يقرؤونه عن أي شخصية مغربية دعت وخدمت مشروع إخراج المغرب من وضع تاريخه الملتوي في أخاديد الانحطاط الاجتماعي والفكري والسياسي. فهؤلاء يُثنون، مثلا، على ليوطي لكونه بنى في مدة 13 سنة من قيادته احتلال المغرب، عشرين مدينة، ولكونه وضع الصيغة النهائية لعَلَم المغرب، وقراره الاستغناء عن النجمة السداسية، التي كانت النجمة الرسمية للمغرب الأقصى، وتعويضها بالنجمة الخماسية؛ فقد كانت مرسومة في السكة المغربية. وتبنت الدولة الوطنية نجمة ليوطي الخماسية في العلم الوطني، كما تم تبني موسيقى الضابط الفرنسي ليو مورغان Léo Morgan ، رئيس فرقة الموسيقى العسكرية بالحرس الشريفي في عهد الاحتلال الفرنسي للمغرب؛ هذه الموسيقى التي أمر الملك الراحل الحسن الثاني في أواخر الستينيات من القرن الماضي أن تؤلف لها الكلمات المعروفة اليوم بالنشيد الرسمي للمملكة المغربية.

وبالعودة إلى ليوطي، فقد اعتبر هؤلاء أن ترحيله من المغرب، أو طرده، من قبل المكافحين من أجل عزة الوطن، سببا في تردي وانحطاط المغرب الذي أسسه مجددا هذا المارشال وطوره. وراح بعضهم يسجل أن المغرب لم يعش قساوة الاستعمار إلا بعد إقدام عبد الكريم على محاربة فرنسا وخروج ليوطي منه. لكن، ما هو خطير، أن بعض الشباب لا يزالون يرددون اليوم، لأسباب تربوية خاصة بأسرهم، أو تكوينية حزبية، أو جهوية وفئوية، أن طرد ليوطي كان بمثابة كارثة على المغرب الجديد، بل أنهم يعتقدون نفس الاعتقادات المرفوعة إلى درجة اليقينيات بأن المولى إدريس أسس المغرب القديم بعاصمته فاس، وأن المارشال ليوطي أسس المغرب الحداثي الجديد بعاصمته الرباط. كما انتقد خلفاؤه كل من حاد عن خريطة الطريق التي رسمها لهم، "الفاتح ليوطي"، باعتبار مقاومتهم له ولفرنسا مقاومة ومناهضة للحضارة والحداثة، ومعاداة للنظام الملكي ولإمارة المؤمنين كذلك، ويؤكدون أن ما فعله السلطان مولاي عبد الحفيظ في تسليم المغرب لفرنسا، وما أقدم عليه شقيقه مولاي يوسف من دعوة محاربة عبد الكريم "الفتان والروغي"، وتقديم الشكر لفرنسا في الاحتفال الرسمي سنة 1926 بذكرى الثورة الفرنسية وقيام الجمهورية، حيث خاطب فرنسا الجمهورية بقوله إن فرنسا يعود إليها "الفضل في قطع جرثومة العصيان من ولاييتنا". والتعبير للسلطان مولاي يوسف هو عين الحكمة والصواب. هذا اعتقاد حزب فرنسا في المغرب. فكثيرا ما تحججوا في ذلك بعبارات للحسن الثاني، التي جاء فيها أن «حكاية الذئب والحَمل التي كتبها لافونتين، لم تكن تبدو لنا حكاية، إلا أنه بدلا أن نكره فرنسا، كنا نفكر أن هؤلاء الذين كثيرا ما عاملونا معاملة ظالمة ليسوا إلا فرنسيين من درجة سفلى، وأن الذئب لا يمكن أن يكون فرنسيا» ، كما راحوا يستشهدون بفقرات أخرى من عباراته في كتابي "التحدي" و"ذاكرة ملك" حول تقديره لليوطي ولفرنسا ؛ لكنهم حين يفعلون ذلك يتغاضون عن العبارات الأخرى للحسن الثاني التي قوّم فيها المنجزات الاستعمارية بقوله: «في تلك الأيام، مدن جديدة تنبت وتنتصب ليقطنها الأوربيون، وكانت موانئ ومطارات، وطرق وقنوات وسدود وسكك حديدية، ومعامل تنشأ، وتشق وفق مخططات تتفق خصوصا مع حاجيات وإمكانات من كانوا يحكموننا. واختار من كانوا يحكموننا آنذاك أجود الأراضي الفلاحية وفي أخصب مناطق المغرب، ومتّعوا بها المعمرين لقاء أثمان رمزية، أو نتيجة طرق احتيالية عجيبة.»

ومن أساليب تلميع صورة الاستعمار يلجأ البعض إلى تمرير الإشادات بإنجازات فترة الحماية التي لم تتجاوز 44 سنة، في مقابل ما أنجز في نصف قرن من الزمن من عهد الاستقلال. ثم تنتقل الإشادات إلى الكتابات والأفلام. وكأحد الأمثلة على ذلك عرضت علينا القناة المغربية الثانية (2M) سنة 2005 فيلما خصص أساسا للحديث عن العلاقات الفرنسية المغربية إبان الاحتلال الفرنسي للمغرب، بمناسبة الذكرى الخمسينية لعودة محمد الخامس واسترجاع الاستقلال.

ويظهر أن الفيلم الذي مولته مصالح فرنسية كان له قصد مركزي ألا وهو تقديم الاستعمار كفاعل أساسي لتحديث المغرب وتحضره. وما يزكي هذا القصد، في نظرنا، هو تصريح زعيم ورئيس حزب سياسي مغربي، يصنف نفسه ضمن الوطنيين، في هذا الفيلم، بأنه لولا الاستعمار لما دخل المدرسة ولما تعلم، ونسي أن يقول إنه لولا فرنسا لما تزوج. وكل ذلك، في اعتقادنا، يندرج في الجهود المبذولة من قبل اللوبي الفرنسي بالمغرب من أجل إضفاء الشرعية على الاستعمار، والتقليل من الانتقادات الشديدة التي وجهتها جهات مغاربية إلى فضائع الاستعمار الفرنسي، عقب صدور قانون 23 فبراير 2005 الفرنسي الممجد للدور الاستعماري في تقدم الشعوب المستعمَرة. في حين أن الفيلم الوثائقي الذي أعدته القناة نفسها حول مرحلة مقاومة المغاربة للاحتلال الأجنبي، وعن عبد الكريم الخطابي بصفة خاصة، مُنع من العرض، بل سُحبت أصوله من أرشيف القناة، وربما كان مصير هذا الفيلم شبيها بمصير جثمان المهدي بن بركة.

وما يؤكد وجهة النظر التي ترى في الاستعمار عاملا حضاريا وليس مرحلة أعلى للإمبريالية، كما قال لينين ذات يوم، استمرار محاصرة رموز المقاومة وشهداء القضية الوطنية لمرحلة ما قبل الخمسينيات من القرن الماضي، بعدم إدراجهم في سجل العمل الوطني من قبل اللوائح الرسمية للدولة؛ خاصة وأن القوانين، التي صدرت في عهد الاستقلال، والتي حددت وعرّفت المقاوم، لا تشير إلى أولئك الأبطال الذين هبوا لنجدة الوطن بالتصدي للاحتلال الأجنبي؛ حين نصّت على أن صفة "مقاوم" تخص فقط الذين تصدوا للمؤامرات الاستعمارية؛ ابتداء من 16 غشت 1953 إلى 1960 فقط. فهل هي خطط ومشاريع يهدف من ورائها إلى رد الاعتبار للاستعمار؟

هل الولاء للاستعمار وراء إبقاء الخطابي في المنفى؟

وإمعانا في التنكر لقيم العمل الوطني المعادي للاحتلال، لا يزال الأمير الخطابي منفيا عن وطنه، كما هو معلوم. وكان أجدر بالدولة الوطنية المستقلة أن تتدارك الخطأ التاريخي الذي ارتكب في حقه، وحق رفاقه في العمل الوطني، منذ اللحظات الأولى للاستقلال بتجاوز السياسات الخاطئة، التي عرقلت المغرب من القيام بالوثبة الخلاقة نحو بناء دولة المغاربة، كل المغاربة. غير أنه يبدو أن شعار "امساخط سيدنا" كان ، ولا يزال مسيطرا على من له تأثير على مراكز القرار.

لكن، يظهر أن محمدا الخامس كان شاعرا بهذا الأمر وانعكاساته على مستقبل المغرب المستقل، فقام بزيارة الرجل في بيته بـ 5 شارع قاسم أمين بحدائق القبة في القاهرة، أثناء زيارته لمصر بتاريخ 13 يناير1960. وكان اللقاء، حسب رواية أبناء الأمير الخطابي، إنسانيا وإيجابيا بين إرادتين جمع بينهما النضال والتضحية من أجل الوطن، والإرادة القوية لبناء مؤسساته، قبل حسابات الربح والخسارة الشخصية التي اعتمدها ورثة الاستعمار. غير أن الموت لم يمهل محمدا الخامس ليفعل ما تم الاتفاق بشأنه في القاهرة مع الخطابي. ثم اتخذت الأمور بعد ذلك وجهة مغايرة. خاصة بعد معارضة عبد الكريم الخطابي لدستور 1962. فعادت القطيعة من جديد، بل تأكدت بين الحسن الثاني والخطابي، وشملت كل المنطقة التي انتسب إليها. فما ذا كانت الأمور في مرحلة ما بعد الحسن الثاني؟ هذا ما سنحاول عرضه في الحلقة الموالية.
..[/size]  [/b]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: 28   الأربعاء يونيو 13, 2018 3:31 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
 الحلقة 28
الحلقة 28 والأخيرة

المغرب في العهد الجديد

نحاول تقديم رؤية، أو جواب تقديري، عن السؤال المطروح في آخر الحلقة السابقة، فنبادر إلى القول: إنه منذ صيف 1999، وابتداء القرن الواحد والعشرين، دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، تميزت بتولية محمد السادس عرش المغرب. وصاحب المرحلة شعار "العهد الجديد." حيث ساد اعتقاد قوي بأن تواصلا إيجابيا سيحدث بين المرحلة الأخيرة من عهد محمد الخامس، التي كانت تعد بإقامة الدولة الديمقراطية، وبين العهد الجديد، الذي بشر بأنه سيعطي للمغرب الانطلاقة السياسية التي تم انتظارها مددا طويلة، وسينطلق المغاربة إلى بناء دولتهم وفق معايير تجسيد المواطنة لكل المغاربة.

فعلا، صدرت إشارات واعدة وقوية من العهد الجديد في أول خطاب للعرش، وفي خطاب 12 أكتوبر 1999 في موضوع إصلاح الإدارة ومحاربة التهميش الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الآخر الذي وصفه ليوطي بـ"المغرب غير النافع"، واستمر التعامل مع المغرب الآخر بمنطق ليوطي بعد الاستقلال. وطبق هذا المنطق بصفة خاصة على منطقة شمال المغرب، التي كان عليها أن تدفع ثمن التقارير المخابراتية الانتقامية من وطنيتها، ومن مقاومتها للاحتلال الأجنبي، بل أن البعض حمّلها مسؤولية قساوة الاستعمار بسبب قيامها بمحاربته، وكأنه لم يكن قبل ذلك قاسيا، عكس ما تختزنه الذاكرة الشعبية؛ وحمّل هذا البعض في دولة الاستقلال المسؤولية لرأي الخطابي في الاستقلال المبتور من أطرافه، ولرأيه من دستور 1962، الذي لم يكن في حقيقته إلا رأيا سياسيا.

في الواقع، جاءت زيارة محمد السادس لأقاليم الشمال، وللحسيمة تحديدا، وإقالة إدريس البصري، بمثابة إعلان عن طي صفحة التقارير التي سودت صفحة الشمال. وسادت بشائر مطمئنة ومبشرة بعهد جديد لكل المغاربة. ثم تدعمت بقرار حكومة التوافق بتكليف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير البدء بإحياء ذكرى انتصار أنوال في إقليم الناضور، لأول مرة؛ ابتداء من صيف سنة 1999، أي بعد انقضاء 78 سنة على ملحمة الحرية (اضهار أوبران ــ إغريبن ــ أنوال.) وكانت الخطوة الحكومية الثانية في العهد الجديد تمكين "مؤسسة محمد عبد الكريم الخطابي" بتاريخ 25 ـ 4 ـ 2002 من وصل إيداع، وصدور المرسوم الذي يمنح المؤسسة صفة "المنفعة العمومية"، بتاريخ 15 يوليوز 2002. وكذا الترخيص بعقد أول ندوة دولية، بتاريخ 27 ـ 29 يوليوز 2004 في مدينة الحسيمة حول البعد الوطني والدولي للجوء الخطابي إلى مصر سنة 1947، بدعم أدبي ومادي من جلالة الملك محمد السادس.

أما في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فقد تولد أمل كبير في عودة الروح إلى شمال المملكة، وخاصة مدينة طنجة التي تم إقبار مكانتها الاقتصادية منذ سنة 1958. فقد حرص محمد السادس على انجاز مشاريع كبرى فيها، كمشروع ميناء طنجة المتوسطي، ومشروع رونو المغرب، وإخراج مشروع الطريق الساحلية طنجة ـ سعيدية إلى الوجود، الذي طال أكثر من أربعة عقود. لكن إنجاز هذه الطريق لم يتم، للأسف، وفق المعايير التي كان ينتظرها المغاربة وساكنة المنطقة بصفة خاصة. وعلى الرغم من ذلك، ساد شعور عام بأن عصر التهميش في طريقه إلى الزوال، واعتقد الجميع بأن مصالحة المغرب مع ذاته مشروع يمكن تحقيقه، ويمكن بالتالي أن يتوجه وطننا نحو المستقبل بأمة مغربية منسجمة في تعددها، وبأكثر فاعلية في منهجية البناء الوطني.

مناورات اللوبي الاستعماري

لكن يبدو أن تيار اللوبي الاستعماري، أو حزب فرنسا، كما يسميه البعض، لم يرقه هذا التوجه، فراح يحاول كعادته أن يوظف قدرته على الكيد والمناورة لإبطال كل أثر إيجابي للخطوات السياسية للعهد الجديد التي ترمي إلى تمتين اللحمة الوطنية بدعم التآلف بين دعائمه التاريخية، وإيجاد الحظوظ المتساوية في التنمية الجهوية والمجالية، التي هي أساس لتنمية وطنية حقيقية.

صورة الدخول الرسمي إلى الدار البيضاء للمقيم العام الفرنسي فرانسيس لاكوست بتاريخ 17 يونيو 1954، ويستقبله أعيان المدينة تحت رمز الوجود الفرنسي في المغرب، تمثال المارشال ليوطي.

في الوقت الذي كنا فيه بصدد الانتهاء من كتابة هذا المؤلف، وخاصة الفصل الأخير الذي أثرنا فيه دور اللوبي الاستعماري، نشرت "مجلة نيشان" ملفا حول ليوطي تحت العنوان أعلاه في غلاف المجلة، واستمرار تأثيره في شؤون وأحوال المغرب. والواقع، أن اللوبي الفرنسي لا يزال ينتقم من الخطابي ورفاقه المكافحين الذين طردوا ليوطي الموصوف عند الاستعماريين وحزبهم في المغرب بـ"مؤسس المغرب، (Fondateur du Maroc) على أنقاض الأمبراطورية الشريفية، حسب ادعائهم. ويمكن أن نوجز تأثير هذا اللوبي في موضوع الخطابي فيما يلي:

1، عدم إدراج تلك المرحلة من تاريخنا في المقررات المدرسية، وفي الذاكرة الوطنية للمغاربة إلا بشكل مشوه، كالادعاء بأن عبد الكريم كان انفصاليا. وهم لا يريدون أن يميزوا بين الانفصال عن الاستعمار، بصفته ظاهرة سالبة للحرية والكرامة الإنسانية، وبين الانفصال عن الوطن؛ فعقيدتهم أن الوطن هو ما أسسه ليوطي، وليس ما كان يحارب من أجله الخطابي ورفاقه والمغاربة الشرفاء، لكي يتم دحر الاستعمار واستعادة السيادة الوطنية.

والغريب العجيب أن ما يُقدم في الكتب المدرسية المغربية لتلامذتنا وطلابنا لا يساوي شيئا أمام ما يخصص لليوطي ومنجزاته في المغرب تحت الاحتلال الفرنسي. وكان الأمل يحدو المغاربة أن توضع الأمور في وضعها الطبيعي من خلال إصلاح التعليم، لكن شيئا من هذا لم يحدث! والأمر نفسه يتعلق بكل أبطال المغرب الذين قاوموا الاستعمار من الشريف أمزيان إلى الحنصالي.

2 ـ مناهضة اللوبي للأعراف الاجتماعية النبيلة للأمم التي تخلد أبطالها ورموزها في متاحف خاصة أو عامة، لأن الأمم الحقة عظيمة بمآثرها ورموزها التاريخية، قبل أن تكون كذلك برموزها الأحياء. وها هي السنون تمر، وتمر معها الأجيال التي تدفن معها ذكرياتها ليلفها النسيان، كما لف ذكريات أخرى لمراحل تاريخية أخرى، دون أن نرى أي مبادرة جادة لمتحف تخلد فيه مآثر تلك المرحلة وأبطالها، على الرغم من الرسالة الملكية في الموضوع سنة 2011 لندوة الحسيمة في الموضوع. مما يدل على أن الأمر ليس في يد المغاربة الأحرار. وكثيرا ما كان المرحوم سعيد بن محمد بن عبد الكريم الخطابي يؤكد لنا إن المصالحة الحقيقية مع المنطقة، ونقل رفاة والده من القاهرة ليعاد دفنها في ثرى وطنه المغرب الذي ضحى من أجله، يعترضهما فيطو Veto فرنسي وحزب فرنسا في المغرب. ونتساءل بدون عفوية: لماذا لا تنتصر روح التلاحم بين مكونات المغرب وأجياله ضد من لا يريد لهذا الوطن العزة؟ ولماذا لم تعط فكرة الوطنية في المغرب ما أعطته في أماكن أخرى من العالم؟

3 ـ إحباط مسعى تفعيل مؤسسة محمد عبد الكريم الخطابي؟ بتفعيل هياكلها وبرامجها وأنشطتها، من أجل مساهمتها في عودة الوعي الوطني الحق، وتجاوز التهميش والإقصاء. فقد كانت هنالك إرادة من مجموعة من الباحثين المحايدين لتفعيل المؤسسة. لكن اللوبي، ومن والاه، والجهات المتحكمة، كانوا مخلصين لقرارهم القديم ــ الجديد المتعلق بمحاصرة تاريخ الخطابي، وعدم السماح بتذكير المغاربة بمكانته المتميزة في صناعة تاريخ وطنهم؛ فاليوم الذي انعقد فيه " اليوم الإعلامي لتفعيل المؤسسة" الموافق لتاريخ 27 مايو 2006 حدث ما يلي:

ـ لم يلب الدعوة من الهيئات السياسية الحزبية إلا حزب العدالة والتنمية في شخص أمينه العام السيد سعد الدين العثماني، وحزب الاستقلال الذي مثله المدير العام للمركز العام للحزب، وتغيب البرلمانيون المدعوون، بما فيهم رئيسي الغرفتين، وكذا المندوب السامي لقدماء المقاومين. وفي التاريخ نفسه تم الاحتفال بتدشين "متحف المارشال مزيان"؛ في بني انصارـ الناضور، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، وفقا للدعوات التي وجهت إلى المدعوين التي ذكرت أيضا إن الأمير مولاي رشيد هو الذي سيدشن ذلك المتحف. فما دلالة هذا الحدث "المصادف" انعقاده لتاريخ 27 مايو 2006؛ وهو التاريخ المقرر لتفعيل مؤسسة محمد عبد الكريم الخطابي؟ والمارشال مزيان هو من هو في تاريخ الاستعمار الإسباني للمغرب؟

مغزى تاريخ 27 مايو

أولا، بالنسبة للجنة التنظيمية لليوم الإعلامي لتفعيل مؤسسة محمد عبد الكريم الخطابي، تم اختيار التاريخ أعلاه ليكون حلقة وصل بين مراحل ذات دلالة في التاريخ التحريري للمغرب ومن حياة الخطابي كذلك؛ ونشير إلى أهم هذه الدلالات فيما يلي:

في شهر مايو من سنة 1921 تحركت جموع المجاهدين الأوائل لتعسكر في جبل القامث، بتمسامان، لقطع الطريق على الجيش الإسباني المتقدم على محور أنوال ـ سيدي إدريس ـ ادهار أوبران، لاحتلال مركز الريف الأوسط. وفعلا فقد انطلقت الحرب التحريرية في 1 يونيو 1921 بتحرير ادهار أوبران.

وفي 27 مايو 1926 توقفت المعارك باستسلام قائدها الأمير الخطابي للقوات الفرنسية في تركيست؛ الواقعة غرب الحسيمة.

وفي 31 مايو 1947، وبعد 21 من النفي في جزيرة لارينيون، نزل الخطابي أرض مصر، ليجدد ويواصل مشروعه ونهجه في حفر قبر الاستعمار؛ بتأسيس لجنة تحرير المغرب العربي، وتجنيد الرأي العام العربي والعالمي لمناصرة كفاح الشمال الإفريقي.

ولذلك كان الربط والتواصل بين هذه التواريخ والمراحل أمرا ضروريا، وإشارة إلى أكثر من معنى ومغزى؛ ومن هذا الربط تقرر تحديد تاريخ تفعيل المؤسسة في السبت الأخير من شهر مايو 2006. وتم الإعلان عن تاريخ اليوم الإعلامي التفعيلي في الصحافة الوطنية قبل أكثر من شهر.

وكان رئيس المؤسسة السيد سعيد الخطابي يصر، غير ما مرة، على أن عمل المؤسسة يجب أن يكون في إطار الانفتاح العملي للدولة المغربية على فعاليات المجتمع المدني. وهذا يعني أن المؤسسة لا يمكن أن تسمح لنفسها، حتى لو أدى الأمر إلى تجميد نشاطها، أن تدخل في مجادلات أو مزايدات تخل بالمبادئ التي آمن بها الأمير الخطابي والأهداف التي سعى دوما إلى تحقيقها، وأولها وحدة الأمة المغربية وسلامة أراضيها، وحرية الشعب المغربي وكرامة مواطنيه.

ونتيجة للضغوط، المباشرة وغير المباشرة، التي مورست على سعيد الخطابي من جهات متعددة، إضافة إلى يقينه بأن اللوبي الفرنسي لم يصل بعد إلى قناعة المصالحة مع التاريخ والتخلص من أيديولوجية المغرب النافع والمغرب المسخوط عليه، قرر أن لا يدخل مؤسسة الخطابي في الصراعات الهامشية، وإدخالها في مزالق لغة التنابز بالألقاب التي تسود المغرب، فأجل تفعيل المؤسسة إلى تاريخ لاحق. غير أن الموت لم يمهل سعيد كثيرا للإشراف على انطلاق وتجديد مؤسسة والده وتفعيلها، كما أن الأجل لم يمهل محمد الخامس لتفعيل ما اتفق بشأنه مع الخطابي في القاهرة سنة 1960.

كتابة التاريخ وصيانة الذاكرة حق من حقوق المغاربة

إن من حق المغاربة أن يعرفوا الحقيقة، كل الحقيقة التي تخص مصير وطنهم. كما أن من حقهم أن يصونوا ذاكرتهم الوطنية من الزيف والعبث، وأن يدافعوا عن تاريخهم ويحموه. فالتاريخ هو بمثابة كهرباء الشعوب والأمم، وهو الذي يضيء حاضرها ومستقبلها، ويحررها من التخبط في الظلام الدامس الذي يريد البعض، وخاصة اللوبي الاستعماري، أن يقنعنا بأن التشبث بالقيم الوطنية ظلام، وأن التعامل مع الاستعمار نور. وربما هذا ما كان يهدف إليه أولئك الذين خططوا لتدشين متحف المارشال في 27/5/2006 ودعوة القائد العسكري الإسباني في مليلة لتشريفه بحضوره وإضفاء الشرعية عليه. خاصة إذا علمنا أن التدشين المعلوم جاء في خاتمة احتفالات إسبانيا بأسبوع الجيش الإسباني.

ونتساءل في الختام، هل القيام بالتشويش على تاريخ عبد الكريم الخطابي بمعاقبة من يحمل صوره، أو من ينادي به رمزا للتحرير والتحرر من نير الاستعمار، أو من يطلب بإقامة متحف لاطلاع الأجيال المغربية المتعاقبة على المرحلة التاريخية، كل المرحلة التاريخية بما لها وعليها، فينظر إليه كعمل غير وطني، ويعد صاحبه خائنا؟

إن الجهود المبذولة لقبر إحدى أكبر لحظات تاريخ المغرب المعاصر وأقواها إشعاعا، لا يفيد مشروع العهد الجديد في بناء الدولة المغربية الديمقراطية؟ ولا ينتمي إلى أي منطق سياسي أو وطني حقيقي، ولا يمكن فهمه من قبل العقلاء وحكماء الأمة. ولا يمكن اعتبار الاستجابة لاستغاثة الوطن وهو في محنة خيانة وانفصالا عن السلطان. ونؤمن بأن ما قام به الخطابي ورفاقه، وكل المكافحين للاستعمار، لا يترجمه إلا قول الشاعر القديم:

ولي وطـن آليـت ألاّ أبيعـه  وألاّ أرى غيري له الدهر مالكا

وقول أحمد شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه  نازعتني إليه في الخلد نفسي

فحذار من سخط الوطن والذاكرة الشعبية على كل من يسعى إلى المس بكرامته، ومن التاريخ الذي يكشف لنا في كل حين عن مكره، وحذار من السير في الطريق الخاطئ لأن المغاربة ليسوا بالسذاجة التي يوهم بها حزب فرنسا نفسه بتكريس خططه التي يعتقد بأنها قادرة على استغفال المغاربة لتمرير خطابه عليهم، ويحقق أهدافه بتبييض صفحة السوابق الاستعمارية.
..[/size]  [/b]

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
الحلقة 18 علاقة الخطابي بساكنة الجزيرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: سياسية-
انتقل الى: