كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار مع محمد أنقار "الهوى المصري بعضٌ من كياني"

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1821
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: حوار مع محمد أنقار "الهوى المصري بعضٌ من كياني"   السبت مارس 10, 2018 10:59 pm



الكاتب الجوال


محمد مشبال

لاشك أن رواية المصري رواية حوارية من الطراز الأول؛ أي إنها نسجت عالمها التخييلي في سياق تحاورها مع مجموعة من النصوص السردية التي شكلت تراث الرواية الإنسانية. ولعل شخصية أحمد الساحلي أن تمثل نموذجا إنسانيا يكتسب غناه في التقائه مع شخصيات الأدب العالمي وافتراقه عنها.إن تفكيرك في هذه الشخصية لم يكن استثمارا للتجربة الحياتية فقط ولكنه كان أيضا تأملا وقراءة في نماذج إنسانية صاغتها مخيلة الروائيين في تاريخ الإبداع الروائي. ومن الواضح جدا أن رواية المصري استلهمت رواية ثربانطيس "ضون كيخوطي" في سمات عدة، ولكن ما يخطر في البال لأول وهلة هو ذلك الإطار السردي العام المتشابه بين العملين؛ أعني خروج "ضون كيخوطي" ساعيا إلى تحقيق ما قرأه في كتب الفروسية وخروج أحمد الساحلي ساعيا إلى التقاط مادة للكتابة الروائية، وكل منهما يصاب بخيبة الأمل التي تؤدي إلى الإحساس بالنهاية. ولكن بين الشخصيتين اختلاف واضح في السمات أبرزها أن أحمد الساحلي شخصية تراجيدية تشعر بالخيبة والعجز والضعف والنهاية الوشيكة بينما لم يكن ضون كيخوطي العائش في الوهم يشعر بالذنب أو الخطأ أو المسؤولية؛ إنه شخصية هزلية تثير أجواء الضحك والبهجة بعيدا عن أي طابع تراجيدي.باختصار إن رواية المصري تستعيد رواية المغامرة بطريقة ساخرة كما فعل ثربانطيس هو الآخر بطريقته.نريد أن نعرف لماذا هذه المحاكاة لعمل يعد من الأعمال التي شكلت نشوء الجنس الروائي في الأدب الإنساني؟

محمد أنقار.

" المصري " هي رواية الحوار بمعناه الواسع. إنها عمل يحاور عديدا من النصوص السردية العالمية والعربية مثلما يحاور الرواية المغربية ذاتها.وفضلا عن ذلك تحاور رواية "المصري" الحياة البشرية نفسها بمختلف نماذج شخصياتها وأنماط السلوك والأمزجة. وهي تفعل ذلك أحيانا بطريقة صريحة عندما تستحضر أسماء بعض الروائيين وأعمالهم من قبيل نجيب محفوظ وغابرييل غارثيا ماركيث وإميل زولا. إلى جانب كل ذلك ثمة درس التحاور بين مختلف أنماط الإبداع الذي تعلمته في مرحلة الكتابة الإبداعية والنقدية المتأخرة وإن كنت قد استشعرته بطريقة ساذجة وصلت إلى حد التقليد في كتابات مرحلة الشباب خلال الستينات.وحسب رأيي فإن اصطلاح الحوار أو التحاور بين أنماط الإبداع الإنساني ونصوصه أدق من مصطلح التناص الذي قد يوحي لفظيا بالمضاهاة الحاسمة أو المحاكاة الجازمة بين نص أدبي سابق وآخر لاحق.ذلك أن المبدع المتأخر عادة ما لا يصبو إلى استلهام النص القديم بوصف هذا النص خشبة أو مادة جامدة، وإنما من حيث هو عمل إنساني مضمخ بماء الحياة. لذلك أرى أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن التناص حديثا علميا قطعيا. والأرجح في هذا المضمار الحديث عن حوار أدبي وإنساني رحب بين نصوص الإبداع العالمي.

أما بخصوص استلهام " المصري " رواية "ضون كيخوطي" فذاك أمر لا يمكن أن يخفى عن كل ناقد أو قارئ للرواية العالمية. إن "ضون كيخوطي" تمثل أسلوبا عتيدا ضمن أساليب الرواية والحكي الإنساني في عمومه؛ الأسلوب الذي يصور خروج البطل إلى المجتمع والطبيعة والحياة ذاتها من أجل طلب المغامرة، مدفوعا بحافز أو حوافز إنسانية يصعب تحديد معالمها بدقة تامة. وما من شك في أن صيغ تصوير هذا الحافز تتباين بحسب تباين الروايات والكتاب. ومع ذلك يظل ثمة دوما حافز وخروج وتصوير. وفي رأيي أن ماهية النوع الروائي تتحقق في المسافة القائمة بين مرحلتي "الحافز" و"الخروج".والواقع أن مظاهر هذا الأسلوب وملامحه الأولى قد تجلت في أعمال سردية قبل "ضون كيخوطي" لعل أبرزها " ألف ليلة وليلة " التي يمكن اعتبارها نموذجا فذا لتصوير مغامرات " الخروج " التي تقف وراءها حوافز شتى ليس بينها، بالضرورة، حافز تطبيق المقروء المستخلص من كتب الفروسية. لكن في مقابل ذلك تظل في " ألف ليلة وليلة " حوافز الجنون والخوارق والوهم والإحساس القوي بنبض الحياة.وهكذا حكت "ألف ليلة وليلة " ركاما من الحكايات من أجل تصوير عمليات " الخروج " وتشخيص الحوافز التي تقف وراءها. ولقد أبقى ثربانطيس على خطة إركام الحكايات المستمدة بوضوح من " ألف ليلة وليلة " وركز على حافز بعينه استشرفه من المعين الحياتي للواقع الغربي المتمثل في تأثير روايات الفروسية، ومن خلال كل ذلك عمل على تشذيب خوارق " ألف ليلة وليلة " وتعويضها بخارق أساس هو حالة الوهم التي تمكنت من ضون كيخوطي.وما من شك في أن هذه النقلة الجمالية من " ألف ليلة وليلة " إلى " الكيخوطي " هي التي أسهمت إلى حد بعيد في نشأة الشكل الروائي الغربي في صورته الحديثة.

تلك بعض أسرار الحكي في رواية "الكيخوطي" وما قبلها. ولقد حاولت رواية "المصري " أن تستلهم بعضا من تلك الأسرار لكن بأساليب غير مباشرة ومفارقة في نفس الآن. و لا أريد في هذا المقام أن أكشف مظاهر وتفاصيل تلك العلاقة الجمالية الملموسة، و إنما سأترك تلك المهمة للنقاد. ولكن في مقابل ذلك سأكتفي بالإجابة عن السؤال العام المطروح عليّ فأقول إن سبب هذه "المحاكاة" هو الرغبة في الكتابة على منوال نهج سردي قديم يراعي متعة الحدوتة بما فيها من حيوية ومغامرة وتشويق. وأنا أعلم جيدا أن هناك، بالطبع، النهج السردي الآخر المعاصر الموجود الذي يدعو إلى التشظية وتغييب الحدوتة. ومن البيّن أن المبدعين أحرار في اختيار أحد النهجين دون الآخر. أما بالنسبة إليّ فقد مِلت منذ عهد الشباب إلى حكي الحدوتة وكتبت في ضوئه قصصي القصيرة ورواية "المصري ".

أما بخصوص التشابه والاختلاف بين شخصيتي ضون كيخوطي وأحمد الساحلي فأرى أن وحدة "الخروج" متحققة لديهما معا على الرغم من اختلاف "موضوع" ذلك الخروج عند كل منهما والحافز الذي يقف وراءه.بيد أن عنصر الكتب يجمع بين الرجلين بصيغة أو بأخرى. ومع ذلك أرى أن مأساة أحمد الساحلي أخطر من مأساة البطل المانشي الذي يغامر وهو على يقين تام بأن ما يقوم به هو عين الحقيقة، في حين يعي الساحلي جيدا أن مغامرته واهية من الأساس، كما يدرك جيدا ثغراتها واحتمال فشلها. لذلك فهو شقي بوعيه، في حين كان ضون كيخوطي سعيدا بعدم وعيه. وربما كانت علة هذا الفرق تكمن في كون الساحلي ينتمي إلى عصر وبيئة لم تعد فيهما نشأة الجنس الروائي مطروحة ولا هي مطروحة مسألة الأنواع الروائية " القاتلة ". ذلك أن جنون الكيخوطي له ارتباط وطيد بتأصيل جنس الرواية في الأدب الغربي وكذا بإدمان "نوع" من أنواعه. وهكذا يبدو كأن رواية ثربانطيس تحذر من كتابة وقراءة نوع روائي بعينه. وهو بقدر ما يعمل على تثبيت الجنس الروائي في التربة الغربية يدعو في الوقت ذاته إلى استثمار أنماط أخرى من السرد لكي لا يظل هناك احتكار ضار لنوع محدد. وفي هذا السياق لابد من الإشادة بالطفرة الجمالية الرائعة التي حققها أمبرتو إيكو بروايته "اسم الوردة" التي أفلح من خلالها في الكشف عن الخطورة " القاتلة " للنوع المسرحي الموسوم بالكوميديا. لقد أنجز إيكو تلك الغاية بواسطة السرد الروائي. بيد أن ماهية السرد الروائي لم تكن غايته عكس ما كان عليه لدى ثربانطيس. ومع ذلك فإن خطوة إيكو حسب رأيي تكاد توازي خطوة ثربانطيس في مجال الكشف عن الخطورة التي تكتنف بعض الأجناس والأنواع الأدبية. ويبدو لي أن الغرب قد تجاوز الخوض في مثل هذا الإشكال من خلال عديد من روائع روايات المكان، في حين لا تزال الرواية المغربية بصدد البحث والتجريب على الرغم من كثرة النصوص التي كتبت عن الأمكنة المغربية لكنها لم تجب بعد عن السؤال المعلق. وتحاول تجربة أحمد الساحلي أن تمضي في هذا السبيل المغامر. أما مسألة توفقها أو عدم توفقها فيما ابتغته فأمر متروك مرة أخرى للنقاد.


الهوى المصري


محمد مشبال.

على الرغم من ثقافتك الإسبانية وقراءاتك في الرواية العالمية ومشاهداتك للسينما الغربية، فإن الثقافة المصرية المتمثلة في الآداب والسينما والموسيقى والرسم والفكر، تعد أحد الروافد المهمة في تكوين شخصيتك العلمية ومخيلتك الإبداعية.أريد أن تحدثني عن الآثار التي كانت تحدثها هذه الثقافة في نفسيتك ووعيك في فترة مبكرة من حياتك؟ ولماذا لم تنجح ثقافتك الإسبانية والغربية عموما أن تنزع من وجدانك الولع بعالم الثقافة المصرية وتتخلص من فتنتها؟


محمد أنقار.

ولدت في شارع من شوارع النيّارين بحيّ الطرانكات العتيق قبل أن تنتقل العائلة بالسكنى إلى حي الباريو المفتوح على الهواء والشمس.ولقد قضيت في النيّارين حوالي ثلاث أو أربع سنوات من طفولتي الأولى قبل أن يتم الانتقال. ولكن يجب أن أعترف بأن سمات تلك السنوات القليلة قد انطبعت في أعماقي إلى الأبد وكيفت مزاجي وشخصيتي إلى يومي هذا. ولعل أبرز السمات تلك التي كانت لها صلة بالغناء المشرقي عامة والمصري خاصة.وبذلك كانت الثقافة المشرقية سباقة إلى التأثير فيّ قبل الثقافة الإسبانية التي سأحتك بها لاحقا في حارة باريو مالقة.

كان شارع أحمد بن عمرو حيث ولدت ينفتح على مقهى شعبي قريب. ومن صور تلك الحقبة الراسخة في الأعماق في أواخر الأربعينات وقوفي الطويل عند نهاية الشارع منكمشا في جلبابي الصوفي الأبيض، متأملا المقهى في صمت، معاينا زبناءه على بعد حوالي ستة أو سبعة أمتار، منصتا إلى أغانيه المشرقية، والمصرية على وجه التحديد مع بعض الأغاني المغربية الصادرة عن صندوق الراديو. لكن الألحان التي كانت تطغى وتهيمن مصرية. وبالطبع لم أكن أستطيع في تلك الفترة وأنا طفل الكُتّاب أن أميز بين ولحن ولحن، و أغنية وأغنية، و إنما كان حدسي يشتغل بحدة؛ يدي داخل الجلباب الصغير، ورأسي مغطى بالقب، والألحان المصرية تتعاورني وتفتك بجسمي الفتي. وسأعرف لاحقا عندما أكبر أن الأمر كان يتعلق بألحان وغناء زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وسيد درويش ورياض السنباطي ومحمد القصبجي ومحمد الكحلاوي… وسأدرك فيما بعد أن ذلك كان أول مظهر من مظاهر احتكاكي بالفنون بعد المظهر الأول المتمثل في استماعي إلى الحكايات الطويلة لعمي عبد العزيز رحمه الله.

كان الغناء والألحان المصرية يتسرب إلى كياني من خلال مسام جلدي. بمعنى آخر لم تكن الموسيقى المصرية أحاسيس عابرة بالنسبة إلي، وإنما كانت تتسلل مباشرة إلى أعمق أعماق الكيان.فلقد ولدتُ بحساسية مرهفة جدا، وكانت هذه الحساسية شديدة التأثر بكل ما هو جميل وفاتن وصادق ومتقن الصنع. وبالطبع لم أكن في تلك الفترة المبكرة جدا من عمري أفهم شيئا أو أدرك مجريات الأمور إنما كانت حساسيتي هي التي تهديني نحو كل فاتن منساب فأنساق معه من دون وعي، ولكن بتأثر شديد.

لكل ذلك كان من الصعب جدا على شخصيتي أن تتخلص فيما سيأتي من أيام من تأثير الغناء المصري الذي سينضاف إليه تأثير الأناشيد الوطنية المغربية والمصرية التي كان يحفظها لنا المرحوم ورياش، ثم تأثير أساتذة البعثة التعليمية المصرية خلال دراستي الثانوية، وأخيرا تأثير الكتب والمجلات والأفلام المصرية.

بعد مرحلة الكتاب دخلتُ المدرسة الابتدائية وأنا صبي في الباريو. وفي المدرسة الابتدائية ستبدأ التأثيرات الغربية عامة والإسبانية بصفة خاصة. ولقد أحسنتَ التعبير عندما قلت إن الثقافة الإسبانية لم تفلح في أن تنتزع من وجداني الولع بالثقافة المصرية. ومازلتُ أتذكر أننا بدأنا ندرس اللغة الإسبانية منذ السنوات الأولى في التعليم الابتدائي إلى جانب اللغة العربية. لذلك وجدت الثقافة الإسبانية في أعماقي مكانها جنب الثقافة المصرية من دون أن ينجح أي منهما في أن يمحو الآخر.

محمد مشبال.

يومئ عنوان روايتك" المصري" وعنوان مجموعتك القصصية الأولى"زمن عبد الحليم" إلى الحضور البين لظلال الثقافة المصرية في مخيلتك.إنهما تعبيران بلاغيان عن ذلك الانصهار الذي حدث للمثقف المغربي في عوالم الثقافة المصرية،وعن حنين إلى زمن هذه الثقافة على نحو ما انطبع في أذهان ووجدان المثقفين المغاربة وكيَّف أحلامهم.لقد صورت رواية المصري أحاسيس المثقف المغربي وانطباعاته المفعمة بالحلم المشرقي وصور الثقافة المصرية؛ أي إنها صورت أحد أهم مكونات الشخصية المغربية.هل يعني هذا أن رواية المصري رامت التواصل مع الواقع بشكل أكثر صدقا وإقناعا عندما قالت ما لا يقوله الواقع الثقافي؟

محمد أنقار.

لن أستطيع مهما حاولت نكران التأثير المصري في مخيلتي وسلوكي وحتى في صياغة جملي وكتابة خطي ونمط الحياة الثقافية الذي اخترته أولا بتلقائية ثم بوعي بعد تقدم العمر. أما بخصوص سؤالك الدقيق جدا فأقول إن النقد الروائي هو الجدير بالإجابة عنه. لكن على الرغم من ذلك يمكن أن أقدم بهذا الشأن بعض التوضيحات التي لن تتسرب إلى تفاصيل الحبكة الروائية ولا إلى فضحها.

لقد قصدت إلى أن تكون " المصري " رواية الحياة وليس رواية الصنعة الأدبية وكفى. لست أدري مدى توفيقي أو عدم توفيقي في تحقيق هذه الغاية. وبصيغة أخرى أكثر اتساعا أقول إن كل ما أكتبه أريده أن يكون نابضا بالحياة صادقا في تصوير أحاسيسها وعواطفها. وحيث إن الهوى المصري بعضٌ من كياني كما سبق أن أوضحت؛ فقد صبوت إلى أن أصفّي حسابي الجمالي مع هذا المكون الثقافي الذي كيّف ثقافة جيلي وأسهم بحدة في تشكيل مزاجه ونموذجه الحياتي.أتذكر أننا عندما كنا طلبة في كلية آداب فاس في الستينات كنا ندمن الإنصات إلى الراديو. نتابع من خلاله أدق تفاصيل الحياة الثقافية والفنية في مصر، وآخر أغاني أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد رشدي. نستمع إلى برنامج " شارع الصحافة " يوميا لكي نكون على بيّنة بما يقع في مصر من أحداث ثقافية. وفي المساء نتسابق على مكتبات حي الطالعة من أجل الظفر بالعدد الأخير من " المجلة " أو "الهلال" أو "الآداب". ولقد حفظ وجوهنا أصحابُ المكتبات، حتى إذا ضاع منا عدد ولم نحصل عليه سهل علينا أن نعرف من "خطفه" من السوق مادام مدمنو الصحافة الأدبية المشرقية مشهورين بين طلاب كلية آداب فاس في تلك الفترة. ثم كانت هناك كتب النقد الموسيقي والتشكيلي والمسرحي والسينمائي. بمعنى آخر إن ازدهار الصحافة الأدبية والفنية وعموم الثقافة المصرية قد وافق بدرجة كبيرة تفتح جيلي على الحياة نفسها، فكان أن زودنا هذا المصدر بما تتوق إليه عقولنا وتهفو إليه نفوسنا، فنهلنا وكان النهل يسهم في تشكيل شخصياتنا من حيث ندري أو لا ندري. لقد كانت محطة ثقافية يستحيل تجاوزها أو تناسيها. لذلك لم يكن من المنطقي أن أغض الطرف عن كل هذه التأثيرات حينما عمدت إلى كتابة رواية " المصري ". والحق أنني لا أود أن أدين واقعنا الثقافي إن هو تجاوز دور المكون المشرقي في تشكيل رؤانا و تصوراتنا. و عندما أسمع مثقفا أو سينمائيا مغربيا ينكر بجرة قلم أثر ذلك المكون أقول في نفسي إنه معذور مادامت ظروفه الحياتية والثقافية لم تتح له فرص التمرس بمظاهر الثقافة المشرقية عامة والمصرية خاصة.

محمد مشبال.

إن رواية المصري لا تعبر عن أهمية الحضور المصري في ثقافة الإنسان المغربي ومخيلته فقط ولكنها فيما يبدو تصحح وتنتقد وضعا ثقافيا عاشه المبدع المغربي الذي يبدو وكأنه مارس إبداعه الأدبي والفني مغيبا صوت الإبداع المصري. عندما نقرأ"المصري" في سياق الأعمال الروائية المغربية، أو على الأصح عندما نتأمل تجربة أحمد الساحلي الأدبية نشعر أن ثمة فرقا بينها وبين التجارب الروائية المغربية التي أنجزت حتى الآن.هل تريد "المصري" أن تقول لنا إن المخيلة الروائية المغربية لم تفلح في استثمار ذلك الثراء الأصيل من التواصل الأدبي والثقافي والوجداني بين المغرب ومصر؛ أي إن هذه المخيلة لم تكن صادقة مع نفسها ومع تاريخها عندما لم تدخل في حوار خلاق مع النموذج الإبداعي المصري الذي شكل جزءا من وجدان المثقف المغربي وذاكرته؟

محمد أنقار.

أخاف أن أظلم الرواية المغربية إذا قلتُ إنها لم تكن صادقة مع نفسها ومع تاريخها عندما لم تدخل في حوار مع النموذج الإبداعي المصري. وكما يمكن أن يفهم من جوابي عن النقطة السالفة؛ ربما كانت لدى عديد من المبدعين المغاربة مصادر استلهام أخرى غير النموذج المصري، أو إنهم استلهموه بطرائقهم الخاصة حسبما يمكن رصده لدى غلاب وابن جلون وبرادة ورشيد يحياوي وسواهم. صحيح أن معظم الروائيين المغاربة قد استفادوا كثيرا من جماليات الرواية المصرية إلا أنهم لم يضعوا بعدُ النموذج المصري نصب أعينهم بوصفه موضوعا جماليا يقتضي تحاورا. ثم لا يجب أن ننسى أن عمر الرواية المغربية قصير جدا، وأن أنماط التجارب والمدارس الفنية التي تمرسنا بها محدودة هي الأخرى مما قد يعني أن الباب لا يزال مفتوحا أمامنا جميعا من أجل أن نترع من هذا المنبع الثرّ.


محمد مشبال.

يمثل أحمد الساحلي شخصية مشتقة من واقع مدينة تطوان بجغرافيتها وقيمها الاجتماعية، على نحو ما يمثل شخصية مشتقة من الثقافة المشرقية المصرية؛ إنه مزيج مركب من التواصل الثقافي المغربي المصري الذي وسم حياتنا الثقافية المغربية.هل نستطيع القول إن " المصري " عمل روائي يصور تاريخ الوجدان المغربي المفعم بظلال الثقافة المصرية؛فقد بدت مخيلة أحمد الساحلي وإرادته الإبداعية وأحاسيسه الداخلية وكأنها تستمد نشاطها وقوتها وموضوعها من العوالم السحرية والصور الفاتنة التي خلقتها الآداب والفنون المصرية الحديثة في وجدان المثقفين المغاربة. هل يمثل أحمد الساحلي نموذجا للمثقف المغربي الذي سعى إلى تحقيق ذلك التواصل التاريخي على مستوى الإبداع الروائي ؟

محمد أنقار.

أتفق معك على أن أحمد الساحلي يمثل نموذجا للمثقف المغربي الذي صبا إلى تحقيق التواصل التاريخي والروائي مع واقع الثقافة المشرقية والمغربية. والحق أنه نموذجي أنا ونموذج عديد من أفراد جيلي كما سبق أن أوضحت ولكن من دون أن نعمّم. إن أحمد الساحلي غارق حتى أذنيه في بحر الثقافة المصرية لأن أبرز أساتذته في الثانوي كانوا مصريين، ولأن ثقافة الراديو والكتب والمجلات التي وجدها في متناول يديه حينما انفتح على الدنيا كانت ثقافة مصرية. وحتى تطوان نفسها في عِقدي تفتحي خلال الخمسينات والستينات كانت غارقة هي الأخرى في بحر تلك الثقافة. فالهجرة إلى مصر من أجل متابعة الدراسة أمل. وتقليد بعض المجلات التطوانية مثل الأنيس والأنوار والعلوم والفنون مجلات مصر، شكَّل نزوعا لدى بعض رواد النخبة المثقفة. واستقبال الشخصيات المصرية المرموقة في تطوان عيد. ثم لا يجب أن ننسى مقتضيات الحركة الوطنية المغربية التي ارتبطت منذ بداياتها بمصر. وتحاول شخصية أحمد الساحلي أن تصور كثيرا من تلك التفاصيل، ولكن الساحلي يظل على الرغم من كل ذلك نموذجا روائيا مغربيا من بين نماذج عدّة تحتاج إلى مزيد من التأمل والتصنيف.


محمد مشبال.

لقد ساد طوال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي شعور عام عند الأجيال المغربية الشابة من مثقفين ومبدعين أن الثقافة المصرية غير مجدية في ظل سيادة قوية لمرجعية الثقافة الغربية الفرنسية التي اكتسحت أفكارها ومناهجها الجديدة الجامعات المغربية بشكل لافت للنظر. على هذا النحو لم يعد الباحثون المغاربة ينظرون إلى الثقافة الوافدة من الشرق نظرة الإعجاب التي كانت من قبل. فالقاهرة لم تعد مركزا علميا يجذب الطلبة المغاربة الممنوحين، ولم يعد نجيب محفوظ يتمتع بالجاذبية التي تمتع بها في الستينات، ولم يعد الكتاب النقدي المصري يثير اهتماما يستحق الذكر، وأضحت السينما المصرية مثالا للسخرية والتندر بعد أن سحرت القلوب،وترك رحيل عمالقة الغناء المصري فراغا شغلته الفرق الموسيقية الغربية.باختصار شهدت هذه الفترة أفول عصر الثقافة المصرية في المغرب على الرغم من النجاح الذي كانت تحققه الدراما التلفزيونية في جميع الأقطار العربية.هل كان في نظرك هذا الموقف من الثقافة المصرية يعبر عن حاجة ضرورية للتخلص من هيمنة نموذج مشرقي متهالك أم كان موقفا خاطئا تم فيه إهدار مكون جوهري في الثقافة المغربية كان علينا أن نتحاور معه؟ أريد أن أعرف قراءتك لهذا التحول في علاقة المثقف المغربي بالإبداع الثقافي المصري؟

محمد أنقار.

حدث بالفعل تحول في الموقف من الثقافة المصرية خلال الثمانينات والتسعينات. كانت آثار العولمة تزحف على الجميع ولا تُبقي على الاستثناءات. والحق أن الحنين الذي يشعر به جيلي نحو أعلام الأدب المصري "القدامى" لم يفتر إلى يومنا هذا. إنه حنين يجعلنا في حالة انتظار مستمرة لظهور عَلَمٍ آخر اليوم في مستوى العقاد أو طه حسين أو عبد الوهاب أو صلاح أبو سيف ومن إليهم. بيد أن تراجع مستوى المجلات الأدبية المصرية وارتباك الحركة النقدية قد جعلانا نشعر بكثير من الأسى. وكما تعلم فإن متابعتنا المستمرة لجريدة " أخبار الأدب " تندرج في سياق هذا الحنين الحزين، وكذلك الشأن مع القنوات التلفزية المصرية التي نشغّلها بدافع الوهم الذي يجعلنا ننتظر أن نشاهد من خلالها يوميا صور نجيب محفوط وبالطبع لا يحدث ذلك. . فالفورة قد فترت بينما الأمل معقود باستمرار على عودة الروح.

هذا فيما يخص جيلنا. أما الأجيال الجديدة التي لم تحتك مثلنا بالنموذج المصري احتكاكا قويا فلها اعتباراتها الأخرى التي لا يلزم بالضرورة أن تنطبق علينا. وأظن أنه لا يجب الحديث عن "التخلص" أو "الخطأ" قدر ما يجب أن نتحدث عن معضلة واقعنا الثقافي التي لا تكاد تُفهم. ولقد سبق أن أشرت قبل قليل إلى تأثيرات العولمة الشاملة مما يعني بالنسبة إلى الأجيال الجديدة وفرة النماذج الثقافية وتنوعها وتناقضها. لقد كانت مصر بحكم ظروف ثقافية خاصة سباقة إلى ريادة النهضة الثقافية الحديثة كما نعلم جميعا. لكن منطق العولمة والسوق والربح السريع يكاد يسوي اليوم فيما بيننا. بل يمكنني أن أقول في هذا المضمار إن الثقافة المغربية نفسها يمكن اليوم أن تغدو نموذجا ثقافيا له سماته المميزة لو أحسنا تسويقه وعرضه وتقديمه. لكل ذلك يمكننا أن نتحدث عن التحولات وليس عن "الأخطاء" أو "تصفية الحسابات" مع النماذج الثقافية التي سادت ومازالت تسود.


معضلة نجيب


محمد مشبال.

لنجيب محفوظ مكانة خاصة عندك على الرغم من أنك لم تترجم شغفك به إلى دراسات نقدية منشورة . هل نستطيع القول إن إحدى غايات رواية "المصري" ، التعبير عن الشغف الروحي الذي تكنه لهذا الكاتب المصري على مدى أكثر من أربعين سنة؟

محمد أنقار.

هو بالفعل شغف روحي قديم؛ فقد كتبت رواية "المصري" من أجل تصوير بعض هذا الشغف الذي أكنه لنجيب محفوظ منذ أن كنت تلميذا في المرحلة الثانوية. ولقد حاولت في تلك الرواية أن أصف أول لقاء لي مع إبداع نجيب محفوظ من خلال قراءة روايته"القاهرة الجديدة"، وأعترف لك في هذا الصدد بأن معظم ما جاء في ذلك الوصف في رواية "المصري" حقيقي إلى حد بعيد، مع التحويرات التي اقتضتها بالطبع الضرورة التخييلية.

وبعد أن تخرجت في سنة 1967 أستاذا للطور الثاني وعينت في ثانوية التقدم بالقنيطرة صادفت أن كانت رواية "زقاق المدق" مقررة على طلبة البكالوريا في مادة "دراسة المؤلفات"، فأقبلت على قراءتها وتشريحها بنهم شديد تغلغل إلى تفاصيل النص وحياة صاحبه وشمل إحصاءات أسلوبية دقيقة. أما الحصيلة فقد كانت دراسة مفصلة طبعتها بالإستانسيل ووزعتها على طلبتي لكي تساعدهم على السيطرة على المادة المقررة في الامتحان.ولقد كان بإمكاني أن أنشر ذلك العمل في حينه مثلما نشر بعض الأساتذة دراسات حول نصوص تلك المادة وكانت تشمل فضلا عن "زقاق المدق"كتاب" حياتي "لأحمد أمين و"حي بن يقظان" لابن طفيل. غير أني أحجمت عن النشر نظرا إلى القناعة التي ستلازمني طوال حياتي التدريسية التي أملت عليّ مبدأ عدم نشر الكتب ذات الطابع المدرسي أو التعليمي.

والحق أن الشغف بنجيب محفوظ لم يقف عند حد الإعجاب به إعجابا سلبيا أو إعجابا محدودا فحسب لم يكد يظهر إلا في رواية " المصري "، بل إنه شغف تجاوز كل ذلك إلى مرحلة الكتابة النقدية عن هذا العبقري. بيد أن الكتابة للأسف الشديد لم تُشفع لدي بالنشر. ومن المؤكد أنك على علم بفترة صمتي الطويل جدا التي "صُمتُ" خلالها عن النشر مدة تقرب من عشرين سنة. لكن خلال تلك الفترة تابعت قراءة أعمال نجيب محفوظ وكذا معظم النقد الذي كتب حولها. ثم كنت أسجل انطباعاتي عن الرواية ونقودها في شكل مقالات لا تزال إلى الآن مسودات. أما في مرحلة التدريس بالجامعة فقد درّست لطلبتي خلال بعض المواسم رواية "حضرة المحترم" ورواية " أفراح القبة " وصورا من روايتي "القاهرة الجديدة" و"اللص و الكلاب". وأملي أن أتمكن بمشيئة الله أن أجمع كل تلك المقالات بين دفتي كتاب على أساس أن يتحقق الانسجام فيما بينها نظرا إلى أنها كتبت بصورة متقطعة في فترات طويلة تمتد إلى حوالي أربعين سنة.

محمد مشبال.

على الرغم من أن رواية المصري تصور مظهرا من مظاهر شغفك بنجيب محفوظ وبعالمه الروائي ولو أن هذا الشغف ينبغي أن يفسر في السياق التخييلي للرواية؛ أي باعتباره سمة من سمات شخصية أحمد الساحلي، لكن هذا لا يمنعنا من القول بأنك تعبر في هذه الرواية عن شعور حقيقي يشاطرك فيه كثير من المثقفين المغاربة.لكن مع ذلك يظل شغفك بنجيب محفوظ تجربة ذاتية خاصة، إنه يختلف عن شغف أحمد الساحلي وعن شغف محمد برادة وشغف جمال الغيطاني وغيرهم.ما هي صورة نجيب محفوظ كما ترسخت في ذهنك من خلال قراءة أعماله وتحليلها في قاعات الدرس والتقاط أخباره وتصريحاته؟

محمد أنقار.

أتذكر جيدا أنه في نهاية الستينات وما بعدها بقليل كان مفهوم الإبداع الحقيقي يرتبط بصورة ما بمفهوم الفتوة. بمعنى أن التلاميذ وشرائح كبيرة من المثقفين وحتى عموم المهتمين كانوا يتصورون أن المبدع الحق هو ذاك الذي يبرّز في مجال إبداعه بقوة تسكت الآخرين وتفحمهم. هكذا كنا نتصوّر مارون عبود والعقاد والمنفلوطي وزكي مبارك وطه حسين وعبد العزيز البشري ثم نجيب محفوظ نفسه أبطالا لأنهم استطاعوا وصف الوقائع الفكرية أو الخيالية بقوة شديدة وحاسمة. ولم تكن تلك القوة تتمثل في المضامين والموضوعات التي يختارونها لكتبهم، أو المواقف التي يصفونها وإنما حتى في الأساليب التي يعتمدونها والعبارات التي ينتقونها لأداء مثل تلك المهمات التعبيرية. بل أكثر من ذلك أن بعض مظاهر تلك القوة تجلت في الصور الفوتوغرافية لشخصيات هؤلاء الكتاب.ولك أن تستحضر في هذا المضمار صور عبّود والمنفلوطي والعقاد ونجيب نفسه. هكذا رسخت صورة نجيب محفوظ في أذهاننا بوصفه بطلا أو فتوة حقيقيا. ومما زاد في ترسيخ تلك الصورة وسائط الإعلام المصرية المكتوبة، خاصة المجلات، ولك أن تسأل اليوم بعض المعلمين المغاربة القدامى عن صورة نجيب محفوظ كما ترسخت في أذهانهم لتسمعهم يرددون أوصافا من قبيل "العفريت" و"الشيطان" و"الفتوة" وما إلى ذلك من أوصاف الإعجاب المستمدة من الصور الشعبية التي سادت عن هذا الكاتب قبل أن تكون مستمدة من مؤلفاته. ولا يجب أن تنسى أننا كنا نتابع دراستنا الثانوية في بناية المعهد الرسمي بتطوان التي كانت تشمل المكتبة العامة بالمدينة حيث إن بابها يكاد يحاذي باب المعهد. لذلك كنا نلج قسم الصحافة في تلك المكتبة خلال الساعات الفارغة فنُقبل بشغف شديد على المجلات والجرائد المصرية نقرأ فيها أخبار الأدباء والفنانين المصريين ونتمعن في صورهم الشخصية وقد بدت لنا في مواقف سحرية أخاذة. كل ذلك أسهم إلى حد بعيد في حصول الشغف بنجيب محفوظ الذي كانت كل صوره توحي بابتسامة التمكن من الحياة ومن ناصية الإبداع أيضا.

ومن المؤكد أن هذه الصورة لازالت عالقة في أذهان عديد من أبناء جيلي. أما بالنسبة إليّ فقد تحوّل الأمر مع مرور العقود إلى إحساس بالقوة الحضارية التي تختزنها العبارة المحفوظية. قوة التصوير وقوة الحوار وقوة التمكن من السرد. كذاك النجار الماهر الذي اكتسب مهارته الخارقة بكثرة الممارسة والتجريب والتأمل.لذلك انتهى بي المطاف إلى الوقوف عمليا على المظاهر الجمالية لتلك القوة من خلال التدريس ومن خلال النقد.ولكم تعجبت بعد ذلك عندما كنت أسمع بعض مثقفينا المغاربة يقولون بحسم خائب:

" -إن نجيب محفوظ قد انتهى!!".

محمد مشبال.

ماذا قدم نجيب محفوظ للرواية المصرية مما لم تتفطن إليه الرواية المغربية أو لم تحسن تقديره في سياق هيمنة النقد الإيديولوجي ومناهج النقد الأدبي الحديثة على التفكير الأدبي عند معظم كتاب الرواية عندنا؟

محمد أنقار.

لعل أبرز ما قدمه نجيب محفوظ للرواية المصرية والعربية، بما فيها الرواية المغربية، تطويعه السرد تطويعا خارقا للعادة. لذلك كثيرا ما قلت لنفسي إن الأمر يتعلق بموهبة ربانية قلما تتكرر. وأقصد بالتطويع القدرة على صياغة العبارة السردية في القصة وفي الرواية صياغة لا تشعر معها بأي تعثر في القراءة أو في أثناء التصور. وليس المقصود بالتطويع الجانب الشكلي فحسب وإنما مضامين العبارات والصور كذلك.وكأننا بنجيب محفوظ لا يصور سرديا إلا ما يحسن تمثله شخصيا. وهو بذلك لا يكتب إلا عن الموضوعات والأشياء والتفاصيل التي يعرفها جيدا. وهذا مبدأ جمالي معروف في مجال السرد أوصى به غويتيصولو وماركيث نفسه. لذلك كثيرا ما نصاب نحن قراء عديد من الروايات العربية أن أصحابها يصوغون عباراتهم بمضامين وتفاصيل لا يحسنون تصورها أو لا يدركون حقيقتها فتأتي مفبركة مصطنعة وحتى فارغة. ثم إننا نشعر أحيانا كأن هناك روايات أخرى تتسم بالنقص في الصياغة وأنها لا تزال في حاجة ماسة إلى إعادة كتابة ثالثة أو رابعة.

ولقد سبق أن أشرت في الجواب الأخير إلى ما أسميته " بالإحساس بالقوة الحضارية التي تختزنها العبارة المحفوظية ". وأقصد بذلك أن تستطيع العبارة السردية تجاوز إمكاناتها الخاصة وتمتلك القدرة على ترجمة اللحظة الحضارية التي تُكتب في سياقها. إنها العبارة غير اللازمة التي يمكن أن تنطبق على الحياة الخارجية نفسها في الوقت ذاته الذي تنطبق فيه على حيوات الشخصيات الروائية في عمل محدد. ولا داعي بعد ذلك إلى أن نثير الانتباه إلى ما يتحقق جرّاء ذلك الاختيار التعبيري من أبعاد إنسانية وكونية للسرد.

تلك بعض من الإضافات التي حققها سرد نجيب محفوظ. ومن البيّن أن عديدا من محاولاتنا العربية بقيت دون ذلك.


فتنة الصورة


محمد مشبال.

تشير الرواية إلى تأثير مشاهدة الأفلام المصرية في شخصية أحمد الساحلي، كما تشير إلى ولعه بأم كلثوم وزكريا أحمد وكيف أنه كان يستعين بهما على الكتابة.أريد أن أعرف هل كان الهوى الشرقي عند أحمد الساحلي وعبد الكريم في رواية المصري وعند حماد في محكيات محمد برادة"مثل صيف لن يتكرر" وعند مجموعة من الشباب المتعلم والناس العاديين مجرد تعلق عاطفي ارتبط بمرحلة معينة هيمنت فيها مفاهيم القومية، أم أن الإبداع الفني المصري حقا كان يفرض نفسه على الإنسان المغربي وكان جديرا بأن يشكل جزءا من ثقافته و وجدانه؟

محمد أنقار.

كان الإبداع المصري أولا قويا وكاسحا ثم حدث بعد ذلك التعلق العاطفي به من لدن كل البلاد العربية. أما القوة فتكمن في كثرة التجريب والتمرّس بأشكال وصور تعبيرية جديدة في شتى المجالات الفنية( سينما، غناء، أوبرا، مسرح، نحت، إذاعة، صحافة، أدب…). وأما الاكتساح فيكمن في اتساع رقعة الإعلام الإذاعي والصحافي والسينمائي وتغطيته سائر البلاد العربية. ومن البيّن أن تكرار أسماء شخصيات الممثلين وعناوين الأعمال الأدبية والفنية والجرائد والمجلات والاستماع إلى كل ذلك يوميا من شأنه أن يرسخ في الأذهان وفي النفوس المادة الفنية المسموعة والمُشاهدة. ومن البدهي بعد ذلك أن تحصل المشاركة الشعبية والعاطفية مع الأعمال الفنية المصرية ويرتقي كل ذلك إلى شعور قومي مشترك، عناصره الفخر بالعروبة وقدرتها على اختراق مختلف مجالات الفن. ولن نعدم في هذا المضمار الأمثلة التي رفع فيها الحس الشعبي العربي النماذج الفنية المصرية إلى أعلى المستويات العالمية. فقد كنا نتساءل آنذاك عن السبب الذي منع نجيب محفوظ من أن يكون له مكان في خريطة الرواية العالمية. وكذلك الشأن مع إسماعيل ياسين وعبد الحليم حافظ وسواهما. وكم كانت فرحتنا عظيمة لما أن غنت أم كلثوم في مسرح الأوليمبيا بباريس. وكم كانت فرحتنا عظيمة كذلك لمّا أن عاينا كيف كان عمر الشريف ينافس كبار نجوم هوليود. كل ذلك جاء نتيجة لمجهود فني دؤوب وإعلام قوي كاسح وتجريب نشيط من لدن المصريين. وحيث إن عوامل قومية عديدة جمعت المغاربة والمصريين فقد لزم أن يكون ثمة تعاطف ومشاركة وجدانية عميقة ظهرت بصماتها واضحة في الثقافة المغربية الحديثة والمعاصرة.


صورة المدينة



محمد مشبال.

يمكن النظر إلى رواية المصري باعتبارها نصا واصفاmétatexte يعيد النظر في بعض معايير التصوير الروائي وكذلك في بعض المواقف حول الجنس الروائي؛ فبحث أحمد الساحلي وتوقه إلى تصوير المكان قصصيا بدل أسلوب التسجيل أو التصوير الشاعري يكشف معيارا جماليا تسعى الرواية إلى ترسيخه كما تسعى إلى الدفاع عن ضرورة الجنس الروائي في ثقافة الإنسان. هل هناك في نظرك خلفية ثقافية خارج النص تسوغ دفاع أحمد الساحلي عن الرواية ونقده للمعيارين التسجيلي والشاعري في تصوير المدينة؟

محمد أنقار.

أولا أتفق معك في المسألة الجمالية التي ترى فيها أن رواية "المصري" تتجاوز الأسلوب التسجيلي الواصف للمكان أو تصويره شاعريا. ومرة قال لي أحد الزملاء إن في الرواية كثيرا من الوصف. وبالطبع احترمت وجهة نظره وإن كنت قد أدركت في نفس الوقت أنها فكرة غير صحيحة تمام الصحة مادام الوصف في رواية "المصري" غير ثابت ولا جامد ولا مكرور وإن أعطى في البداية انطباعا بأنه كذلك. وحقيقته أنه وصف مستحيل. بمعنى أن أحمد الساحلي إذ يهتدي إلى وصف يتوهم أنه يناسب المكان الموصوف؛ سرعان ما تجده بعد ذلك يخضع الوصف لسؤال أو يقول عنه إنه قاصر أو غير مطابق، أو إنه وصف لن يرقى إلى المستوى الرفيع الذي نلفيه عند نجيب محفوظ. إن الأمر يتعلق فعليا بمعيار جمالي مقترح وكذا برغبة عارمة وخفية من أجل جعل الجنس الروائي شكلا من أشكال الوصول إلى حقيقة الإنسان وثقافته المحلية والكونية.

أما عن "الخلفية الثقافية" المحتمل وجودها خارج النص التي تسوّغ دفاع أحمد الساحلي عن الجنس الروائي؛ فتكمن حسب وجهة نظري في جوهر العملية السردية في حد ذاتها. إن أحمد الساحلي لا يعي جيدا الشكل الروائي الذي يجب أن يكتب به روايته التي لن تكتب أبدا. لكنه إذ لا يعي ذلك جيدا يحدس بغموض صورة ذلك الشكل وإن لم يستطع أن يحقق ذلك عمليا. أما النقص الذي يواكب ذلك الحدس ويكتنفه فيعوضه الساحلي بالتشبث المطلق بإبداع نجيب محفوظ. والحق أننا إذا فحصنا الطبيعة الجمالية لذلك الحدس ألفيناها غير تسجيلية ( حسب طريقة زولا ) ولا شاعرية ( بطريقة محمد الصباغ )، وإنما هي طبيعية جمالية تنتمي إلى عوالم "ألف ليلة وليلة" و" الديكاميرون" و"كليلة ودمنة" و"الكيخوطي" وأعمال نجيب محفوظ نفسها. بمعنى آخر إنها دعوة إلى العودة إلى المنبع الأول للسرد الإنساني ذاته قبل أن تتسرب إليه أفانين التصنيع والتركيب.

محمد مشبال.

إن خروج أحمد الساحلي إلى دروب المدينة القديمة لالتقاط مادة الرواية ورجوعه إلى البيت يجر أذيال الخيبة والعجز، لا يعني مع ذلك أن الرواية فن الخيال المحض؛ ف"المصري" رواية مشتقة من واقع تطوان، إنها قريبة من الحياة المألوفة لفئة اجتماعية نلتقي بها في واقعنا اليومي.ولكن هذا التشابه بين ما نقرأه على صفحات الرواية وبين ما يجري حولنا، يمكن أن يؤدي إلى قراءة غير أدبية سعت الرواية نفسها إلى التنبيه إلى عيوبها من خلال تصويرها لتوق أحمد الساحلي إلى البناء القصصي والسمات الفنية بدل التسجيل وملاحقة المعلومات. ما هي في نظرك مسوغات اختيار المنزع الواقعي في رواية المصري؟


محمد أنقار.

إني أومن في مجال النقد القصصي والروائي كما في مجال إبداعهما أن المنزع الواقعي لم يستنفد بعد كل إمكاناته وطاقاته كما يتوهم عديدون. ولا أظن أن منزعا أو تيارا أدبيا ظُلم في العقود الجمالية الأخيرة مثلما ظلمت الواقعية. وأتصوّر أن خلطا وقع فيه بعض المثقفين حينما لم يفلحوا في التمييز بين " أنماط الواقعية " وأساليبها المتباينة. هكذا تم عدم التمييز في الحكم على الواقعية التسجيلية، والواقعية الفوتوغرافية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، وواقعية الانعكاس، والواقعية التأملية. بل إن عديدين لم يستطيعوا التمييز بين واقعية ستاندال، وواقعية فلوبير، وواقعية زولا، وواقعية نجيب محفوظ. وعندما اكتسح المدّ البنيوي مجال النقد السردي جعل من أولى مهامه ضرب التيار الواقعي. والحقيقة أنني لست هنا في مجال الدفاع عن الواقعية من حيث هي تيار في حد ذاته وإنما من حيث هي أسلوب تعبيري لا يزال يكتنز قدرا هائلا من الإمكانات التعبيرية والأفانين الأسلوبية والبلاغية التي من شأنها أن تسعفنا نحن الكتاب العرب في تصوير جوانب من حياتنا المعاصرة.

في هذا السياق الأسلوبي كتبت رواية "المصري". والطريف في الأمر أني وجدت البيئة المحلية لمدينة تطوان تسعف إلى حد كبير في استشراف أفانين التصوير الواقعي المتأمل الذي يزخر بشتى التفاصيل المعيشية اليومية ولكنه استشراف لا يكتفي بدعوتك إلى أن تمارس مجرد "التسجيل" بل يدعوك كذلك إلى أن "تتأمل". هكذا جاء الوصف في "المصري" مفعما بإيحاءات الشرود، واللاتحديد، والانسياب، والبساطة الخادعة وما إلى أولئك من السمات التي تعلن وتضمر في وقت واحد. إن الأمر يتعلق بنمط من التركيب الذي يبدو في ظاهره غير مركب.إنها واقعية تطفو على السطح ودعوة في العمق إلى التأمل الوجودي في تفاصيل الحياة اليومية.



النموذج العليل


محمد مشبال.

إن تأملا دقيقا في أعمالك الإبداعية يكشف أنك اخترت في تصويرك الأدبي نموذجا إنسانيا يعاني نقصا أو علة أو عجزا. في رواية "المصري" تصور شخصية تتطلع إلى الكتابة على غرار ما فعل نجيب محفوظ ولكن إحساسا بالعجز يستولي عليها ويشل قدرتها على تنفيذ معرفتها ومشروعها.وتهيمن على أعمالك القصصية شخصيات تعاني ضروبا من العلة والضعف والعجز نفسيا وجسديا وسلوكيا، ولكن هذه الشخصيات تتمتع مع ذلك بضرب من القوة الروحية والأخلاقية مما يجعلها شخصيات إنسانية دينامية وواقعية أكثر منها نماذج مستعارة من مذاهب فكرية أو اتجاهات فنية . كيف تفسر ذلك؟

محمد أنقار.

تعلّمنا النماذج الأدبية العالمية الرفيعة أن العلة يمكن أن تستحيل إلى قوة إنسانية مؤثرة، وفاعلة، وإيجابية. أوَ لا نقول: " إن النسيم العليل ينعش؟". أو ليس الإنعاش مظهرا من مظاهر القوة؟ استشرفْ ذلك في أعمال مارسيل بروست وكافكا وهنري باربوس وماكْسِنْسْ فانْ ديرْ ميرْشْ Maxence Van der Meersch وكنوط هامسون وبهاء طاهر وطوماس مان ووودي ألن وغيرهم كثير. والواقع أن الأسلوب العليل في التصوير الروائي والقصصي والسينمائي إنما يقف في مواجهة تلك النماذج الأدبية والفنية التي ترفض "العلة" وتستمد "القوة" ليس من تكوين الإبداع الأدبي ذاته، وإنما من مواقف الفتوة والشجاعة المفتعلة للكتاب أنفسهم، في حياتهم الشخصية. إن في التراجيديات والملاحم الإغريقية "قوة"، لكنها موضوعة إزاء نماذج "الضعف" باتزان وانسجام.وينطبق هذا الحكم الجمالي نفسه على أعمال إرنست همنغواي ونجيب محفوظ. أما فيما يخصني شخصيا فقد بدأت أكتب محاولاتي القصصية منذ منتصف الستينات مستلهما النموذج العليل بدوافع فطرية وحوافز شخصية نابعة من طبيعتي الخاصة.فأنا لم أتصور نفسي أبدا رجلا قويا. وإن أشد ما أكرهه هؤلاء الفتوات الموجودين في كل الميادين الحياتية، بما فيها الميدان الثقافي. وبعدما تقدم بي العمر لاحظت أن عديدا من الروايات والقصص العربية إنما تحاول أن تفرض ذاتها عليّ ليس بجماليتها المحبوكة وجودة بنائها وإنما بالمواقف القوية لكتابها التي يعلنها سلفا ويروّجها الإعلام الأدبي المنحاز. وفي مرحلة الستينات صارحني أكثر من واحد بأن ما أكتبه إنما يندرج ضمن مجال أدب الفسولة والهشاشة، وأن من مدعاة ذلك أن أهمَّش و أُبعَد. وربما كان ذلك واحدا من الأسباب التي جعلتني أحجم عن النشر سنوات طويلة جدا. بيد أني اهتديت مع مرور الوقت إلى أن "العلة" يلزم أن تكون هي الأخرى حافزا من حوافز إنتاج الأدب الجيد.إنها يمكن أن تغدو استثمارا إيجابيا على طريقة ماركيث التي يعمل بواسطتها على تحويل مواقفه الشخصية السلبية إلى نماذج أدبية رفيعة. وأظن في نهاية الأمر أن الإبداع الجيد لا يجب أن يقيّم بمضمونه "القوي" أو "العليل" فحسب، وإنما بالنظر إلى جودة حبكته وقدرته على التأثير في النفوس والعقول.


النثر والبيان


محمد مشبال.

تعد رواية المصري قطعة من النثر الأدبي الجميل الذي يستحوذ على القارئ كما كانت تستحوذ عليه الكتابات النثرية السردية المبكرة في الأدب العربي الحديث مثل ما كتبه المازني وطه حسين ومحمود تيمور وغيرهم من كتاب النثر الحديث، على الرغم من أنها نص سردي يفترض عادة ألا تحوز فيه اللغة من حيث هي بنية لفظية أي تقدير جمالي ذاتي غير التقدير الذي تحدده طبيعة أدوارها في صياغة العمل وتقوية تأثيره؛ أي باختصار يمثل جمال اللغة الذاتي مطلب الشعراء وليس الروائيين. ومع أن المصري لم تستجر بلغة الشعر إلا أنها مع ذلك أوحت لنا بأن الرواية تصنع بالألفاظ كما تصنع بالأحداث والشخصيات والحبكات.نريد أن توضح لنا وجهة نظرك في علاقة الروائي باللغة خاصة أن روايتك تستعيد في أذهاننا زمن اللغة العربية الجميلة، وكأن إحدى المهمات التي تضطلع بها روايتك هي بعث بيانية اللغة العربية وتجديدها بما يتناسب مع بلاغة الرواية.

محمد أنقار.

لقد رسخ في عقول عديد من المبدعين والنقاد العرب في العقود الأخيرة أن لغة الرواية العربية يجب أن يصيبها قدر كبير من التفكيك والتفجير والتقعير مثلما أصاب الفكر النقدي ذاته. هكذا أصبحت اللغة هدفا رئيسا لهؤلاء من أجل تفتيتها بدعوى أن يتجاوزوا جمود الكتابات السردية الحديثة التي احتفت باللغة في حد ذاتها على حساب البناء والحبكة والتكوين والصياغة. وإذا كان المنطلق الفكري لهؤلاء صحيحا إلى حد بعيد؛ إلا أنهم لم يقترحوا البديل المناسب، وإنما اختاروا السبيل السهل المصاغ سلفا في قوالب ثقافية جاهزة، من قبيل التفكيك والتفجير والتشظية وما إلى ذلك من القيم الفكرية والتعبيرية التي هي بنات العولمة ومسايرة لها. وفي مقابل هذا وذاك أرى أن الطريق الأنجع والأصعب في نفس الآن يكمن في العمل على تطويع اللغة العربية لأساليب وفنون التصوير الروائي والقصصي مع محاولة الحفاظ قدر الإمكان على بيان العبارة العربية ومائها الحي. بمعنى آخر أن تكون ثمة محاولة من لدن الروائيين المعاصرين من أجل إتمام الطريق الرائع الذي بدأه طه حسين والمازني والعقاد وشكري عياد ومحمد تيمور وسواهم. وهكذا يبدو أن الحل المناسب يكمن في البحث عن نمط من " الاستمرارية " لتلك الأصول السردية النقدية التي أتاحها لنا هؤلاء المبدعون الكبار بدل إحداث القطيعة معها.لكن للأسف الشديد بدا لعديدين أن "القطع" سهل و"الاستمرار" صعب. وتلك سمة من سمات حياتنا الثقافية الجديدة التي غدونا خلالها ننساق مع المستورد الميسور بدل التعب في نحت نماذجنا المعاصرة من الموروث المتوفر لدينا. هذا هو تصوّري لبلاغة الرواية العربية وعموم السرد العربي. وفي هذا المضمار أردت أن تكون اللغة الروائية في "المصري" ترجمة عملية لهذا التصور الذي يعمل جاهدا على إخضاع وهج البيان العربي لأصول الكتابة الروائية المعاصرة. أما تقييم هذه المحاولة فأقول للمرة الثالثة إني أتركه للنقاد.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
حوار مع محمد أنقار "الهوى المصري بعضٌ من كياني"
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات-
انتقل الى: