كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عبد الله العروي: في "معيار" الحداثة يحيى بن الوليد 1 أبريل 2018

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1461
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: عبد الله العروي: في "معيار" الحداثة يحيى بن الوليد 1 أبريل 2018   الإثنين أبريل 02, 2018 3:23 am

عبد الله العروي: في "معيار" الحداثة وتلازم الفلكلور والتخلّف التاريخي(1/2)
يحيى بن الوليد 1 أبريل 2018

عبد الله العروي علامة على توجّه فكري، بين تيارات الفكر العربي، من خلال كتبه "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" (1967) و"العرب والفكر التاريخي" (1973) و"ثقافتنا في ضوء التاريخ" (1983) و"مفهوم العقل" (1996)... التي تجاوزت تواريخ نشرها لتظل مراجع أساسية في سياقات التعاطي لجملة من المواضيع المحدّدة والحارقة التي تمسّ أبنية الفكر العربي المعاصر وفي مقدّمتها "أولوية الثقافة" ضمن مطلب الحداثة. ومن هذه الناحية فهو مرجع أساس، ومن هذه الناحية أيضا فمحاورته تفيد على مستوى توسيع دوائر الفكر العربي المعاصر في "ثابته ومتحوّله".

وفي هذا المنظور، وفي إطار من موضوع "الثقافة الشعبية" الذي نعنى به في هذا المقال، لا يبدو غريبا أن يتمّ استحضار اسم عبد الله العروي في الملف الهام واللافت الذي خصّصته مجلة "فصول" (القاهرية) (المختصّة في النقد الأدبي) (العدد: 60/ صيف ــ خريف 2002) لموضوع الثقافة الشعبية تحت عنوان "الثقافة الشعبية والحداثة". وحصل ذلك من منطلق ــ وتبعا لورقة التمهيد ــ كون "الحداثة مشروعا غير مكتمل" وبما للثقافة الشعبية من أدوار على مستوى الإسهام في المشروع... خاصة وأن هذه الثقافة عادة ما "تطرح نقيضا للحداثة وبديلا لها أحيانا" و"باعتبارها مستودعا أثريا لكم هائل من المعتقدات والموروثات والأشكال المادية والخبرات المختزلة، على نحو يجعلها مكونا ثابتا للجماعة وإطارا لها، مجردا عن فعل التاريخ ومفارقا لتغيراته". إضافة إلى أن الحداثة عادة ما تطرح باعتبارها "عملا نخبويا". ومن منظور التمهيد دائما، فالعلاقة بين الحداثة والثقافة الشعبية واردة وقائمة؛ ومن ثمّ "التساؤل" حول "كيف صيغت في التجربة العربية، والممارسة العملية، العلاقة بين الحداثة والثقافة الشعبية؟".

وفي هذا السياق، الذي هو سياق ثقافة النخبة و"الأقلّية المبدعة"، تمّت الإشارة وفي أكثر من موضع، وبخاصة من قبل معدّة الملف الناقدة هدى وصفي، إلى "ما أثاره العروي حول الثقافة الشعبية وكيف أنها الطبق الميت الذي يقدّم للغرب" (ص139). إضافة إلى التلميح إلى ما يستخلص من "شبه تحقير" من قبل العروي لهذه الثقافة.

وكان من المفهوم أن تتمّ الإحالة على العروي بالنظر لارتكازه ــ الحدّي ــ على الحداثة في مقابل "التقليدانية" (Traditionalisme) (تبعا للمصطلح الجامع الذي يعتمده)، ما نجم عنه من إقصاء ــ ملحوظ ــ للأنثروبولوجيا الثقافية. فلا مجال لجميع الأسئلة ذات الصلة بما هو شعبي وإثني وشفوي... والقبيلة والمعتقدات والصور والتمثلات الرمزية... إلخ. ولقد بدا موقفه الرافض للأنثروبولوجيا بدءا من مقدمة كتابه (الإشكالي وغير المسبوق في الفكر العربي المعاصر) "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" (1967) الذي كرّس اسمه في العالم العربي. وهو الكتاب الذي صاغ فيه، وضمن ما صاغه من أفكار وتصوّرات، موقفه (الجرّيء) من الفلكلور. فالمقاربة الاثنوغرافية مقاربة "خارجية" ولا تقارن بالمقاربة التاريخية التي تقول بالتقدّم والتطوّر وتنتصر للمكتوب وتنادي بوعي نقدي وتضع نصب عينيها بناء مستقبل. فهذه الأخيرة هي الأنسب لدراسة مجتمع خرج من الاستعمار... أو هكذا لخص بعض الباحثين موقف العروي.

ويلفت العروي الانتباه إلى أن الباحثين الفرنسيين ــ كما في حال المغرب ــ درسوا (والتوصيف له) "بإسهاب الثقافة الشعبية [الفلكلور]"، لكن بهدف محدّد يلخصه في ادعائهم بأنها "وحدها تمثّل ثقافة الشعب الأمّي وما سواها فهو دخيل لا جذور له في المجتمع" في إشارة إلى "الثقافة العربية المكتوبة". والمفارق كما يواصل: "ما أكثر الدراسات الاثنوغرافية التي لم يكن لها داع سوى تضخيم عوامل التناثر والتشتّت" (عبد الله العروي يسائل نفسه/ مجلة "زمان": العدد: 26 دجنبر 2015، ص47).

وفي الفصل الرابع "العرب والتعبير عن الذات" من "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" صاغ العروي موقفه التحليلي والصارم من الفلكلور بعد أن ربطه بثقل الخصوصية أو الثقافة المحلية، وفي المنظور ذاته الذي ينأى بالثقافة الأخيرة عن التطلّع صوب مكاسب "العقل الكوني" ومنطق "الثقافة الكونية". ومن ثمّ التخلّف (التاريخي) الذي يعمل هذا الفلكلور على تكريسه في بنيان المجتمع. يقول في "الإيديولوجيا العربية المعاصرة": "كل عمل فلكلوري، أكان موسيقيا أو تشكيليا أو أدبيا، إنما يرث عن المجتمع الذي يظهر فيه صفة التخلف، بل يمكن القول إنه يستمد منها ما يلصق به من قيمه" (ص208).

ومن وجهة نظر تاريخية فعبد الله العروي لا يميّز بين ما هو "فلكلوري" وما هو "تعبيري" (الإيديولوجيا؟) فقط، وإنما يجعل الفلكلور خارج "قارة التاريخ" أيضا. وإذا ما لم نعدم من صلة للفلكلور بالتاريخ، فهي صلة بـ"ما تحت التاريخ" وليس بـ"مفهوم التاريخ" الذي كرّس له عبد الله العروي كتابا هاما صدر تحت العنوان نفسه (في جزأين) العام 1992. و"مفهوم التاريخ"، من منظوره، لا علاقة له بـ"ما فوق التاريخ" و"ما تحت التاريخ". وكما أن المؤرخ "يقطع" بصرامة مع ما نعته العروي (ساخرا)، في مصنفه "مجمل تاريخ المغرب"، بـ"المستودع البشري" الذي ينكبّ على دراسته الأنثروبولوجي (ص592).

وربما توجّبت الإشارة إلى أن أغلب الأفكار السابقة تعنى بالمغرب أكثر وسواء في الفضاء المغاربي أو العالم العربي بصفة عامة. وكما أن كتاب "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" ــ ورغم عنوانه العربي ــ مكتوب من زاوية نظر مغربية فحسب، وليس من منظور عربي عام، لكن تمّ تلقيه باعتباره نقدا للإيديولوجيا العربية السائدة التي أدّت إلى الحرب العربية ــ الإسرائيلية التي صدر الكتاب قبلها بأسبوعين كما قال عبد الله العروي نفسه في نص الحوار الذي أجرته معه الباحثة المؤرّخة نانسي جلاجير (Nancy Gallagher) تحت عنوان "حياة عبد الله العروي وأزمنته" (مجلة "يتفكرون": العدد السابع 2015) (ترجمة: الحسين سحبان).

ومن منظور اختصاصه ــ المتين ــ في البحث التاريخي خصّ عبد الله العروي بلده المغرب بكتاب تحليلي نقدي (بالفرنسية أيضا) موسوم بـ"الجذور الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية بالمغرب (1830 ــ 1912)" (1977). وأهمية الكتاب، وعلاوة على منهجه الموضوعي والمغاير في كتابة التاريخ وبخاصة مقارنة مع أعمال المستشرقين والسوسوسيولوجيا الكولونيالية، نابعةٌ من تشديده على الطابع الاجتماعي والثقافي للحركة الوطنية. ومعنى ذلك أن الحركة الوطنية هي حركة اجتماعية وثقافية أيضا حتى لا يتمّ حصرها في طابع سياسي إصلاحي فقط. يقول العروي في "هكذا تكلم العروي": "إن هدفي كان هو فهم المجتمع المغربي عن طريق تحليل مظهر من مظاهره إنتاجه الإيديولوجي الذي هو الحركة الوطنية"(ص7). والطابع السوسيولوجي، هنا، مهم ومفيد. وربما في هذا السياق فهمنا قوله في كتابه "مفهوم التاريخ": "نمت الاجتماعيات [السوسيولوجيا] في أحضان علوم التاريخ ثم استقلت عنها ثم عادت لتؤثّر فيها" (ص21).

ومفهوم "النسق" من المفاهيم التي حرّكت آلة عبد الله العروي التاريخية التحليلية في كتابه المذكور، وذلك من خلال ما أسماه بـ"النسق المغربي" الذي يتأكّـد من خلال اللباس والتغذية ونمط السكن واللغة والتواصل والتبادل والهجرات... إلخ. فهو يحذّر من أي تعريف مجرّد للحركة الوطنية، وقبل ذلك فأيّ تعريف من هذا النوع "لا يفيد كثيرا لفهم حالة خاصّة كالوطنية المغربية" (مجلة "زمان"، ص48).

والنسق، أو الأنساق (بصيغة الجمع)، مفهوم قاعدي في النقد الثقافي، لكن دون أن يفيد ذلك إقحام العروي في هذا النقد المحكوم بمقولات وتصوّرات مغايرة. وكما أن النسق مفهوم "تشييدي" ولا داعي للنقد بدليل أنه مفهوم تأويلي خصوصا وأن العروي شديد التركيز على التأويل (التاريخي). يقول في كتابه Esquisses historiques: "ما يجمع بين المؤرّخين هو القراءة؛  وما يفرّق بينهم هو التأويل"(ص15).

والمسألة، في النظر الأخير، وعلى طريق التركيز على الثقافة بغية فك شيفرات الهيمنة التي تمارسها على المجموعات أو داخل المجتمعات، هي مسألة "نسق". وما يهمّ تيار النقد الثقافي، الذي أفاد من تنظيرات مدرسة فرانكفورت بصفة خاصة، هو الكشف عن الطريقة التي يهيمن بها النسق: أي الطريقة التي يجبر فيها النسق الناس ويستغلهم ويخدعهم من أجل ضمان تجدّده واستمراره. وهو ما يتبدى في أكثر من مجال من المجالات وضمنها مجال الأسلوب الذي يوفّر للثقافة الشعبية دمج الناس بالنظام... كما يشرح إيَان كريب (Ian Craib) في كتابه "النظرية الاجتماعية" (ص315).  

المسألة مسألة نسق أو مسألة تصوّر نسقي، ولذلك وجدنا العروي يحافظ على الموقف النقدي ذاته في التعامل مع الفلكلور في مجالات أخرى. فهو لا يحصره في مجال التعبير فقط، وإنما يربطه بمجالات السلوك الاجتماعي والتواصل السياسي. وهو ما يمكن الاطلاع عليه من خلال مؤلفه "المغرب والحسن الثاني" (2005) الذي يعرض فيه لتقبيل اليد والبيعة والولاء والطاعة والكسكس واللباس المخزني... وهي أشكال ورموز وطقوس تمّت "مأسستها" منذ بداية الستينيات من القرن المنصرم وفي دلالة على مغرب قائم بذاته هو "المغرب الفلكلوري" كما ينعته العروي. وهو المغرب الذي اعتمده الراحل الحسن الثاني في هندسة وتثبيت وتكريس حكمه.

ولا يبدو غريبا أن يسهم السياق المجتمعي في التقليد الذي بموجبه بدا المغرب أكثر تقليدانية مقارنه مع الأعوام الأولى من الاستقلال، والأهم معرفة مجمل الشروط التي ارتقت بالتقليد إلى مستوى "المنعطف التقليدي". يقول العروي  في حوار معه معنون بـ"نظرة مؤرخ للمغرب في عهد الحسن الثاني": "الذي يجب معرفته هو كيف يبنى التقليد. يتم تعريف التقليد، عامة، على أساس أفكار، لكن الجوهري، هو المعيش، الموقف اليومي. الجميع يساهم في التقليد في مجتمع مثل المغرب" (جريدة "الاتحاد الاشتراكي": الأربعاء 13 أكتوبر 2009). ومن أبجديات "حفريات المعرفة"، لكي يحصل تغيير لا بد من شروط. والشرط كامن في نوع محدّد من الثقافة وفي إطار من خطاطة "الثقافة والمجتمع" أو خطاطة "التمييز بين التقليد كبنية والتقليد كإيديولوجيا" على نحو ما يستخلصها الباحث المؤرخ عبد الأحد السبتي ــ في سياق مناقشته للعروي ــ في كتابه "الذاكرة والتاريخ ــ أوراش في تاريخ المغرب" (ص80).

وقد عاد العروي لمناقشة الموضوع نفسه من خلال كتابه "الحركة الوطنية" (Le Nationalisme marocain) (2016). وفكرته أن الحركة الوطنية لم تتوقّف مع خروج الاستعمار، بل ظلت مرتبطة بالماضي والمستقبل في آن واحد؛ ما جعلها تفرض ذاتها منذ الأعوام الأولى من الاستقلال. وكان أكبر تحوّل عرفته، وغيّر مجراها التاريخي العام، عندما خلف الملك الحسن الثاني والده في الحكم في فبراير 1961. وكانت الملكية، إلى حدود هذا التاريخ، هدفا لتيارين إيديولوجيين لا يخفيان "عداءهما" للملكية وللملك. التيار الأوّل هو تيار الوحدة العربية، والتيار الثاني هو تيار معاداة الإمبريالية. ولكي يفشلهما الملك الشاب نادى على قوّتين كانتا تظهران في المرحلة غير ممتلكتين للسرعة المطلوبة من أجل مجاراة الأحداث والمرحلة ككل. وكانت القوة الأولى ذات صلة بالخصوصية الأمازيغية، وأما القوة الثانية فذات صلة بالإسلام الشعبي. ومن ثمّ كانت "فرملة الحركة الوطنية".

ومن الجلي، هنا، أن الثقافة الشعبية، وبدلا من أن تسهم في "المقاومة النسقية"، تحوّلت إلى "حزب جديد" داعم لـ"القبضة الفولاذية" للدولة المخزنية والذكورية... على المجتمع. وهو ما يعيد أفكار أنطونيو غرامشي حول "الهيمنة الثقافية" أو "الهيجيمونيا" (في ترجمة البعض) بدافع تحقيق الإخضاع وفرض الإجماع وتعطيل الثورات الاجتماعية.

في هذا السياق أمكننا فهم موقف العروي الصارم من الفلكلور بالنظر لأدواره على مستوى إحداث تحويل في مجرى التاريخ. وذلك كلّه في المنظور الذي أفضى به إلى الحديث عن "الفلكلور الممقوت" تبعا للتوصيف الذي استخدمه في كتابه "استبانة" (بالعربية) الذي صدر في العام نفسه الذي صدر فيه الكتاب السابق.
عبدالله العروي: في "معيار" الحداثة وتلازم الفلكلور والتخلّف التاريخي(2/2)

في مستوى من المستويات، يبدو عبد الله العروي منسجما مع ذاته من ناحية التحليل (تعيينا)، ما لا يخوّل إمكانية دحض تصوّره الرافض للفلكلور... ذلك أن كلامه لا ينتظم في سياق "الإشكالية الأبدية لعلاقات الانشطار أو التقبّل بين ثقافة عالمة وثقافة شعبية" تبعا لتوصيف إفلين باتلاجين (E. Patlagean) في بحثها "تاريخ المتخيّل" (التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، ص 509). ولذلك لا نظنّ أنه بالإمكان أن نطبّق عليه ما يقوله الأنثروبولوجي الأميركي كليفورد غيرتز (Glliford Geertz)، صاحب أكثر من بحث أنثروبولوجي حول المغرب وأحد الممهّدين للنقد الثقافي، "فالأمر هو أنك إما أن تفهم التأويل أو لا تفهمه، وإما أنك ترى الحكمة منه أو لا تراها، وإما تتقبّله أو لا تتقبّله" (تأويل الثقافات، ترجمة: د. محمد بدوي، ص116).

أجل إن العروي لا يسقط في "الإفراط في التاريخ". وقد نبّه إلى مخاطر ما ينتج عن "التخصّص المفرط" [والمتزايد، خاصّة في أوساط الجامعيين] من "آثار سلبية". وقد تكلّم، في أكثر من موضع في "مفهوم التاريخ"، عمّا أسماه بـ"التناهج". ويشرح هذا التناهج، وإن في سياق الحديث عن لوسين فيفر، مؤسّس مدرسة الأنّال (الحوليات)، بـ"التعاون العضوي بين التخصّصات المختلفة على أساس أن التاريخ هو "علم العلوم" (مفهوم التاريخ، ص81). وكما يشرحه بـ"تكامل التخصّصات وتآزر المباحث، لدراسة موضوع من شتى جوانبه" (م ن، ص 188).

ويدافع عن الفكرة حتى من خارج الكتابات التي تجعل من التاريخ مجالا لبلورة وعي نظري بخصوص "مفهوم التاريخ". يقول في "مجمل تاريخ المغرب": "إن تحديد منهاج التاريخ ناتج عن تقدّم العلوم الأخرى: الاجتماعية مثل الاقتصاديات والاجتماعيات والنفسيات، والدقيقة مثل الفيزيائيات النووية والبيولوجيا والإلكترونيات، والفلسفية مثل الإبستيمولوجيا والنقد الثقافي" (ص18).

والعروي على وعي تامّ بحجم نقده للفلكلور، وبخلفية هذا النقد وبالردّ على نقده، ولذلك شدّد، في "هكذا تكلم العروي"، على أن:

"الفلكلور لا يمكن أن يحل محلّ الثقافة الكلاسيكية، ما يسمى أحيانا بالثقافة العليا (Haute culture).

"من لا يعرف هذه الثقافة، أو يعرف شذرات منها عبر الترجمة، يعتبر أن المجتمع المغربي مجتمع إثنوغرافي، عارضت بشدة هذا الموقف، فلم يعجب ذلك كثيرين. فانتقد بعضهم كتاباتي لا بعد تمحيص نظري، بل انطلاقا من اشمئزاز نفساني، اشمئزاز الشاعر من تأكيدات المؤرخ.

"الحق هو أني لا أعادي الثقافة الفلكلورية ولا الأدب الشعبي، ولا أعارض التأليف باللهجة العامية، أيا كانت، ولا البحث في أبنيتها، لكني أرفض أن أتصرّف وكأنّا أمة أمية" (ص38).

بالإمكان القول إن عبد الله العروي يأخذ، من منظور "إبستيمولوجيا المعرفة التاريخية"، بـ"الشكل العقائدي المركّز" للثقافة، والذي بموجبه أحدثت هذه الأخيرة تغيّرا اقتصاديا وسياسيا كما كان يجادل ماكس فيبر، غير أنه يصعب القول إنه يأخذ بالشكل المتنوّع للثقافة. إضافة إلى أنه ليس من الصنف الذي بإمكانه جعل الثقافة تسبق المنهج الاقتصادي والاجتماعي. وهذا لكي لا نشير إلى "الثقافوية" أو "الاتجاه الثقافوي" (Culturalisme) الذي عادة ما يختزل جميع الأشياء أو يردّها إلى الثقافة. يصعب الاستقرار على أن العروي يزاول النقد الثقافي، وسواء عن قصد أو عن غير قصد، ومرد ذلك إلى تصوّره للثقافة المحكوم بمنهج متعين وبعجين مفاهيم... على الرغم من صعوبة رصد هذا المنهج والعجين أو استخلاص ملامحهما الكبرى، رغم المفاهيم البارزة التي يوظفها العروي في تحليلاته.

غير أن السؤال العريض الذي يفرض ذاته بإلحاح على هامش تعاطي العروي للموضوع: لماذا ما زال العروي محافظا، أو بالأحرى مصرّا، على الموقف ذاته من الثقافة الشعبية، رغم جملة من المتغيّرات والتبدّلات والتحوّلات التي لوّت بأنساق بأكملها من الكبرى والصغرى في آنٍ واحد؟ وعلى نحو ما تجسّدت في أشكال من انفجار الهويات ودفق عمل الذاكرة وتحوّلات السرد؟

المشكلة ذات صلة بـ"التصنيف" وبما يعتمل داخل هذا التصنيف من تصوّرات وعلى النحو الذي يفضي إلى مواقف محدّدة قد لا تخلو من "تعميمات"، خاصة أن التصنيف ــ هنا ــ يحرص على التأثير في الموضوع بدلا من أن يكون على هامشه أو أن يكون مجرد وصف له أو حتى بمثابة حفرٍ أو حرثٍ فيه.

من الجلي أن الأنثروبولوجيا همّشت لوقت طويل. ولم يطرح أوّل ملف حول الثقافة الشعبية من قبل "الإنتلجينسيا" في المغرب، وممثلة في هيئة "اتحاد كتاب المغرب"، إلا في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم. وهو ما يمكن الاطلاع عليه في مجلة آفاق: السلسلة الجديدة، العدد: 9 يناير 1982.

وعندما يقرن العروي التعابير الفلكلورية بعلامات الانحطاط، فهل يعني ذلك أن الانتلجينسيا "حداثية" من تلقاء ذاتها، مثلما أن الدولة "حداثية" بدورها ومن تلقاء ذاتها، كما قال زكريا الرحني في سياق مناقشة الموضوع نفسه في كتاب جماعي (Après l’orientalisme) (ص157-158). ليس موضوعنا هو الأنثروبولوجيا الكولونيالية أو أفضال الأنثروبولوجيا، وإنما موضوعنا هو إشكالية الموقف منها، وعلى وجه الخصوص ذلك الصنف من الموقف الذي هو قرين تحقير الأنثروبولوجيا وقرين السقوط في كراهيتها... ولو من موقع استيعابها في أصولها وتياراتها الأساسية، ودون أن يكون في نيتنا أن نجعل من الأنثروبولوجيا القضية ومن القضية الأنثروبولوجيا في مجال البحث التاريخي ومجال العلوم الاجتماعية بصفة عامة... ومن دون أن يكون في نيتنا أيضا أن نجعل من المجتمع مجلى للفلكلور أو الثقافة الشعبية بصفة عامة... أو أن ننفي جملة من المشاكل عن الفلكلور، لكن دون أن نسقط في نظرة توحده وتبخسه في الوقت نفسه.

فاقتران العروي بـ"التاريخانية" (Historicisme)، ومن حيث هي "ردّ" على التخلّف التاريخي، ودفاعه عن الفرد في سياق "الوعي التاريخي"... يجعله لا يعتقد في جدوى مفاهيم مثل الحسّ المشرك والجمالية الشعبية... وصولا إلى ربط الثقافة الشعبية بسؤال الحاضر وفي إطار من الوصل ما بين الرؤية والعمل على أرض الثقافة ذاتها، ووصولا أيضا إلى إمكان القول بأن "الثقافة الشعبية هي ديوان الوعي الجمعي لدى العرب" على نحو ما ورد في تمهيد مجلة "فصول" (ص9).

فكرة أخرى تفرض ذاتها في منجز العروي، بخصوص الفلكلور أو الثقافة الشعبية بعامة، ومفادها: أليس هناك من إمكان للنظر لهذه الثقافة من خارج تلخصيها في مجرد أداة للإخضاع الثقافي؟ وألا تكشف الثقافة الشعبية عن نوع من الإنتاج؟ وألا تسمح الثقافة الشعبية بنوع من التمييز بين الإنتاج والإنتاج المكرّس للإخضاع والاستخدام والتوظيف؟ وما حجم هذا الإنتاج الأخير؟ وألا يمكن القول بأنه حجم ثانوي؟ وهو ما يمكن التعمّق فيه من خلال "نظرية ثقافية مغايرة" على نحو ما يكشف عنها كتاب الباحث الإنكليزي جون ستوري "النظرية الثقافية والثقافة الشعبية"، ما يجعلنا بصدد الإفادة من حقل "الدراسات الثقافية" في ارتكازها على عدم التفريق بين الثقافات على مستوى التحليل والتفسير والتقويم.

أسئلة أخرى، عريضة بدورها، ومن دون أن يفيد ذلك أيّ نوع من التخندق وراء السؤال في حدّ ذاته، وهي كالتالي: إلى أيّ حدّ يمكن النظر إلى هذا الفلكلور وكأنه مجنّد لخدمة أغراض داخلية وخارجية فقط؟ وألا يمكن التعامل معه أيضا من خارج علاقة الدولة بالمجتمع؟ وإلى أيّ حدّ يمكن التشبث برفض فكرة "وحدة التعبير"، بل عدّها "فكرة خاطئة" وعلى النحو الذي يدفع بصخرة الثقافة الشعبية إلى خارج ملعب الثقافة ككل؟ وإلى أيّ حدّ يمكن الاعتقاد بجدوى النظرة الموحّدة بخصوص الثقافة الشعبية؟ وألا يسلم العروي نفسه من نظرة تقوم على تراتب الأنواع والثقافات، ما يسقطه في نظرة تراتبية تحول دون التعامل مع الثقافة الشعبية في وحدتها ذاتها التي لا تخلو من تنوّع وثراء ومزايا؟ وألا يمكن القول بأن الثقافة الشعبية لا تخلو من "طرائق التلاؤم" (بالاصطلاح الأنثروبولوجي) مع هيمنة "ثقافات النخبة" في مجالات العيش التشارك والإنتاج... وفي مجالات الترميز والإبداع والكتابة؟ وألا يمكن القول بأن النخبة غير منعزلة بالكلية عن مكوّنات الثقافة الشعبية؟ وأن هناك اشتراك وتداخل بينهما؟ وألا تنطوي الثقافة الشعبية على نوع من "الردّ" على الأصوليات الدينية العمياء؟ وما الذي يجعل التيار الرئيس في الإسلام السياسي لا يخوض في "التديّن الشعبي السمح"؟

لا يمكن تلخيص الثقافة الشعبية في مجرد تراث ميّت أو موروث منهك... ومفصول ــ بالتالي ــ عن الواقع في حركيّته الحيّة؛ ما يدفع إلى "القطيعة" معه. ومن ثم فإن ما رأت فيه الناقدة هدى وصفي ــ في خلاصة ندوة مجلة فصول (ص156) ــ في الثقافة الشعبية من "إمكانية مستقبل وطاقة تجدّد إذا ما امتلكت شروط المستقبل وسؤال التجدّد"، هو ما يظل وقفا على طبيعة نظرة مغايرة تتأطر ضمن تصنيف مغاير للتصنيف الذي ينتظم فيه العروي وإن عبر أفكار مؤسّس لها.

إن عدم إقرار العروي حتّى بـ"محدودية الثقافة الشعبية" يدفع إلى توصيف موقفه منها بـ"المحيِّر"؟ ولا أدري إلى أيّ حدّ يصلح أن نختم بأن "عمل العروي يثقف، لكنه في مجمله فوقي" على نحو ما قال الكاتب ياسين الحاج صالح في مقال له "في نقد عبد الله العروي".

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
عبد الله العروي: في "معيار" الحداثة يحيى بن الوليد 1 أبريل 2018
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات :: نقولات :: أدبية-
انتقل الى: