كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،    الخميس مايو 17, 2018 2:44 am

هسبريس تنشر "التاريخ المحاصر" د.علي الإدريسي في حلقات خلال شهر رمضان


الخميس 17 ماي 2018 - 03:00

تقدم جريدة هسبريس لقرائها الأوفياء، داخل المغرب وخارجه، كتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي، في حلقات، خلال شهر رمضان الكريم.

هذا الكتاب، الذي ستنشره هسبريس بترخيص من مؤلفه الدكتور علي الإدريسي منجما على حلقات، لقي ترحابا واسعا من قبل القراء المغاربة ولا يزال، إلى درجة أن الطبعتين الأولى والثانية نفدتا من المكتبات والأكشاك؛ بالنظر إلى شجاعة المؤلف في عرض الأحداث، وجرأته في تحليل الوقائع بنزاهة وموضوعية.

وقد علّقت السيدة عائشة الخطابي، كريمة محمد بن عبد الكريم الخطابي، على الكتاب قائلة: "إنه أفضل ما قرأت، لأنه صادق"، ولا ريب في ذلك ما دام المؤلف الدكتور علي الإدريسي وظف في هذا الكتاب لغة "تختلف عن اللغة التي حاولت دوائر مخزنية وأحزاب سياسية نشرها وترسيخها بين المغاربة، تلك اللغة التي طوعها مخترعوها لرغباتهم ولمصالحهم ولأسلوبهم في ممارسة ما أسموه "سياسة" من جهة، ومحاصرة التاريخ الوطني في دهاليز ثقافة النسيان" يقول الكاتب في مقدمة المؤلف.

الكتاب من أوله إلى آخره اعتمد الوثائق النادرة في التأريخ للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي بأفق وطني يتسع لجميع المواطنين المغاربة، على عكس الطريقة التي "اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار الوطنية وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى"، يضيف على الإدريسي في تقديم الكتاب.

قراءة ممتعة تتمناها هسبريس لقرائها الأوفياء، خلال شهر رمضان الأبرك لكتاب "عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر".

الحلقة الأولى:

تقديم المجاهد محمد الهاشمي الطود

تفضل صديقي الأستاذ الباحث علي الإدريسي بمنحي شرف المساهمة الرمزية في إخراج كتابه عن تجربة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وذلك من خلال إدراج كلمة تقديمية عامة، يمكن أن تشكل استهلالا يضع الإطار العام الذي يندرج في سياقه هذا الإصدار الجديد. والحقيقة، إن الأستاذ علي الإدريسي قد وضعني في موقف لا أحسد عليه، مادام أن المطلوب مني هو الحديث عن سيرتي مع المجاهد الوطني والمغاربي البطل محمد بن عبد الكريم، بالنظر للتجربة الشخصية التي جمعتني مع هذا المجاهد الصلب، ونظرا لأنني عايشته عن قرب خلال فترة مقامه بمصر عقب نجاحه في التخلص من قبضة المستعمر الفرنسي سنة 1947. فإنه مما لا شك فيه أن الموقف هو أكبر من هذه الصفحات القليلة المخصصة للتقديم، ولا شك أيضا أن تجربة المجاهد الخطابي هي من الغزارة ومن التنوع ومن الغنى، بشكل لا يمكن اختزالها – بأي حال من الأحوال– في هذه العجالة. فعن أي جانب سأتحدث فيه عن رصيد المجاهد الخطابي؟ وكيف السبيل لاختزال معالم السيرة الوطنية الجهادية والذهنية للرجل ؟ وهل يجوز – حقا – اختزال هذه السيرة في حيز ضيق تفرضه الضرورات المنهجية الخاصة بمثل هذا النوع من التآليف؟ وكيف يمكن انتقاء بعض النتف من تقاطع سيرتي الذاتية، تدعيما لجهود إنارة الطريق أمام عمل الباحثين المتخصصين بالبحث في قضايا حروب الريف التحريرية وفي سيرة ملهمها البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي؟

لا شك أن التأمل في مثل هذا النوع من الأسئلة، سيجعلني في حيرة من أمري. ومع ذلك، يمكن أن أشحذ ذاكرتي لأقول إن معرفتي بالمجاهد محمد بن عبد الكريم تعود إلى سنة 1947، يومها كنت طالبا بالقاهرة، ومن هناك عايشت تفاعلات تطور الأوضاع بالمغرب عقب نهاية المرحلة الأولى للمقاومة المسلحة، بعد خفوت أًصوات بنادق روادها الأوائل من أمثال الشريف أمزيان، وأحمد الهيبة، وموحا أوحمو الزياني، وموحا أوسعيد، و محمد بن عبد الكريم الخطابي.

لقد كنا نعيش فترة فراغ رهيب، زاده خطورة اشتداد الخطر الإمبريالي وقعا في كل أرجاء العالم العربي، وانكفاء "زعماء" النضال السياسي على أنفسهم برفع شعارات "إصلاحية" خالصة، ثم – أساسا – بالتزام الأمير الخطابي بوقف أنشطته التعبوية والتأطيرية المباشرة حتى لا يتسبب ذلك في أي حرج لمصر، الدولة المضيفة، أمام القوى العظمى آنذاك. لكن يجب أن نلاحظ أن هذا المنحى لم يكن إلا ظاهرة عرضية في تجربة الأمير الخطابي، إذ لم يتردد عن رفع كل أنواع الحرج عن نفسه، عندما رفع صوته عاليا مباشرة عقب صدور القرار الأممي القاضي بتقسيم فلسطين يوم 29 نوفمبر من سنة 1947، فكان نداؤه لكل شباب الأمة العربية والإسلامية من أجل أن يتحملوا المسؤوليات الوطنية والقومية والجهادية لتحرير فلسطين، وشرع في تجميع فرق المتطوعين وإعدادهم للجهاد من أجل تحرير هذه الأرض المقدسة. في هذا الإطار، أستحضر – اليوم – بكل اعتزاز أنني كنت أحد هؤلاء المتطوعين الذين كان لهم شرف التوجه للجهاد في فلسطين والعمل تحت إمرة الأمير محمد بن عبد الكريم ووفق تعليماته وتوجيهاته، إلى جانب مجاهدين آخرين من كل الدول المغاربية، وأخص بالذكر بهذا الخصوص، رفيقاي في الجهاد وفي العمل الوطني، المناضل التونسي عز الدين عزوز والمناضل الجزائري محمد إبراهيم القاضي، ومحمد بن اصبيح التطواني، والحاج محمد البرنوصي.

وبعد عودة فرق المتطوعين من فلسطين، أشرف الأمير الخطابي شخصيا على إنشاء " لجنة تحرير المغرب العربي"، باذلا جهودا مضنية لتوحيد عمل الأحزاب وتكثيف جهودها نحو حلم تحقيق الحرية لكل أقطار الشمال الإفريقي. وسعيا منه لتوفير شروط ترجمة هذا الحلم على أرض الواقع، كان المجاهد الوطني الأمير الخطابي سباقا إلى إطلاق مشروع "جيش تحرير المغرب العربي"، حيث شرفني بمهام مركزية على مستوى الإعداد والتنسيق والتدريب والدعم اللوجيستيكي. وعندما اجتمعنا كمسؤولين عن هذا الجيش في إحدى لقاءاتنا التحضيرية الأولى، لم نكن لنجد أدنى صعوبة في اختيارنا للأمير محمد بن عبد الكريم كقائد أعلى لهذا الجيش الفتي، ثم أخاه امحمد كنائب له، وذلك كعربون من الجميع على الوفاء لاسم الرجلين ولسيرتهما النضالية العطرة ولقدسية عطائهما الجهادي على ساحة المعركة في إطار مدافعتهما لجحافل الغزو الاستعماري الإسباني والفرنسي للمغرب عقب التوقيع على معاهدة الحماية سنة 1912.

لقد شكل نداء الأمير الخطابي يوم 29 نوفمبر حول فلسطين1947، ثم تأسيس "لجنة تحرير المغرب العربي" سنة 1948، ثم تأسيس "لجينة جيش تحرير المغرب العربي" في 21 شتنبر 1952 المكونة من: عز الدين عزوز من تونس، محمد إبراهيم القاضي من الجزائر، حدو أقشيش ومحمد حمادي العزيز والهاشمي الطود من المغرب، فرصة – بالنسبة إلينا – للانتقال إلى ساحة الفعل والمبادرة المباشرين، وتجاوزا لمنطق الانتظارية الذي ورطت فيه جل الأحزاب المغاربية نفسها عندما استكانت إلى المطالبة بالإصلاحات وإلى البحث عن تسويات سياسية لآفة الاستعمار بالشمال الإفريقي، وفق شروط ظلت تصب – في الكثير من الأحيان – في مصلحة القوى الاستعمارية في المنطقة. ومما يؤسف له، أن مثل هذه التوجهات قد وجدت تصريفا لها داخل ً لجنة تحرير المغرب العربي" نفسها من خلال عمل بعض الأحزاب المغاربية آنذاك، مما خلق جملة من الكوابح ساهمت في التأثير على إيقاع الاستعدادات التي أطلقناها لتوحيد عملنا العسكري الموجه ضد الاستعمار على مستوى كل بلاد المغرب العربي الكبير. وفي ظل هذا التجاذب، لم نعرف في الأمير محمد بن عبد الكريم إلا معالم الثبات والوفاء، والإخلاص لله وللقيم العليا للوطن. صفات سيكون من الصعب استحضار كل تفاصيلها في هذا المقام...صفات تستحق أن تكون عنوانا لدروس الإباء والشموخ، وكذا لقيم الوفاء والتضحية والبذل بدون أية حدود. وقبل هذا وذاك، إنها صفات الزعيم الوطني الشامخ الذي لا يقبل عن الحرية وعن الاستقلال وعن الكرامة بديلا، مهما تعددت الإغراءات، وتكاثرت المؤامرات، وتشعبت الدسائس، وتكالبت قوى الخنوع والاستسلام. لذلك، فإن هذه السيرة يجب أن تبقى عنوانا لتاريخنا الوطني الجهادي الأصيل، ويجب أن تبقى صفحاتها مفتوحة أمام كل أنواع البحث والدراسة الممتدة في الزمن، ففي ذلك تحيين لعظمة الحدث ولروعة الشهادة.

واعتبارا لكل ذلك، فإنني لا أمتلك إلا أن أحيي الأستاذ علي الإدريسي على عمله الشيق، الذي استهدف من خلاله سبر أغوار حلقات مسترسلة في تاريخ التجربة الخالدة للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، باعتبار هذه التجربة مدخلا مؤسسا لكل أشكال التعاطي مع الذاكرة النضالية لمغرب القرن العشرين. لقد استمتعت بالاطلاع على الكثير من التفاصيل المرتبطة بهذه الذاكرة والتي تغافلتها العديد من الكتابات الوطنية المهتمة بالموضوع، كما وقفت على جزئيات بالغة الأهمية في مسار حروب الريف التحريرية، وفق نظرة ثاقبة وفاحصة نجحت في التخلص من الكثير من الأحكام المسبقة والرؤى الضيقة التي اهتمت بالبحث في خبايا تجربة المقاومة بمنطقة الريف وبرصيد بطلها الأمير محمد بن عبد الكريم. لذلك، فالكتاب يقدم ثمرة جهد كثيف وممتد في الزمن، مما يسمح بإعادة طرح قضايا متداخلة في تراكم سيرة الأمير الخطابي، وفق قراءات بديلة يمكن أن توفر المادة المرجعية الأساسية لتقييم مختلف المنعرجات التي طبعت التجربة الجهادية الثرية للأمير محمد بن عبد الكريم، في عمقها الوطني وفي امتداداتها الإقليمية والدولية الواسعة لمرحلة النصف الأول من القرن العشرين.
أصيلا في 28 يونيو 2007

مقدمة المؤلف

« إننا لا نريد أن نجعل من أنفسنا حكما على التاريخ، الذي هو مزيج من الإيجابيات والسلبيات. فالمؤرخون وحدهم المؤهلون لتقييم مساره، بكل تجرد وموضوعية، بعيدا عن الاعتبارات السياسية الظرفية.»
محمد السادس، من خطاب 6 يناير 2006

إنه عمل محفوف بالمخاطر النبيلة أن يصدر كتاب عن محمد بن عبد الكريم الخطابي بلغة تختلف عن اللغة التي حاولت دوائر مخزنية وأحزاب سياسية نشرها وترسيخها بين المغاربة، تلك اللغة التي طوعها مخترعوها لرغباتهم ولمصالحهم ولأسلوبهم في ممارسة ما أسموه "سياسة" من جهة، ومحاصرة التاريخ الوطني في دهاليز ثقافة النسيان، التي اعتاد عليها أولئك الذين حاولوا احتكار "الوطنية" وتأميم مستقبل المغرب، والتحكم في مصير أبنائه قرونا أخرى، أولئك الذين اعتادوا على التعامل مع المواطنين على أنهم مجرد رعاع ورعايا، عليهم بالسمع والطاعة من جهة أخرى.

ونرجو أن يكون، هذا الإصدار، ثمرة من ثمار العمل الذي يسعى إلى التجاوب مع إرادة المغاربة في رد الاعتبار لثقافتهم التاريخية، وترميم ثقوب ذاكرتهم الجماعية، التي أحدثتها "الاعتبارات السياسية الظرفية"، وتصحيح الاعوجاج الذي حال دون تحقيق طموحات المغاربة إلى بناء وطنهم على أسس سليمة، بإرساء قواعد الديمقراطية التي تعني بالدرجة الأولى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والرأي الآخر.

إن التاريخ ليس مجرد أحداث ووقائع استقرت في ماضينا السحيق أو القريب؛ وحتى لو كان الأمر كذلك فإن تأثيرها سيطفو على سطح سلوكنا الفردي أو الجماعي الحالي، من خلال عمل آليات الأنا الأعلى الكامن وراء كثير من أفعالنا ومواقفنا، كما أكدت ذلك الدراسات السيكولوجية المعاصرة. لكننا نقصد شيئا أكثر من ذلك، إنه، أي التاريخ، في عمقه، غير الظاهر للعيان، تكمن قوة اللحمة الاجتماعية، أو ما يسميه البعض "الجذع المشترك"، أو القواسم المشتركة للمجتمع المتعدد المشارب في ثقافته، والمختلف في اتجاهاته السياسية، غير أنه يتجه إلى تحقيق أهداف مشتركة، ضمن دولة تضمن حق المواطنة لكل الذين يحتويهم ذلك الجذع المشترك، والمنضوين تحت لواء قانون الدولة الأساسي. وفي حالة العكس سيتعرض المجتمع للضعف والهزال، وربما للتشتت والانحلال والانقراض.

وحاضر كل شعب وواقعه مرآة عاكسة لتفاعلات تاريخه، بإيجابياته وسلبياته؛ أما آفاق مستقبله فتحددها التصورات والمشاريع التي تُهيأ وتُعدّ انطلاقا من التراكم الثقافي التاريخي لصاحب أو أصحاب المشاريع؛ وهي ترمي بطريقة شعورية أو لاشعورية إلى تأكيد إيجابيات تلك التفاعلات وتعزيزها، وإلى تجنب الأخطاء والسلبيات التي حاقت بمرحلة من مراحل التاريخ. وهذا يعني أن تلك المشاريع، إذا كانت سليمة التصور والتخطيط، قوية الأساس، محكمة البناء، غير منحازة إلى أي سلطة إلا سلطة القانون، أو جهة ما، أو فئة ما، أو إثنية ما؛ ستعطينا أمة متضامنة ذات مناعة، خالية من الآفات والأمراض القاتلة، أمة منسجمة، فاعلة في الزمن، حاضرة في العالم، شريفة المقاصد والغايات. أما إذا تركت الأمور لأصحاب الأهواء، وللسياسات العرجاء، وللنعرات الهوجاء، ولسلطة القوة الخرقاء، وغابت مقاصد الوحدة الوطنية، فـ"بشّر" الوطن والأمة بسياسات التقوقع والانزواء، وبمصير الفرقة والفرقاء، وبأزمنة المحن العمياء، ومنطق التنابز والكراهية والبغضاء.

من هذا المنظور، ومن هذا الشعور المزدوج، ومن هذا الهاجس المقلق، ومن أجل الحرص على سلامة مستقبل المغرب: أمة ودولة، فكرنا واقتنعنا بضرورة القيام بمحاولة نفض بعض الغبار المتراكم على إحدى لحظات تاريخنا المعاصر الأكثر إشراقا، إنها لحظة حرب التحرير الريفية، لحظة عودة المغرب إلى التاريخ، وزمن ادْهَارْ أُوبَران وإغريبن وأنوال، وتيزي عزة وتافرسيت والشاون، وحَدْ كُورْتْ والبيبان. زمن الملحمة والمرحمة الوطنية، وزمن الانبعاث والتضحية.

وللحقيقة نسجل أن من يمتلك مثل هذه المرحمة الوطنية، وهذا الرصيد التاريخي، وهذه الجذور المغذّية لشجرة الانتماء الوطني، سيكون أمره أمرا عبثيا إذا لم يوظف هذا الرأس المال الكبير في الاتجاه الصحيح. ومن هنا شعرنا ونشعر بواجب صيانة ذاكرة الآباء والأجداد، والوفاء لتضحياتهم، وإزاحة العوائق عن الطريق المؤدي للمستقبل المشترك والأفضل لكل المغاربة. كما نشعر بضرورة عدم السير في ركاب أولئك الذين سعوا باستمرار إلى التنكر لإنجازات تلك المرحلة، وتشويه صورة الوطنيين وقائدهم الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، لا لشيء، إلا لأنهم أحبطوا خططهم وطموحاتهم غير الوطنية، وشكلوا لديهم بالتالي عقدة الشعور بالنقص في وطنيتهم، وهم الذين زعموا متباهين بالحمايات الأجنبية، معتقدين أنهم تفوقوا على مكر التاريخ، حين تسابقوا إلى طلب تلك الحمايات، والقبول بالتخلي عن السيادة الوطنية بوضع مصير بلدهم بيد الاستعمار؛ ثم اعتبروا أن ذلك هو عين الحكمة. والحكمة عندهم هي أن ينسى المغاربة أمجادهم، وأن يفقدوا ذاكرتهم، وأن يعتقدوا واهمين بأنهم يَعبُرون، من خلال مواقفهم تلك، من ضفة التخلف إلى ضفة التقدم والحداثة والديمقراطية والرقي الحضاري؛ نقول واهمين، لأن من يضيع البوصلة المرشدة إلى الشاطئ الحقيقي للتقدم، يتيه في بيداء الحسابات السياسوية والمصالح الفئوية الضيقة، وغواية السلطة، وإغراءات التفوق المزعوم في الجدارة بالريادة.
الرباط في 27 مايو 2007



_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،    الخميس مايو 17, 2018 9:14 pm

admin كتب:


الحلقة الثانية

مغرب البحث عن البطل المنقذ

تؤكد التجربة الإنسانية على الأرض أن أعظم الرجال في التاريخ أولئك الذين استطاعوا أن يدركوا وجهته ويعرفوا مقاصده، وأن يتجاوبوا مع الإشارات القادمة من زمن المجد، الجاذبة إلى المستقبل والخلود، والمعبّرة عن المخزون الشعبي للتحرر وتجاوز المحن والأزمات، ولسان حالهم يقول:

اشتدي أزمة تنفرجي ✹ قد آذن ليلك بالبلج

وكانت تلك حالة محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى حد كبير، وهي حالة لا يمكن التنبؤ بها بأي وسيلة من الوسائل العلمية وغير العلمية، لأنها من أسرار الشعوب التي لا يمكن فك رموزها وفهم مراميها حتى من قبل تلك الشعوب نفسها، أو من قبل الشخص نفسه المهيأ للقيام بدور فعال في التاريخ. فلو حدث ذلك لتم إجهاض وإبطال أي إرادة أو مشروع لتجاوز المحن والأزمات، كما يبطل مفعول أي تقرير سري اكتشفت شفرته من قبل الخصوم والأعداء. فما هي الدوافع والعوامل والظروف والمحطات الكبرى التي ساهمت في إعداد محمد بن عبد الكريم الخطابي ليستجيب لجاذبية المستقبل والخلود؟

المحطة الأولى: النشأة وظروفها

في زمن أصيب فيه المغرب الكبير بانحناءات والتواءات في مسيرته التاريخية، وأصيبت فيه شعوبنا بالكساح، في الوقت الذي طغى فيه الاستعمار بالاكتساح؛ فتسابق أهل الذوق والتذوق وأهل الباع والتموقع للاحتماء بـ« بردة » السادة الجدد، القادمين من وراء الحدود، "متشحين" برداء الارتخاء والانحناء أمام الوقائع، معتقدين أنهم نجوا بالتوقيع والترقيع؛ وفضل كل ذي أمر أن يطلب السلامة والاستسلام بلا مبرر أو تبرير، وسقط الستار عن المستور...

في ذلك الزمن الأغبر والامتحان الأكبر، كانت قرية أجذير، غير البعيدة عن مدينة الحسيمة الحالية، الواقعة في قلب قبيلة بني ورياغل الشهيرة، عبر تاريخها كرمز للجهاد وعنوانا لحماية البلاد، من غزاة متفوقين في العدد والعتاد.. في أجذير ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1882؛ حيث تربى وترعرع في كنف أسرة وقيم كانت تحث على استنهاض الهمم للحفاظ على عزة البلاد، واستعادة لحظات العدل للعباد، بإحقاق الحق وصون أمانة الأجداد.

صورة رقم 1: ما تبقى من بيت عبد الكريم، الذي كان نبراسا للوطنية المغربية في القرن العشرين. (أخذت الصورة عام 2005، وازداد ,وضعه نحو الأسوأ سنة 2018).

ولم تكن منطقة الريف بذات سعة في مصادر المعيشة والاقتصاد المنتج، وقد يكون ذلك أحد الأسباب العميقة لانخراط ساكنتها في الهجرة بحثا عن ظروف أفضل، وفي النزوع أحيانا إلى التنافر والاقتتال فيما بينهم البين، إضافة إلى إرهاقهم وإثقال كاهلهم بسياسة الإفقار، حينما فرض السلطان محمد بن عبد الرحمن ضريبة المكس، لـ« أن الفلاحين كانوا يتحملون وحدهم الضرائب، وأن البرجوازيين وصناع المدن كانوا مبدئيا ملزمين بدفع الزكاة. فقد كان هذا الإلزام دينيا محضا، فكان هؤلاء يدفعون الزكاة على شكل صدقات، فالمدن، إذن، كانت تتمتع بامتياز حقيقي» على حد تعبير جرمان عياش.

وإذا جاز لنا اختصار المشهد التاريخي الذي نشأ فيه محمد بن عبد الكريم الخطابي وترعرع، فإنه تمكن الإشارة إلى ما يلي:

كان المشهد السياسي ينم عن احتضار استقلال المغرب. وقد بدأ هذا الاحتضار منذ أن اكتشفت عورة المخزن في معركة إيسلي مع الفرنسيين سنة 1844، ومع الإسبان سنتي 1859/1860 في معركة احتلال تطوان وتداعياتها، واتفاقيتي طنجة في غشت 1844 وللامغنية الخاصة برسم الحدود مع المستعمرين للجزائر سنة 1845.

وموازاة مع ذلك ازداد نفوذ الدول الاستعمارية على السياسة المغربية بتقليص حدود الوطن، وبإرغام المخزن على توقيع عدد من المعاهدات والاتفاقات التي تقلل من سلطاته وصلاحياته، ودفع وتشجيع عدد كبير من المواطنين المغاربة، أصحاب النفوذ أو الكفاءة، على التمرد عن سلطة المخزن؛ من خلال تمكنهم من الحصول على الحمايات والجنسيات الأجنبية، وهم على أرض المغرب.

ومن ثم أصبح في المغرب سلطتان: سلطة الدولة الأجنبية وقوانينها التي لا تعترف بالمحاكم المغربية ونظام القضاء المخزني، وسلطة المخزن المنحصرة في امتصاص ما تبقى من دم في عروق ساكنة القبائل المغربية، من أجل الحفاظ على مستوى الرفاهية داخل قصور تلك السلطة، التي لم يعد لها شيء تفعله إلا الانغماس في تلبية شهواتها ورغباتها غير المحدودة، والاستجابة لأوامر الدول الأجنبية بإنزال العقاب الجماعي بقبائل معينة؛ كما حدث سنة 1898 عندما قاد البوشتى البغدادي حملة على قبيلة "بقوية" بدعوى أنها كانت تمارس القرصنة ضد السفن الأجنبية، وقد سحقت هذه القبيلة بقساوة مبالغ فيها، ولم ينج من ذلك لا أطفالها ولا نساؤها!

من جانب آخر كان المحميون والمجنسون يقومون بدور السماسرة أحيانا، وبدور الطابور الخامس للاستعمار في أكثر الأحيان. والنتيجة أن الدولة المغربية تفككت أوصالها بين أكثر من مستعمر، وضاعت هيبتها، وفقدت بالتالي مناعتها، فظهرت الفتن الداخلية؛ كفتنة بوحمارة، وثورتي الهيبة والريسوني، وتم خلع السلطان عبد العزيز وبيعة أخيه عبد الحفيظ.

استفحلت الأطماع الأجنبية، وتقوت ضغوطها، مما أدى في نهاية المطاف بالسلطان عبد الحفيظ إلى أن يوقّع على عقد الاحتلال، أو ما سمي بمعاهدة الحماية في 30 مارس 1912 ليفقد المغرب الرسمي استقلاله.

وكان المشهد الاقتصادي أسوأ من المشهد السياسي؛ لأن المخزن المغربي كان غارقا في ديون خارجية متعددة المصادر، متنوعة الشروط. فمع وصول السلطان عبد الحفيظ إلى العرش كانت ديون فرنسا على المغرب قد بلغت 163 مليون فرنك، إضافة إلى دين جديد قدمته فرنسا للسلطان عبد الحفيظ بهدف شراء أسلحة من شركة « كروزو». وكضمان لتسديد الدين الجديد حصلت فرنسا على 40% الباقية من موارد الجمارك المغربية، التي كان المخزن يحتفظ بها لتسديد نفقاته الخاصة به، بعد أن كانت قد استولت ( فرنسا) على 60 % من تلك الموارد في عهود سابقة.

وزيادة على الديون الفرنسية كانت إنجلترا قد أقرضت المخزن المغربي 800.000 جنيه إسترليني في عهد السلطان عبد العزيز؛ وغير ذلك من ديون الدول الأخرى. وبذلك أصبحت الدولة المغربية مجردة من مداخيلها المالية الخارجية بالكلية، بل أصبحت مطالبة بتسديد تلك الديون من خلال تنظيم حركات مخزنية إلى القبائل والمناطق التي لم تدخل في حماية أجنبية قصد الحصول على بغيتها من المال، وفرض مزيد من الضرائب والمكوس والقمع على تلك القلة القليلة من الفلاحين الذين أخطأتهم الحمايات الأجنبية، أو أخطأوا هم طريقهم المؤدي إلى الاحتماء بالدول الخارجية.

ولم تكن الديون الخارجية هي السبب الوحيد في تدهور الاقتصاد المغربي والوضعية المالية للمغرب بصفة خاصة؛ بل أيضا هنالك إسراف المخزن الذي دخل في نمط استهلاكي لا يتماشى ومداخيل المغرب وعاداته الاستهلاكية.

فقد وصف أحد المؤرخين ما آل إليه وضع المخزن في هذا المجال فقال: «كانت قصور السلطان تزينها توافه المدينة ومظاهر بذخها؛ من الدراجات وآلات قص الأعشاب، وآلات التصوير، وولاعات السجائر، وصناديق الموسيقى إلى المشدات والثياب الحريرية، والقبعات الباريسية المزخرفة بريش النعام للمحظيات.»

هكذا، إذن، كان الإسراف في الفساد، وغياب الشعور بالمسؤولية، والقبول بالحلول السهلة الميسرة، تمهد الطريق لإغلال الدولة المغربية. ومن جهة أخرى، كان الفقر والإفقار وتعميم البؤس على أكبر عدد من المغاربة، الوسيلة المثلى لتحقيق مآرب فرنسا، بأقل الخسائر، لاحتلال المغرب تحت عنوان: "معاهدة الحماية"؛ فقد كان كل شيء جاهزا لشوي الخرفان بعد أن تم ذبحها في غفلة من راعيها.

أما المشهد الاجتماعي والثقافي فلم يكن أقل سوادا من المشهدين السابقين؛ فقد كانت البنيات القديمة قد اهترأت أركانها وتهاوت أعمدتها بفعل قرون من الجمود والانغلاق؛ وكانت الروابط والأواصر بين المغاربة، أفرادا وجماعات، لا تتجاوز في كثير من الأحيان بعض الرسوم الخاصة بالعبادات، والطقوس الإخوانية التي استحوذت بواسطتها الطرق الصوفية على جزء من الساكنة.

وكان من النادر أن تجد شخصا غير منتسب إلى طريقة صوفية ما؛ فشعار الزمان كان يقول: « من لا شيخ له فإن الشيطان شيخه». وهكذا، استهوت الزوايا الصوفية قلوب الناس إليها بسبب ما كان يعتقد آنذاك، بقدرتها وامتلاكها لحلول سحرية لكل هموم المريدين ومشكلاتهم المتراكمة؛ منذ أن تنحى المغرب عن دوره التاريخي، فسادت ثقافة الاستسلام والقبول بالواقع والتواكل، هروبا من تحمل مسؤولية الانحطاط، والعجز عن تغيير الواقع، وإدارة الظهر للغرب والشرق معا؛ فإغلاق أبواب التمدن الغربي، من قبل المغاربة، على الرغم من الجوار الجغرافي، جعل المسافة بين المغرب وأوروبا تتسع إلى قرون.

وقد عبر عن هذه الظاهرة أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الذي عاش في طنجة ما بين 1907 و1911، بقوله: «يصل الإنسان بعد الساعتين، يقضيهما في عبور البحر الأبيض المتوسط من جبل طارق إلى طنجة من القرن العشرين إلى القرن العاشر.» ولم يكن الأمر مختلفا بالنسبة للشرق، فقد انزوى المغرب عن محيطه الإسلامي بسبب التوجس خيفة من العثمانيين الذين سيطروا على المغربين الأوسط والأدنى منذ القرن السادس عشر إلى أن حلت فرنسا محلهم ابتداء من 1830.

ولذلك لم يشترك المغرب مشاركة إيجابية فاعلة في تلك الحركة الانبعاثية التي بدأت مع محمد بن عبد الوهاب والشوكاني في القرن الثامن عشر، وتطورت بعد ذلك، في الحركة الإحيائية، مع الأفغاني وعبده، بل إن الحركة التجديدية في القرن السابع عشر بالمغرب، التي قادها علماء كبار أمثال الحسن اليوسي وابن أبي محلي، لم يكتب لها الاستمرار والإثمار حيث أُقبرت في مهدها، ولم يسمح بالانتشار إلا للطرق الصوفية الممجدة للسياسة المخزنية أو المسالمة معها.

إضافة إلى ذلك، كان هنالك غياب التواصل الإيجابي بين ساكنة المدن والأرياف. وكانت الثقافة السائدة لا تتجاوز ترديد واجترار ما وصل من الأجيال السابقة؛ وكان ذلك يرضي، حسب ما لدينا من معطيات ووقائع، رجال المخزن والعلماء على حد سواء.

فما كان يهمُّ هؤلاء وأولئك الحفاظ على الاستقرار المماثل للركود وضمان امتيازاتهم واستمرار سلطتهم، ولم يكونوا يشعرون بأي حرج في ترديد ما كان يردده قريش الرافضون لرسالة التجديد التي جاء بها الإسلام: «إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون» (الزخرف: 22). وقد حلت كلمة " السلف" محل كلمة " الآباء".

ولم يكن غريبا أن نجد العبارات التي كانت تستخدم في رفض مناهج التجديد لا تختلف في مضمونها عما جاء في قوله تعالى: « بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» ( لقمان: 21)، أي أسلافنا. والسلف، أو الآباء، الذين لهم سلطة أقوى على الحاضر هم الآباء الأقربون في الزمن؛ الزمن الذي تلا عصر الموحدين: عصر الدفع من الوراء لا عصر الانجذاب إلى الأمام، عصر الإنسان المنفعل لا عصر الإنسان الفاعل.

المحطة الثانية: واقع المغرب المحاصَر في التواءاته التاريخية

هكذا بقي المغرب على هامش التاريخ، محاصرا ملتويا على نفسه بتضافر عوامل الزمن عليه، غائبا، غير مبال بما يقع حوله من تحول وتجديد وتغيير، مستسلما للذهنية التواكلية، مستغرقا في انتظار الحلول السحرية، معتقدا بخرافات لا صلة لها بالدين ولا بواقع العالم حوله. حتى اعتقد البعض من زائريه أنه لا حل لوضعه المتردي إلا بالاستعمار.

بل إن جريدة "الحاضرة" التونسية كانت قد كتبت، في 19 يناير 1897، عن حركية مدينة تونس وتفتحها على متغيرات العالم الخارجي، مقارنة إياها بمدينة فاس، التي وصفتها بأنها «مدينة مغلقة أبوابها نحو التمدن الأورباوي. فلا مطمح حينئذ في تخريج أناس من هناك ذوي مدارك واسعة للجمع بين التمدن وإخراج أصول مشتركة منها.»

ونعتقد أن محمد بن عبد الكريم الخطابي قد عاين بدوره بعض هذه الأوضاع بكثير من المرارة وخيبة الأمل في مدينة فاس، عاصمة المُلك والعلم، التي قصدها لمتابعة دراسته العالية، ثم مبعوثا من والده إلى السلطان عبد العزيز، حيث اكتشف أن حالها لا يختلف كثيرا عن قريته أجذير حيث تابع دراسته الأولية، ولا عن مدينة تطوان التي تابع فيها دراسته الثانوية.

كانت مؤسسة القرويين تنوء تحت أحمال قرون من "علوم" الحواشي، وحواشي الحواشي؛ أما علماؤها فكانوا «من مطبخ السلطان يأكلون... وخارج التاريخ يسكنون.» وكان علم أكثرهم شبيها بعلم آلهة الآشوريين الذي لا يتجدد ولا ينعدم، ولكنه ينحصر في تصريف فعل أكل يأكل أكلا. غير أن الخطابي يذكر بفخر كبير تتلمذه لعلماء أجلاء في القرويين؛ أمثال الشيخ محمد عبد الكبير الكتاني الذي استشهد لاحقا بسبب إخلاصه لمبادئه ومواقفه الوطنية، ورفضه لتدخل الأجانب والاستعمار في المغرب، واعتراضه على عدم التزام السلطان عبد الحفيظ بعقد بيعته، وأمثال العالمين الكَنونين: عبد الصمد ومحمد، اللذين بقيا والخطابي في تواصل، حتى بعدما غادرا فاس، عقب فرض الحماية عليها، واختارا مدينة طنجة مستقرا لهما، وكانا قد نويا الهجرة إلى الحجاز، وغيرهم من العلماء الذين كانوا يتمتعون بشعور وطني يرفض عقد الاحتلال/الحماية.

ولخّص الخطابي الأوضاع في عاصمة الشمال، تطوان، والعاصمة المركزية، فاس؛ فقد كانت تطوان فاقدة قواها خائرة ترزح تحت « الولاء المزدوج والتخاذل والانحلال»، وكانت فاس تسودها الدسائس و«الأوضاع الفاسدة والفوضى السائدة».

وقد تقاسمت المدينتان «الاستسلام للقضاء والقدر». فماذا كان موقف الخطابي؟ هل استسلم هو كذلك للقضاء والقدر، وقبل الانخراط في التراتبية المغلقة للحياة في بلده، أم تراه كان يرفض سكينة القبور بإثارة مشاعره بالأمواج المتلاطمة التي كان يشاهدها بأم عينيه على أسوار جزيرة النكور من منزل والده بأجذير؟

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،    السبت مايو 19, 2018 12:52 am

admin كتب:
admin كتب:


الحلقة الثالثة

الحلقة

سلاح عبد الكريم ورفاقه هو إيمانهم بالحرية والكرامة

بعد أن تبادلت فرنسا وإسبانيا وألمانيا الاتهامات بتقديم السلاح لحركة التحرر في الريف، جاء دور اتهام بريطانيا بالتهمة نفسها من قبل الفرنسيين. فقد ذكر "بيير فونتين" في كتابه "الظاهرة الريفية العجيبة" أن المخابرات البريطانية «كانت تدعم عبد الكريم الخطابي». هذا في الوقت الذي أكدت فيه كتابات إسبانية، سبقت الإشارة إليها أعلاه، أن إسبانيا الولهانة إلى استرجاع مجدها الاستعماري، رضيت أن تقوم بدور كلب الحراسة لدى الإمبريالية البريطانية.

وإذا كان توزيع هذه الاتهامات بين الدول الأوروبية الاستعمارية يعبر عن تناقض المصالح فيما بينها، ويحاول تزوير التاريخ، ويرمي في الوقت نفسه إلى إخفاء الجروح العميقة التي ألحقت بالكبرياء الاستعماري من جراء الهزيمة التي ستشتهر في التاريخ بهزيمة " أنوال" على يد حفنة من المغاربة الريفيين البسطاء، وبقيادة رجل ريفي من أيث وايغر، (بني ورياغل) لم يمارس في حياته سوى مهنة الكتابة والقضاء، ولم يسبق له أن درس في كلية حربية، ولم يكن له أي زاد إلا زاد الإيمان بحقه وحق الشعب المغربي في أن يعيش حرا فوق أرض حرة، فإن ما يثير السخف حقا أن يردد بعض الكتاب ورجال السياسة والوطنية المغاربة، في كتاباتهم ومذكراتهم، الروايات الفرنسية التي تزعم أن عبد الكريم كان يخدم المصالح الألمانية وأنه كان يتلقى مساعداتها، دون أن يسأل هؤلاء الذين خدعهم ولاؤهم المطلق لفرنسا أنفسهم: كيف يمكن لألمانيا أن تسلح إسبانيا بالغازات السامة لتقضي بها على الذي يفترض أنه يدافع عن مصالحها في المغرب؟!

ويحلو للبعض أن يستدل على العلاقة الألمانية- الريفية بعلاقة «مجموعة الإخوة مانسمان» مع القاضي عبد الكريم وولده محمد! وينسى هؤلاء، أو يتجاهلون، أن هذه المجموعة التي كانت تريد التنقيب عن المعادن في منطقة الريف؛ كانت قد حصلت «على 2027 ترخيصا للتنقيب عن المعادن واستغلالها في مجوع التراب المغربي» من قبل السلطان.

انتصار أنوال ومليلة المنهارة، وقرار الخطابي

وإذا تركنا لحكم التاريخ إظهار حقيقة تلك الاتهامات وإبراز حيثياتها، نتساءل عن جريان الأحداث بين المغاربة المنتصرين في مثلث إغريبن وادهار أوبرَان وأنوال، (مثلث التحرر) والإسبان المنهزمين، وبخاصة في مدينة مليلة التي فقدت حصانتها الدفاعية. وعن موقف عبد الكريم من مسألة استردادها بعد أن وصل المجاهدون إلى أبوابها؟

سنحاول التعرف، ولو بعجالة، على الجو النفسي العام الذي ساد المدينة، بعد أن تأكد سكانها الإسبان بأن جيش إسبانيا المتجه لفتح بني ورياغل قد أبيد عن آخره. وتفيد التقارير التي كتبت في تلك اللحظات بأن «الرعب كان يسيطر على المدينة، وكان دخول عبد الكريم منتظرا من حين لآخر»، وكتب شاهد عيان ما يلي: « في صباح 23 يوليوز 1921، وأثناء إقامة القداس الديني المعتاد في كنيسة القلب المقدس للمسيح، كان الخوف والهلع يسكنان القلوب، وما أن جرت شائعة تقول: إن المغاربة يزحفون نحو المدينة، وإنهم يستعدون للدخول إليها، وتحولت الإشاعة إلى خبر انتشر في كل أرجاء المدينة، كما تنتشر النار في الهشيم، وجرى الناس في الأزقة طائشين قاصدين ملجأ القلعة القديمة، هاجمين على ثكنات الجيش للاحتماء بها، وكنت ترى أمواجا من البشر يهربون ويصرخون في الشوارع، وكأن المغاربة قد دخلوا المدينة فعلا، وفي غمرة هبوط همة السكان كانت هنالك مشاهد فضيعة.»

أما فرانكو فقد سجل في مذكراته التي سماها "يوميات سرية" ما يلي: «لم يتبق من القيادة العامة لمليلة أي شيء، فالجيش مهزوم، والمدينة مفتوحة وطائشة وحبيسة الرعب.»

هذه هي مليلة، إذن، وهذا هو حال سكانها الإسبان، ولم يكن حال سكانها المغاربة بأحسن حال. فقد رأى الكثير من الإسبان، وفي مقدمتهم زوجة الجنرال "نافارو" الأسير عند الخطابي، «أن يعدم السكان المغاربة، الموجودون داخل المدينة، رميا بالرصاص.» فماذا كان موقف المنتصرين والخطابي من أمر مليلة؟

كان سكان مليلة يعيشون هلعهم إذن، وكان المجاهدون ينتظرون قدوم الخطابي لاتخاذ القرار الملائم، بعد أن يفرغ من دفن آلاف الجثث الإسبانية، ومن جمع السلاح وكل العتاد الحربي واللوجستيكي الذي أفاضت به معركة أنوال وتداعياتها، وتعيين المسؤولين المسيرين للمرحلة الجديدة، ومن وضع وتحديد منهجية التعامل مع الأسرى.. وبعد إتمام تلك المهام المستعجلة، التحق بالمجاهدين المحاصرين للمدينة «وأصغى طوال يوم كامل إلى القادة وأعضاء المجالس، وكل منهم يطرح ويؤيد هذا القرار أو ذاك، حتى إذا قال الجميع كلمتهم نهض عبد الكريم ليتكلم ويصدر أمره بكل هدوء، وهو يتوقع أن يطاع». وكان هذا الأمر باختصار: «لا يدخل المجاهدون مدينة مليلة»، ثم وضح أسباب ذلك بقوله: «إن رجالنا مفتقرون، حتى الآن إلى الانضباط، وسوف يقضون على المدنيين.» ثم أضاف: «مهما يكن من أمر فليست تلك طريقتي في خوض الحرب.»

لم يدخل عبد الكريم، إذن، مدينة مليلة، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي مانع مادي من دخولها بسهولة تامة. فهل كان الرجل يجهل حقيقة الأوضاع الدفاعية للمدينة؟ قد لا تكون الحقيقة كذلك؛ بالنظر إلى معرفة عبد الكريم الشخصية بدقائق مدينة مليلة، وبغياب القدرات والوسائل الفعلية للدفاع عنها في حالة تم استرجاعها. خاصة أن المغرب انسحب منذ الموحدين من البحر. إضافة إلى المعلومات التي يكون قد حصل عليها من الأسرى الإسبان، والأصداء التي تجمعت عند المجاهدين الذين كانوا يراقبون المدينة عن كثب عند أبوابها البرية.

علق كثير من المؤرخين مقيّمين ذلك القرار، وربما رأوا فيه أنه كان وراء خسارته الحرب؛ والخطابي نفسه يعترف بذلك «لأنه وفر للإسبان رأس جسر استطاعوا انطلاقا منه أن يجتاحوا الريف، لكنه لم يندم قط على قراره»، وكان سعيدا برفاقه الذين نفذوا القرار على الوجه الأكمل.

ويجدر بنا أن نذكر أن حالة الخطابي في أمر مليلة لم تكن حالة فريدة أو استثنائية، في تاريخ شمال إفريقيا. فيوسف بن تاشفين، أمير دولة المرابطين، لم يلب دعوة الأندلسيين لاستضافة جيشه في مدنهم والاحتفاء به على إثر انتصارهم في معركة "زلاقة" الشهيرة. وقبله بقرون، لم يسمح حنا بعل لجنوده من دخول روما. وعند التمعن في الأسباب جميعها نجد أنها ذات صلة وثيقة بالحفاظ على العمران البشري، ومنع قتل العزل من الناس، باعتبار ذلك مخالفا للقيم الحضارية. ونستحضر بهذه المناسبة حادثة رواها المفكر الفرنسي رجاء غارودي ∗ في كتابه "من أجل حوار الحضارات"، حيث ذكر أنه أثناء اعتقاله في معسكر بناحية الجلفة بالجزائر سنة 1942، بسبب مشاركته في المقاومة ضد الاحتلال النازي لبلده فرنسا، قرر ورفاقه أن يعدوا استقبالا واحتفالا رمزيا لرفيق لهم سينقل إلى معسكرهم بعد أن ألقي القبض عليه. لكن قائد المعسكر توعدهم بأن أي مظاهرة من هذا النوع ستقابل بإطلاق النار عليهم، وأصدر أوامره إلى سرجان جزائري بتنفيذ ذلك التهديد. غير أن السرجان الجزائري لم يطلق النار على أولئك الذين استقبلوا الوافد الجديد بمظاهر احتفائية وبشعارات معادية للنازية وحكومة فيشي؛ فتعرض الجندي الجزائري من جراء ذلك للسجن وتجريده من رتبته العسكرية.

فبقي غارودي ورفاقه مندهشين مستغربين سلوكه؛ ولم تزل دهشتهم واستغرابهم حتى تم تحرير الجميع، بُعَيد سيطرة قوات الحلفاء على الجزائر، فتوجهوا إليه عساهم معرفة السر الذي أقلقهم، والذي بفضله بقوا على قيد الحياة، فأفادهم الجندي «بأن الأمر بسيط؛ فنحن معشر المسلمين سكان الصحراء لا نقتل العزل من السلاح لأن عقيدتنا لا تخول لنا ذلك.»

هكذا تتناسخ القيم وتتواصل في التاريخ. وتلكم كانت السمات الأولى لقيادة عبد الكريم الخطابي: إنها العمل بالإيمان بالتحرر والعدالة والكرامة، والمثابرة من أجل نشر ثقافة التآخي، بدل الضغائن والممارسات الانتقامية والثأرية، وتوسيع قاعدة التحالف (اللف) عوض الفرقة والانقسام؛ إنها الاستعمال الحكيم للإمكانات المتوافرة، بل هي استجابة لإرادة البقاء التي هي أقوى من أي سلاح، وتنفيذ لمبدأ القيام بالواجب نحو الوطن من أجل العيش في حرية بين شعب حر وفوق أرض حرة.

بين قيم الاستعمار وقيم الحرية والعدالة

ومن يكتشف ركائز قيادة الخطابي بين ركام ثقافة النسيان المغربية، يدرك عمق القيم التي كان الرجل يُجسّدها، ويستطيع أن يفهم لماذا عامل الأسرى بالاحترام؟ ولم يفكر أبدا في معاملتهم بنفس الطريقة التي كانت إسبانيا تعامل بها الأسرى المغاربة، أي المعاملة بالمثل؟، ويستخلص العبرة من عدم الموافقة على دخول قواته مدينة مليلة، أو تازة وفاس لاحقا؛ فلو فعل، ربما حقق له ذلك انتصارا عسكريا، ولكن بالتأكيد كان سيمثل له انتكاسة أخلاقية.

إن الانتصار بالنسبة لأصحاب القيم يعني الحرية والتحرر. ولا يمكن للإنسان أن يتحرر باستعباد الآخرين وحرمانهم من حقوقهم في العيش بكرامة، ولا معنى للحرية في غياب العدل، وهما توأمان. وقد أوجز دافيد هارت قيادة الخطابي قائلا: «لكنه لم ينس أبدا أنه كان قاضيا»، وإلى مثل هذا ذهب " وارد برايس"، مراسل جريدة " الدايلي ميل"، الذي زار الريف سنة 1924، حين كتب يقول: « لقد سمعت أن الإسبانيين عزوا إلى زعيم الريف أعمالا تتصف بالقسوة والوحشية، لكن شيئا في مظهره أو تصرفاته لم يكن يومئ بأي استعداد همجي عنده، كان الانطباع الذي يعطيه بالأحرى انطباع البديهة الحاضرة، وكان في تصرفه الهادئ، البعيد عن الادعاء والتكلف، الشيء الكثير من الثقة بالذات». وقد أورد هذه الانطباعات وهو يسجل للخطابي تصريحه لجريدة "دايلي ميل" الذي افتتحه بقوله: «إننا سيئو العدة بالمقارنة مع الإسبانيين، لكن قوتنا الأخلاقية تعدل الفارق في السلاح، ومع ذلك فإننا لا نريد الحرب».

ولخص مراسل "دايلي ميل" لقرائه وللرأي العام البريطاني، أن أحد أهدافه من المقابلتين الصحافيتين اللتين أعدهما بعد إقامته بين المجاهدين الوطنيين في الريف، ومقابلته الخطابي هي تدمير «الأوهام الأكثر رومانتيكية عند الرأي العام البريطاني. فقد ظل الروائيون طوال سنوات يحصلون الثروات من وراء هذا الوهم الذي ينتشر إحساسه الزائف عبر ما يكفي من الأفلام السينمائية: أي خديعة الشيخ، هذا الشخص القاسي، المتهور، العاشق، العنيف الإغراء، الأنيق اللباس، الواثق من نفسه، المتصف بالرجولة، الزائف والوهمي بكليته، الذي يختطف فتاة إنجليزية جميلة، متكبرة، ذكية، على جواد أصيل حاملا إياها إلى خيمة تغص بالبسط الحريرية والأشربة المحلاة، ويكسب هناك حبها رغما عنها، بجلدها المرة تلو المرة بسوط ذي قبضة ذهبية مرصعة.»

وفي الجهة المقابلة كان القادة الإسبان يتصرفون بأساليب الاستعلاء والاحتقار ضد المغاربة وجنودهم، على حد سواء؛ فالجنرال سلفستري، الذي كلفه الملك ألفونصو الثالث عشر بتحطيم المأزق المغربي، كان «سريع الثأر ومتهورا إلى درجة الجنون... يزدري أهل الريف، يسميهم جنود التنورة، وتعهد بأن يقصم ظهورهم قبل أن يتمكنوا من تعبئة أنفسهم»، كما أنه لم يكن يقيم أي وزن للقادة الإسبان الآخرين. ويؤكد أحد العارفين بخبايا القيادة العسكرية الإسبانية، آنذاك، «أن معظم الضباط يبعثون على النفور». أما قائد «التريسيو»( اللفيف الأجنبي)، «فكان رجلا مهووسا، ساديا، يتلذذ بتعذيب رجاله، مجنونا شغوفا بالقتل». ولا تزال صور التمثيل برؤوس الشهداء المغاربة، من قبل جنود وأشخاص إسبانيين، تثير التقزز والاشمئزاز في النفوس، لكنها تؤكد "قيم" الاستعمار، منذ عهد روما إلى عهد بوش.

ويؤكد الصحافي الأمريكي نزعة القتل، غير المبررة، عند الإسبان حين يستحضر ما جرى أثناء مرافقته للجيش الإسباني، وهو ينسحب من مدينة الشاون سنة 1924؛ فقد كان قائد المدفعية يمطر القرى الآمنة بقنابل مدفعية ببرودة دم، وعندما سأله لماذا يفعل ذلك؟ أجابه بأنه شيء جميل أن يرى «القنابل تصطاد القرويين عند الغروب وهم وهم راكعون للصلاة"

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في السبت مايو 19, 2018 10:10 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة الرابعة   السبت مايو 19, 2018 10:10 pm

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:




الحلقة الحلقة الرابعة

الحلقة الرابعة

عبد الكريم .. والعمل على تجاوز زمن "ليس في الإمكان"

مما لا شك فيه أن الخطابي كان يتساءل عن إمكان وجود أزمنة أخرى غير زمن تطوان وفاس، الخاضعتين لمنطق: «ليس في الإمكان أبدع مما كان». أهو منطق واقع المغرب المعيش والمعشش؟ حكمة، أم عقيدة كل المتواكلين العاجزين عن تغيير أنفسهم في هذا الوجود؟

ما يدلنا على مثل هذه التساؤلات والانشغالات، هو قرار محمد بن عبد الكريم بإذن من والده التوجهه إلى مدينة مليلة، بصفتها نافذة على زمن حضاري آخر، بدل أن يستقر في بلدته ويتزوج ليؤسس أسرة كباقي أقرانه؛ خاصة وأن سنه كان قد تجاوز 24 سنة.

في مدينة مليلة مارس مهنة تدريس اللغة العربية واللغة الريفية للضباط الإسبان، وقام بمهام المترجم في مصلحة الاستخبارات الإسبانية، كما كان محررا في جريدة «تلغرامة الريف»، ومشرفا على القسم العربي، ومعلما مشرفا على المدرسة العربية – الإسبانية المخصصة لأبناء المسلمين في المدينة، قبل أن يصبح قاضيا، ثم قاضي قضاة لشؤون المسلمين، وهي مهام، كما نعتقد، تخول للمرء تكوين رؤية جديدة مغايرة لما تكوّن في زمن تطوان وفاس، حفزته أن ينتقل في الاتجاه المعاكس لانتقال ذلك الديبلوماسي الأمريكي من جبل طارق إلى طنجة، المشار إليه أعلاه؛ كما ساعده زمنه الجديد على معرفة الأهداف الاستعمارية الحقيقية التي كانت ولا تزال، تحاول الاختفاء وراء شعارات التمدن والتقدم الحضاريين.

وبعد تفحص وتمعن مرحلة مليلة، نستطيع القول: إن الخطابي بقدر ما كان مناهضا ومعاديا للاستعمار وإيديولوجيته القائمة على احتقار الآخر، وإلغاء دوره في التاريخ، بقدر ما كان متشبثا بمزايا التعاون بين الشعوب في ظل الكرامة والحرية، متمسكا بطلب أسباب الحضارة حيثما كانت، بصفتها قيما إنسانية مشتركة. وهذا ما لم يخفه عن الإسبان عندما كان يعبر عن ذلك في دروسه، أو في مقالاته الصحفية التي نشرها ما بين 1907 و 1915 في جريدة " تلغرامة الريف"، أو عندما بقي ثابتا على مواقفه وقناعاته، حتى بعد انهيار العلاقة مع إسبانيا وإعلان القطيعة النهائية معها؛ فقد أشارت إحدى رسائله الموجهة للمسؤولين الإسبان في فبراير سنة 1919، ردا على طلب إسبانيا التراجع عن مواقفه نحوها إلى الأمرين السابقين بوضوح. ففي موضوع الانتصار للقيم الحضارية، بغض النظر عن مرجعيتها، قالت الرسالة: « سنكون دائما من أنصار الرسالة الحضارية التي تضطلع بها إسبانيا، وهذا ما تعرفونه حق المعرفة.» وفي موضوع النزعة الاستعمارية المنافية للتحضر والحضارة، التي أدت إلى إحداث القطيعة بعودة محمد من مليلة وامحمد من إسبانيا، حيث كان يدرس الهندسة، بصفة نهائية، ركزت الرسالة على ما يلي: «إن مبادرتنا ليست نزوة من النزوات، بل هي مرتبطة بمشكلة درسناها بعناية بالغة، اللهم إلا إذا قامت إسبانيا بتصحيح سياستها في هذه المنطقة.»

مما لا شك فيه أن تنشئة محمد بن عبد الكريم الخطابي تضافرت فيها أزمنة ثقافية وبيئات متباينة: زمن وبيئة بني ورياغل المتحفزين على الدوام، والمستعدين للجهاد؛ باعتبارهما جزءا من ثقافة شاطئ المتوسط المغربي المقاوِمة للغزاة القادمين من الضفة الأخرى، والمتجذرة في أعماق التاريخ حماية لبيضة الإسلام وذودا عن الوطن، ولكنها في الوقت نفسه بيئة اجتماعية- ثقافية تنزع إلى الطابع الانقسامي، الذي أشبعه الأنثروبولوجيون والمستشرقون درسا وتحليلا وتقييما، وإن لم يتفقوا حول الأسباب الكامنة وراء ذلك، فإنهم اعتقدوا أن الخروج من الوضعية التي كانت تسمى«الريفوبليك» (التناحر والحروب الثأرية بين سكان منطقة الريف) كان صعب المنال إن لم يكن مستحيلا، وبيئة تطوان وفاس التي كانت تمثل الصورة القصوى للمرحلة الثالثة من الدورة الخلدونية، أو ما سيسميه مالك بن نبي لاحقا بالمرحلة الغريزية المؤسسة لمرحلة «قابلية الاستعمار»، التي تتميز، حسب أحد المؤرخين المختصين في تاريخ المغرب المعاصر بـ « فترة إسراف لا حد له، واستدانة وطيش، فترة كانت أقرب إلى مسرحية هزلية(...) وقد كان ثمة سيل مستمر من الباعة والمغامرين والمحتالين.»

وإذا كانت هذه البيئة وهذه الحالة تعنيان شيئا محددا فإنهما تعنيان بالتأكيد أن كل شيء كان مدفوعا لكي تنجز الخطوة المؤدية إلى الهاوية، وأن المسؤولين المخزنيين والمدنيين وجل علماء الدين كان سعيهم الأكبر هو اللهث وراء الاحتفاظ بامتيازاتهم ومواقعهم في السلطة القادمة مع المحتلين، مهما يكن ثمن ذلك، والتملص بكل الوسائل من المسؤولية الملقاة على عاتقهم نحو وطنهم وشعبهم ودينهم. وفي المقابل كانت بيئة وثقافة مليلة تقدم في جانبها الإيجابي والحضاري الصورة المغايرة للزمن التطواني - الفاسي. أما جانبها السلبي فكان يكشر عن أنياب ثقافة الاستعلاء وأساليب المكر. أو كما قال الشاعر:

« يبدي لك من طرف اللسان حلاوة ✹ ويروغ منك كما يروغ الثعلب»

والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا، والحال هذه، هو كيف استطاع الخطابي أن يتعامل مع تلك البيئات والثقافات، ويفارق بعضها في غير أسف أو أسى. ويتمثل بعضها الآخر متخذا منها الوسائل المساعدة على إحداث القطيعة مع الزمن التطواني- الفاسي؟

في الواقع يمكن رصد ثلاثة مناهج ومسالك للإجابة والتعامل مع هذا التساؤل:

أولها: رفض وإبعاد منهج الدفع من الوراء، الذي لا يتضمن لا فعل الاستجابة ولا قدرة الانجذاب إلى الأمام، ذلك المنهج الخالي من كل إرادة لصاحبها الذي يتحول إلى كائن غريزي تسيره رغباته كيفما اتفق.

ثانيها: محاولة التعايش مع المنهج المساير للوقائع، من أجل معرفة الأسباب والمسببات، ومعرفة تأثيراتها الإيجابية والسلبية على التحولات السياسية والاقتصادية وعلى العلاقات الدولية.

وثالثها: الانخراط في منهج الاستيعاب والفهم والتجاوز، وهو منهج يوفر القدرة على التجاوب مع زمن صناعة المجد، والانجذاب نحو المستقبل، مستلهما الروح الإنسانية المبدعة الخلاقة الرافضة لثقافة الانحناء والاستسلام أو انتظار الحلول السحرية، أو حدوث المعجزات، ملبيا نداء التاريخ ومنخرطا في روحه الحيوية وفقا لقوله تعالى: « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.» ( الرعد، 13)

هذا هو المناخ، وهذه هي الظروف التي نشأ فيها الخطابي وتكونت فيه شخصيته. فكيف تحول الخطابي من شخص باحث عن معرفة أسباب الانتكاس والانهيار إلى قائد رافض للمصير بتجديد المسير والوقوف ضد التيار؟

في مواجهة الأحداث

أشرنا أعلاه إلى العودة النهائية لمحمد بن عبد الكريم الخطابي من مليلة وأخيه امحمد من إسبانيا حيث كان يدرس هندسة المناجم، إلى أجدير أوائل سنة 1919، لأن والدهما اقتنع، بما لا يدع مجالا للشك، أن إسبانيا الجريحة والمحطمة نفسيا بفقدان آخر مستعمراتها في أمريكا الجنوبية سنة 1899، وفي الفيليبين قبل ذلك سنة 1898، والأسيرة لوصية إيزابيلا الكاثوليكية، لم تكن تستطيع أن تحذو حذو سياسة التعاون بين الشعوب وتبادل المنافع والمساعدة على التقدم الحضاري، ليس بسبب افتقارها إلى ذلك فقط، كما قال المؤرخ الإسباني ميكل مارتين، بل كانت تسعى بكل ما أوتيت من بقايا النزعة الاستعمارية لديها، إلى تجاوز هزائمها ورد الاعتبار لهيبتها المفقودة، مدعمة بالاتفاقية الفرنسية الإسبانية لسنة 1904 والمؤيدة بمعاهدة الحماية لسنة 1912، والمدفوعة من بريطانيا بقصد تحويلها إلى «كلب حراسة للإمبريالية البريطانية»، على حد تعبير هذا المؤرخ الإسباني.

ولم تكن ألمانيا لتتخلف عن تقديم كل أنواع المساعدة لإسبانيا، على عكس ما روجت له الدعاية الفرنسية، والتي رددها بعض الساسة المغاربة في أقوالهم وطروحاتهم الحديثة. والأمر لا يتعلق بمنح إسبانيا سلاح الغازات السامة الذي سنتناوله لاحقا، بل نسجل ما ذكره مؤلف كتاب " الغازات السامة بالمغرب "، من أن « مشاعر الحقد الدفين تجاه كل ما يمت للمغاربة بصلة... تعود إلى نهاية الحرب العالمية الأولى على الأقل، عندما نقلت باريس وحدات عسكرية من المغرب... إلى بلاد الراين المحتلة... وارتبطت شرور الاحتلال في الوعي الألماني بوجود المغاربة هناك»؛ فقد حصلت إسبانيا على كل ما رغبت فيه من ألمانيا، وكذّبت رسميا ما أشيع عن مساعدة محتملة من ألمانيا إلى الخطابي. ولذلك كانت ألمانيا إلى جانب إسبانيا. ومن ثم فإن قناعة عبد الكريم، الوالد، بأن إسبانيا لا تريد السلام ولا تريد التعاون، خاصة وهي مسندة بالقوى الاستعمارية، اقتضت أن يسند القيادة إلى ابنه محمد الذي اكتمل وعيه بحقيقة الاستعمار وخطره على المغرب، وتوافرت فيه شروط القيادة بأبعادها الشخصية والتكوينية والإستراتيجية؛ ومنذ أن حل بأجدير، في عودته النهائية من مليلة، نراه برفقة والده حيثما حل وارتحل إلـى الأسواق والقبائل داعيا إلى الوئام بين القبائل والتخلي عن قانون الثأر، والاستمساك بشريعة الإسلام، طالبا إسبانيا بالسلام بين الشعبين، ومحرضا المواطنين للدفاع عن حريتهم وكرامتهم عند اللزوم. وبعد وفاة والده الغامضة في " تَفَرسيت" في شهر غشت 1920 عند خطوط التماس مع العدو، كان من البديهي أن يتولى القيادة، وأن ينتقل من مرحلة الإعداد إلى مرحلة العمل؛ فهو الخبير بالعقلية الاستعمارية الإسبانية، والمطلع على الأساليب المستعملة في ذلك، وبالجموح المتغطرس للقيادة العسكرية نحو استعمال القوة؛ لكنه كان يعرف أن جنود الإسبان الفقراء البؤساء كانت دوافعهم إلى الحرب لا تستجيب لجموح قادتهم؛ وبخاصة الجنرال "سلفستري"، قائد الجيش في الجبهة الشرقية.

ومع ذلك، فإن الخطابي أصبح، منذئذ، في سباق مع الزمن على ثلاث جبهات:

جبهة التآخي بين القبائل وإيجاد التحالفات الضرورية، ليس فقط بين فخذات قبيلة بني ورياغل، وإنما بين مجموع القبائل في الريف. ولم يكن الأمر هينا بالنظر إلى البيئة الاجتماعية والثقافية للمنطقة، وبالنظر أيضا إلى سياسة الاستمالات والإغراءات المختلفة التي مارستها إسبانيا، وفقا للقاعدة الاستعمارية الشهيرة «فرق تسد». لكن الإصرار على الوصول إلى الهدف والمثابرة والصبر والإلحاح الدائم من أجل تجاوز الخلافات؛ كل ذلك أدى إلى تحقيق النجاح الأول بعقد مؤتمر فخذات قبائل بني ورياغل في إمزورن بتاريخ 20 شتنبر 1920 الذي نتجت عنه معاهدة الصلح والعهد بالتصدي للإسبان.

جبهة نبذ شريعة الثأر التي جعلت سكان الريف يمارسون الانتحار الجماعي بدون تردد، كما جعلت حياتهم تغوص في فوضى، وفي انعدام الأمن والاطمئنان، مما جعل القوى الاستعماريـة تجد مبررات لاحتلال المنطقة. وكان ربح هذا السباق لا يقل أهمية من معركة توحيد القبائل؛ إذ لا معنى لذلك التوحيد والتآخي بدون نظام قضائي يضمن حقوق الإنسان ويطمئن إليه الجميع. وهذا ما تم فعلا بتأسيس محكمة الشعب، التي ستعرف بمحكمة «المزمة»، والتي اهتمت في الأساس بتمتيع المتهم بكامل حقوق المحاكمة العادلة، واعتبرت الثأر الشخصي أو القبلي عملا إجراميا يعرض صاحبه للمتابعة القضائية، وتم تطبيق ذلك فعلا على أرض الواقع على كل من ثبت ضده أنه لم يلتزم بقوانين المحكمة.

جبهة إيقاف الزحف الإسباني من مليلة نحو الريف الأوسط؛ خاصة بعد أن تم احتلال مدينة "الشاون"، الواقعة في الريف الغربي، سنة 1920، بدون أي مقاومة تذكر. ولذلك كان لابد من العمل والإسراع في تحقيق التحالف مع قبيلتي "تمسامان" و"بني توزين" المتميزتين بموقعهما الإستراتيجي على مشارف بني ورياغل من الناحية الشرقية. ولم يكن شغف الجنرال سلفستري قائد القوات الإسبانية الشرقية أقل من شغف قائد جيش بوحمارة قبل ذلك بـ 13 سنة لاحتلال بني ورياغل، لكي تتلاقى مع القوات الأخرى التي وصلت مدينة الشاون. وكان الخطابي يستلهم خطة والده ورفاقه، التي ألحقت الهزيمة النهائية بجيش الروغي بوحمارة سنة 1908، وحيث إن الظروف اختلفت باختلاف الخصم وعدده وعتاده، فإن الخطابي قرر نقل مركز القيادة إلى " القامث" بجبال تمسامان المقابلة للمراكز المحتلة من قبل العدو، على الرغم من وجود بعض الأعيان الموالين للإسبان هناك.

وحققت تلك السباقات نجاحا كاملا في بعضها، كالتخلي عن العادات الثأرية، والقبول بالأحكام الشرعية، وحققت نجاحا جزئيا في المجالات الأخرى؛ لأن تراكم المشكلات وتوجس الناس خيفة من بعضهم البعض، وحاجتهم إلى الاقتناع بصدق النوايا، والانتقال من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل، ومن حالة التطرف في الآراء والتشرذم إلى حالة ممارسة ثقافة التعاقد، لم يكن أمرا يسيرا على النفوس، ولا هينا على الجماعات والأفراد، الذين ألفوا عدم الانصياع للقانون.

القرار الاستعماري لغزو الريف

الهجــوم الإسباني

النصر منبعه الإيمان وحسن التدبير

وتشاء أحداث التاريخ أن تستجيب لإرادة الشعب نحو وطنه، وإرادة الشعب من إرادة الله؛ ففي خلال شهر واحد وعشرين يوما يتم تحطيم الرقم القياسي في كسب كل السباقات بإتمام البرهنة على أن النية صادقة، وأن الهدف واضح، وأن العمل ميزان الأقوال. فما بين 1 يونيو و21 يوليوز 1921، حدث أمر لم يصدقه لا العدو ولا الصديق، لكنه وقع فعلا فوق أرض الريف في جبال تمسامان، ألا وهو انهيار جيش إسباني ضخم يتجاوز تعداده 20 ألف جندي بكامل عدته الحديثة بين مثلث لم يكن أحد يذكره لا في الجغرافيا ولا في التاريخ؛ إنه مثلث «إغريبن وادهار أوبران وأنوال»، الذي أصبح أشهر من نار على علم، بل أصبح رمزا لعزة المغرب وشرفا للمغاربة. وقد حدث ذلك الانهيار الذي فقدت فيه إسبانيا 950 ضابطا و20300 جندي، بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، بمجموعة من المجاهدين تقدر في أبلغ المبالغات بـ 5000 شخص. وتقول تقديرات محمد سلام أمزيان بـ 125 مجاهدا. أما البوعياشي فيقدر عدد المجاهدين بحوالي 700 مجاهد. في حين أكد فورنو أن الريفيين قاتلوا الغزاة «بنسبة رجل واحد لكل ثلاثين رجلا»، ثم يوضح لاحقا أن عدد قوات عبد الكريم عند بداية معركة أنوال كانت تتراوح بين 500 و600 رجل.

عبد الكريم وانتصار أنوال

إن الأمر المؤكد هو أن انتصار المجاهدين، بقيادة الخطابي، اعتبر في الريف يوم عيد عظيم ليس له مثيل في تاريخهم، جسّد وحدتهم وتآخيهم بالتحاق جميع القبائل بصفوف الجاهدين؛ فقد تأكدت النية وصدقت العزيمة وتبين الرشد من الغي، وأصبح ادهار أوبران وإغريبن وأنوال معلمة ثقافية شعبية تغنت بها الفتيات، وخُلّدت في الأشعار المتداولة إلى اليوم. أما في أوروبا فلم يكن تصديق ما حدث أمرا هينا على النفوس أو يسيرا على العقول، ولم يستطع أحد تقديم تفسير ما حدث، أو تعليل الكارثة التي حلت، ولأول مرة، بالجيوش الاستعمارية الغازية لإفريقيا وآسيا في العصر الحديث. ولم يكن بوسع القوى الاستعمارية إلا أن تدرك أبعاد الرسالة التي كتبت في أنوال؛ فنراها تحاول عبثا الحد من آثارها والتقليل من انعكاساتها على الرأي العام العالمي حول السياسة الاستعمارية. ولتجنب ذلك أسرعت فرنسا إلى اتهام ألمانيا بتقديم الأسلحة للريفيين وتدريبهم على استعمالها. إلا أن إسبانيا نفسها كذبت تلك الادعاءات بسبب ما كان يربطها من علاقات وطيدة مع ألمانيا، واعتبرت أن «باريس كانت تهدف إلى التواري خلف تلك الشائعات، وأن فرنسا كانت تريد التمويه وتحويل الأنظار عن مساعداتها هي بالذات للمتمردين وتزويدهم بالأسلحة.»

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة الخامسة   الأحد مايو 20, 2018 9:45 pm

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:




الحلقة الحلقة الخامسة
الحلقة الخامسة

ألقاب محمد بن عبد الكريم الخطابي

بعد عرض المراحل التي نعتقد بأنها أسهمت في تكوين شخصية محمد بن عبد الكريم الوطنية والقيادية، والتي قدمت لنا جانبا من جوانب سر الشعب المغربي المتجلي في أحد أبنائه الذي لبى نداء الوطن وهو في محنة، واستجاب لنداء المستقبل. ولم تقدر يقظة رقباء الدول الاستعمارية اكتشاف سره وهو يتبلور ويتحقق في الوجود. وقد أضفى الناس ألقابا كثيرة عليه تعبيرا عن مشاعرهم ومواقفهم نحو الرجل.

خصص سكان منطقة الريف، الذين تواصلت ثقافتهم مع ثقافة الآباء والأجداد، تقديرهم غير المتناهي لمحمد بن عبد الكريم الخطابي باختصاصه بلقب «مولاي مُحَنْدْ» (محمد)، دون غيره من الناس خارج دائرة تشريفات سلاطين الدولة العلوية وأمرائها. نعتقد أن إطلاق ذلك اللقب على الخطابي يعني تقدير صاحبه، وتخليدا للقيم التي ناضل من أجلها، وجاهد في سبيلها، وصانها من الفساد، ومقاومة لتغييب أعظم لحظات تاريخ المغرب المعاصر في دوامة العمل على نشر ثقافة النسيان.

ما هو معروف أن الفقيه، والصحافي، والقاضي، محمد بن عبد الكريم الخطابي كان مواطنا عاديا، محظوظا نسبيا، كونه ينتسب إلى عائلة لها نفوذها في محيطها، ولها عراقة في العلم، وتتمتع بشيء من الثراء ورغد العيش؛ مقارنة مع باقي سكان الريف، بصفة خاصة؛ فقد كان والده قاضيا على أيث ورياغل بظهير من السلطان مولاي الحسن الأول، ومن الأعيان الذين تعتمد عليهم السلطة المركزية في فاس، وكانت إسبانيا تخطب وده.

وحين شاءت الأقدار أن يتولى محمد قيادة حركة مقاومة الإسبان وتحرير المناطق التي احتلوها قبل معاهدة الحماية أو بعدها، وما حازه من انتصار مدوي، ابتداء من معركة مثلث الحرية: أنوال وادهار أوبَرَان وإغريبن سنة 1921، وإقامة جمهورية الريف سنة 1923، ومرورا بمعركة الشاون سنة 1924، ووصولا إلى معركة «البيبان» ضد الفرنسيين سنة 1925؛ ثم معارك البناء والتشييد، وغير ذلك من المنجزات في المجال الاجتماعي كفتح المدارس والحث على نشر العلم وتنظيم مجال الإنتاج الاقتصادي وفقا لمقتضيات الحرب، وفي مجال البنية التحتية كشق الطرقات ونشر المواصلات الهاتفية، وفي مجال المؤسسات السياسية كتأسيس الجمعية الوطنية وإنشاء المحكمة العليا. وبالجملة كانت هنالك رؤية وقرار يفيدان أن المغاربة قادرون على تأسيس دولة عصرية، بعيدا عن أي وصاية. وتقديرا لذلك واعتبارا له تقاطرت على الفقيه القاضي ألقاب وصفات مثل «الأمير» أو «الأمير الخطابي» أو «الأمير عبد الكريم»، وهناك من يكتفي بلقب «عبد الكريم» الذي هو الاسم الحقيقي لوالده.

ولقب «عبد الكريم» هو اللقب الأشهر له في أوروبا وأمريكا، وكذا عند بعض البلديات المغربية التي أطلقت اسمه على بعض الشوارع والمؤسسات المدرسية. أما اللقب الأكثر تداولا عند الناطقين باللسان الريفي فهو «مولاي مُحَنْدْ» أو «أمِّيْس نْسِّي عْبَرْكِريمْ»، ويترجم عند الناطقين باللسان العربي الدارجي في المغرب بـ «ابن عبد الكريم». وتُفضل قلة قليلة من المغاربة مناداته بـ «زعيم الريف» أو «الزعيم الريفي»... إلخ. فما قصة هذه الألقاب والصفات؟

لقب الأميــر

ونبدأ بالسؤال، هل هو لقب فرضته الظروف وانتصار أنوال، أم هو لقب له مرامي سياسية؟

عندما نتقصى لسان العرب، نجد أن عبارة «الأمير» تعني صاحب الأمر، أو الآمر، أو القائد، كقولنا: أمير الأعمى؛ أي قائده، أو أمير قوم؛ أي قائدهم. وعبارة الأمير لها علاقة مع عبارة أولي الأمر؛ أي الرؤساء وأهل العلم. وفي تاريخ الثقافة العربية والإسلامية نجد أن مصطلح «الأمير» يلتصق التصاقا قويا بالمعنى اللغوي؛ فقريش كانوا «يدعون النبي (صلى الله عليه وسلم) أمير مكة وأمير الحجاز.» ثم أضحى مصطلح الأمير في الإسلام يطلق على كل من يتولى شأنا من شؤون المسلمين مدنيا كان أو عسكريا. ولا يزال حكام المناطق في العربية السعودية يحملون صفة المنطقة. كأن يقال أمير مكة، أو جدة. والملك الحالي بقي مدة طويلة يحمل لقب أمير الرياض، أي حاكم الرياض. ولا علاقة بالألقاب التشريفية التي يحملها أمراء العائلة الملكية البريطانية. ومن الجدير ذكره أن المعجم الأوروبي اقتبس مصطلح «الأميرال» من لقب «أمير البحر» الذي ساد الدولة في الإسلام، بمعنى حاكم البحر.

وتوجد أحاديث نبوية تشير إلى ضرورة تأمير أي جماعة «مهما صغرت» أميرا يتولى تنظيم شأنها، أو قيادتها نحو غايتها المشتركة. وأعلى درجات الإمارة في التراث الإسلامي هي درجة «أمير المؤمنين»، أي القائد العام أو الحاكم العام. ولم يثبت أبدا أن عبد الكريم الخطابي تلقب بهذه الدرجة من الإمارة، لأنها درجة خاصة بسلطان كل المغرب والمغاربة.

وليس لعبارة «الأمير»، إذن، أي علاقة مع عبارة «Prince» الأوروبية. وهنا يجب أن نذكّر أن بعض سلاطين المغرب الذين لم يستقلوا استقلالا كاملا عن الخلافة في المشرق امتنعوا عن حمل لقب «أمير المؤمنين» واكتفوا بلقب «أمير المسلمين»، كما هو شأن أمراء الدولة المرابطية؛ حيث رفض يوسف بن تاشفين قبول صفة «أمير المؤمنين» بحجة أن تلك الصفة خاصة «بخلفاء بني العباس لكونهم من تلك السلالة الكريمة». كما تجدر الإشارة إلى أن صفة« الأمير»، وفقا للثقافة السياسية الأوروبية، لم تترسخ في التشريفات المغربية إلا في عهد محمد الخامس. أما صفة التبجيل التي كانت تطلق على أبناء السلاطين فكانت تترجمها عبارة «مولاي».

وهكذا يتكشف لنا مصدر عبارة «الأمير» لفظا ومصطلحا في ثقافتنا الإسلامية. ومن ثمة فإن مدلول تلك الصفة التي حملها عبد الكريم بصفته أمير الجهاد وأمير منطقة الريف، أي حاكمها، في ظرف سياسي تاريخي أصيبت فيه السلطة المركزية بالشلل من جراء معاهدة الاحتلال الأجنبي. ولم نعثر على أي وثيقة وجهت إلى المغاربة، أو إلى الشعوب المجاورة والعربية، تحمل أي إشارة إلى أنه «أمير». وعلى العكس من ذلك عندما كان يكاتب الأوروبيين أو يخاطبهم، كان يذكرهم بأنه «أمير» أي حاكم. ولم يكن يفوت الفرصة لكي يشير إلى أن مرجعية «الأمير» هي الإسلام، وقد احترم الأوروبيون ذلك، على الأقل في كتاباتهم، حين أبقوا على مدلولها فكتبوها « Emir» وليس « Prince». ولذلك فهي صفة لا علاقة لها بطلب «السلطنة»، كما حاول البعض تصور الأمر، متجاهلا الموروث الثقافي والسياق التاريخي للأحداث.

لقب عبد الكريم

ويعد لقب « عبد الكريم » الأوسع انتشارا بين الناس، محليا ودوليا، لشخص محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو في الأصل كما نعلم اسما شخصيا لوالده. ووفقا لإفادة أنجاله: عبد الكريم وعبد المنعم، وسعيد ومريم، رحمهم الله، وعائشة، أطال الله عمرها، فإن والدهم كان يستحسن المناداة عليه بهذه الصفة استحضارا وتقديرا لدور والده في تكوينه السياسي وتوجيهه الوطني، ووعيه بمشكلات عصره.

ومن جهة أخرى، أصبح لقب «عبد الكريم» شائعا في العالم وفي كتابات المؤرخين والعلماء والروائيين للدلالة على قائد حركة التحرر المسلحة ضد إسبانيا وفرنسا في العشرينايت من القرن الماضي. والأمر نفسه في المغرب؛ فجميع الشوارع والمؤسسات التي تشرفت بحمل اسم الخطابي تكتفي بلقب «عبد الكريم الخطابي».

لقب مولاي مُحَنْدْ

لابد من التنويه بأن عبارة «محند» تطلق على «محمد» في اللسان الريفي. أما صفة «مولاي» فمعروف ومشهور عند المغاربة أنها تطلق على الأخيار من الناس كأولياء الله الصالحين، وسياسيا كانت تطلق على أبناء السلاطين منذ العهد السعدي في القرن السادس عشر، كما كانت تطلق على السلاطين أنفسهم، كقولنا «السلطان مولاي عبد الرحمن أو السلطان مولاي يوسف». وفي عهد الدولة الوطنية الحديثة حذفت عبارة «مولاي» عن السلطان، كما حذفت صفة «السلطان» نفسها، وحلت محلها صفة «جلالة الملك»، واحتُفِظ بصفة «مولاي» لتكون وقفا على المنحدرين من السلالة الملكية. وهناك ظهير ( مرسوم) يُرسّم ذلك. أما في حالة الخطابي فإن صفة «مولاي» التي خص بها في مرحلة الجهاد، والتي لا تزال الأجيال المتعاقبة تحبذ التشبث بإطلاقها عليه، لم يخترها هو أبدا، وإنما جاءت عفوية وتلقائية على لسان مواطني منطقة الريف، تقديرا وتعظيما له كتقديرهم وتعظيمهم لأولياء الله الصالحين، ويبقى التمسك بتداولها لدى الأجيال المتلاحقة كتمسك المغاربة، في كل العصور، بالقول: «مولاي بوعزة» أو "مولاي عبد السلام" مثلا، حين يذكر الولي الصالح أبي يعزى الينور المشهور بمولاي بوعزة، أو عبد السلام بن مشيش. وذلك كرد مباشر على وصف «الدكتاتور» الذي أطلقته الكتابات الاستعمارية الرسمية، وشبه الرسمية في حق الخطابي، وكرد على بعض المنشورات والرسائل المخزنية، التي وصفته، آنذاك، بالفتان وموقظ «نار الثورة والفساد». في الوقت الذي تعتقد فيه الأجيال المغربية المتلاحقة بأن ما قام به الخطابي كان حربا تحريرية للوطن من النير الاستعماري، وإنجازا جعل المغرب أشهر من نار على علم في كل أصقاع الدنيا، مسترجعا دوره في التاريخ، بعد أن ظل نسيا منسيا قرونا طويلة، وكجواب أيضا لأولئك الذين حاربوا عبد الكريم لأسباب سنعرض لأهم أسبابها في فصل لاحق.

لقب ابن عبد الكريم

نعتقد أن هذه الصفة تداولتها الألسن ترجمة للصفة التي كان يتحدث بها سكان الريف عن الخطابي، أحيانا، تحت عنوان «أمّيسْ نْسِّي عْبرْكْرِيمْ»، أي ابن السّي عبد الكريم. وفي مرحلة لاحقة كان الغرض الأساس من استعمال هذه الصفة هو التمييز بينه وبين والده الذي كان دوره دورا مركزيا في دحر بوحمارة في معركة السواني؛ هذا الدور الذي لم يحظ بعد بنفض الغبار عليه وتقديره تاريخيا وعلميا، وفي الإعداد لمقاومة الإسبان، التي أخذ مشعلها ولده محمد بعد أن وافته المنية وهو على خط النار في "تفرسيت" خلال شهر غشت من سنة 1920.

صفة «الريفي» أو«الزعيم الريفي»

وأخيرا، وليس آخرا، لا يخفى على أحد أن إطلاق صفة "الريفي" على الخطابي قد يكون دافعه الشعوري واللاشعوري في الوقت نفسه النعرة الجهوية المحتكرة لصفة الوطنية والحق في السلطة، وقد يكون القصد من إطلاق تلك الصفة الإقلال من شأن زعامته وقيادته الوطنية لمقاومة الاستعمار، أي حصرها في منطقة معينة فقط، لأسباب لا تغيب عن العارفين بالثقافة التي يطلق عليها "سياسية مغربية"، التي تحاول وتسعى «جاهدة» إلى نزع الصفة الوطنية عن الخطابي وعن حركته التحريرية، وإدراجه ضمن الزعماء القبليين، وهو ما يرسخه بعض «الزعماء» السياسيين الذين يزورون منطقة الريف، من حين لآخر، من أجل استدراج ساكنتها للتصويت على مرشحيها في الانتخابات، وذلك بوضع صورة الخطابي خلفهم في المنصة أمام الحاضرين، وهم لا يفعلون ذلك عند زيارتهم لمدن ومناطق المغرب الأخرى. ومعنى ذلك أن عبد الكريم ليس إلا مجرد شيخ قبيلة لم يفهم رسالة التمدن الحضاري التي جاءت بها فرنسا وإسبانيا.

هذه محاولة لفهم قصة ألقاب وصفات الخطابي وأبعادها. ومن كان يمتلك إضافات تفيد التاريخ أو انتقادات علمية تصحح بعض الأخطاء، فإننا نرجو منه كامل الرجاء، أن يتفضل بها كتابة، من أجل خدمة الحقيقة التاريخية والعلم. وفي الأخير يجب التذكير أن طابع أو خاتم الخطابي اكتفى بالعبارة التالية « محمد بن عبد الكريم الخطابي كان له الله».

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: الحلقة السادسة   اليوم في 12:10 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:




الحلقة الحلقة السادسة
الحلقة السادسة

حرب التحرير الريفية 1921 – 1926

وقائع وأرقام

إن الحديث عن حرب التحرير والمقاومة التي خاضها المغاربة الريفيون، ما بين 1921 و1926، ضد الاستعمارين الإسباني الفرنسي، لا يمكن استيفاء كل جوانبها، أو الإحاطة بكل عناصرها وأبعادها في فصل من كتاب، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بكون المكتبة التاريخية تزخر بمئات المؤلفات والدراسات والأبحاث حول موضوع الحرب التحريرية.

وتجنبا للخوض المتكرر في تفاصيل تلك الحرب، وهي كثيرة، وفي الإشكاليات المنهجية التي اتبعت في التأريخ لها، أو في تقييم أحداثها ووقائعها، وفي المرامي والأهداف التي سعت إليها الكتابات المختلفة المشارب والتوجهات، ارتأينا عرض هذه الحرب باختصار من خلال أرقامها. ولغة الأرقام قد تساعد على إعادة بناء فضاء المعارك وضراوتها ونتائجها؛ واسترجاع الوقائع والأحداث لمعرفة تأثيرها وآثارها في العمل الوطني لاحقا، الذي توج بالاستقلال وباسترجاع السيادة الوطنية.

واقعة الأرض والسكان

وأول ما يتبادر إلى الأذهان السؤال عن مساحة الأرض التي جرت فيها المعارك وعدد ساكنتها؟

يتفق جل الذين كتبوا في هذا الموضوع أن المساحة التي احتلتها إسبانيا بموجب المعاهدات الاستعمارية، بدءا بمؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 وانتهاء باتفاق 1913، هي 5% من مجموع الأراضي المغربية. غير أن هذه المساحة لا تتضمن مساحة المستعمرة الإسبانية في جنوب المغرب آنذاك. ويحدد البعض طول منطقة الحماية الاسبانية ( المنطقة الخليفية) بـ: 360 كلم، وعرضها في أقصى الحالات بـ: 80 كلم. وتقدر مساحة قبيلة أيث وياغر، أو ورياغل، قبيلة محمد بن عبد الكريم الخطابي، بـ: 1027 كلم مربع.

وتراوحت التقديرات الخاصة بسكان منطقة شمال المغرب كلها بين 725 ألف و760 ألف نسمة، وزعم والتر هاريس "W. Harris" الصحافي الإنجليزي الذي كان يقيم بطنجة، أن عدد سكان المنطقة سنة 1926 كان يقدر بـ 357000 نسمة ناطقين بالأمازيغية و369000 نسمة مستعربين.

ويوزع البعض هؤلاء السكان على 66 قبيلة ∗، وهو رقم مخالف لما ذكره الباحث الأنتروبولوجي الأمريكي ك. كون" K. Koon" في بحث أنجزه سنة 1926، حيث ذكر فيه أن عدد القبائل الناطقة بالريفية 18 قبيلة. ∗∗

أما أيث ورياغل، الذين اعتبرهم دافيد هارت" D. Hart" « الطبل الذي يرقص حوله كل الريف»، فقد قدر عدد السكان فيها سنة 1926 بـ 40 ألف نسمة.

في هذه المساحة الجغرافية التي يغلب عليها طابع التضاريس الجبلية جرت وقائع المقاومة المسلحة للاستعمار الإسباني والاستعمار الفرنسي. وقد انطلقت هذه المقاومة المنظمة، والمعروفة اصطلاحا أحيانا بـ" الحرب الريفية" في الأيام الثلاثة الأولى من شهر يونيو 1921 وانتهت يوم 28 مايو 1926 باستسلام قائدها محمد بن عبد الكريم الخطابي للقوات الفرنسية في ترجيست، الواقعة غربي مدينة الحسيمة بـ 75 كلم، في حين كانت بدايتها في " ادْهَارْ أُوبرَان" الواقع في قبيلة تمسامان على بعد حوالي 50 كلم شرقا من الحسيمة.

موازين القوى وانتصارات أنوال

فكيف كانت موازين القوى بين المجاهدين المقاومين وبين الغزاة الاستعماريين، ومن قاد هذه الحرب من الجانبين، وما هي أهم المعارك والخسائر التي لحقت الأطراف المشارِكة؟

قبل أن تنطلق هذه الحرب قام محمد بن عبد الكريم الخطابي بعمل تعبوي كبير داخل القبائل الريفية، عقب وفاة والده وفاة غامضة، في شهر غشت 1920، وهو يحارب الإسبان في منطقة تفرسيت، الواقعة وسط المسافة بين الحسيمة والناظور، وبعد أن تأكد بأن الإسبان لن يقبلوا بأي حل تفاوضي يؤدي إلى التعاون والاحترام بدل الاحتلال والإذلال. وأدى ذلك العمل التعبوي إلى تأسيس أول قيادة جماعية، بتاريخ 20- 09- 1920، مكونة من 38 شخصية، أغلبهم من أعيان قبيلة أيث ورياغل، وتعاهدوا بأداء اليمين على المصحف، على:

- الدفاع عن الدين والوطن والشرف حتى الموت.

- عدم إثارة الضغائن وعدم اللجوء إلى الثأر مهما تكن الظروف والملابسات.

- الالتزام بتنفيذ الأحكام الشرعية في كل الأحوال.

بعد الاطمئنان إلى المؤاخاة التي بدأت تسود صفوف أيث ورياغل، وإلى تكوين القيادة الجماعية، امتد عمل الائتلاف والمؤاخاة إلى القبيلتين المجاورتين شرقا لأيث ورياغل وهما أيث توزين وتمسامان؛ حيث تم تأسيس مركز المجاهدين المتقدم في هذه الأخيرة، بموقع " القامث"، وكانت القوات الإسبانية قد احتلت مراكز استراتيجية في هاتين القبيلتين المطلتين على أيث ورياغل استعدادا لاحتلالها، وبذلك سيتم بسط نفوذ إسبانيا على كل المنطقة الشمالية ( الخليفية).

وفي أول يوم من شهر يونيو أو الثالث منه، وفقا لبعض الإخباريين، من سنة 1921 الموافق لـ 24 رمضان 1339ھ ، انطلقت المعارك بهجوم المجاهدين على مركز " ادهار أوبران". وكان ذلك الهجوم بداية لمعارك استمرت مدة شهر ونصف الشهر على مثلث " ادْهَارْ أُوبَرَانْ وإِغْرِيبْنْ وأنوال"، أعقبه انهزام الإسبان في 21 يوليوز 1921، الهزيمة التي عرفت بهزيمة أنوال، والتي كانت لها انعكاساتها الكبيرة على المستقبل السياسي لإسبانيا استمرت عقودا طويلة، وأعطت في المقابل شهرة عالمية للمجاهدين المغاربة وللمغرب المعاصر، تفوق الشهرة التي حصلت في وادي المخازن سنة 1578 المعروفة بمعركة " الملوك الثلاث".



المصدر: جرمان عياش، أصول حرب الريف. ( ملحق الخرائط)

كيف حدث ذلك ولم يكن عدد المجاهدين يتجاوز 600 رجل؟ هل كان هناك من يتخيل- مجرد تخيل- أن هذا العدد من المجاهدين سيصمد، وبالأحرى أن ينتصر على الزحف الإسباني الذي كان يتألف من 24000 جندي، بما فيهم 4000 من الأهالي المجندين كمرتزقة. إن الحقائق التي ظهرت بعد 21 يوليوز كانت مدهشة، ولم يسع الحكومة الإسبانية إلا أن تعترف بأنها خسرت 8000 قتيل من جنودها في أنوال. لكن «في الحقيقة كان عدد القتلى يتجاوز ذلك بعدة آلاف»، على حد تعبير المؤرخ الإسباني ميكل مارتين. ويقدر المؤرخ الإنجليزي روبرت فورنو الخسائر الإسبانية في هذه المعركة على الشكل التالي:

- 18000 قتيل، وفي مقدمتهم قائد الحملة الجنرال سيلفيستري " Silvestre". (لم يعثر أحد على جثته، كما أنه لم يعثر عليه حيا)

- 1100 أسير، وفي مقدمتهم الجنرال نافارو " Navaro".

- غنم 19504 بندقية و352 رشاشا و129 مدفعا، إضافة إلى المواد العسكرية الأخرى كالملابس والخيام والعربات والتغذية.

وعلى مدى خمس سنوات التي استغرقتها الحرب، كانت المعارك بين المجاهدين والمحتلين تكاد تكون يومية. وقد قاد محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد المجاهدين، 300 موقعة بنفسه. وتعد معركة الشاون، التي جرت في أواخر سنة 1924 وأوائل سنة 1925، من أكبر معارك تلك الحرب، بعد معركة أنوال؛ فقد دامت 120 يوما، وأدت إلى مقتل 20 ألف جندي إسباني، وإلى خسائر كبرى في العتاد، حسب تقديرات مؤرخ إسباني.

وفي المقابل تفيد شهادة ضابط إسباني، أوردها المؤرخ الإنجليزي روبيرت فورنو، أن خسائر المغاربة كانت تساوي 1 على 30 قتيل إسباني، ثم يورد الحصيلة النهائية للخسائر الإسبانية على الشكل التالي:

- جنرال واحد وستة عقداء وثمانية رواد.

- 175 ضابطا من الرتب الأخرى.

- 17000 جندي. ونلاحظ أن العدد الذي يورده يقل بـ 3000 عن العدد الذي أورده المؤرخ الإسباني!

- أما الجرحى من الضباط فبلغ 600 جريح.

عقيدة الاستعمار وانتصارات حرب التحرير

ومن نتائج هذه المعركة أنها حققت «سيطرة عبد الكريم التامة على شمال المغرب، باستثناء الحصون العسكرية الصغيرة في سبتة ومليلة والعرائش وطنجة.»

وكانت تصريحات بريمو دي ريفيرا Primo De Rivera، ديكتاتور ورئيس الحكومة الإسبانية، تؤكد هذا الواقع الجديد على الأرض، حين أدلى لصحافي إنجليزي بما يلي: «لقد هزمَنا عبد الكريم، إنه يحظى بالفوائد الكبرى لأرض المعركة، ويستفيد من تعصب أنصاره، في حين أن جنودنا منهكون بحرب دامت عدة سنوات، إنهم لا يدركون سبب ضرورة الكفاح والموت من أجل بقعة من الأرض ليست لها أي قيمة، وأنا شخصيا من مؤيدي الانسحاب التام من إفريقيا، والسماح لعبد الكريم بوضع اليد على ممتلكاته. لقد صرفنا ملايين لا تحصى من البسيطة في هذا المشروع دون أن نستلم أبدا سنتيما واحدا، ومات عشرات الآلاف من الرجال من أجل أرض غير صالحة ولا فائدة من حيازتها.»

بعد أشهر من سيطرة المجاهدين على منطقة الشمال، وبعد أقل من شهرين على تصريح بريمو دي ريفيرا، اندلعت المعارك بين المجاهدين والقوات الفرنسية في منطقة ورغة العليا، فهل كانت تلك المعارك نجدة فرنسية لإسبانيا قصد "صيانة الشرف" الاستعماري؟ أم أن عبد الكريم الخطابي، قائد المجاهدين، قرر خوض الحرب ضد فرنسا استكمالا لمشروعه في تحرير كل المغرب من أجدير إلى أكادير، وفقا لعبارة كان يرددها بكثرة الدكتور عمر الخطابي ؟

مهما تكن مسوغات عبد الكريم، فإن فرنسا ادعت أن انتصار عبد الكريم سيشكل «تهديدا خطيرا للحضارة والسلام في الغرب»، بل إن ماريشال فرنسا ليوطي رفع تقريرا إلى رؤسائه في باريس، جاء فيه: «لا يمكن أن يكون هنالك شيء أسوأ بالنسبة إلى نظامنا من إقامة دولة إسلامية مستقلة... دولة تجعل من عبد الكريم مركز جذب... لجميع العناصر المغربية، وعلى الأخص الشباب منهم.»

اندلعت المعارك، إذن، بين المجاهدين والقوات الفرنسية وسقط خلال خمسة أيام فقط «قرابة خمسين مركزا من مراكز الفرنسيين الواقعة في منطقة قبائل بني زروال في أيدي رجال هذه القبائل، أو حوصرت حصارا شديدا.» وبعد أكثر من شهرين من القتال؛ أي من شهر أبريل إلى 04 يونيو 1925 سقط المركز العسكري الفرنسي المعروف بـ"البيبان" في أيدي المقاومين المغاربة، بعد حصار دام 52 يوما، وبعد سبعة أيام من سقوط " البيبان" سقطت قلعة بني دركول. ونقرأ جزءا من رسالة بعث بها قائد هذه القلعة إلى قائد المجموعة المتحركة، يصف فيها وضع القلعة يوم 9 يونيو 1925، أي قبل سقوطها بثلاثة أيام، جاء فيه: «لم يبق منا غير أحد عشر جنديا، ذخيرتنا إحدى عشرة بندقية، ومائة وعشرون قنبلة يدوية، وعشرون ألف خرطوشة، ومدفع واحد مزود بسبع مائة طلقة. إن حلقة الريفيين تزداد ضيقا حولنا وهم يحفرون خنادق جديدة. إني لأخشى وقوع قتال بالسلاح الأبيض، كما أخشى أكثر من ذلك أن تضربنا مدفعيتهم بقذائفها، سوف تكفينا المياه حتى اليوم الرابع عشر من الشهر بالضبط. إنه من الضروري أن تنقذونا قبل الثالث عشر من الشهر على أبعد تقدير.»

وجاء الجواب يوم 12 يونيو يقول: «اصمدوا حتى السادس عشر من الشهر، لأن العمليات الجارية لا تسمح بإعانتكم قبل هذا التاريخ.»

لكن يبدو أن تكهن قائد القلعة كان في محله، فقد سقطت القلعة في اليوم الرابع عشر كما توقع. وكان الجيش الذي عجز عن فك الحصار عن قلعة بني دركول يتكون من 60000 رجل برئاسة ماريشال فرنسا ليوطي " Lyautey". وأدت هذه الهزيمة إلى استبدال ليوطي بمقيم عام جديد هو ستيك "Steeg"، وبقائد جديد للجيش في المغرب هو الماريشال بيتان "Petain".


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الثلاثاء مايو 22, 2018 12:17 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1420
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،    اليوم في 12:12 am

admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:
admin كتب:




الحلقة الحلقة السادسة
حرب التحرير الريفية 1921 – 1926











وقائع وأرقام

إن الحديث عن حرب التحرير والمقاومة التي خاضها المغاربة الريفيون، ما بين 1921 و1926، ضد الاستعمارين الإسباني الفرنسي، لا يمكن استيفاء كل جوانبها، أو الإحاطة بكل عناصرها وأبعادها في فصل من كتاب، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بكون المكتبة التاريخية تزخر بمئات المؤلفات والدراسات والأبحاث حول موضوع الحرب التحريرية.

وتجنبا للخوض المتكرر في تفاصيل تلك الحرب، وهي كثيرة، وفي الإشكاليات المنهجية التي اتبعت في التأريخ لها، أو في تقييم أحداثها ووقائعها، وفي المرامي والأهداف التي سعت إليها الكتابات المختلفة المشارب والتوجهات، ارتأينا عرض هذه الحرب باختصار من خلال أرقامها. ولغة الأرقام قد تساعد على إعادة بناء فضاء المعارك وضراوتها ونتائجها؛ واسترجاع الوقائع والأحداث لمعرفة تأثيرها وآثارها في العمل الوطني لاحقا، الذي توج بالاستقلال وباسترجاع السيادة الوطنية.

واقعة الأرض والسكان

وأول ما يتبادر إلى الأذهان السؤال عن مساحة الأرض التي جرت فيها المعارك وعدد ساكنتها؟

يتفق جل الذين كتبوا في هذا الموضوع أن المساحة التي احتلتها إسبانيا بموجب المعاهدات الاستعمارية، بدءا بمؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 وانتهاء باتفاق 1913، هي 5% من مجموع الأراضي المغربية. غير أن هذه المساحة لا تتضمن مساحة المستعمرة الإسبانية في جنوب المغرب آنذاك. ويحدد البعض طول منطقة الحماية الاسبانية ( المنطقة الخليفية) بـ: 360 كلم، وعرضها في أقصى الحالات بـ: 80 كلم. وتقدر مساحة قبيلة أيث وياغر، أو ورياغل، قبيلة محمد بن عبد الكريم الخطابي، بـ: 1027 كلم مربع.

وتراوحت التقديرات الخاصة بسكان منطقة شمال المغرب كلها بين 725 ألف و760 ألف نسمة، وزعم والتر هاريس "W. Harris" الصحافي الإنجليزي الذي كان يقيم بطنجة، أن عدد سكان المنطقة سنة 1926 كان يقدر بـ 357000 نسمة ناطقين بالأمازيغية و369000 نسمة مستعربين.

ويوزع البعض هؤلاء السكان على 66 قبيلة ∗، وهو رقم مخالف لما ذكره الباحث الأنتروبولوجي الأمريكي ك. كون" K. Koon" في بحث أنجزه سنة 1926، حيث ذكر فيه أن عدد القبائل الناطقة بالريفية 18 قبيلة. ∗∗

أما أيث ورياغل، الذين اعتبرهم دافيد هارت" D. Hart" « الطبل الذي يرقص حوله كل الريف»، فقد قدر عدد السكان فيها سنة 1926 بـ 40 ألف نسمة.

في هذه المساحة الجغرافية التي يغلب عليها طابع التضاريس الجبلية جرت وقائع المقاومة المسلحة للاستعمار الإسباني والاستعمار الفرنسي. وقد انطلقت هذه المقاومة المنظمة، والمعروفة اصطلاحا أحيانا بـ" الحرب الريفية" في الأيام الثلاثة الأولى من شهر يونيو 1921 وانتهت يوم 28 مايو 1926 باستسلام قائدها محمد بن عبد الكريم الخطابي للقوات الفرنسية في ترجيست، الواقعة غربي مدينة الحسيمة بـ 75 كلم، في حين كانت بدايتها في " ادْهَارْ أُوبرَان" الواقع في قبيلة تمسامان على بعد حوالي 50 كلم شرقا من الحسيمة.

موازين القوى وانتصارات أنوال

فكيف كانت موازين القوى بين المجاهدين المقاومين وبين الغزاة الاستعماريين، ومن قاد هذه الحرب من الجانبين، وما هي أهم المعارك والخسائر التي لحقت الأطراف المشارِكة؟

قبل أن تنطلق هذه الحرب قام محمد بن عبد الكريم الخطابي بعمل تعبوي كبير داخل القبائل الريفية، عقب وفاة والده وفاة غامضة، في شهر غشت 1920، وهو يحارب الإسبان في منطقة تفرسيت، الواقعة وسط المسافة بين الحسيمة والناظور، وبعد أن تأكد بأن الإسبان لن يقبلوا بأي حل تفاوضي يؤدي إلى التعاون والاحترام بدل الاحتلال والإذلال. وأدى ذلك العمل التعبوي إلى تأسيس أول قيادة جماعية، بتاريخ 20- 09- 1920، مكونة من 38 شخصية، أغلبهم من أعيان قبيلة أيث ورياغل، وتعاهدوا بأداء اليمين على المصحف، على:

- الدفاع عن الدين والوطن والشرف حتى الموت.

- عدم إثارة الضغائن وعدم اللجوء إلى الثأر مهما تكن الظروف والملابسات.

- الالتزام بتنفيذ الأحكام الشرعية في كل الأحوال.

بعد الاطمئنان إلى المؤاخاة التي بدأت تسود صفوف أيث ورياغل، وإلى تكوين القيادة الجماعية، امتد عمل الائتلاف والمؤاخاة إلى القبيلتين المجاورتين شرقا لأيث ورياغل وهما أيث توزين وتمسامان؛ حيث تم تأسيس مركز المجاهدين المتقدم في هذه الأخيرة، بموقع " القامث"، وكانت القوات الإسبانية قد احتلت مراكز استراتيجية في هاتين القبيلتين المطلتين على أيث ورياغل استعدادا لاحتلالها، وبذلك سيتم بسط نفوذ إسبانيا على كل المنطقة الشمالية ( الخليفية).

وفي أول يوم من شهر يونيو أو الثالث منه، وفقا لبعض الإخباريين، من سنة 1921 الموافق لـ 24 رمضان 1339ھ ، انطلقت المعارك بهجوم المجاهدين على مركز " ادهار أوبران". وكان ذلك الهجوم بداية لمعارك استمرت مدة شهر ونصف الشهر على مثلث " ادْهَارْ أُوبَرَانْ وإِغْرِيبْنْ وأنوال"، أعقبه انهزام الإسبان في 21 يوليوز 1921، الهزيمة التي عرفت بهزيمة أنوال، والتي كانت لها انعكاساتها الكبيرة على المستقبل السياسي لإسبانيا استمرت عقودا طويلة، وأعطت في المقابل شهرة عالمية للمجاهدين المغاربة وللمغرب المعاصر، تفوق الشهرة التي حصلت في وادي المخازن سنة 1578 المعروفة بمعركة " الملوك الثلاث".

المصدر: جرمان عياش، أصول حرب الريف. ( ملحق الخرائط)

كيف حدث ذلك ولم يكن عدد المجاهدين يتجاوز 600 رجل؟ هل كان هناك من يتخيل- مجرد تخيل- أن هذا العدد من المجاهدين سيصمد، وبالأحرى أن ينتصر على الزحف الإسباني الذي كان يتألف من 24000 جندي، بما فيهم 4000 من الأهالي المجندين كمرتزقة. إن الحقائق التي ظهرت بعد 21 يوليوز كانت مدهشة، ولم يسع الحكومة الإسبانية إلا أن تعترف بأنها خسرت 8000 قتيل من جنودها في أنوال. لكن «في الحقيقة كان عدد القتلى يتجاوز ذلك بعدة آلاف»، على حد تعبير المؤرخ الإسباني ميكل مارتين. ويقدر المؤرخ الإنجليزي روبرت فورنو الخسائر الإسبانية في هذه المعركة على الشكل التالي:

- 18000 قتيل، وفي مقدمتهم قائد الحملة الجنرال سيلفيستري " Silvestre". (لم يعثر أحد على جثته، كما أنه لم يعثر عليه حيا)

- 1100 أسير، وفي مقدمتهم الجنرال نافارو " Navaro".

- غنم 19504 بندقية و352 رشاشا و129 مدفعا، إضافة إلى المواد العسكرية الأخرى كالملابس والخيام والعربات والتغذية.

وعلى مدى خمس سنوات التي استغرقتها الحرب، كانت المعارك بين المجاهدين والمحتلين تكاد تكون يومية. وقد قاد محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد المجاهدين، 300 موقعة بنفسه. وتعد معركة الشاون، التي جرت في أواخر سنة 1924 وأوائل سنة 1925، من أكبر معارك تلك الحرب، بعد معركة أنوال؛ فقد دامت 120 يوما، وأدت إلى مقتل 20 ألف جندي إسباني، وإلى خسائر كبرى في العتاد، حسب تقديرات مؤرخ إسباني.

وفي المقابل تفيد شهادة ضابط إسباني، أوردها المؤرخ الإنجليزي روبيرت فورنو، أن خسائر المغاربة كانت تساوي 1 على 30 قتيل إسباني، ثم يورد الحصيلة النهائية للخسائر الإسبانية على الشكل التالي:

- جنرال واحد وستة عقداء وثمانية رواد.

- 175 ضابطا من الرتب الأخرى.

- 17000 جندي. ونلاحظ أن العدد الذي يورده يقل بـ 3000 عن العدد الذي أورده المؤرخ الإسباني!

- أما الجرحى من الضباط فبلغ 600 جريح.

عقيدة الاستعمار وانتصارات حرب التحرير

ومن نتائج هذه المعركة أنها حققت «سيطرة عبد الكريم التامة على شمال المغرب، باستثناء الحصون العسكرية الصغيرة في سبتة ومليلة والعرائش وطنجة.»

وكانت تصريحات بريمو دي ريفيرا Primo De Rivera، ديكتاتور ورئيس الحكومة الإسبانية، تؤكد هذا الواقع الجديد على الأرض، حين أدلى لصحافي إنجليزي بما يلي: «لقد هزمَنا عبد الكريم، إنه يحظى بالفوائد الكبرى لأرض المعركة، ويستفيد من تعصب أنصاره، في حين أن جنودنا منهكون بحرب دامت عدة سنوات، إنهم لا يدركون سبب ضرورة الكفاح والموت من أجل بقعة من الأرض ليست لها أي قيمة، وأنا شخصيا من مؤيدي الانسحاب التام من إفريقيا، والسماح لعبد الكريم بوضع اليد على ممتلكاته. لقد صرفنا ملايين لا تحصى من البسيطة في هذا المشروع دون أن نستلم أبدا سنتيما واحدا، ومات عشرات الآلاف من الرجال من أجل أرض غير صالحة ولا فائدة من حيازتها.»

بعد أشهر من سيطرة المجاهدين على منطقة الشمال، وبعد أقل من شهرين على تصريح بريمو دي ريفيرا، اندلعت المعارك بين المجاهدين والقوات الفرنسية في منطقة ورغة العليا، فهل كانت تلك المعارك نجدة فرنسية لإسبانيا قصد "صيانة الشرف" الاستعماري؟ أم أن عبد الكريم الخطابي، قائد المجاهدين، قرر خوض الحرب ضد فرنسا استكمالا لمشروعه في تحرير كل المغرب من أجدير إلى أكادير، وفقا لعبارة كان يرددها بكثرة الدكتور عمر الخطابي ؟

مهما تكن مسوغات عبد الكريم، فإن فرنسا ادعت أن انتصار عبد الكريم سيشكل «تهديدا خطيرا للحضارة والسلام في الغرب»، بل إن ماريشال فرنسا ليوطي رفع تقريرا إلى رؤسائه في باريس، جاء فيه: «لا يمكن أن يكون هنالك شيء أسوأ بالنسبة إلى نظامنا من إقامة دولة إسلامية مستقلة... دولة تجعل من عبد الكريم مركز جذب... لجميع العناصر المغربية، وعلى الأخص الشباب منهم.»

اندلعت المعارك، إذن، بين المجاهدين والقوات الفرنسية وسقط خلال خمسة أيام فقط «قرابة خمسين مركزا من مراكز الفرنسيين الواقعة في منطقة قبائل بني زروال في أيدي رجال هذه القبائل، أو حوصرت حصارا شديدا.» وبعد أكثر من شهرين من القتال؛ أي من شهر أبريل إلى 04 يونيو 1925 سقط المركز العسكري الفرنسي المعروف بـ"البيبان" في أيدي المقاومين المغاربة، بعد حصار دام 52 يوما، وبعد سبعة أيام من سقوط " البيبان" سقطت قلعة بني دركول. ونقرأ جزءا من رسالة بعث بها قائد هذه القلعة إلى قائد المجموعة المتحركة، يصف فيها وضع القلعة يوم 9 يونيو 1925، أي قبل سقوطها بثلاثة أيام، جاء فيه: «لم يبق منا غير أحد عشر جنديا، ذخيرتنا إحدى عشرة بندقية، ومائة وعشرون قنبلة يدوية، وعشرون ألف خرطوشة، ومدفع واحد مزود بسبع مائة طلقة. إن حلقة الريفيين تزداد ضيقا حولنا وهم يحفرون خنادق جديدة. إني لأخشى وقوع قتال بالسلاح الأبيض، كما أخشى أكثر من ذلك أن تضربنا مدفعيتهم بقذائفها، سوف تكفينا المياه حتى اليوم الرابع عشر من الشهر بالضبط. إنه من الضروري أن تنقذونا قبل الثالث عشر من الشهر على أبعد تقدير.»

وجاء الجواب يوم 12 يونيو يقول: «اصمدوا حتى السادس عشر من الشهر، لأن العمليات الجارية لا تسمح بإعانتكم قبل هذا التاريخ.»

لكن يبدو أن تكهن قائد القلعة كان في محله، فقد سقطت القلعة في اليوم الرابع عشر كما توقع. وكان الجيش الذي عجز عن فك الحصار عن قلعة بني دركول يتكون من 60000 رجل برئاسة ماريشال فرنسا ليوطي " Lyautey". وأدت هذه الهزيمة إلى استبدال ليوطي بمقيم عام جديد هو ستيك "Steeg"، وبقائد جديد للجيش في المغرب هو الماريشال بيتان "Petain".

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
التاريخ المحاصر" لمؤلفه الدكتور علي الإدريسي،
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: سياسية-
انتقل الى: