كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التاريخ المحاصر ـ الحلقة 13 ـ .. ستار النسيان على إنجازات الخطابي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر ـ الحلقة 13 ـ .. ستار النسيان على إنجازات الخطابي   الخميس مايو 31, 2018 2:36 am

الحلقة 13

لحظات من تاريخنا بين الحصار والنسيان

إن الناظر في تاريخ المغرب، قديمه وحديثه، سيتكون لديه انطباع عام، قد يرقى أحيانا إلى درجة اليقين الإيديولوجي؛ يفيد أن تاريخ المغرب لا يبدأ إلاّ مع المرحلة الإسلامية. وكأن المرحلة السابقة عن الحقبة الإسلامية لم يكن لها أي وجود يذكر ، أو حضور ثقافي. ويؤسس تاريخ المغرب في الغالب مع عقبة بن نافع الفهري، وموسى بن نصير، ثم إدريس بن عبد الله الكامل، الذي استقل سياسيا بالمغرب عن الخلافة العباسية سنة 172ھ. وحتى إمارة النكور الإسلامية في الريف، التي قامت قبل اذلك بحوالي 100 عام لا يعتد بها، ولا تذكر في المراجع المدرسية. دون ذكر الأسباب الكامنة وراء ذلك.

يتم التركيز على إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل، بوصفه المؤسس الأول للدولة المغربية. وقد أقيمت احتفالات كبرى سنة 2008 بمناسبة مرور 12 قرنا على تأسيس مدينة فاس العاصمة الإدريسية، بصفتها مبتدأ الدولة المغربية. ويتم تداول عبارة "الدولة المغربية ذات ألـ 12 قرنا"؛ على عكس التونسيين الذين يكرس خطابهم الرسمي أطروحة ثلاثة آلاف سنة من تاريخ تونس السياسي والحضارة. ويكرس الخطاب الجزائري وجود دولة الجزائر منذ الحقبة النوميدية، أي منذ 2000سنة. أما في المغرب فقل ما يشار، وباحتشام كبير، إلى المرحلة السابقة عن وصول العرب إليه إلا عرضا.

من هنا تبدأ ما يمكن تسميتها بثقافة النسيان. فإذا كان خطاب ما قبل الاستعمار الحديث لا يقيم وزنا لمرحلة ما قبل وصول العرب إلى المغرب، فإن غالبية الكتابات التي ظهرت عقب الاحتلال الفرنسي جنحت إلى اعتبار المارشال ليوطي (المقيم العام الأول لفرنسا في المغرب بعد احتلاله) المؤسس للدولة المغربية الحديثة، أو كما يقول الفرنسيون ومن والاهم «Fondateur du Maroc». أما ما كان قبل ذلك فهو مجرد أمبراطورية شريفية بنظامها الثنائي: المخزن/السيبة، أو إيالة سلطان فاس. والسلطان مولاي يوسف أقر بنفسه في خطابه الباريسي في 14 يوليوز 1926 بأن المغرب مجرد أيالة

مظاهر من ثقافة النسيان

وهكذا أصبحت المحددات اليوطية للمغرب الحديث بمثابة مشروع سياسي للتحديث، ومقولات حان جوريس بمثابة منهاج للطبقة السياسية العصرية. أما الذين منحوا لأنفسهم صفة "قادة الحركة الوطنية السياسية" فقد اعتبروا أنفسهم الورثة الشرعيين لغنائم حرب لم يخوضوها؛ وكان أقوى سلاحهم في ذلك، العمل على نشر ثقافة النسيان: نسيان دور المغاربة الأحرار في الدفاع عن الوطن ومقدساته وصيانة استقلاله، ونسيان حق كل المغاربة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل مناطق المغرب، ونسيان كثير من مقومات ومكونات الشخصية الثقافية المغربية، ونسيان حق المغاربة السياسي بالمشاركة في القرار السياسي.

فهل نجحت إيديولوجية ثقافة النسيان في إقصاء وإبعاد ما لا يلائم توجهات أصحابها؟ وهل أدركنا ما مدى التخريب الذي ألحقته بالذاكرة الجماعية للمغاربة؟ وما الأثر الذي تركته على انسجام المجتمع المغربي في مسيرته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ وهل من مصلحة المغرب والمغاربة أن يتم التنكر لأعمال وطنية ولقيم ثقافية، لا لشيء إلا لأنها لا تتماشى ورغبات الزعامات المهيمنة والفئات المستفيدة وورثة ليوطي؟

نعتقد جازمين بأن المغاربة قادرون على اختيار الانحياز للوطن ولقيم المواطنة التي يسعى المغرب الجديد إلى إشاعتها، والاعتزاز بما حققه أجدادهم لوطنهم من ريادة تحررية في العالم. فالشعوب التواقة إلى التحرر من نير الاستعمار رأت مثلا في حرب التحرير في الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الشمعة التي أنارت لهم الطريق إلى الحرية، حين كشفت عورة الاستعمار، وأن تلك الحرب برهنت على أسبقية الانطولوجيا الإنسانية على الإيديولوجية الاستعمارية بكل محمولاتها.

حاول البعض في المغرب إسدال ستار النسيان على إنجازات عبد الكريم المادية والمعنوية؟ إن الرجل، عند كثير من المؤرخين والدارسين غير المغاربة، يعد «أول إفريقي شمالي نادى بتطبيق مبدأ تقرير المصير على ضحايا الامبريالية.» ويثمن روبيرت فورنو مكانة الخطابي عند الذين عرفوه بقوله: «إنه شخص مبجل في العالم العربي، فأولئك الذين عرفوا عبد الكريم يتحدثون عنه كما لو كانوا يتحدثون عن النبي، كما نتحدث نحن البريطانيين عن شرتشل، وكما يفكر الهنود في غاندي.» وأكد علال الفاسي من جانبه أنه لاحظ أثناء إقامته في القاهرة «أن جميع القادة الوطنيين القادمين من الشرق الأوسط، وبخاصة السوريين والعراقيين، كانوا يعترفون علنا بما يدينون به ثقافيا وسياسيا لعبد الكريم»؛ والرؤية نفسها عبر عنها المفكر السوري قدري قلعجي بطريقته الخاصة في كتابه " ثمانية من أبطال العرب" الذي ذكر فيه، إنه عندما قرر زيارة مصر أوصاه أحد أصحابه بأن لا ينسى زيارة الأهرام فأجابه: «كلا.. إن هناك ما هو أهم وأكبر من الأهرام... هناك عبد الكريم الخطابي»؛ ثم يخرج قلعجي، بعد مقابلات مع الخطابي، بخلاصة عبر عنها بقوله: «إني لقيت رجلا كأحد صحابة الرسول تقيا وورعاً وإخلاصا وطهراً؛ فهما وبعد نظر.»

أما جريدة التايمز اللندنية فقد اعتبرت «عبد الكريم بطلا قوميا نجح في طرد الاسبان عسكريا من المناطق التي كانوا قد احتلوها، وصَمد بوسائل بسيطة أمام أكبر جيش شهدته بلاد البربر منذ زمن القرطاجيين.» ويبقى بعض المؤرخين الفرنسيين، وبخاصة أولئك الموالين للنزعة الاستعمارية والممجدين للكبرياء الفرنسي، يصرون على أن عبد الكريم الخطابي مجرد زعيم قبلي، إذ وصفه أحدهم «بآخر اختلاجات النظام القبلي القديم.» أما جاك بيرك فيخفف من النزعة الاستعمارية عند بعض المؤرخين، كما يخفف في آن واحد، من تلك الآثار التي أصابت الكبرياء الفرنسي على يدي عبد الكريم، ويسجل أن ظاهرة الحرب الريفية، بقدر ما كانت تمثل الشرف القبلي والنزعة المعادية للأجانب والحرب المقدسة؛ كانت تمثل ظهور قائد سياسي تخطى كثيرا الزمن الذي ظهر فيه. «فلسنا هذه المرة أمام ولي محلي يقود الجهاد ضد الكفار ويبشر بالجنة للمؤمنين، بل إننا أمام قائد سياسي يطال طموحه الفكرة الوطنية، وحتى اللعبة الدولية. إن الدعم الذي تلقاه من "الكومنتيرن" وكذلك من الحزب الشيوعي الفرنسي، والعلاقات التي نسجها مع العالم الإسلامي في زمن شهد غليان الثورة الثانية في دمشق تجعل منه نموذجا، وأما انسحاقه الأخير أمام قوى تفوقه حجما فلن يزيده إلا بروزا.»

والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا، ونحن نورد أمثلة وصورا عن مكانة هذا البطل في العالم، هو: كيف تعامل معه أهل وطنه، وبخاصة زعماء الحركة الوطنية؟ هل اعتبروا الخطابي مرجعا لنضالهم؟ وهل تم الاستئناس بآرائه في منهجية استرجاع المغرب لاستقلاله؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يجب أن تطرح من قبل المهتمين بتاريخ المغرب المعاصر ومستقبله، فـ «قيمة البطل التاريخي لا تكمن في ما فعله فقط بل في ما تركه ليفعل» ، على حد تعبير جاك بيرك.

تجب الإشارة في البداية إلى أن أدبيات كتلة العمل الوطني؛ ثم بعد ذلك الحركتين الوطنيتين، تكاد تكون خالية من كل تصريح أو تلميح إلى أهمية ما أنجزته حرب التحرير الوطنية بقيادة عبد الكريم الخطابي ما بين 1921 و1926. وقد أشرنا إلى هذا الموضوع في فصل آخر من هذا الكتاب. لكن من الواجب العلمي والوطني أيضا أن يعاد طرح السؤال الآتي: هل الكفاح المسلح في مغرب الخمسينيات كان من صنع الحركة الوطنية فعلا؟ إن طرح مثل هذا السؤال يحيلنا إلى استفتاء قادة جيش التحرير في الموضوع. فهؤلاء القادة، على الرغم من اختلافاتهم الثقافية والإيديولوجية، اتفقوا على الأقل بأن قادة الحزبين الوطنيين، باستثناء أقوال لعلال الفاسي، كانوا ضد انطلاق الكفاح المسلح، بل اعتبروه عملا إرهابيا ، ويسجل ذلك أيضا بعض الساسة الفرنسيين الذين أشرفوا وقادوا محادثات إيكس ليبان في مذكراتهم.

أما إذا عدنا إلى علاقة الحركة الوطنية بعبد الكريم، وتحديدا إلى مستوى التأريخ للحركة الوطنية، فإننا نجد كتاب عبد الكريم غلاب مثلا يؤرخ لمنطلق الحركة الوطنية "من نهاية الحرب الريفية". ويستفاد من إشارات المؤلف إلى أن تلك الحرب لم تكن حربا وطنية بقدر ما كانت مجرد رافدا للحركة الوطنية التي تنطلق بعد ذلك «كبلورة لجميع الأحاسيس والمشاعر الشعبية التي كانت تبرز هنا وهناك كتعبير واضح عن جميع ما كان يتحدث به الشعب إلى نفسه، وهو يبحث عن الطريقة التي ينبغي أن يعبر بها بعد أن عبر عنها بالسلاح في الصحراء والأطلس والريف.»

يبدو أن هذا الرأي يحاول أن يوحي بأن الحركة الوطنية، كحالة ذهنية واجتماعية، أسمى من مرحلة الحرب الريفية، التي تبقى وفقا لهذا المنظور، حربا محلية! على الرغم من أن كتاب "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" للزعيم علال الفاسي، الذي كتب قبل كتاب "تاريخ الحركة الوطنية" بثلاثة عقود، كان له رأي آخر في الحرب التي قادها عبد الكريم؛ فهو يؤكد أن عبد الكريم رفض شروط الصلح الإسبانية الفرنسية التي «تضمن لأهل الريف حريتهم التامة في شؤونهم الزراعية والاقتصادية والإدارية ... (لأن) هذه المطالب لم تتفق مع ما يريده الأمير من حرية تامة لسائر مناطق المغرب.» ثم يوضح أن دستور جمهورية الريف لم يعترف بأي معاهدة تمس بحقوق المغرب وبخاصة "معاهدة 1912"، ثم يخلص إلى القول: «...وإذن فالحرب الريفية كانت مع تمسكها بوحدة التراب المغربي في ظل العرش العلوي ترمي إلى أمرين: استقلال البلاد وتمتيعها بالحكم الدستوري.»

والواقع أن الذين اختلفوا مع عبد الكريم وجهوا جهودهم غداة الاستقلال إلى تصفية خصومهم والمخالفين لهم في الرأي، فكل من لم يعلن ولاءه للحزب العتيد عد خائنا؛ وكان في مقدمتهم عبد الكريم نفسه الذي أصبح اسمه لا يذكر إلا كما كان يذكر اسم نابليون من قبل الملكيين الفرنسيين؛ أو اسم علي بن أبي طالب من على منابر الأمويين، وحصدت الاختطافات والتصفيات الجسدية كل من يشتم فيه رائحة ما من آراء عبد الكريم. ولا تزال قصص من نوع ردهات جنان بريشة وأحداث 1958 لم ينفض عنها كل الغبار، فالمرحلة التاريخية التي يمثلها عبد الكريم لا تزال معتقلة من قبل أباطرة نشر ثقافة النسيان، كما لا يزال هو نفسه منفيا حيا وميتا، على الرغم من الإشارات القوية التي حملها خطاب محمد الخامس في مدينة الحسيمة سنة 1957 عند زيارته إقليم الحسيمة حيث قال:«... ولما جاءت الدولة العلوية اعتمد المولى إسماعيل، قدس الله روحه، على أبطال الريف وإخوانهم الجبليين في تحرير طنجة والعرائش وأصيلة، فأبلوا البلاء الحسن. ومنذ تلك الساعة وأهل الريف يوالون خدمتهم للبلاد وإخلاصهم للعرش العلوي وتمسكهم بملوكه.

وقد كان للشريف سيدي محمد أمزيان فضل القيادة الأولى لمقاومة الاستعمار...، تلك المقاومة التي واصلها من بعده القائد عبد الكريم الخطابي ثم ولده محمد وأخوه، والكثيرون من أبطالكم... وتنويها بما قام به أولئك المجاهدون، وإرجاعا للحق إلى نصابه، فقد قررنا أن نرد على السيد محمد بن عبد الكريم وأخيه وعلى أولئك الذين امتحنوا وقاسوا النفي في سبيل الوطن والملك أملاكهم الثابتة لهم شرعا، والتي حجزها المسؤولون إذ ذاك.»

وها قد مر أكثر من ستة عقود من الزمن على عودة محمد الخامس، وعلى تجاوز معاهدة الاحتلال، فإن مروجي ثقافة النسيان ما زالوا يعتقدون أنهم تمكنوا من إحداث ثقب في ذاكرة الوطن، لكي يدحرجوا من خلاله كل ما لا يلائم مصالحهم الفئوية، كعادتهم طوال قرون. لكن ضمير الشعب والأمة بقي حيا يقاوم احتكار التاريخ الوطني، كما قاوم منذ قرون كل أشكال التشويه في حق يوغرطة وتكفريناس وماسينيسا والكاهنه وكسيله، وميسرة المطغري وموسى بن أبي العافية والدلائي وغيرهم.

فالمغرب المستقل، الذي لم تلتئم جراحه، وتكتمل وحدة ترابه بعد، وتتحقق نفس الفرص لكل أبنائه، شهد عواصف سياسية، واحتجاجات اجتماعية وانتفاضات شعبية، لأن المغاربة الذين كانوا ينتظرون التغيير الإيجابي لأوضاعهم في دولتهم المستقلة أدركوا أن مشروع التغيير قد أجهض، وأن الذين عملوا تحت الشرعية الاستعمارية والحماية الأجنبية هم الذين استفادوا من الاستقلال دون غيرهم، «وأن المنجل الاستعماري الذي كان مسلطا على رقاب الشعب زمني الاحتـلال والتسلط لم يتغير، وكل ما تغير فيه هو لون قبضته الذي أصبح مغربيا» ، على حد تعبير زميلنا زكي مبارك. وتوالت الأحداث متسارعة، وكان أخطرها محاولتي الانقلاب في سنة 1971 و1972، وأحداث 3 مارس 1973 المسلحة في منطقة مولاي بوعزة، إضافة إلى شظايا الحرب الباردة التي اختارت الأقاليم الصحراوية، هذه الأقاليم التي قرر المغرب أخيرا استرجاعها إلى حضن الوطن. وهكذا بدأ المغرب يدفع ثمن أخطائه؛ ثمن تصفية جيش التحرير وقطع الطريق على مشروع الخطابي الرامي إلى التحرير الشامل لكل المغرب، لأن الجميع، أي القصر والوطنيين، حسب تعبير أحد قادة جيش التحرير، «كان منغمسا في نشوة النصر، يتذوق طـعـم ما تحقق، ويخطط لمستقـبل غامض ولمصالح ضيقـة.»

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر ـ الحلقة 14 ـ .. عودة الوعي أم تحدي ثقافة النسيان؟   الخميس مايو 31, 2018 2:40 am

admin كتب:
الحلقة 14

الحلقة 14

عودة الوعي، أم تحدي الذاكرة لثقافة النسيان؟

تقول إحدى الحكم: "تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، لكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت". فما بالك أن تخدع شعبا بكامله بِحيل الانتحال والترهيب. ويبدو لكل ملاحظ ذكي القلب أن من "يزرع الريح يحصد الشوك"، فالمغاربة الأحرار بدأوا البحث عن الذاكرة الضائعة والأمل المفقود، بعد أن استعادوا وعيهم الوطني حقا، ولو بالاستعانة بمراجع خارجية، حيث أن آلة ثقافة النسيان المغربية لم تستطع أن تطال إشعاع الخطابي ورفاقه خارج الحدود، وهو الأمر الذي سينعكس على الداخل، ما ساعد على "اختراق" حصار التاريخ وثقافة النسيان. وومن بدايات هذا التحدي محاضرة تُلقى علانية عن الخطابي وتجربته في مدينة تطوان، بمناسبة قرار حزب الاستقلال إحياء ذكرى أنوال سنة 1971. ومن جملة ما جاء في كلام المحاضر: « إن ما يؤلمني أن الأجنبي أول من يستعيد ذكرى أكثر لحظات تاريخنا إشراقا.»

لكن، وللحقيقة التاريخية يجب التنويه بأن حضور الخطابي لم يغب أبدا عن الذاكرة الشعبية؛ فهي ذاكرة معاندة تتحدى أسوار النسيان العالية المضروبة حول أمجادها، لها عالمها المستعصي دخوله على قراصنة التاريخ، ولها قدرتها على التمييز بين التاريخ المهرب من المصانع غير الشرعية، والتاريخ الذي يزكو منه أريج الشهداء، كما أنها لا تترك أي فرصة إلا وتعبر من خلالها عن رفضها للأساليب المتبعة في التعامل مع أمجادها. ومن أمثلة هذا الرفض، نقتبس ونستحضر في هذا المقام قصيدة الشاعر "عبد اللطيف بن يحيى"، نشرت في أوائل السبعينيات من القرن الماضي تحت عنوان:

عبد الكريم يا عاشق الوطن

أيها الثائر الذي عانق الأحزان

والمحن

أيها المنفى حيا وميتا

دعني أحيا تحت جناحك

وأكبر تحت جراحك

وأزرع القصائد في جذور رماحك



عبد الكريم.. أنت الذي علمتني

كيف أصارع الذئاب

أنت الذي علمتني

كيف أفجر الحروف في القصيدة

والجريدة والكتاب

أنت الذي أشعلت لي

طريق الصباح والمسيرة والإياب



عبد الكريم

ها أنذا جئت إليك يا أبتاه

مكبل اليدين ممزق الشفاه

لأنني رددت اسمك في المدينة هذا

المساء

لأنني عشقت اسمك يا أكبر الأسماء

أنت الذي عشت هذا الوطن

من أقصاه إلى أقصاه



أنت الذي يا أبتاه

مزجت دماءك بتراب الوطن

أواه.. لم تجد به قبرا ولا كفن

فدفنت بعيدا عن الوطن المسروق

بعيدا عن أحبابك

بعيدا عن ترابك

لأن ذئاب الوطن .. يا أبتاه

تخشى من رفاتك

تخشاه أن يصير قبرك دوحة

نستظل تحتها

تخشى أن يصير لوحة

نعلقها فوق جدران المدينة

لأنها تقول لهم ما ليس يعجبهم

لأنها تقول الحقيقة



لكنك ترقد حيا في قلوبنا

وفي دروبنا

فنحن نراك كل يوم

في صفحة الشمس واستدارة

الأرغفة

ونحن نسمعك كل يوم

تردد أغنية الخلاص مع الرعود

القاصفة

نحسك كل يوم

مع الأصابع التي تخيط ثوب

العاصفة.

تجنيد المنهج التاريخي لإحكام الحصار وترسيخ ثقافة النسيان

في هذا الجو السيكولوجي؛ وفي هذا التحفز الرافض لثقافة النسيان في حق الرموز الوطنية، انبرى مؤرخ مغربي له باع طويل في قراءة الأحداث التاريخية وفي منهجية تركيبها أيضا. ويتعلق الأمر بجرمان عياش صاحب كتاب "أصول حرب الريف"، الذي أعلن منذ البداية ما يلي: « كان قصدنا الأول نفـض الغبار عن حرب الريف نفسهـا عن طـريق عرض جديد ومطابـق أكثر لما كانت عليه حقـا هذه الحرب.»

فالمؤرخ جرمان عياش، إذن، يمنينا بإظهار الحقيقة، لكن أي حقيقة؟ الحقيقة التي ستكون مدداً لكشف زيف ثقافة النسيان، أم "الحقيقة" التي ستكون سدا منيعا أمام كل من يحاول فك ألغاز تلك الثقافة وأهدافها؟

يخبرنا عياش بأولى معطيات هذه الحقيقة حين يؤكد أنه بعد مرور نصف قرن على حدث « حرب الريف» الذي كان مشحونا بأحداث أخرى أهم بكثير من هذه الحرب، « يجب ألا نستغرب إن كان غالبية معاصرينا يجهلون حتى وقوع حدث تاريخي بهذا الاسم في عصرهم، على أن ما يثير الانتباه، بالعكس، هو كيف بقيت ذكرى هذه الحرب الريفية المجهولة من طـرف الأغلبية راسخة رسوخا عميقا في أذهان من عايشوها ساعة نشوبها، ممن كانوا وقتذاك ما يزالون شبابا أو مراهقين؟»

فالأمر، إذن، حسب عياش، أن غالبية المغاربة يجهلون وقوع حدث اسمه "حرب الريف"، دون أن يقول للمغاربة من المسؤول عن ذلك. ويؤكد بدون وجل أنفكل ما تبقى من ذلك الحدث مجرد ذكرى رسخت في أذهان من كانوا شبابا ومراهقين ساعة نشوبها، وهو لا يشعر بأي حرج أو تناقض عندما يقرر أنه "لا يوجد في أيامنا مثـال آخر لشخص جعل الناس يلهجون باسمه على نطاق واسع، كاسم عبد الكريم وظل في الوقت نفسه مغمورا." من حقنا أن نتساءل: هل وقع عياش في هذا التناقض ليعبر عن فعل تاريخي أم عن مطلب سياسي سلطوي راهن ومستقبلي كذلك؟

عياش لا يعلل تناقضه، إلا أنه يعرفنا بالهدف العملي من بحثه عن أصول حرب الريف؛ وذلك حين يعقد مقارنة بين عبد الكريم، وهو موظف في مليلة، وبين الشريف محند أمزيان، الذي أعلن مقاومته للمد الإسباني في الريف ما بين 1909 و1912، فيقول: »أمام التاريخ كان الصواب بجانب أمزيان، فهل علينا أن نسبغ على محمد بن عبد الكريم لباس الخيانة لبلاده؟ أو نقول بالعكس، كما فعل في الماضي الأوربيون الذين كانوا يحطون من شأنه، أو كما يفعل اليوم مادحوه المغفلون والسذج: إنه لم يخدم إسبانيا إلا ليتعلم كيف يحاربها؟ لن نأخذ لا بهذا ولا بذاك، فقبل كل شيء كان محمد يحب بلاده، وإذا ما خدم إسبانيا فلأنه اعتبرها صديقة وحليفة… كان يؤمن بذلك، بل وفي حاجة إلى الإيمان به.» ودون أن يذكر لنا من هم الأوربيون الذين حطوا من شأنه، راح يسرد مجموعة من "الأخبار" والتأويلات التي أخذها المؤلف على عاتقه ليقيّم لنا من خلالها شخصية محمد ووالده عبد الكريم الخطابي، ومن بين تلك الأخبار والتأويلات ما يزعم من انتشار:

1 -نزعة التمرد والتدمير لدى الريفيين

تبدأ هذه النزعة، بالنسبة إليه، بكون الريفيين انحازوا كلهم إلى بوحمارة؛ ويبنى هذا الزعم على رسالة لأحد أعوان السلطان مولاي عبد العزيز؛ جاء فيها « إن كل الريفيين انحازوا كرجل واحد إلى جانب الفتان الجيلالي الزرهوني، وعبثا حاولنا أن نبين لهم وجهه الحقيقي والأغراض التي ينشدها.» ولم يكلف نفسه عناء التحقق من مضمون الرسالة وعن موقف قبائل سكان الريف الأوسط من بوحمارة حيث لقي جيشه حتفه هناك في شهر شتنبر 1908 في معركة السواني بالنكور وبقي على إثرها هاربا تائها حتى ألقي عليه القبض في بداية 1909. وبدلا عن ذلك يتساءل قائلا: « لا نعرف شيئا من اليقين عن موقف القاضي عبد الكريم خلال المغامرة التي دفعت بالريف إلى السير في ركاب الزرهوني.» وعوض أن يعرّف قراءه بدور أهل الريف في إلحاق الهزيمة ببوحمارة اكتفى بإشارات باهتة إلى ذلك الدور ؛ راح يخبرنا بعد ذلك «بأن النزاعات الدامية  قد تعددت [بين المغاربة الريفيين وبين الإسبان] من قبل الحماية بمدة طويلة»، وبأن العالم كان يتناقل «أخبارهم في القرن الماضي بوصفهم قراصنة متوحشين.» وبعد أن يستعرض آراء من كتبوا حول "وحشية " الريفيين يقول: «إن المجتمع الريفي كان مصابا بسعار من الشراسة ويعيش حياته اليومية، إن صح التعبير، في حركية انتحار دائم.» ولا ندري سر تقاطع مدلول عبارات عياش مع مدلول آخر أورده السيد إدغار فور على لسان السيد عبد الرحيم بوعبيد رئيس وفد حزب الاستقلال إلى محادثات إيكسِ ليبان حين نبه هذا الأخير رئيس وزراء فرنسا آنذاك بأن الخطر على فرنسا لا يأتي من المدن وإنما من البادية حيث «سيكون من الصعب ضبط الغرائز هناك...[حيث] الفرسان المهرة البدائيين.» ؟ ولا ندري إذا كان ذلك يشير أيضا إلى نفي صفة الوطنية على المقاومة التي قادتها الأرياف المغربية، خاصة وأن كتّاب الحركة الوطنية التي بدأت سنة 1930 يضفون هذه الصفة على العمل الوطني السياسي الذي اختصت به المدن التقليدية فقط؟..

2-عمالة عبد الكريم وابنه محمد المزعومة

يحاول جرمان عياش أن يغرس في أذهاننا أن عبد الكريم وولده محمد كانا عميلين لإسبانيا حينا ولألمانيا وتركيا حينا آخر، فهو يبدأ بتناول وثيقة إسبانية تزعم أن عبد الكريم هنأ حاكم مليلة على الانتصار الذي حققه على الشريف أمزيان، سنة 1912، ليعلق قائلا: « إنها وثيقة من شأنها أن تخزي ذكراه لو أن دورنا كان يقوم على محاكمته» ، ولغَرض غير خفي حاول تبرير العمالة، وليس إنكارها، بكون ذلك يندرج ضمن تصور النخبة المغربية لعقد الجزيرة الخضراء؛ وهو يؤكد في هذا الشأن رأيه كما يلي: «بما أن السلطان شارك في تحضير هذا العقد النهائي وطالب بالتالي بالمصادقة عليه بمساعدة إسبانيا على الخصوص، فلم يبق مانع أمام خادمه عبد الكريم من قبول عرض التعاون الذي قدمه الإسبان بالذات في قطاعه، بل أصبح ذلك من واجباته.» وتتكرر الإشارات إلى عمالة عبد الكريم وولده لإسبانبا، فحتى عندما كان محمد عبد الكريم الخطابي يكتب مقالات وطنية ضد الاستعمار الفرنسي في جريدة " تلغرامة الريف" فإن عياش اعتبر ذلك خدمة للأهداف الإسبانية ، ولا يتورع بعد ذلك على أن يصف القاضي عبد الكريم بأنه كان يلعب على حبلين: حبل إسبانيا وحبل ألمانيا، ألمانيا « التي لم تعد تخفي منذ بضع سنوات ما تضمره بدورها من مطامع.» ثم يؤكد أن هذه المطامع اتخذت الراية التركية مظلة لها. والمظلة التركية تعني في هذا السياق، المظلة الإسلامية. ولا غرو أن يركز كثيرا على "المطامع الألمانية،" فهو يميل إلى اعتبار ثورة الهيبة في الجنوب بأنها كانت محركة أيضا من قبل الألمان. و بما أن الهيبة سمح لنفسه بأن ينادى عليه بلقب أمير المؤمنين، فإننا ندرك أهمية الربط بين عبد الكريم والهيبة والألمان، كما سيتبين ذلك لاحقا. أما الارتباط بالأتراك فقد قدره المؤلف بأن ذلك يندرج في إطار إتقان عبد الكريم اللعب على الشعور الوطني والديني في آن واحد، ولهذا لم يتردد في وصفه بصفات "الاحتيال" و"الخداع" و"صاحب دسائس والأمل الساذج".

3 ـ اتهام محمد بن عبد الكريم بخلع بيعة السلطان وادعاء السلطنة

يذهب عياش إلى أن محمدا بن عبد الكريم خلع بيعته لسلطان المغرب عندما "قبل" أن يعين قاضيا على مدينة مليلة من قبل ملك إسبانيا وليس من قبل السلطان، وأن المعني بالأمر كان «يدرك ذلك، وبتسلمه لقب القاضي من ملك إسبانيا، لا من السلطان، فإنه أقر لا أقل ولا أكثر بأن المنطقة استبدلت عاهلها.»

هكذا، إذن، حكم عياش على محمد بن عبد الكريم الخطابي بالخروج عن الشرعية، بل والمنطقة كلها، ليمهد الطريق أمام شرعنة استعمال عبارة "الروغي Rogui " التي أقنع بها الفرنسيون وعملاؤهم السلطان مولاي يوسف، لتحل محل عبارات: المحرر، أو المقاوم، أو المجاهد؛ ولكي يبرر أيضا اتهام بعض الجهات المخزنية، الخاضعة لأوامر المارشال ليوطي، لعبد الكريم بالفتان، أو تسويغ فتاوى بعض الفقهاء الذاهلين عن المقاصد الشرعية والوطنية معا، حين اعتبرت تلك الفتاوى العمل الوطني لعبد الكريم داخلا في باب الخروج عن السلطان. ثم يضرب عياش على الوتر الأكثر حساسية عند الأسرة المالكة بابتكار قضية لقب الخطابي بزعمه أن محمدا بن عبد الكريم انتحل هذا اللقب عمدا لأنه « بانتحاله نسبا شريفا يعزز ادعاءاته في السلطنة» ، مثله مثل الهيبة في الجنوب، على الرغم من أن مثل هذا الإدعاء أبطله محمد الخامس في الخطاب الذي ألقاه في مدينة الحسيمة، المشار إليه أعلاه، وكان علال الفاسي قد فنده في كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي". وسبق لنا أن أوردنا ذلك التفنيد أعلاه كذلك. لكن يبدو أن المؤلف لا يثق في المصادر والوثائق المغربية، حتى وإن كانت خطابا ملكيا، لأن أهداف السيد عياش، كما يظهر، لم تكن في خدمة الحقيقة التاريخية التي ألزم نفسه بها في صدارة كتابه، بل حاول أن يوظف بعض المناهج الخاصة بقراءة الوثائق التاريخية لخدمة مصالح وأهداف الجهة التي وظفته ليعيد تركيب "حقيقة وأصول حرب الريف". ويجب أن تكون تلك الحقيقة متطابقة مع ما روجه "مؤسس المغرب الحديث "المارشال ليوطي" عندما حاول من جهته قبل عياش بعقود، إقناع المغاربة والفرنسيين كذلك بأن محمد بن عبد الكريم الخطابي انتحل نسبا شريفا للغاية نفسها التي يزعم عياش أن الرجل انتحل من أجلها لقب"الخطابي"، فقد جاء في رسالة لليوطي موجهة إلى رئيسه مؤرخة بـ 21 دجنبر 1924 ما يلي: «بما أن التقاليد الدينية لا تزال تستوجب في المغرب أن يكون السلطان من نسب شريف، فهاهو ذا عبد الكريم ينتحل نسبا إدريسيا.»

والملفت للانتباه أن المؤلف تغاضى، وهو العارف بقبائل الريف وفخذاته، أن يشير إلى أن لقب الخطابي الذي يتمنطق به الكثير من ساكنة إقليم الحسيمة، يعود بالدرجة الأولى إلى فخذة "أيت خطاب" المندرجة في قبيلة بني ورياغل. وهذا لا يعني أن هنالك سببا معينا يمنع الانتساب إلى الخليفة عمر بن الخطاب، كما هو شأن الخطابيين المنتسبين إلى الزاوية الشرقاوية، لكنهم لم يثبت عليهم أنهم اتخذوا هذا النسب من أجل المطالبة بالسلطنة.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر ـ الحلقة 15 ـ .. هكذا تم إلصاق تهمة العمالة بالخطابي   الخميس مايو 31, 2018 2:42 am

admin كتب:
admin كتب:
الحلقة 15

الحلقة 15

إلصاق تهمة العمالة بالخطابي !

تُعدّ حرب التحرير في الريف وتداعياتها من مشمولات التاريخ الراهن. ومعلوم أن الجامعة المغربية لم تكن تأذن بتناول التاريخ الراهن للمغرب. فكيف "استطاع" جيرمان عياش انجاز رسالته الجامعية في الرباط عن التاريخ الراهن دون غيره، فهل كان بإمكانه القيام بذلك لو التزم الموضوعية في التناول والنزاهة في التحليل؟ وأين اختفت الوثائق التي اعتمد عليها لكي يلصق تهمة الحمالة بالخطابي؟

أما التحاق الخطابي بالمقاومة فيرجعها عياش إلى هزيمة ألمانيا وبالتالي تركيا. مما جعل الخطابي، في نظره، يلجأ إلى بذل « مساعيه قصد التقرب من المقاومة طالما أن التقارب مع إسبانبا أصبح مستبعدا.» فالأمر على هذا الأساس لا يعدو أن يكون إلا انتهازية سافرة، فلا عبد الكريم ولا ولديه محمد وامحمد كانت لهم نية «الالتحاق بصفوف المقاومة، التي لم يحتكوا بها سابقا، إلا في إطـار مناورتهم السياسية.»

ولست أدري أي منهج في التاريخ خول لعياش ما يعيبه على غيره حين ذهب إلى التسفيه بكل من اعتبر علاقة عبد الكريم وولده محمد مع إسبانيا مناورة سياسية أملتها ظروف الإعداد للمقاومة المسلحة، إن لزم الأمر ذلك، في الوقت الذي ذهب فيه إلى أبعد عندما أكد «أن الشرط الأساسي لكل تقدم في هذه القضية التاريخية، هو أن نقتنع برفض جميع المصادر المطبوعة مع بعض الاستثناءات.» غير أنه في الواقع لم يرفض إلا المصادر المغربية واعتبرها مجرد ترهات، إلى جانب المؤلفات الإنجليزية. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للمصادر الإسبانية والفرنسية.

إن الاعتماد، شبه الكلي، على المصادر والوثائق الأجنبية، وبخاصة الفرنسية والإسبانية، وانتقاء العبارات التي تخدم غرضه جعل المؤلف يذهل عن أمر بسيط ، ولكنه في غاية الأهمية؛ ألا وهو الكيفية أو الطريقة التي أصبح بها عبد الكريم، ثم ولده من بعده، قائدين للجهاد والمقاومة، إذا ما كانا مجرد عميلين للاستعمار، كما حاول إثبات ذلك في ثنايا كتابه؟ إن التسليم بعمالة عبد الكريم وولده لإسبانيا لا يتماشى ومنطق الأشياء والواقع. وإذا سلمنا بذلك سنكون مضطرين إلى أن نلجأ إلى منطق الخوارق في السياسة، وإلى الحكم على المقاومين والمجاهدين بالسذاجة والغفلة، لكن إذا كان العلم يرفض منطق الخوارق، فإن واقع المغاربة في الريف، بالنظر إلى ما هو معروف عن ذكائهم واعتدادهم بعزتهم، يرفض الحكم عليهم بالسذاجة والغفلة.

سقوط الافتراضات والافتراءات

والآن، ألا يحق لنا، ودون أن نستمر في اكتشاف مجاهل حرب الريف، وحقيقة قائدها، وغفلة المقاومين عن حقيقة قائدهم، كما قدمها عياش أن نتساءل عن النتيجة النهائية من قراءته للأحداث وافتراضاته واستنتاجاته؟

مما لا شك فيه أن "جرأته" جعلته يعلن أن تلك الصور التي وصلت إلينا عن حرب الريف صور زائفة، زيف كتابات البوعياشي وسلام أمزيان وغيرهما. أما الصورة التي يراها "أصيلة" ويريـدها أن تترسخ في أذهان الناس، فهي تلك التي كررها مرات عديدة في كتابه بتعابير مختلفة، ثم صاغها في الحكم التالي: «كان القاضي عبد الكريم وولداه عميلين مخلصين للقضية الإسبانية، وإلى عشية اندلاع الحرب الريفية، لم يكن هناك أحد أكثر فعالية ووعيا منهما فيما بذلاه لعرقلة جهود المقاومين. وبحصر حديثنا عن محمد (…) فإننا لن نجد من يعارضنا إذا قلنا إن هذه الحرب (…) لم تكن لتقع لو كانت رهنا بمشيئته وحدها، لقد كان ساعة اندلاعها يتفاوض مع الإسبان، وفي الخفاء، كيف لا نطرح السؤال: هل كان بالإمكان أن تنطلق معركة أُوبرَان، التي فجرت الحرب الريفية لو أنه كان حاضرا في "الحركة" يوم فاتح يونيو؟»

من بين مرامي هذا الحكم، الذي أصدره عياش، أن عبد الكريم اضطر اضطرارا إلى ركوب موجة المجاهدين كأي انتهازي ماكر. وبناء على هذا الحكم، فإن الحرب ضد إسبانيا، بالنسبة إليه، ما كانت لتندلع أصلا!. وليس من الضروري أن نستغرب مثل هذا الحكم، لأن كتاب" أصول حرب الريف" إذا ما عرفنا التقنيات المنهجية العالية التي تم توظيفها في تحريره، وطريقة الصياغة المحبوكة من قبل مهني ماهر، فإننا ندرك الكيفية التي تم بها الوصول إلى إصدار مثل تلك الأحكام.

أسئلة تخص حرب التحرير في الريف

لكن ما غاب عن رجل امتهن كتابة التاريخ أنه أهان ذكاءه العلمي، وأخل بأبسط قواعد المنهج العلمي الخالي من الأهواء والأغراض التي يجب أن يتحلى بها مؤرخ يتصدى لتناول أحداث في مستوى الحرب التحريرية التي جرت وقائعها في منطقة الريف، ما بين 1921 و1926. وحبذا أن نطرح فيما يلي بعض التساؤلات المتعلقة بالخلل المنهجي والإهانة المشار إليهما، وهي:

1- لو كانت تلك الحرب مجرد نزاعات دموية معتادة بين الريف وإسبانيا، كما يزعم المؤرخ، لماذا كان لها ذلك الوقع على النظام الإسباني نفسه، الذي استمرت تفاعلاته حوالي ستة عقود من الزمن؟ ولماذا انقسم الرأي العام الإسباني بشأنها إلى اليوم؟ ويكفي دليلا على ذلك ما يصدر في إسبانيا سنويا من دراسات وأبحاث جديدة في الموضوع.

2- لو كانت مجرد تعبير عن "وحشية الريفيين وسعارهم" على حد تعبير المؤلف، لما دخلت فرنسا الحرب بتلك الأعداد الضخمة من جيوشها ومن مجندي المستعمرات؛ وبقيادة أفضل ما لديها من ضباط، وفي مقدمتهم بطل فيردان، المارشال بيتان، من أجل إنقاذ كبرياء الاستعمار، بعد فشل المارشال ليوطي، الذي غادر المغرب مدحورا مكسور الخاطر بشهادته هو نفسه، وبشهادة من عاصر رحيله الحزين عن المغرب؟

3- لو كانت مجرد ذكريات في أذهان من عايشوها ساعة نشوبها لما تجاوزت حدود تأثيرها إلى أوروبا، بل إلى كل العالم، ولما كانت فاعلا قويا في خلط أوراق اللعبة الاستعمارية، ولما أدت إلى طرح أسئلة جديدة ومقاربات عن الرؤية المستقبلية للعلاقات الدولية ومصير الشعوب المستعمرة، وضرورة تجسيد مبدأ تقرير مصير الشعوب، الذي ترجمته عمليا مناهج وبرامج حركات التحرر الوطني بعد تلك الحرب بقليل. وقد أشار إليها المؤلف نفسه في معرض حديثه عن إشادات ماو تسى تونغ بعبد الكريم وعن تتلمذ الفيتناميين عليه؟

4- لو كانت، تلك الحرب، حدثا مغمورا وحالة عرضية مقذوفا بها في أرشيفات الدولتين الاستعماريتين، لما استحضرت بقوة في المناقشات السياسية الفرنسية، أثناء أزمة خلع محمد الخامس ونفيه، وعودة المقاومة المسلحة في منطقة الريف بالذات، كما تشهد على ذلك محاضر جلسات الجمعية الفرنسية ومذكرات الساسة الفرنسيين. بحيث لم يكن هناك شيء يخيف الفرنسيين أكثر من اسم عبد الكريم واستحضار ذكريات حرب 1921-1926.

أما إذا عدنا إلى موضوع انطلاق الحرب، أكانت بحضور محمد بن عبد الكريم الخطابي أو في غيابه؟ فإن السؤال الجدير طرحه من قبل المؤرخ الملتزم بالموضوعية، هو: هل قامت تلك الحرب بعد إعداد اجتماعي ونفسي وتنظيمي للسكان، أم أنها مجرد ردة فعل أناس « قراصنة متوحشين» متحَدِّين « في آن واحد كلا من العالم المتمدن والسلطة المتغيبة للسلطان»؟

بالنسبة للمؤرخ المتحرر من الأحكام المسبقة، ومن المرامي غير الأكاديمية، ومن الخدمة المدفوعة الأجر، وغير المتنكر لقيم التحرر، التي هي حق لكل البشرية، فإنه لا يستطيع أن يوافق على أن مقاومة غيرت كل حسابات القوى الاستعمارية في العالم واعتقادات الشعوب المستعمَرة، في آن واحد، حدثت تلقائية هكذا في إطار" النزاعات الدموية"، دون إعداد وتهيئة وقراءة جيدة لمؤهلات الآخر، وللظروف الجهوية والدولية. خاصة وأن الريف كان مستغرقا قبل شهر شتنبر 1920 في حروب "الريفوبليك "؛ أي في وضعية الحروب الثأرية؛ التي كان فيها كل منزل عبارة عن قلعة حربية. وكان زعماء القبائل الريفية منقسمين على أنفسهم أشد انقسام، ليس فقط بسبب ما يسميه الأنتروبولوجيون بالنظام القبلي الانقسامي، بل بتخطيط من قبل إسبانيا كذلك، وفقا للمبدأ الاستعماري الشهير " فرق تسد ". وقد تحدث المؤلف عن كل هذا في مؤلفه، لكن بغرض تسويغ وتمرير الأحكام والأهداف التي أراد أن يكونها عن تلك الحرب وقائدها.

ومن هذه الأهداف فك الارتباط بين آل عبد الكريم، الرمز، وبين أبناء الشعب المغربي؛ من خلال إضفاء صفة الانتهازية على قيادته لتلك الحرب، خاصة عندما يطرح مثل هذا السؤال: « هل كان بالإمكان أن تنطلق معركة أوبران، التي فجرت الحرب الريفية، لو أنه ( ابن عبد الكريم) كان حاضرا في الحركة يوم فاتح يونيو» 1921.

لو كان القراء مجبرين ومرغمين على قراءة كتاب "أصول حرب الريف" فقط، دون غيره من المؤلفات والدراسات، لكي يتعرفوا على أحداث حرب الريف، لكان لهذا السؤال بعض المفعول؛ خاصة إذا ارتبط أيديولوجيا مع الذين حاولوا إقناع أنفسهم بأن المصالح التي كانت تدير تلك الحرب لم تكن مغربية، أو استند إلى آراء الذين لُقِّن لهم أن ابن عبد الكريم الخطابي ليس إلا شيخ قبيلة متوحشة معتادة على كراهية الأجانب، أو أنه فقيه متعصب معاد للحضارة.

أما الذين عرفوا، أو أنهم سيعرفون، أن عبد الكريم الخطابي كان أستاذا، وصحافيا، وقاضيا ابن قاض (ودور القاضي في الجماعات والمجتمعات الإسلامية لا يدركه إلا من أوتي حظا من فهم التراث الإسلامي)، ثم يتذكرون أنه تتلمذ في القرويين لرجال عظام أمثال عبد الصمد كنون؛ ومحمد الكتاني؛ ومحمد كنون، ويستحضرون تجربته الغنية التي اكتسبها من والده، ومن ممارسة وظائف فكرية هامة في مدينة مليلة التي كانت له خير مساعد على استشراف الآفاق الاستعمارية عن كثب ودراية، وإرواء شغفه الشديد بأسباب الحضارة والتقدم، سيكون له رأي آخر. وقد ظهرت، فعلا، أبحاث ودراسات أنجزت حول المرحلة، مثلت مختلف المشارب الثقافية والتوجهات الأيديولوجية قارب عددها 2000 مؤلف، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، تناولت الأحداث من زوايا مختلفة، ووجهات نظر متعددة، ساعدت وتساعد القراء والباحثين والمهتمين على إعادة بناء الوقائع بعيدا عن ذلك الزعم الذي خالف به عياش التقليد العلمي والأكاديمي حين قال في مقدمة كتابه: « أن طـموحنا لم يقتصر على سرد الوقائع، وإن كنا أعدنا بناءها في صورتها الحقيقية، بل توخينا أيضا فهمها.» فلو كان البحث الواحد كافيا للكشف عن الحقيقة لما احتاجت الأمم والدول إلى إنشاء جامعات وأكاديميات ومخابر ومراكز للبحث.

ومن جهة أخرى، إن التفاوض الذي يشير إليه عياش، إذا حدث، كان يجب أن يحدث، لأنه تفاوضٌ مطلوب من أجل تجنيب الشعوب ويلات الحرب ومآسيها الاجتماعية والنفسية التي يحتاج رتقها إلى عقود طويلة من الزمن، وربما إلى قرون، لكي يتم تجاوز ما ينجم عنها من أمراض نفسية وفيزيولوجية خطيرة، وتلوث للبيئة، خاصة عند استعمال الأسلحة المحرمة. فهل التفاوض جريمة أو خيانة للقضية الوطنية؟ وهل التفاوض بين الفرقاء والخصوم من أجل إيجاد سبل للتعاون، وتبادل المنافع، وللاستفادة من التقدم الحضاري، في جو السلام واحترام السيادة الوطنية وكرامة الشعوب، يعد عملا لا يشرف صاحبه؟

ماذا لو نجحت الجهود والمرامي التي كان يسعى إليها عبد الكريم الوالد وولده وآخرون من أجل وضع أسس للتعاون الإيجابي بين المغرب وإسبانيا، اللذين فرضت عليهما الجغرافيا الجوار، وفرض عليهما التاريخ التقابل؟ وماذا لو تم تصالح الجغرافيا مع التاريخ؟

ما هو مؤكد أن أحد الأسباب الكبرى لِتراجيديا الإنسانية هو الاستعمال المتباين للمطالبة بالحق بين المتشبثين بقوة الحق، وبين المغرورين باستعمال حق القوة. ولذلك عجزت الدول في تحقيق التعاون الإيجابي بينها البين؛ ومن ثمة سادت ثقافة العداء بين الأمم عوضا عن ثقافة الإخاء البشري والسلام.

الطرح الميكيافيللي لحرب الريف

في نهاية المطاف ظن عياش أنه أعاد بناء أحداث الحرب التحريرية الوطنية في الريف، وفق الصورة التي اعتقد أنها تخدم "الحقيقة" التي يريدها. ولذلك نراه يبدي في خاتمة كتابه، وبطريقة مكيافيللية، "تعاطفا" مع عبد الكريم بالدفاع عن اختياره الانحياز إلى جانب المقاومة، فقال إن ذلك كان بوازع « أخذ مصلحة بلده بعين الاعتبار»، ثم يمنح له وسام الوطنية بقوله: «لقد كان وطنيا، ولم تكن وطـنيته مصطبغة بتلك الألوان الصبيانية... ولم تكن كذلك من الصنف الذي يحلو للبعض تسميته بـ" الوطـنية البدائية"... بل توشحت بمفاهيم حديثة بشكل يثير الدهشة كمفهوم الوطن، وحرية التفكير، والديمقراطية، تلك المفاهيم التي يمكن أن يغبطه عليها أولئك الذين سموا أنفسهم فيما بعد "وطنيين".»

ولم ينس أن يسبغ عطفه هذا على الريفيين كذلك حين وشح صدورهم بوسام المواطنة المغربية! بقوله: « لكن هؤلاء الريفيين ليسوا مجرد ريفيين إنهم مغاربة قبل كل شيء، وأن الحرب التي أقدم عليها الريفيون وحدهم لم تكن قضية محلية أو إقليمية، بل كانت حدثا وطنيا من مستوى عال لأن أصولها ترجع في آخر المطاف إلى الإرادة الكامنة لشعب بكامله.»

فهل يجب أن نصفق، إذن، للخطابي الذي خدم إسبانيا وانحاز لألمانيا ثم انتهز الفرصة لكي يصبح وطنيا، تماما كمثل أولئك الذين تسابقوا للاحتماء بجنسيات الدول الأجنبية لخدمة مصالحهم؛ حتى ولو كان ذلك ضد مصالح الشعب والوطن، ثم ما لبثوا أن أصبحوا سدنة للاستعمار قبل أن يصبحوا المستفيدين الأول من الاستقلال؟

وفي الختام هل يمكن القول: إن مثل هذه الكتابات، أو الآراء، أو الأحكام، أو الاستنتاجات، قد تكون ذات مردودية مطلوبة، أو مرجوة، من قبل فئة معينة لتصفية حسابات معينة، كما قد تكون مسوغة لسياسة حرمان أبطال هذه الحرب الوطنية من أبسط حقوقهم على الوطن كتخليد أسمائهم على مؤسسات بلدهم وشوارع مدنه، وتخصيص متحف لتخليد مآثر تلك المرحلة المشرقة من لحظات تاريخنا الوطني، إلى جانب المآثر الأخرى التي تصدت للغزو الاستعماري؟ ألا يعني ذلك محاولة لطمس إحدى أروع لحظات اليقظة للمغرب والمغاربة والقذف بها إلى زاوية الظل، وإلى هامش التاريخ؛ من أجل الدعم الممنهج لنشر ثقافة النسيان؟

لكن من المؤكد، عندما ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى، فإن هذه الكتابات وأمثالها تقدم خدمات جليلة من أجل تحصين الذاكرة الوطنية وحماية مكوناتها من الزيف والتشويه والنسيان، سواء تعلق الأمر بالجانب الشعبي لهذه الذاكرة الفاعل من خلال التناقل الشفوي للأحداث بين الأجيال؛ والذي لا يزال سمة ظاهرة في ثقافتنا، وآلية دفاع تلقائية ضد الخصوم والأعداء، أو من خلال المقالات الصحفية والمنشورات الشعبية، وكل أشكال التعبير الفني الأخرى، أو الجانب الأكاديمي الذي يؤكد استحالة تأميم التاريخ واحتكاره من قبل أي شخص أو جماعة أو هيأة.

فإذا استعرضنا الكتابات التي صدرت في السنوات الأخيرة، محليا ودوليا، حول الحرب الوطنية التحريرية التي رأس قيادتها محمد بن عبد الكريم الخطابي، المنتمي إلى أيت خطاب، على أكبر تقدير، وليس إلى عمر بن الخطاب، يدرك البعد الحقيقي لتلك الحرب وأصالتها الوطنية وجذورها العميقة في الوجدان الشعبي والذاكرة الجماعية للمغاربة، ومدى تأثيرها في الأحداث اللاحقة. ففي السنوات الأخيرة فقط صدرت دراسات وأبحاث كثيرة؛ مقارنة مع ما صدر قبل بداية هذا القرن، أكد بعضها أن كثيرا من المشكلات السياسية والانتفاضات الشعبية والأزمات الاجتماعية التي عرفها المغرب المستقل كانت نتيجة ممارسة ثقافة التهميش والنسيان الممارسة على صانعي أمجاد هذا الوطن؛ ومن بينهم الخطابي.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة 16   الجمعة يونيو 01, 2018 12:50 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
الحلقة 16

الحلقة 16
عبقرية الشعوب تنعكس في رموزها وأبطالها

مهما يحاول أهل الأهواء والأنانيين التنكر لرموز الأمة وأبطالها، فإنهم لم ولن يفلحوا؛ لأن الأمم هي من أوجدت رموزها، وإذا لم تكن الرموز موجودة يجب أن توجد. والأمة المغربية بجميع مكوناتها غنية برموزها وأبطالها، الذين أوجدتهم عبر مسيرتها التاريخية، ومنهم محمد بن عبد الكريم الخطابي، بصفته أحد كبار رموز الأمة وأبطالها في القرن العشرين. والتاريخ الحي، المتمثل في دراسات أكاديمية، وكتابات وطنية، وروايات أدبية، وقصائد شعرية، وأغنيات شعبية وقصص للأطفال، ولوحات فنية؛ تخلد هؤلاء الأبطال والرموز وتصون ما أنجزوه في نجدة الوطن وإعلاء قيمه.

أما ما يروج له المرجفون، فليس أكثر من الزبد الذي يذهب جفاء. ولذلك فشلت وتفشل جميع محاولات التشكيك في أصالة حرب التحرير الريفية وقيادة الخطابي لها. إن اتهام الريفيين بالسعار والهمجية وبالنزوع البدائي للاحتراب، واتهام عبد الكريم الأب وابنه محمد بالعمالة للأجانب، والتلميح بأن تلك الحرب كانت تدار من قبل أولئك الأجانب لا تعني في نظر الدارسين المنزهين عن العبث غير عملية إسقاط لسلوكهم هم، ليبرروا استقبال الاستعمار استقبال الفاتحين والصالحين.

وما يؤكد بطلان ادعاءاتهم في نظر الأمة المغربية وفي ضمائر الإنسانية الحرة عودة الخطابي، بين فينة وأخرى، ليجدد رؤى الناس، كما يجدد فصل الربيع ازدهار الطبيعة وتجديد الحياة الجميلة. وهكذا يتم استحضار أفكار الرجل ورؤاه الاستراتيجية من قبل الباحثين والدارسين والطلبة ووسائل الإعلام وعامة الناس، من أجل تقييم المرحلة، ومن أجل الاستئناس بها في مواجهة مستجدات الحاضر، والإعداد لبناء المستقبل الأفضل.

ويقوم الشعراء والفنانون، من جانبهم، بتخليد مآثر الرموز، واستنكار سلوك أولئك الذين لا شغل لهم سوى "قطع الطريق على عبد الكريم" حيا أو ميتا. وقد رأينا في حلقة سابقة قصيدة عبد اللطيف بنيحيى الذي صور فيها تحدي أجيال المغرب الأحرار لأولئك الذين منعوا اسم عبد الكريم لا لذنب أو جرم ارتكبه إلاّ أنه عشق الوطن. وها هو الشاعر باللغة الأمازيغية، وهو السيد أحمد الصديقي، يعبر عن المخزون الشعبي نحو الرمزية التي يمثلها الأمير الخطابي في وجدان الأجيال الشابة، من جهة، وعن فشل أيديولوجية ثقافة النسيان، من جهة ثانية، وستتلوها ترجمة إلى اللغة العربية.

أولا، قصيدة باللغة الأمازيغية الريفية

زِيَّانْ نْ يَازُّونْ خِيزُوْرَانْ

زيّان ذَحُذْرِي ذَامْزْيَانْ

يِسَّقضَعْ رَعْقَرْ إِينَسْ، إيخبَّش خِيزُوران

يَازُّو أذِيسَّنْ مَانِيسْ دَقَّاسَنْ إِسِْغْوانْ

ذِمِينِيوْقْعَنْ ذِيزمَان ايَِّعْـذَان

يِسَّقْسَا رَفْقُـويَاث وَايِفْهِمْ مِنذَسَنَّان

يِسَّقْسَا إيمَحْضَانْ نَّـنَاسْ رََكْتُبْ خْوانْ،

رَكْتُبْ ذاكسَنْ أفْرَنْسِيسْ ذُولِيمَانْ

ذُو كلِينْزِي ذو مَاريكَانْ

ذَتَّاريخ نَـتَّجَّارْ أُنْـكَارُو نَزْمَـان

التَّارِيخْ ايتَرَانْ يازِيضْ ذَاسيوان

ذْمَانَيَا إيكِجَّان أزِيَانْ

ذْوَا التَّارِيخْ نْيورَانْ

وَايْسِّيوِرْ لَخْ عَبْد اكريم

لَخْ أُنْوارْ، لَخْ دْهَـارْ أو بَارَان

***

آنَّانْ عَاوْذَانْ أنَّانْ

زِيَّان وَايْفهِمْ مِينَنَّانْ

إيترَاحْ إيتَاسِدْ واثِيكسِي أُوُمْكَانْ

آمْوَاخْشْمِي ذَاكَسْ أسَنَّانْ

إﮔـّورْ يتْسَقسي إيوْذَان

خْمِينيوقْعَنْ ذِي زْمان ايَّعْذَان

***

جدَّسْ ذْجِيدَاسْ حْضَانْ

إيرَاحْ غَاسَنْ إيِسَّقْسَانْ:

مِنْ يِعْنَا عَبْدْ الكْرِيم ؟

مِنْ يْوقْعَان أُكّونَوَارْ ذَدْهَارْ وبارَان؟

***

ذِسِّيوَرْ جِيدَاسْ إيكنْشِيشَنْ تنهَزَّان

وْضَانَا سْدْ إيمَطَّوَنْ أمَثْحَبَّا نَرمَّانْ

غَارْذْ قِسْمَيثْ مْسَاكانْ

عَبْدْ الكْرِيمْ أمِّينُو إِرَايَجَّـا ذْبَنَّعْمَانْ

إيَرَقْحَنْ ذَكُّورَانْ إيّوْذَانْ

عبد الكريم أمَّينُو إِرَايِجَّا تَزِيرِي ذِرْوَسْطْ إيِّثْرَانْ

عبد الكريم أَمِّينو إِرَايِجَّا ذَرْعُنْصَا أوَّمَانْ إِصْفانْ

سَسَّنْ إيوُسُّورَا، ذِعْزِرِيَّنْ، ذِسَكمَانْ

غَرْبَنْ خَسْ إيمَاطَّاوِنْ

***

ذَسْغَذ يِسِّيوَرْ بَابَاسْ أمَقْرَانْ:

عبد الكريم آمِّينُو إِرَايِجَّا ضَسَّجَّاثْ نَشْنِينْ ذِزُورَانْ

عبد الكريم أمِّينُو إِرَايَجَّا ذْرَفَقِي نَشْنِين ذِمَحْضَانْ

يِسْغَارَنَغْ إبْريِذَن إيتَاوِينْ أذُوذَاثْ ايِّكنَانْ

عبد الكريم أمِّينُو وَيِجِّي زِرَفْـقُويَاثْ أونَكارُو نَزْمَانْ

أُوكّانْ خُعَدِّيسْ ذَوْرَنْ ذِيفِغْرَانْ

رَعْقَرْ دُكْحَبِّي ذِيمِيزِي غَاشُّونْ أَذَانْ

عبد الكريم أمِّينُو إِرَايتْمَتَّا خَرْحَقْ إيمَسْعَانْ

ذِكُرْ أمْكَان مَانِي مَاجَّانْ

سِفَجَّحَنْ ذِخَدَّامَنْ ذِمَحْضَانْ

***

عبد الكريم أمِّينُو وَايَجِّي آمَتُّجَّارْ أُنَكّارُو نَزْمَانْ

كِيجْ أُوفُوسْ تَتْفَنْ أَخَذْمِي إِيجَّنْ ذِلْقُرآن

خُرَمُّوزْ أوُّغْرُومْ تِقْسَاسِنْ ايذُوذَانْ

تْحَوَّاسِنْ اللُّوِيزْ ذِيغَزْرَانْ

تْحِيجَّان غَرْبِيتْ أبركانْ

نْدْيوسِينْ ذْكْمَارِيكَانْ

تَزْكَنْ الدَّمْ نْدُومَاتْ سَسَّنْثْ ذِركِيسَانْ

أَمَارِيكَانْ ذُصَهْيُونْ أَرِنْثَنْ ذِيضُورَان

***

عبد الكريم أَمِّنُو وَايِقْبِرْ ضَامُوثْ أَنَّغْ أتَوْضَانْ

رَعْذَوَاثْ إِيدِيزْوَانْ أَمَان

أسَبَّانْيُو ذُفْرَانْسِيسْ ذُ طَالْيَانْ

رَاحْ أمِّينُو، رَاحْ آسَّقْسَا إِِثْرَانْ

رَاحْ أَمِّينُو، رَاحْ سَّقْسَا إذُرَارْ، سَّقْسَا إغَزْرَانْ

نَثْنِينْ زْرِين شَهْذَنْ حْضَانْ

زْرِين عبد الكريم خُيِسْ، لَكْلاَطَا غَايِذْمَانْ

ضَاوَا إِيْنَسْ بَدَّنْ مُنَنْ أمِيذوضَانْ

أوزّْرَنْدْ، سْفِينْدْ، زِيمْكُورْ أمْكَانْ

سُومَزْيَان ذُمَقْرَانْ

حَدْ يكَسِيدْ لَكْلاَيَطْ، حَدْ ذيمَكَرَانْ

مْقاطَاعَنْدْ أوسبَّانْيُو أَنُوقَانْ

ذِيمْغَارِين تَسْرَهَّانْدْ إيسَكَمَانْ

سَّوْجَذَنْدْ ذِزِيوْذِيوينْ إِيِّوْزَانْ

تازْرَنْدْ سْرِوْرِوَنْدْ ذِكّكرَان

تَاوِيندِيدْ إيزْرَانْ خِيمْجَاهْذَنْ نَدْهَار أُوبَارَانْ

***

رَاحْ أمِّينُو رَاحْ سَّقْسَى يِثْرَانْ

رَاحْ أمِّينُو، رَاحْ سَّقْسَى، إيذُورَارْ، سَّقْسَى إيغَزْرَانْ

نَثْنِينْ زْرِينْ شَهْذَنْ حْضَان ذِيمْكُرْ أمْكَانْ

رَاحْ اسَّقْسَى إِيذْرَارْ وِنْوَارْ ذْ يِغْمِينْ كِيتَمْسَامَانْ

نَتَّا يَحْضَى أمَنْغِي ذَا مَقْرَانْ

أَسَبَّانْيو إِسْرُورُفْ ذْهَذْمِيثْ ذْقَبِّيطْ إِيُّوْذَانْ

ذِينْ إِكِيذْهَشْ سِلْفِسْتْرِي، ذْمِينْكِذَسْ ذَرْ قَبْطَانْ

وَنْ طْفَنْ نْدُونْثْ، غْزِينَاسْ إمَضْرَانْ

وَنْ يَاوْرَنْ شِّينْثْ إِكِذْمَان

***

رَاحْ، أَمِّينُو رَاحْ سَّقْسَى إيثْرَان

رَاحْ، أَمِّينُو، رَاحْ اسَّـقْسَى ايذورَارْ، سَّقْسَى إيغَزْرَانْ

نَثْنينْ زْرِينْ شَهْذَنْ حْضَانْ

***

إِيَشُّكَضْ زِيَّانْ زَكْزَجِّيفْ حْتَّى إِيْضَانْ

يِتْخَزَّا غَايِثْرَانْ

إيِبَدَّدْ خَاسْ عَبْد الكريم جَار إِيّضَسْ ذَرْفِيقَانْ

يِنَّاسْ أَوَرَنْ كْسَنَّاسْ أكِسُومْ خِيخْسَانْ

أَزِيَّانْ أَمِّينُو ذَكِرَمَد ذِزْمَانْ ذَعَفَّانْ

رْقََبْ إيذْوَرْ غَارْ إيضَانْ

أَمَنُّوسْ نْكِومْ إِيعَذْبَايْ ذَكْمَضْرَانْ

ذْوْرَمْ أَمِسَمْغَانْ

ذِرَسْوَاقْ تْمَنْزَانْ

يَمَّثْكُوم ذَمُّوثْ، خَوْخَنْتْ إِفِغْرَانْ

ثَتْرُو أَمُبُجِيرْ ذِنْهَارْ أمَقْرَانْ

كَّاثْ، أَوْرَاذِي، إِفْغَثْ زَكّْفْرَانْ

بَدْرَثْ زُّمَانْ

قْبَرْ مَا شْكِمَشَّنْ وشْنَانْ

قَرْعَثْ أَرِيرِي، سْكَمْضَثْ أسَنَّانْ

سْقَضْعَثْ إِمْكِرَانْ

قْبَرْ مَذْ يِنْدْرَانْ

شْحَارْ غَذكَّمْ تْنَكَّامْ ذْوَطِّيمْ

ثْكتْسِيمْ ثَسْرُسَامْ.

ثانيا، ترجمة معاني قصيدة "زيان والبحث عن الجذور"، للشاعر أحمد الصديقي إلى اللغة العربية.

زيَّان الباحث عن الجذور

زيان شاب ذكي القلب،

ثاقب الذكاء،

راح يبحث عن جذوره

حاول التعرف على نسبه

وأحداث الأزمنة الماضية وتاريخه؛

***

استفسر الفقهاء...،

استفسر طلاب العلم لإزاحة جهله،

أخبروه بأن الكتب خاوية

تخبر فقط عن تاريخ الفرنسيين

والألمان والإنجليز والأمريكان

والدجالين وتجار هذا الزمان؛

***

هذا الزمان...

يُحوّل فيه الديك نسْراً يا زيان

وهذا هو التاريخ المكتوب يا زيان

لا أثر لعبد الكريم.. ولا أثر لأنوال..

ولا أثر لِدْهار أُوبَرَان

***

تكلموا ثم تكلموا وقالوا...

ولم يفهم زيان شيئا مما قالوا

فرحل يستقصى المكان

جال القرى والمدن والبلدان

ولم يطب له المقام في أي مكان

***

عانق حلمه،

وتأبط سؤاله

قصد الذين عاشوا ذلك الزمان،

جدته وجده حضرا ملحمة الزمان،

من هو عبد الكريم؟

ماذا وقع في أنوال،

وادْهَار أُوبرَران؟

***

تكلمت جدته، وشفتاها ترتعشان

والدموع تسيل على وجنتيها

وتلتقي عند ذقنها كحبات الرمان:

عبد الكريم يا حفيدي كان كزهرة بنعمان

في قلب الشعب وعمق الوطن

***

عبد الكريم يا حفيدي

كان قمرا بين النجوم وصولجان

عبد الكريم يا حفيدي

كان منبعا صافيا ينهل منه العطشان

يرتوي منه الشيوخ والشباب والصبيان

ثم صمتت حين غلبتها الذكريات

والأشجان

***

وواصل الجد الكلام:

عبد الكريم يا حفيدي

كان شجرة وكنا نحن الأغصان

كان إماما وكنا نحن جنود الأوان

كان يدلنا على الطرق المؤدية إلى حياة

ذات شان

***

عبد الكريم يا حفيدي

لم يكن مثل أئمة عهدنا

الزاحفين على بطونهم كالأفاعي

ليس لهم هدف إلا ولائم الخذلان

عقولهم في بطونهم المليانة بالسحت

والبهتان

***

عبد الكريم يا حفيدي

وهب حياته لتحقيق الحلم

للفقراء، والعدل للإنسان

للفلاحين والتلاميذ والعمال

في كل مكان

***

عبد الكريم يا حفيدي

ليس كتجار هذا الزمان

يحملون خنجرا في يد

وفي اليد الأخرى القرآن

وإذا خطفت قطعة خبز

قطعوا يديك...

وهم قد سرقوا ثروتك

سرقوا الذهب الأسود

والبحار والوديان

ويحجون إلى البيت "الأسود" في واشنطن

ويعظمون الأمريكان

ويحلون دمك

يسكبونه في كؤوس السهرات

والإدمان

***

عبد الكريم يا حفيدي

لم يرض أن تغتصب أرضنا

من طرف الغزاة وأهل العدوان

من قبل الفرنسيين والإسبان والطليان

اذهب يا حفيدي واسأل النجوم

واسأل الجبال والسهول والوديان

فقد شاركت في كل الأحداث

وكانوا كلهم شهود عيان.

ونستخلص مما تقدم أن التعليل الذي يمكن أن يعطى لظاهرة الحضور القوي لعبد الكريم الخطابي في مشاعر المغاربة واهتماماتهم، بعد انقضاء تسعين سنة عن نفيه؛ وقرابة من 60 سنة على وفاته، هو دحض تلك الأراجيف التي تزعم أن الحرب التي وقعت في الريف أصبحت متجاوزة بالمقارنة مع أحداث كانت أهم من تلك الحرب؛ وأن قائدها أمسى مغموراً، لأن الحاصل في الواقع هو العكس تماما.

أما الجانب الآخر لهذا الحضور فإنه يترجم، بشكل صريح، أن المغاربة مثلهم كمثل جميع الشعوب يقدرون كامل التقدير أولئك الذين ساهموا في صناعة تاريخهم وأمجادهم وبناء مستقبلهم. ومن ثم فهم يقاومون بدون تردد ثقافة النسيان، على الرغم من إصرار بعض الأشخاص أو الفئات والجهات على توجيه الأحداث الوجهة التي تكفل لهم الاحتفاظ بامتيازاتهم، والحصول على المزيد منها، متجاهلين مكر التاريخ..

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1459
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة 17 الخطابي وأسرته في المنفى   الأحد يونيو 03, 2018 8:18 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
الحلقة 17

الحلقة 17

الخطابي وأسرته في المنفى

تكالبت قوى الاستعمار ضد حرب التحرير في الريف، وخولوا لأنفسهم استعمال أسلحة الدمار الشامل المحرمة قانونيا وأخلاقيا. لقد كان "شرف الاستعمار"، بالنسبة إليهم أهم من القانون والأخلاق، لقد كان همهم كذلك عدم إغراء الشعوب المستعمرة بالسير على خطى الريف؛ فقرر الخطابي أن ينسحب حفاظا على استمرار حياة الشعب، موقنا بأن الأجيال المقبلة ستحقق لا محالة الأهداف التي حارب هو ورفاقه من أجل تحقيقها. فقرر أن يسلم نفسه وأسرته للحكومة الفرنسية، وكذا بعض القادة الراغبين في ذلك. واختيار التسليم لفرنسا هو اختيار لأهون الشرور، أو أن أكل الميتة حرام، لكن الموت أشد منه.

استمر تداول الحكومة الفرنسية في مصير الخطابي، منذ تسليمه في 27 مايو 1926 إلى أن صدر القرار بنفيه إلى لارينيون بعد حوالي 3 أشهر. وأثناء إركابهباخرة عبدة التي نقلته إلى المنفى قال عبارته الشهيرة «خروج الانسان من الوطن كخروج الروح من الجسد، حالة صعبة لا يتغلب عليا المرء إلا بالإيمان بالقضاء والقدر». وحين لجأ إلى مصر سنة 1947 وفرضت عليه ظروف الاستمرار في المنفى الثاني حتى بعد "استقلال" المغرب سنة 1956 كان يعبر عن اشتياقه لبلده المغرب بقوله: «لقد كنت أتمنى دائما أن أكون في بلادي، ما من لحظة مرت إلا وشعرت فيها بالحنين إلى الوطن.»

الخطابي ومرافقوه في المنفى

إن الحديث عن الخطابي ومرافقيه في المنفى الأول في جزيرة لارينيون تناولته عديد من المؤلفات الأجنبية بخاصة. وكان آخر كتاب ظهر موثقا لحياة الخطابي في المنفى هو كتاب تيري مالبير عبد السلام لكن القليل من الناس في المغرب من لديه بعض الإلمام بحياة الخطابي وأسرته ومرافقيه في جزيرة لرونيون، (La Rreunion)، التي قضى فيها مدة 21 سنة، قبل أن يستقر في منفاه الثاني بمصر سنة 1947؛ حيث لا يزال جثمانه هناك في مقبرة الشهداء بالعباسية في القاهرة، منذ أن وافاه الأجل المحتوم في 6 فبراير 1963.

ونعتقد أن الحديث عن حياة أسرة الخطابي في المنفى سيزيح الكثير من الغموض الشفاف، والأوهام المقصودة، التي حيكت عن ظروف هذه العائلة ووسائل عيشها. ويهدف هذا الحديث كذلك إلى إطلاع الرأي العام والأجيال المتعاقبة على جانب من مسار حياة أسرة كان لها حضورها وتأثيرها في أحداث التاريخ المعاصر للمغرب وللعالم، ومعرفة معطيات وحقائق هي بمثابة ترجمة لجزء أُبقي مغمورا عن سبق إصرار وترصد في نظر الكثيرين من المغاربة، ومبعدا بالتالي عن الذاكرة الوطنية، في الوقت الذي بقيت فيه حاضرة في أجيال والعالم، وستستمر بلا شك. فمثلا سيظل قراء مجلة جون أفريك، الصادرة في مستهل القرن الجديد، يتذكرون جيدا المرتبة التي حصل عليها الأمير الخطابي في الاستفتاء الذي نظمته هذه المجلة بقصد معرفة الشخصيات السياسية ذات الأثر القوي، في إفريقيا والعالم، خلال القرن العشرين؛ حيث جاء تصنيفه السادس (6) على سبعة عشرة شخصية إفريقية.

ونود أن نوضح أن المصادر والمعلومات التي سنعتمد عليها، في هذا الفصل، مستقاة، من مصادر متعددة، لكنها مستقاة أساسا، من أسرة الخطابي نفسها؛ فقد سبق أن جمعت بيننا لقاءات مطولة، حول الظروف التي عاشتها الأسرة. وكانت تلك القاءات بصفة خاصة مع المرحوم السيد عبد المنعم (عبده) بن محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومع أخويه السيد عبد الكريم والسيد عبد السلام، رحمهما الله، في مناسبات مختلفة حول الموضوع نفسه. ثم كانت لنا جلسات استقصائية مع كريمة الأمير الخطابي السيدة عائشة، أطال الله في عمرها، وشقيقها الأستاذ سعيد الخطابي، رحمه الله؛ وقد أذن لنا السيد سعيد والسيدة عائشة بنشر ما تفضلا بإفادتنا به، خدمة للذاكرة الوطنية، وللحقيقة التاريخية.

وننوه بداية بأن محمد بن عبد الكريم الخطابي تزوج من أسرة بوجبار، بعد أن عزم على تولي قيادة الحركة التحريرية ضد إسبانيا، عقب وفاة والده سنة 1920، لأن بعض التقاليد الإسلامية والثقافة الأمازيغية، بصفة خاصة، لم تكن تسمح لصاحبها بالقيادة، أو حتى بالتصويت على القرارات الحاسمة، إن لم يكن متزوجا، أي متحملا مسؤولية أسرة؛ وحين تزوج كان قد بلغ من العمر 38 سنة. والتأخر في الزواج في المغرب، وخاصة في الريف، يومذاك، كان أمرا استثنائيا، وبخاصة لدى العائلات الميسورة.

وبإمكاننا اليوم أن نقدم تفسيرا لعزوف محمد بن عبد الكريم الخطابي عن الزواج إلى تلك المرحلة المتأخرة. ويميل هذا التفسير إلى اعتبار أن تأخير زواج الرجل كان بسبب الانشغالات والأولويات التي كانت تستحوذ على قلبه وعقله؛ أي أن الزواج لم يكن من بين تلك الأولويات، حسب المعطيات المتوافرة لدينا عن تلك الفترة القلقة سياسيا والأخطار التي كانت محدقة بمصير الأمة المغربية، بما كان يجري حول المغرب من دسائس ومؤامرات بين الدول الاستعمارية وسماسرتها في الداخل، وبين عجز المخزن عن السير في الاتجاه الصحيح، ـ فهذه الفئة الواعية بالأخطار كانت ـ منشغلة بالبحث عن الوسائل التي يمكن أن تجنب الوطن فقدان ما تبقى له من مقدسات واستقلال وسيادة؛ وكان عبد الكريم مثله مثل الشريف أمزيان والهيبة والزياني قبله من تلك الفئة. فكيف كانت حياته في المنفى؟

أولا، المسكن والمعاش: حين وضعت الحرب أوزارها، وتقرر نفي الأمير وعائلته ومن اختار مرافقته من الرجال والنساء إلى جزيرة لارينيون كان عددهم حوالي 40 فردا. فكيف تدبرت هذه العائلة الكبيرة وضعها الجديد ومعاشها في منفاها الأول بجزيرة لرينيون؟

وللتذكير فإن ما اسميناه بعائلة الخطابي الكبيرة، كانت تتكون من أعضاء أسرة مولاي موحند + أعضاء أسرتي شقيقه امحمد وعمه عبد السلام، إضافة إلى مرافقيهم. استقرت في البداية، وفقا للترتيبات الفرنسية، في إقامة "شاطو مورانج" بضواحي عاصمة الجزيرة سان دوني. وكان هذا القصر، قبل ذلك، مقرا لمنفى ملكة مدغشقر المشار إليها في الهامش أعلاه، قبل أن تنقل إلى الجزائر، حيث ستبقى إلى أن وافاها أجلها المحتوم سنة 1917. ثم إن هذا القصر كان قد مر على بنائه أكثر من قرن من الزمن، دون أن يحظى بالعناية والصيانة اللازمتين؛ إضافة إلى أن ارتفاعه عن سطح البحر لم يكن يتعدى 7 أمتار؛ ولذلك أطلق عليه الأمير الخطابي صفة "مستعمرة الحشرات والزواحف". وبعد الشكايات العديدة للمسؤولين الفرنسيين بسبب الأمراض الناجمة عن سوء حالة القصر والمناخ، والتي كان من ضحاياها خادمة للأمير سنة 1929، وبتعاطف من أصدقائه الجدد، وبخاصة طبيبة الأسرة والمسؤول العسكري عن الأمير وأسرته سمح للعائلة بالانتقال إلى منزل بقرية "بلان دي بال ميست" التي تبعد 70 كلم عن العاصمة سان دوني. إلا أن المنزل كان صغيرا وضيقا جدا بالنظر إلى عدد أفراد الأسرة الكبير. ثم اضطرت السلطات الفرنسية إلى أن تشتري إقامة أخرى تسمى :"كاستيل فلوري"، مكونة من بنايتين تتوسطهما مزرعة من 14 هكتارا، فيها كل أنواع الأشجار والفواكه الاستوائية، في اسم مولاي موحند. وقيل إن ثمن هذا القصر دفع من مالية الدولة المغربية؛ لكننا نتساءل عن مآل الأموال التي استولت عليها الحكومة الفرنسية بعد انتهاء الحرب، والمقدرة بـ 180000 ريال فضي إسباني، وفقا لشهادة السيد بالقاضي، صاحب كتاب" أسد الريف"، الذي كان مساعدا لأمين الخزينة العامة آنذاك. ومرد تساؤلنا هذا أن فرنسا استولت على أكثر من نصف ذلك المبلغ، وقدره 400000 من أصل 750000 فرنك؛ في حين أن ثمن القصر لم يتجاوز 200000 فرنك. ومهما يكن من أمر فإن ذلك ساهم في تحسين وضعية الأسرة السكنية.

أما مصادر عيش الأسرة الخطابية، فكان من المفترض، وفقا للتعهدات، أن تحوّل فرنسا الأموال التي استولت عليها من خزينة الحكومة الريفية، المشار إليها، لكي يستعين بها الأمير على تدبير حياة أسرته الجديدة. لكن فرنسا لم تعطه من تلك الأموال إلا 250 ألف بسّيطة؛ كما أنها لم تسمح له، في السنوات الأولى بالتصرف في ذلك المبلغ المنقوص بحرية، حين أصدرت أوامرها بأن لا تتجاوز المبالغ المسموح بسحبها شهريا 7000 فرنك.

ومن ناحية أخرى تجب الإشارة إلى أن نفقات حياة الأسرة تطورت كما يلي:

ـ 5000 فرنك، من سنة 1927 إلى نهاية 1929.

ـ 7500 فرنك، من سنة 1930 إلى نهاية 1933.

ـ 17000 فرنك، من سنة 1934 إلى نهاية سنة 1939.

ـ 25000 فرنك، من 1940 إلى لحظة مغادرة الجزيرة في شهر مايو 1947.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمير ورفاقه لم يعتمدوا على ذلك المعاش، الذي سمحت به فرنسا، لإعاشة أعضاء عائلاتهم، وتحقيق شروط الحياة الكريمة اللائقة بهم. لذلك فكر مجلس العائلة الكبرى، الذي كان يتألف من الأمير ومن شقيقه السي امحمد، ومن عمه السي عبد السلام، ومن أحد مرافقيهم الأقربين السي محمد بن زيان الخطابي، في إيجاد موارد أخرى لتجنب كل ما يمكن أن يجعل العائلة في حاجة إلى طلب مساعدة السلطات الفرنسية. وتمثل الحل في ممارسة التجارة والزراعة.

ففي مجال التجارة تم فتح محل لبيع المواد الغذائية، ثم توسع ليشمل تجارة الأقمشة والتجهيزات المنزلية، قبل أن يتطور إلى تجارة الذهب وتصدير العطور. وقد تولى تسيير المحل السيد محمد بن عبد السلام، أحد مرافقي الأمير.

أما المشروع الزراعي فقد بدأ بزراعة قصب السكر وأشجار الفواكه في مزرعة "كاستيل فلوري" الاستوائية. إضافة إلى تربية الدواجن؛ لكن أهم شيء أضافه عبد الكريم ورفاقه على الأصناف الزراعية المحلية في الجزية، هي زراعة العنب الأبيض والتين.

ويجب التذكير بأن عبد الكريم، حينما كان محررا في صحيفة "تلغرامة الريف" بمدينة مليلية، ما بين 1907 و1915، كان ينشر، من حين لآخر، وصفات لغرس الأشجار المثمرة وطرق العناية بها. ولذا لا نستغرب أن يدخل للجزيرة زراعة أنواع جديدة من الأشجار المثمرة، كالعنب والتين، لما لها من عادات غذائية وذكريات وجدانية لدى ساكنة الريف؛ وخاصة شجرة التين، التي تعد دوحتها المكان المفضل لعقد تجمعات الرجال والشباب للمذاكرة في أحوال الحياة، أو للترويح عن النفس، بعد العودة من الحقول؛ زيادة على ثمارها المحببة عند ساكنة الريف. وغير خاف أن الإنسان لا يشعر بحلاوة الدنيا إلا في أحضان ثقافته، وفي ظل هويته.

نجحت تجربة مزرعة كاستيل فلوري، إذن؛ ولم يكن النجاح يتمثل في زيادة موارد الأسرة من الناحية المالية فقط، بل في فك عزلتها وتحقيق التكيف والتلاؤم مع بيئتها الجديدة. مما جعل مجلس الأسرة يفكر في توسيع المشاريع الزراعية؛ فاقتنى مزرعة جديدة، هي مزرعة "بلان دي بال ميست"، الواقعة في القرية التي تحمل نفس الاسم. لكن التوسع الزراعي الحقيقي حدث مع شراء ضيعة طولها 6 كلم وعرضها نصف كلم، بمبلغ 800.000 فرنك، بمشورة ومساعدة بعض المستثمرين الزراعيين المسلمين في الجزيرة، وهي ضيعة: "تروى باسان" (Trois Bassins).

قرر الأمير الإشراف بنفسه على هذه الضيعة مدة ثلاث سنوات، تاركا الإشراف على الضيعتين الأخريين لشقيقه السي محمد وعمه السي عبد السلام؛ وبلغ عدد العاملين فيها 70 عاملا، بأجر يساوي الثلث من المحصول. وكان الإنتاج الأساسي يقوم على الخشب المستعمل في البناء والأثاث، وعلى قصب السكر، والغرنوقيات أو الجيرانيوم (Geranium)، كما كان بها خمسة معامل لتقطير العطور. وكثيرا ما كان نجل الأمير البكر السيد عبد الكريم يحدثنا باعتزاز عن مهارته في تقطير العطور. ولذلك أصبحت وضعية الأسرة الاقتصادية جيدة، وفقا لرواية أنجال مولاي موحند؛ ومن آثارها أن الخطابي استطاع أن يقتني (07) سبع إقامات في أماكن مختلفة من الجزيرة يلجأ إليها وأسرته حسب تغير المناخ والفصول.

تربية الأطفال

مما لاشك فيه أن السؤال الثاني الذي يصبح ملحا، بعد أن عرفنا كيف تم تدبير الجانب المعيشي والاقتصادي للأسرة، هو كيف واجه الأمير ورفاقه موضوع تربية الأطفال تربية سليمة في مناخ معبئ بسلبيات المنفى وتداعياتها؟

من الطبيعي أن تكون أولويات كل رب أسرة التفكير في تربية أبنائه كجزء من برنامج إعدادهم للمستقبل، وفي حالة أسرة الخطابي لم يكن الأمر هينا ولا سهلا، لاعتبارات ثقافية، ولغموض آفاق المستقبل، خاصة بعد أن أخلّت السلطات الفرنسية بتعهداتها في موضوع استرجاع الأمير ورفاقه وأسرهم لحريتهم. إضافة إلى رفض السلطات الفرنسية لملتمسات الأمير بإدخال الأطفال مدارس في المغرب أو في الجزائر، شرط ألاّ تكون تابعة للإرسالية الكاثوليكية، كما كانت تريد فرنسا. وفشل فرنسا لم يتوقف عند مسألة التعليم المدني ونوعيته فقط، بل طال مشروعها في التكوين العسكري لأبناء الأسرة الخطابية، تحت العلم الفرنسي. فقد كان رفض الأمير حاسما في الموضوع، على الرغم من الإغراءات المقدمة؛ فالنسبة إليه لم يكن من الأخلاق في شيء، ولا من منطق أهل العزة والكرامة القبول بخدمة علم الاستعمار. ومما لا شك فيه أن عبد الكريم كان يتساءل مع نفسه، بما ذا سيتميز عن عملاء الاستعمار في حال قبول ولوج أبنائه المدارس العسكرية الفرنسية لخدمة العلم الفرنسي؟ وكيف سيكون حكم التاريخ على عمله الوطني؟ وفي هذه النقطة زل قلم زكية داود عندما ذكرت في مؤلفها "ملحمة الذهب والدم" أن أبناء الخطابي خدموا العلم الفرنسي.

وتجنبا للإجابات المتوقعة، أو المنتظرة، عن تلك الأسئلة فضل مجلس الأسرة إلحاق الأطفال بالمدارس العمومية بالجزيرة، بصفتهم مغاربة، ولم يتمتعوا بأي نوع من أنواع المنح. وكان الرفض مبدئيا ونهائيا لموضوع الانتماء إلى الجنسية الفرنسية. فالأمير الخطابي كان مستوعبا لتجربة الأمير عبد القادر الجزائري، ولم يكن راضيا عن مسارها بعد النفي في مجال العلاقة مع المستعمر الفرنسي..

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
التاريخ المحاصر ـ الحلقة 13 ـ .. ستار النسيان على إنجازات الخطابي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: سياسية-
انتقل الى: