كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هلو الطيب جسد جسد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: هلو الطيب جسد جسد   الأربعاء يناير 24, 2018 9:36 am

تغطية: جمال أزراغيد

في إطار برنامج الأنشطة الثقافية التي ينظمها فرع الناظور لاتحاد كتاب المغرب بشراكة مع فرع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم نظمت الحلقة العاشرة من حلقات "مدرس وكتاب" التي تحتفي بأعمال وإبداعات نساء ورجال التعليم بالإقليم. وكان موضوع هذه الحلقة المنظمة مساء السبت :24 ماي 2014 بفضاء المؤسسة هو تقديم وتوقيع ديوان "جسد ..جسد" للشاعر الطيب هلو.
نسق هذه الحلقة الدكتور عيسى الدودي ، عضو الاتحاد، الذي رحب بالحضور الكريم وبالمشاركين في الندوة وبالشاعر المحتفى به الذي يعتبر من الأسماء الشعرية البارزة في المشهد الشعري المغربي إلى جانب النقد. فهو مفتش اللغة العربية بالإقليم، مثقف، نشيط ، يعمل بحيوية ويشارك في مختلف المهرجانات والملتقيات الشعرية والإبداعية على الصعيد الوطني. من دواوين الشاعر: قمر العتاب (1996)، لسيدة الشبق أعترف (2008)، هبيني وردا للنسيان(2010)، لو نبهني الحب(2012) و جسد.. جسد (2014) . ومن أعماله النقدية: بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر(2010)، الرؤيا والتشكيل في القصيدة المغربية المعاصرة (2013)، الإيقاع السردي وحداثة القصة القصيرة بالمغرب(2014) والمرايا المتجاورة في القصيدة المغربية المعاصرة (2014)..
افتتحت الحلقة بمداخلة للدكتور نور الدين الفيلالي الموسومة بـ "قراءة في ديوان/قصيدة: "جسد.. جسد" للطيب هلو". استهلها بمدخل أبرز فيه موقع الشاعر ضمن تجربة الشعر المغربي الحديث. فالشاعر من مواليد 1970، بدأ الكتابة الشعرية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي. ينتمي إلى الحساسية الشعرية الجديدة التي من أبرز شعرائها: الزبير الخياط، جمال أزراغيد ، محمد بشكار، عبد اللطيف الوراري .. وغيرهم. وقد استفاد هذا الجيل من تجارب الأجيال الشعرية المغربية السابقة وتجارب الشعر العربي والغربي مع الانفتاح على أشكال إبداعية أخرى مثل: التشكيل والمسرح والسينما.
وأكد أن ديوان أو قصيدة "جسد.. جسد" خامس إصدار شعري للشاعر شكل في مجموعه ملامح كتابة شعرية متميزة.
وبعد هذا المدخل قسم مداخلته إلى المحاور التالية:
1 ــ النفس الإيقاعي: قصيدة "جسد..جسد" تنبني على بحر الكامل من البداية إلى النهاية مشكلة بذلك نفسا شعريا متواليا ، تتخلله بعض الوقفات أو التوقفات الخفيفة. ويعتبر هذا البحر الإيقاعي أكثر حضورا في مجموع قصائد دواوين الشاعر الخمسة حيث بلغ عدد القصائد المنسوجة على هذا البحر 26 قصيدة من 67أي بنسبة 38,8 . ومن المميزات المسجلة على المستويات التالية:
التفعيلة: استغلال الشاعر كل الامكانات الإيقاعية والتغييرات المتعددة لتفعيلة "متفاعلن" التي جاءت على الوجوه التالية: مستفعلن ، مفعولن ، متفعلن، فعْلن ، فعلن. ..
التدوير: طغيانه على أغلب مقاطع القصيدة حيث تأخذ الأسطر الشعرية بعضها ببعض.
الوقفات: رغم ان القصيدة تسير على نفس إيقاعي إلا أنه توجد الوقفات التي تسمح للمتلقي بأخذ قسط من الراحة لاستعادة نفسه ومواصلة القراءة. ومن أنواعها: التذييل، التقييد، الإطلاق، الترفيل والقطع.
2ــ النفس السردي: تحكي القصيدة في مجملها سيرة جسد ، لذلك نجد مقاطع سردية كثيرة تتردد في ثنايا النص حيث نلمس دقة التفاصيل والحوار والوصف الدقيق الذي قد لا نجده عند أمهر القصاصين.
3 ــ تحوير الخطاب الديني: إذا كان شعر شعراء التصوف والاتجاه الاسلامي فيه لمحات عشق يؤول من قبل النقاد بتوجهه لله والرسول(ص) أو الجنة ، فإن الشاعر الطيب هلو يستحضر أجواء دينية ويمزجها بحالات إنسانية للجسد في شكل تقابلات.
4 ــ نبرة التحدي أو سيرة الجسد المتحرر: تقدم لنا هذه القصيدة"جسد .. جسد" سيرة جسد يسعى للتحرر من كل شيء، وتحدي كل قوانين الطبيعة أو السخرية من عشاق القبيلة، ثائرا في وجه التقاليد البالية ورافضا العودة إليها:
وصل القطار
إلى محطتنا الأخيرة
كي نعود من الجنون
إلى التقاليد البليدة والسكون" (ص41).
تاركا هذا الجسد ينقاد لنصائح الشوق التي تدعوه للجنون.
وخلص الأستاذ إلى أن قصيدة "جسد.. جسد" تذكره بنماذج من الكتابات الشعرية الجميلة التي تطرب كقصائد نزار قباني، ولميعة عمارة عباس داعيا القراء إلى قراءة الديوان لاكتشاف جماله والارتقاء في مدارج الجسد ومقاماته.
أما الدكتور نورالدين أعراب الطريسي، عضو الاتحاد، فقد أسهم بمداخلة معنونة بـ :"تناسب الإيقاع واللغة والمعنى في قصيدة "جسد.. جسد" للشاعر الطيب هلو. أضاء في مستهلها بعض المفاهيم كالشعر الذي اعتبره" وليد فكر وتأمل ومعرفة وقراءة وتكوين عميق" وصناعة كبقية الصناعات لها قوانينها وقواعدها. ثم مدلول مصطلح "التناسب" في حقل البلاغة العربية. فهو" التوافق والتلاؤم والانسجام بين عناصر الإيقاع والمعنى واللغة مراعاته في كل قصيدة. وبعده توقف عند المفهوم التقليدي للإيقاع الذي يراد به الوزن والقافية والذي أضاف إليه الفارابي والرازي الخيال عندما رأوا قصوره. ورأى أن اجتماع الوزن والقافية والاهتمام بهما أنتج ظاهرة المنظومات في الشعر العربي ولم ينتج شعرا. و بذلك تحول الشعر إلى مجرد صناعة عروضية تقصي اللغة والمعنى. ما جعل الشعراء يتنافسون في إظهار براعتهم في العروض فقط، فكانت النتيجة ظهور قصائد يطبعها التكلف والتصنع واصطياد القوافي وظهور شعراء المناسبات والمتشاعرين... ووسم أجزاء قصائدهم (الوزن ـ اللغة ـ المعنى) بالتنافر.
أما في النقد العربي الحديث فقد حصل إبدال هام في مفهوم الإيقاع وتصوره، فالناقد هنري ميشونيك أضاف عنصر الذات إلى الإيقاع بحجة أن الذات هي التي تكتب، أما اللغة فما هي إلا وسيط وناقل للتجربة التي حصلت بفعل احتكاك الذات الشاعرة. وتفاعلها مع العالم والوجود.
وأعقب هذا الجانب النظري بالجانب التطبيقي حيث ركز على شعرية التناغم والانسجام في ديوان "جسد .. جسد" مبينا أن القصيدة تتوفر فيها شروط الإبداعية والنقدية معا. وقد أبرز هذا التناسب في القصيدة/الديوان من خلال المستويات التالية:
1 ــ انسجام النص والنص الموازي: انطلق من قراءة عتبات الديوان كعلامات سيميائية تحيل على النص المكتوب مؤكدا على وجود علاقة اتصال وانسجام بين النص الموازي والنص المكتوب أو بين الدال الأصغر والدال الأكبر. كما أبرز دلالة تكرار لفظة "جسد" في عنوان الديوان ومتنه ما يوحي بافتتان الشاعر بجسد الأنثى واستحواذه على فكره وشعوره ووجدانه...
2 ــ انسجام وتناسب الوزن والدلالة: اختار الشاعر وزن بحر الكامل لقصيدته الطويلة بمختلف استعمالاته الناتجة عن الزحافات والعلل إلى جانب ظاهرة التدوير ما يدل على تمكن الشاعر من الثقافة العروضية ومثل لكل ذلك من النص.
ومن ملامح التوافق والانسجام التي أوضحها الناقد:
ــ قدرة الشاعر على الانتقال من إيقاع اللغة إلى إيقاع الذات إذ بصم تجربته بطابع فريد له الخصوصية والتميز حيث امتلأ وزن الكامل بشحنة قوية ومتدفقة من الخيال الذاتي الخصب والمنساب حيث لا يخلو أي سطر شعري من متخيل عميق وقوي بما فيه : متخيل القوة ـ متخيل الماء ـ متخيل النار والإشراق ـ متخيل الفواكه والثمار ـ متخيل الكتابة ـ متخيل الألحان والموسيقى ...
ــ مناسبة تفعيلات الكامل بإيقاعها العذب والمنساب مع حركة لغة القصيدة وصورها الشعرية الفنية والمتناسلة بشكل سريع ومفاجئ يناسب بدوره حركة تفاعل جسد الشاعر/العاشق مع جسد الأنثى/المرأة في تجربة بهية وفريدة
تعيد صياغة شعر الغزل وفق إيقاع جديد.

وقد تخللت هاتين المداخلتين قراءات شعرية للشاعر المحتفي به الطيب هلو من ديوانه "جسد.. جسد" والتي استمع إليها الجمهور الحاضر بعمق وصفق لها بحرارة تعبيرا عن صدق الإعجاب بها . كما تحدث عن تجربته الشعرية والتحديات التي أطرت هذا الديوان. وشارك الجمهور القارئ في هذا الاحتفاء بتدخلاتهم وأسئلتهم التي أضاءت الكثير من الجوانب في الديوان. وبعده وزعت الشهادات التقديرية على المشاركين كذكرى رمزية تخلد هذه اللحظة الاحتفائية الجميلة. ثم انتقل الشاعر إلى توقيع ديوانه لقرائه وأصدقائه الذين هبوا من أنحاء الإقليم وبركان ووجدة...

وعلى هامش هذا اللقاء قدم الكاتب العام لفرع اتحاد كتاب المغرب بالناظور الأستاذ جمال أزراغيد كلمة شكر فيها مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم بالناظور على روح التعاون والتشارك والجهود التي بذلتها من أجل إنجاح حلقات "مدرس وكتاب" على امتداد ثلاث سنوات بدون كلل وملل، حيث صار فضاء المؤسسة محجا لنساء ورجال التعليم للاحتفاء بأعمالهم الفكرية والإبداعية والتربوية.. آملا أن يستمر هذا التقليد الثقافي في السنوات القادمة. وقدم شهادة تقديرية لمكتب المؤسسة كما خص رئيسها ميمون الدوري وأمين مالها خالد لعور بشهادة تقديرية عربون محبة وتقدير لحرصهما الشديد على إنجاح هذه الأنشطة الثقافية. ثم قدمت مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم لخريجي نادي الإعلاميات وأستاذهم شهادات النجاح والتكوين.
**
كتابان جديدان للناقد والشاعر الطيب هلو


العيون بريس/ أسامة أوفقير: عن منشورات ديهيا صدر للناقد والشاعر الطيب هلو كتابان جديدان، الأول كتاب نقدي وسمه ب"الإيقاع السردي وحداثة القصة القصيرة بالمغرب" هو الكتاب النقدي الثالث بعد "بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر" (2010) و"الرؤيا والتشكيل في القصيدة المغربية المعاصرة" (2013).


حدد الناقد الطيب هلو موضوع كتابه قائلا: "اخترنا في هذا الكتاب تجلية الإيقاع السردي في القصة المغربية باعتباره أساسا تبني عليه القصة القصيرة حداثتها، وتطور من خلاله ملامحها، وتعدل ـ بامتطائه ـ من سماتها التقليدية. وترسم لها مسارات التجريب الممكنة، ذلك أن تحديد ملامح الإيقاع في القصة كشف للتكرار الغائي، وتعرية للدواخل والدوافع الفكرية والثقافية والنفسية والفنية، كما أنه ضبط لمجرى الحدث والشخصية واللغة. إنه وسيلة لتنظيم الفوضى وبناء المنهدم، ثم إنه عنصر يكسب التدمير معنى خاصا ويعطي للتشظي دلالة ويكون للغرابة دليلا.


إننا، بالكشف عن بعض الإيقاعات الحداثية في القصة القصيرة، نرصد المكونات العامة من حدث وشخصيات وأفضية، ونعيد بناءها ونملأ فراغاتها بالتأويل للوصول إلى اللحظة الإبداعية المشرقة والفكرة المركزية المقصودة. فدراسة الإيقاع هندسة جديدة للنص وإعادة بناء لمعماره بحثا عن المشترك والعام الموزع بين النصوص."


يتوزع الكتاب إلى ما يلي: مقدمة وفصلين، الأول عنونه ب "في حداثة القصة القصيرة بالمغرب" ويضم ثلاث دراسات هي:
- استراتيجية التحديث في القصة القصيرة (قراءة في تجربة القاص عبد القادر الطاهري)
- إيقاعات سردية في كتابات محمد العتروس القصصية
- شعرية النص القصصي في " ذبذبات الصوت الأزرق" لعبد المجيد شكير.


أما الفصل الثاني فعنونه ب"الإيقاع السردي في القصة المغربية". ويضم أربع دراسات هي:
- إيقاع المعاناة في "بيت لا تفتح نوافذه" للقاص هشام بن الشاوي
- إيقاع الألم في "مرثية رجل" للبتول المحجوب لمديميغ
- تنويعات سردية على مقام الثورة قراءة في "المارد" لمعمر بختاوي
- إيقاع الذات والآخر في "وردة الشاعر" للقاص مصطفى شعبان
ثم خاتمة تركيبية لمجمل ماجاء في الكتاب.


أما الكتاب الثاني فهو قصيدة شعرية بعنوان "جسد.. جسد" تتكون من 85 صفحة تتغنى بالحب والجسد. وهذا الديوان هو الخامس في مسيرة الشاعر بعد أربعة دواوين شعرية هي: قمر العتاب (1996) ـ لسيدة الشبق أعترف(2008) ـ هبيني وردا للنسيان (2010) ـ لو نبهني الحب (2012).

**
الشاعر والناقد الطيب هلو: قصيدة النثر قصيدة متشرذمة عرجاء لا قضية لها
عبد الواحد مفتاحنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 26 - 10 - 2016
هو شاعر وناقد مغربي، غزير الإنتاج يشتغل بحيوية وحماسة شديدة في التدبير الثقافي والتنشيط الجمعوي، صدر له عدة مؤلفات هامة من أبرزها: في الشعر هبيني وردة النسيان ( و)لسيدة الشبق أعترف( و) لو نبهني الحب
( وفي النقد ) بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر ( و) الرؤيا والتشكيل في القصيدة المغربية المعاصرة (و ) الإيقاع السردي وحداثة القصة
القصيرة بالمغرب.
المعروف عن الطيب هلو، بالإضافة إلى خلفيته الأكاديمية الرصينة، قوته المنهجية، وكفاءته الاقتراحية، حيت أنه ينطلق دائما في أعماله البحثية من خارج الجاهز والمتواضع عليه، وقد خلقت آراؤه ومواقفه حول قصيدة النثر سجالات ومطارحات نقدية كثيرة، وهو إلى ذلك شاعر وسم قصيدته بلغة شبقية وسلسة، مكنت لها الانتشار سريعا في المدونة الشعرية العربية، في هذا الحوار نتوقف مع هذا الكاتب المشاكس على جملة من القضايا، خاصة موقفه من قصيدة النثر والمشهد
الشعري المغربي عموما.
o كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟
n البدايات موغلة في الزمن، لهذا هي ملتبسة بالحنين والذكريات الآن، القصيدة الأولى بالحب الأول، بالكتاب الأول، بالزيارة الأولى للبحر... لذلك يصعب تحديدها بالضبط لكن ما أذكره أن الشعر بدأ مبكرا، دون وعي طبعا، وذلك بتقليد الأغاني والقصائد عن طريق تغيير كلماتها، دون أن يكون بقصد أن أكون شاعرا طبعا، ثم بالافتتان بكل ما هو جميل من القول، حتى أني كنت أنقل في ظلمات القاعات السينمائية بعض العبارات المترجمة في الأفلام الهندية. لكن البداية الواعية كانت في نهاية الدراسة الإعدادية وتوافقها مع بدايات المرا هقة الأولى فكانت الخواطر تنثال في كل مكان وتتحول، مع إدمان القراءة وتعلم الإيقاع، إلى شعر، فكتبت حينها كثيرا من النصوص، بعضها نشر بعد التنقيح في ديواني الأول «قمر العتاب» وبعضها لا يزال بحوزتي يذكرني بما عشت في تلك المراحل. النصوص المدرسية لم تكن تمنحنا ذلك الزخم من الجمال فبحثت عنه في قراءات شخصية لكتب المنفلوطي ونصوص جبران وقصائد نزار قباني الذي كان اكتشاف قارته حدثا عظيما عندما زودني أحد أصدقائي بالثالثة إعدادي بقصيدة « أحبك وأعرف أني أحب المحال» التي غيرت مجرى تفكيري بالقصيدة، لأصبح مدمنا على نصوصه بعد ذلك. ولأكتب نصوصا مشابهة لنصوصه. هكذا كانت البداية.
o في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟
n وظيفة الشاعر دائما هي صناعة الجمال وتجميل الكون وإزالة ما فيه من قبح، التغني بالقيم الجمالية والحضارية. ربما كانت له وظائف اخرى عبر الزمن، فقد كان وسيلة تسول واسترزاق ووسيلة تحريض وإثارة، لكن تلك الوظائف تزول بزوال أسبابها المباشرة وما يبقى هو ما قدم الشعر من خدمات للجمال الكوني، في الطبيعة والقيم والمرأة والوجود، وما عبر عنه من صراع الإنسان في هذا الوجود ضد كل أشكال الزيف والمعاناة واليأس، إن الشعر هو وسيلة الشاعر الوحيدة للخلود، به يهزم الموت ويطيل أمد الوجود. من خلد هوميروس والمتنبي ونيرودا ولوركا والمعري؟ أليس شعرهم؟!
الشاعر ليس محصلة قراءات فقط ولكنه موهبة + تجربة + قراءة
أو كما قال درويش:
لا نصيحة في الحب
لكنها الموهبة
o قصيدة النثر فشلت في احتضان القراء وتوسع دائرة جماهيريتها، بسبب نخبويتها و فردانية شاغلها،كقصيدة خرساء انقطع حبل الغنائية عن جدعها يوم انفصلت عن الإيقاع والوزن، هل توافق هذا الرأي؟
n أصدرت سنة 2010 كتاب "بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر" على الرغم من أني لا أكتبها وإنما أنا وفي للقصيدة العربية في شكليها العمودي والتفعيلي. لكن أقول إن قصيدة النثر العربية بدأت بعد أن كانت قد انتهت في الغرب. كما أن إحضارها لم يكن انطلاقا من منجزها الإبداعي وإنما من خلال دراسة جامعية أنجزتها سوزان برنار عن "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" ونشرتها سنة 1959. ثم إن النقل كان جزئيا ومبتسرا ومتسرعا لأن أدونيس وأنسي الحاج لم يطلعا على الكتاب كله، بل على صفحات قليلة من مقدمته. ربما هذا الكلام سيبرز أن قصيدة النثر قصيدة عرجاء قبل أن تكون خرساء كما سماها عبد المعطي حجازي وعرجها يرجع إلى أنها فقدت مقوما أساسيا لا يمكن أن تستغني عنه الذائقة العربية وهو الموسيقى. وهذا أحد أسباب فشلها، خاصة وأن غياب الوزن فتح الباب على مصراعيه للمتطفلين ومنعدمي الموهبة والعاجزين عن ضبط الإيقاع. الأمر الثاني هو "سؤال القضية". فإذا كان الشعر التقليدي قد استوعب قضايا متعددة وعديدة، عبر امتداده الزماني والمكاني. وإن كان الشعر التفعيلي برز بقوة، واستمر تعبيرا عن قضايا الذات والجماعة، ثم تطور مع قضايا إيديولوجية ووجدانية وفكرية وفلسفية وجمالية. فإن قصيدة النثر تبدو قصيدة متشظية، متشرذمة ولا قضية لها، منطوية ومنكفئة على اللغة بسلبية فائقة، حتى أصبحت تبدو مجرد اشتغال شكلي محض، تضيع فيه حتى فرص التواصل مع قارئ تائه يتقاسم مع الشاعر هزائمه اليومية ويتقاطع معه في دوائر الإحباط.
o كيف ترى للتجارب الشابة اليوم، التي تكتب هذه القصيدة ؟ وتربط نشرها بالأنترنت، هل هذا الفضاء أيضا أضاف الكثير للأدب، أم كان وبالا عليه؟
n باستثناء شعراء كبار أبدعوا في هذه القصيدة كأنسي الحاج ومحمد الماغوط ومحمد الصباغ ويحيى السماوي وغيرهم قليل، لا أظن أن ما يكتب اليوم تحت مسمى قصيدة النثر له قيمته. التجارب الشابة ربما كانت ضحية الاكتفاء بقراءتها لهذا النوع من الكتابة الذي هو أشبه بالترجمات الشعرية ويخلو من أي روح أو هدف، فالشاعر حتى وإن أراد كتابة قصيدة النثر لا بد وأن يكون مقروؤه منفتحا على القصيدة الموزونة وعلى تراث شعري ممتد وبعيد الغور. كيف يكتب من لا يقرأ السياب ولا يعرف محمد الفيتوري ولم يستمع لإلقاء محمود درويش ولم يتسلق جدران المعلقات !!
أما بالنسبة للأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي فهي لا تنتج شعراء، وما ينشر فيها إما شعر حقيقي كتبه شعراء، وإما خواطر آنية تواكبها تعليقات مجاملة ترفع منسوب الوهم والغرور في نفس صاحبها فيعتقد أنه أصبح شاعرا كبيرا ويتجرأ على نشر ذلك بين دفتي كتاب وهلم شرا..
إن أمننا الثقافي، والشعري بالخصوص، مهدد بشكل كبير أمام انتشار ظواهر غريبة عن ثقافتنا، وربما هذا بعض ما يفسر أزمة الشعر. إن أزمة الشعر ليست في غياب شعراء جادين ولكن بسبب كثرة الأدعياء والمتطفلين الذين يحجب ضجيجهم تلك الأصوات الجادة.
o كيف ترى واقع المشهد الثقافي المغربي والشعري بالخصوص؟
n المشهد الثقافي المغربي جيد، وعلى أكثر من صعيد، خاصة في النقد والفكر والفلسفة، تشهد بذلك المقالات التي تنشر بوفرة بجل المجلات العربية والكتب التي أصبحت تصدر لهم من دور نشر عربية محترمة والجوائز التي يحصدها المفكرون والنقاد المغاربة. الأمر كذلك ينسحب على الرواية إذ أصبح المغاربة يحتلون موقعا هاما على خريطة الرواية العربية. أما الشعر، فبالنسبة لي أصابه الهزال بسبب كثرة المتطفلين عليه لاستسهاله. لكن المتتبع يدرك أنه لا يخلو من أسماء جيدة وواعدة بنهضة شعرية مغربية. فبعد جيل الرواد المؤسسين، ظهرت مع بداية مرحلة التسعينيات من القرن الماضي كوكبة من الشعراء الجادين، استفادوا من كل التجارب الشعرية المغربية والعربية والعالمية، واستطاعوا رسم خطوط متباينة ومتجاورة في جسد القصيدة المغربية، تمتح من منجز التفعيلة وقصيدة النثر والقصيدة الشذرية، وتغترف من السرد والتشكيل والسينما كي تكتب نصها الخاص، ومن أبرز أسماء هذا الجيل الذي أنتمي إليه: محمد ميلود غرافي، محمد بشكار، جمال الموساوي، عبد اللطيف الوراري، علي العلوي، محمد أنور محمد، مصطفى ملح، عبد الرحيم سليلي، عبد الرحيم الخصار، مصطفى دزيري، نجاة الزباير، عمر بنلحسن، أبو بكر متاقي، صباح الدبي، جواد اوحمو، محمد عريج، عبد الهادي الروضي وغيرهم.
يبقى المشكل الأساس هو المتابعة النقدية لهذه التجارب الجادة والجيدة. وقد واكبت بعض التجارب المغربية المؤسسة في كتابي «الرؤيا والتشكيل في القصيدة المغربية المعاصرة» (2013) وسأصدر قريبا كتابا عن الجيل الثاني من القصيدة المغربية يرصد حوالي سبع تجارب شعرية، على أمل استكمال بقية التجارب في كتب لاحقة. ولا يفوتني أن أشيد هنا بتجربة الناقد عبد اللطيف الوراري الذي يواكب بحماس لا يفتر المنجز الشعري المغربي.
**

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1884
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: هلو الطيب جسد جسد   الأربعاء يناير 24, 2018 9:42 am

admin كتب:
الطيب هلو (30 أكتوبر 1970، وجدة) شاعر وناقد مغربي. رئيس جمعية الشروق للتربية والثقافة بالداخلة لدورتين Sad 2000 - 2002) و (2004ـ 2006)

صدر له في الشعر:[1]

ـ قمر العتاب ( 1996)
ـ لسيدة الشبق أعترف ( 2008)
ـ هبيني وردا للنسيان (2010) في النقد.
ـ بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر (دراسة) 2010
كما صدر له بالاشتراك :

ـ منارات ( قصص) منشورات نادي القصة بالمغرب (2001)
ـ قراءات نقدية في القصة التسعينية بالمغرب ( 2005)
ـ مدارج الهوى ( دراسات نقدية) (2007)
ـ الرواية المغربية : آفاق معاصرة (2008)
ـ القصة القصيرة بالمغرب:دراسات في المنجز النصي (2008)
ـ تحولات القصة المغربية (منشورات جامعة بنمسيك 2010)
ـ الشعر المغربي المعاصر: آليات التطبيق عليه (كتاب أفروديت مراكش 2010)
*
الطيب هلو
السبت ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩،  بقلم الطيب هلو

- الطيب هلو شاعر مغربي ولد يوم ٣٠ تشرن آول، اكتوبر ١٩٧٠ في مدينة وجدة في المغرب

صدر له في الشعر

1 ـ قمر العتاب ( 1996)

2 ـ لسيدة الشبق أعترف ( 2008)

كما صدر له بالاشتراك :

1 ـ منارات ( قصص) منشورات نادي القصة بالمغرب (2001)
2 ـ قراءات نقدية في القصة التسعينية بالمغرب ( 2005)
3 ـ مدارج الهوى ( دراسات نقدية) (2007)
4 ـ الرواية المغربية : آفاق معاصرة (2008)
5 ـ القصة القصيرة بالمغرب:دراسات في المنجز النصي (2008)
وسيصدر له قريبا :
ـ بلاغة الإيقاع الشعري في القصيدة المغربية (دراسة نقدية)
*
خصوصية الإبداع والإقناع في ديوان: "لو نبهني الحب" للطيب هلو
10:17 ص  المقهى الأدبي وجدة  Comments (0)





خصوصية الإبداع والإقناع
في ديوان:
"لو نبهني الحب" للطيب هلو
الجزء الثاني

د. محمد دخيسي

(حفل توقيع الديوان،
المقهى الأدبي ميرابيل Mirabelle  - وجدة،
الاثنين 10 رمضان 1433هـــ،
الموافق لـ 30 يوليوز 2012م)

2- المرجعيات بين التصريح والتلميح:
جال الطيب هلو في ديوانه "لو نبهني الحب" عبر محطات مختلفة، توزعت بين الجانب الديني والثقافي والاجتماعي. ونركز بحثنا هنا على:
2-1 القرآن الكريم:
حين نتحدث عن استغلال الشاعر طاقاته الذاتية والفكرية، فإن ذلك دليل على عمق تجربة شعرية ضربت بآفاقها في عمق التاريخ والأدب والتراث بكل أنواعه. حاول الطيب هلو في ديوانه "لو نبهني الحب" أن يجعل من بعض آيات القرآن نبراسا لا من حيث المعاني؛ بل بإثارة الانتباه إلى لغته وتركيبه المعجمي.
نقرأ في قصيدة " أرتاب من قلق السحاب" قوله:
هذا أميرٌ تائِهٌ...
بَيْني وبيْنَ غِوايةِ الأمَلِ الذي رَبَّيْتُهُ
حينَ اسْتدارَ مُوَلِّياً وَجْهَ القصائِدِ
شَطْرَ إيقاعِ الطَّويلْ 16
فنلاحظ أن الشاعر تعامل مع القرآن من حيث التعبير اللغوي، واستطاع أن يوجهنا مباشرة إلى مصدره بتغييره عن أصله؛ عكس ما خلص إليه حين تقاطع مع الآية نفسها في أبيات شعرية أخرى، حيث يقول في قصيدة "لا يفلح الشاعر حيث أتى":
يَمَّمْتُ وجهِي شَطْرَها
وَبِأُذْنِها...
كَبَّرْتُ في هَمْسٍ شَهِيْ 17
كما أننا نسجل تعاملا مشابها مع بعض آيات القرآن من خلال اقتباس لألفاظ منفردة 18، أو عبارات (آيات) محوَّلة من القرآن. 19
2-2 الشعر العربي:
حين أقرأ شعر الطيب هلو أشعر أني أمام امتداد للشاعر المغربي الكبير محمد الطوبي، وقد حاولت كثيرا أن أجد العلاقة من وراء إحساسي، وعن القرينة اللفظية أو الدلالية بينهما؛ فكانت الخلاصة أن شاعرنا يكتب شعرا نسجه نسج شعر عربي أصيل شأن الطوبي، وأنه يمازج اللغة الصوفية باللغة اليومية التي تحكمها الذاتية والوله المشدود إلى الآخر.
بالرغم من ذلك، هناك ارتباط جوهري بين الشاعرين، وإلا لما اختار هلو المطبعة ذاتها التي كان ينشر بها الطوبي، فطبع ديوانه الأول: "قمر العتاب"، ولما خط الطوبي بخط يده أشعار هلو وسجلها في الصفحة الأولى. 20
لمحمد الطوبي ديوان بعنوان: "أيقونة العاشق المغربي" 21، وللشاعر الطيب هلو قصيدة بعنوان "تعويذة العاشق الأندلسي"، وهذا ما يبرر بعض حكم الانسجام بينهما. وهناك كثير من الألفاظ المستعملة من كلا الطرفين مع ذكر السبق الزمني للطوبي.
حين استعملت لفظة الامتداد أول حديثي، كان ذلك نابع من قراءة لشعر الشاعرين، دون انتقاص طبعا من قيمة اللاحق عن السابق.
نأخذ مثالا واحدا من إبداع الشاعرين؛
يقول محمد الطوبي:
أنا الذي هَدَّهُ الإرهاقُ والقَلَقُ
الأربعونَ معي يَحْيا بِها الأرَقُ
الأربعونَ أراها لا أرى وَطناً
خرائبُ العُمْرِ لا يأتي لَها الألَقُ 22
ونقرأ مقطعا من قصيدة للطيب هلو، يقول فيه:
إني اعْتَرَفْتُ طويلاً:
فِي دمي وَلَعُ
عُمري البَهِيُّ متاهاتٌ معلَّقةٌ
في سَقْفِ ذاكرةٍ أوْدى بها الوَجَعُ.. 23
إلى جانب التناص مع الطوبي؛ نجد حضورا لقصائد وشعراء، سواء بالتصريح المباشر، أو عبر قرائن مختلفة. فمن المتنبي، مرورا بمحمود درويش ثم أمل دنقل والسياب، وصولا إلى محمد علي الرباوي وعبد السلام بوحجر وغيرهم.. ولعل هذا الأمر يُحسَب للشاعر وليس عليه، لأنه دليل على عمق التجربة الشعرية، وتأصلِ المرجعيات، وانفتاحِ الشاعر على التجارب السابقة.
من أمثلة ذلك، نذكر:
أولا: حضور محمود درويش من خلال جملة من التجارب، كقصيدة "عابرون في كلام عابر" وتجارب أخرى. خاصة حين نقرأ قصيدة "تجليات في مرايا الحبر" 24
ثانيا: حضور المتنبي باستغلال اسمه أو بعضٍ من الأحداث المتصلة به. 25
ثالثا: أمل دنقل من خلال تناصه مع قصيدة "لا تصالح"، فالشاعر الطيب هلو يناور دنقل ويستدرج قصيدته "لا تصالح"، ويقوم بتطويعها وفق هواجسه ورغباته.
يقول هلو:
"أملٌ" يَنوحُ عَلَى
دواوينِ الهَزيمَةِ:
لا تُصالِحْ...
لا،
ولَوْ مَنحُوكَ أكياسَ الذهبْ 26
ونقرأ في قصيدة "لا تصالح" لدنقل قوله:
لا تصالح!
ولَوْ مَنَحوكَ الذهَبْ
أتُرى حينَ أفْقَأُ عَيْنَيْكَ
ثُمَّ أثَبِّتُ جَوْهَرَتَيْنِ مَكانَهُما.. 27
ولعل السبب الذي جعل الطيب هلو يستنشق بنسمات أمل دنقل؛ كون هذا الأخير لامس كثيرا من القضايا العربية الراهنة، بالرغم من قدم نصه، يقول دنقل:
لا تصالح
وَلَوْ تَوَّجوكَ بِتاجِ الإمارَةِ
كيفَ تَخطو على جُثَّةِ ابْنِ أبيكَ؟
ويقول الطيب هلو:
أوْ تَوَّجوكَ مَليكَهم
وَعلاكَ تاجٌ
ليْسَ يُسْقِطُهُ الشَّغَبْ
فاستطاع الطيب هلو أن ينزِّل النص إلى أبعد نقطة تُوصِلُهُ بمضمون واقعه ومعيشه. وللإشارة فنص "لا تصالح" له أصول ثقافية أيضا، حيث يتقاطع مع شعر الشنفرى وهو أحد الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي. ويظهر ذلك من خلال المقطع السادس من نص أمل دنقل، بالرغم من احتوائه سمة العصر الحالي وكل الأجيال، يقول:
لا تصالح
ولو ناشَدَتْكَ القبيلة
باسْمِ حُزْنِ "الجليلة"
أن تَسوقَ الدِّماءَ،
وَتُبْدي لِمَنْ قَصَدوكَ القَبولْ..
فالشنفرى هو المعروف في تاريخ الشعر العربي بقصة الانتقام بقتله مائة من أعدائه، أو ما عدى ذلك حسب بعض المصادر التاريخية.
رابعا: عبد السلام بوحجر: لعل ما جعلنا ندرج اسم الشاعر المغربي العربي عبد السلام بوحجر في محور التناص عند الطيب هلو، ما لمسناه من تشابه وتثاقف بين نص "أحبك حتى انتهاء الرؤى" 28 للطيب هلو، وقصيدة "مقام الجنون" 29 لعبد السلام بوحجر.
يقول بوحجر:
يا فريدَ زَمانِهِ ما أجْمَلَكْ!
أتُرى وَصَلَتْكَ رسائلُ حُبي التي
صُغْتُها بِدَمِ القَلْبِ لَكْ؟
وَوُقوفي بِبابِكَ سَبعَ سِنينَ
مِن الاِنْتِظارِ
أمَا أخْجَلَكْ؟
......
في حين نجد الإيقاع مشابها في نص هلو بإنشاده:
وما همَّهُ
مِنْ نعيمِ الحَياةِ
سِوى أنْ يراكَ
كَطَيْفِ البَهاءِ الذي جَمَّلَكْ
فراشةَ شِعري الذي ظَلَّ.. لَكْ...
إنه البوح الشعري المنسجم مع الرؤى الفكرية، والتناغم الشعري الذي يفضي إلى توحد الرؤى كذلك، فينسج الشاعر هديل كلماته في تناغم مع شاعر آخر، وفي كثير من الأحيان لا يكون له صلة به، ولم يسبق له التواصل به، أو مع شعره؛ فيكون ذلك دليلا على سعة الشعر وملكوته التي تُزيح كلَّ الحواجز، وتحطم كل القيود التي يُكبِّلنا بها التاريخُ، وتتحكمُ فينا باسم الجغرافيا والتصاميمِ الهندسية والعمرانية.
-----------------------------
هوامش الجزء الثاني
- 16-الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 22
- 17-المرجع نفسه، ص. 55
-18- لفظة صعَّر في قوله: فصعر للقصيدة خده، ص. 57
-19- نأخذ مثالا عنوان قصيدة له: لا يفلح الشاعر حيث أتى، ص. 55
- 20-الطيب هلو، قمر العتاب، مرجع سابق.
-21- محمد الطوبي: أيقونة العاشق المغربي، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ليبيا، ط. 1، 1985.
-23- محمد الطوبي: أنت الرسولة أيقوناتك اندلعت، دار القرويين الدار البيضاء، ط. 1، 2003، ص. 19
-24- الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 33
-25- المرجع نفسه، ص. 15 وما بعدها
-26-  المرجع نفسه، الصفحات 35- 37...
-27- المرجع نفسه، ص. 49
-28- أمل دنقل: قصيدة لا تصالح، منقول من مجلة عيون المقالات، ع 5، 1986، ص.2 وما بعدها.
-29- الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 63
+++
عن منشورات اتحاد المبدعين المغاربة، صدر للشاعر المغربي الطيب هلو مجموعة شعرية بعنوان: "لو نَبّهني الحُبُ"، تتكون المجموعة الشعرية من 106 صفحة من الحجم المتوسط، تتصدر غلافها لوحة تشكيلية للفنانة المغربية سلمى العلالي، وتضم المجموعة الشعرية 22 قصيدة هي على التوالي: "لو نبهني الحب"، "تجليات في مرايا الحبر"، "أرتاب من قلق السحاب"، "تعويذة العاشق الأندلسي"، "سأحمي سر مملكتي"، "ماذا لو أهديتك ذاكرة المتنبي"، "محبرة تربي الليل"، "أبجدية الماء"، "مخلب الصمت"، "لي كأسي الأولى ولي عنب"، "لا يفلح الشاعر حيث أتى"، "من أوراق شاعر نرجسي"، "أحبك حتى انتهاء الرؤى"، "كي تردي للهوى بعض الجميل"، "سأبقى شريدا كما طاب لي"، "أخطاء في تقويم الحب"، "يد لا تدرك أقمارك"، "أوراق جثة في حرب الجسد"، "بريد عاشقة إلكترونية"، "لمصر ما عصر الفؤاد"، "أبجدية الرفض"، "نهد يتدلى من جسد الكون".
وقد جاء في ظهر الغلاف مقطع من قصيدة :"لو نبهني الحب"......
لَوْ نَبَّهَنِي الْحُبُّ
أَنِّي سَأَعُودُ لِعِشْقِكِ ثَانِيَةً
أَلْقَيْتُ مَفَاتِيحِي
فِي كَفَّيْكِ النَّائِمَتَيْنِ
عَلَى كَفِّي
وَسَجَنْتُ اللَّحْظَةَ فِي حَرْفِي
ودَخَلْتُ دُرُوباً أَجْهَلُهَا
أَخْرَسْتُ صَهِيلَ الْمَاضِي مِنْ زَمَنٍ
وَمَشَيْتُ بِدَرْبِ الْحُبِّ عَلَى وَهَنٍ
كَيْ أَكْتَبَ فِي عَيْنَيْكِ
قَصِيدَةَ حُبٍّ
وأَنَا أَدْرِي أَنَّ لُغَاتِ الْعَالِمِ
لَا تَكْفِي
والمبدع المغربي الطيب هلو، شاعر وناقد وقاص من مواليد مدينة وجدة، أطل على عالم النشر سنة 1991 بالجرائد الوطنية، ثم انفتح على عدة منابر ورقية والكترونية وطنية وعربية، شارك بعدة مهرجانات وملتقيات وأمسيات شعرية وقصصية بمختلف المدن المغربية، صدرت له نصوص قصصية ونقدية في كتب مشتركة هي على التوالي: "منارات" ( قصص) منشورات نادي القصة بالمغرب سنة 2001، "قراءات نقدية في القصة التسعينية بالمغرب" سنة 2005، "مدارج الهوى" ( دراسات نقدية) سنة 2007، "الرواية المغربية: آفاق معاصرة" سنة 2008، "القصة القصيرة بالمغرب: دراسات في المنجز النصي" سنة 2008، "تحولات القصة المغربية" (منشورات جامعة بنمسيك) سنة 2010، "الشعر المغربي المعاصر: آليات التطبيق عليه" (كتاب أفروديت مراكش) سنة 2010.
"لو نبهني الحب" هو الإصدار الخامس للشاعر المغربي الطيب هلو، بعد "قمر العتاب" (شعر) سنة 1996 و"لسيدة الشبق أعترف" (شعر) سنة 2008، "هيبيني وردا للنسيان" (شعر) سنة 2010، "بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر" (نقد) سنة 2010. وقد حظيت أشعار المبدع المغربي الطيب هلو بعدة قراءات ودراسات نقدية ومتابعة إعلامية.
++++
"بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر" للطيب هلو
المغرب - خاص
2209بعد ديوانين شعريين (قمر العتاب 1996 و لسيدة الشبق أعترف 2008) ومجموعة من الكتب المشتركة يصدر الشاعر والناقد المغربي الطيب هلو كتابا نقديا جديدا حمل عنوان " بلاغة


الإيقاع في قصيدة النثر". وقد ضم الكتاب مقدمة وفصلين:

1ـ تأصيل الإيقاع في قصيدة النثر، تضمن المحاور التالية: الإيقاع والوزن ـ نحوُ الإيقاع وبلاغته ـ نحو إيقاع لقصيدة النثر.

2 ـ الفصل الثاني: بلاغة الإيقاع في قصيدة النثر، وتفرع إلى المحاور التالية:الإيقاع اللغوي ـ الإيقاع الصوتي ـ الإيقاع الدلالي.

ثم خاتمة مفتوحة تلخص مجمل ما توصل إليه الباحث. وتجدر الإشارة إلى أن الناقد اشتغل على نصوص مغربية للشعراء من مختلف الأجيال هم: محمد الصباغ، عبد اللطيف بنيحيى، حسن نجمي، عبد الله زريقة، وفاء العمراني، إدريس علوش، عمر بنلحسن.
جاء في الصفحة الأخيرة للغلاف :" تؤسس قصيدة النثر جماليتها على "بلاغة الإيقاع " بكل ما تحمله كلمة بلاغة من دلالات على الخصوصي والمتغير. وبمحاولتها لعب دور البديل لنحوِ الإيقاع، بما يدل عليه من ثبات وبعد قانوني،  تخلق بلاغة الإيقاع جماليتها الخاصة بها، القائمة على إيقاع الروح المنسجم مع إيقاع الحياة كلها والمتوطد مع اللغة الشعرية، في محاولة خلق قصيدة نثر قائمة على الإمتاع والانفعالية والتميز."
صدر الكتاب عن مطبعة الأنوار المغاربية بوجدة ويقع في 104 صفحة.
++
إيقاع الألم في "مرثية رجل"
للبتول المحجوب لمديميغ
بقلم: الطيب هلو/ المغرب

تتنوع الإيقاعات السردية في القصة الجديدة بالمغرب تنوعا لافتا. فقد انفتح هذا الجنس الأدبي على مسارات متعددة ، خلقها جو التجريب الذي تعيشه الأجناس الأدبية عموما، والقصة القصيرة على وجه الخصوص. ولعل المتتبع للكتابة القصصية النسائية الجديدة يلاحظ احتفاءها بالجسد، إما بوصفه موقفا فنيا وقضية فكرية ، أو بوصفه مطية لإعلان التميز و مشاكسة الطابوهات ليس إلا. مما أوقع كثيرا من هذه الكتابات في الابتذال والسخافة وجعلها شبيهة بما تنشره الجرائد من تحقيقات عن الشذوذ والدعارة و غيرها، مما لم يعد خافيا على أحد. وهو الأمر الذي أصاب كثيرا من المبدعات الجادات بحالة تذمر واضحة يعلنَّ عنها في كل مناسبة يثار فيها مثل هذا الموضوع.
لكن ، وعلى الرغم من هذا الاكتساح، هنالك من الكاتبات من تنكبت عن ركوب هذه الموجة وفضلت الإنصات لجراح الذات الفردية والجماعية، واستجلاء الباطن النفسي عبر إيقاع الحلم ،كما عند القاصة بديعة بنمراح ـ وهو ما كشفنا عنه في دراسة سابقة ـ أو عبر إيقاع الألم العنيف الذي يغلف كل تضاريس الحياة. وهو ما سنبرزه من خلال المجموعة القصصية "مرثية رجل" للكاتبة الجنوبية البتول المحجوب لمديميغ.
1 ـ قراءة في العتبات:
يستضمر عنوان المجموعة القصصية " مرثية رجل" للبتول المحجوب لمديميغ إيقاع الحزن والانكسار، الذي تبئره لفظة "مرثية". ويستبطن طاقة شعرية خاصة تحيل إليها اللفظة ذاتها. فالمرثية ترتكز على مرجعية تراثية، حيث شعر المراثي إحالة دالة على ذلك الموروث الشعري الحافل بالانكسار. إما في صور جماعية كمراثي الهذليين أو بشكل فردي كما عند الخنساء و ابن الرومي وحافظ إبراهيم، الذي يعلن أن شعر المراثي يحتل نصف ديوانه .
إذن، ترغمنا المجموعة على أن ندخل النصوص محملين بهذين التوقعين؛ توقع الحزن وتوقع الحضور الشعري. وتأتي كلمة "رجل" منكَّرة لتفتح شهيتنا، وتثير فضولنا لمعرفة صفات هذا الرجل. فالرجولة مملوءة بصفات حسنة في الأصل، مالم يصرفها وصف عن هذا المعنى العام ـ كما في مجاميع قصصية أخرى مثل "اعترافات رجل وقح" لوفاء مليح مثلا ـ كما يستثير العنوان كاملا "مرثية رجل" ذاكرتنا الشعرية، ليحيلنا على قصائد شعرية تضمنت هذا التركيب، كما في قصيدتين للشاعر المصري صلاح عبد الصبور هما: "مرثية رجل تافه" و" مرثية رجل عظيم"، حيث الصفة مقيِّدة للدلالة العامة وكاتمة لأنفاس التأويل. و هذا ما لم تقع فيه هذه المجموعة القصصية، وتركتنا نبحث بجد عن صفات "رجل" داخل متنها القصصي وعتبات النص الأخرى ـ كالإهداء مثلا ـ أو داخل النص الذي يحمل العنوان ذاته.
و تساهم جل العناوين الداخلية للقصص في إشاعة هذا الجو من الحزن والانكسار. وقد ساهم تكريره وانتظامه في جعله إيقاعا للمجموعة. وسمح لنا بأن نبحث عن هذا الإيقاع بين ثنايا النصوص وطياتها. وهو انكسار ناتج عن الفقد والضياع والتيه والمنفى ( برودة المنافي ) والجرح (النوارس الجريحة ) والنسيان ( مساء أحد منسي) والبعد المكاني والحزن ( المسافات ـ انتظار ـ الطيور المهاجرة ـ الجمعة الحزين ) والوجع ( مدينة الوجع ) والرحيل والموت( مرثية رجل ـ رحيل امرأة )؛ مما يفرض التوسل بأدوات الاتصال المكرسة للبعد ( الهاتف ـ علبة البريد ) أو الاستلام للحلم والذكريات ( الحلم الجميل ـ ذكرى )
من هنا، فالعناوين الداخلية متآلفة فيما بينها لتشيع الجو الحزين أو الجنائزي على المجموعة، وتمنح القارئ فرصة الاستعداد لمواجهة هذا الحزن. أو بالأحرى تقوده إلى البحث في طيات النصوص عن مواطنه وأسبابه ونتائجه، وتشركه تبعا لذلك في المعاناة الذاتية والجماعية . كما يتولى الإهداء مهمة التوضيح ، سواء لعناوين النصوص ـ من خلال تقاطعه معها ـ أو لمناسبة النصوص ـ وهي رحيل شخص عزيز ضحية لأوضاع ما ـ كما يتولى توجيه القارئ إلى مكامن الحزن في النص. فالإهداء يشير إلى الرحيل (إلى من رحل) ويحدد الوقت ( يوم جمعة عاصف ) وهو نفس عنوان نص ( الجمعة الحزين ) والمناسبة ( ضحايا سنوات الجمر ـ شهداء الكلمة الحرة) ووضعية الضحية ( القبر المنسي دون اسم أو إشارة ). من هنا يتجلى الترابط القوي بين عتبات المجموعة وموضوعات نصوصها وهو ما سنحاول كشفه من خلالها.
2 ـ التيمات :
تتوزع النصَّ مجموعة من التيمات تتركز حول بؤرة واحدة هي الألم.ومن هذه التيمات: تيمة الموت والمنفى ؛ حيث يشيع في النصوص كلها جو من الحزن والاغتراب. فالنص الأول في المجموعة والمعنون ب"برودة المنافي" ـ مثلا ـ و منذ استهلاله ، تصوير لجو المطار الكئيب ذات صباح بارد، وحالة الانتظار والترقب والاستعداد للحصول على تابوت قادم " من أرض باردة، بعد ثلاثين سنة من الغياب القسري، بعد ثلاثين سنة من التسكع على أرصفة المنافي الباردة .يعود محمولا في تابوت لحضن أمه الدافئ. وصيته الأخيرة أن يعود لوطنه ولو ميتا بعد أن حرم العيش فيه حيا."(ص6 ) كما ينشر النص التعاطف القوي مع شخص يحب وطنه بقوة، رغم تنكر الوطن له. وكأني بالقاصة البتول ترسخ ـ من خلال شخصية الرجل المنفي ـ قول الشاعر :

بلادي وإن جارت علي عزيزة
و قومي وإن ضنوا عليَّ كرام
وتستند القاصة في إبراز التناقض بين حب الرجل لوطنه، وتنكر الوطن له على الاسترجاع، الذي كثفت فيه المؤشرات الدالة على هذا الحب، وأسباب النفي. ومنها:
ـ طلبه ألا يتحدث له أحد إلا عن جمال الوطن.
ـ طلبه من صديقه أن يجلب له بعضا من تراب مدينته عله يشم فيه رائحة أمه " فلأمهاتنا رائحة الأوطان." ( ص 7 )
وترسخ تنكر الوطن في آخر جملة تنطقها الساردة همسا للقبرين." ناما بسلام في هذا الوطن الذي لم يمنحكما إلا شبرا في مقبرة موحشة."(ص 8 ) .
ومما يؤكد حرص القاصة على إيقاع واحد لنصوصها، فإنها تفتتح النص الثاني" قالت اليمامة" بنفس الجملة التي ختمت بها النص الأول، حيث تقول في استهلال النص الثاني: "المقبرة موحشة هذا الصباح."(ص 10) وتتناسل المشاعر في نفس البطلة حزينة كئيبة، تترحم على القبر وتتذكر الميت و رحيله المؤلم، والفراغ الذي تركه. وتسترجع لحظات السعادة كأفق جميل غاب وتركها للحسرة والألم ." مؤلم رحيلك."(ص 10) و في تقديم الخبر ( مؤلم ) تعميق لأهمية الألم، بوصفه الإحساس الملازم، ثم تشترك القصتان في مخاطبة الميت، و وصف قسوة الوطن.
"الوطن؟ ما زال مدفونا في رمال الصحراء. العالم؟. لاتسأل .. دم ودمار.. لاتسأل عن شيء. زمن الهزيمة الخذلان هذا."(ص 10) بل إن في القصة ما يحيل على الإهداء، و قصص أخرى (الجمعة الحزين ) حيث تذكر بهما من خلال مؤشرات دالة:" الغصة كبرت من الجمعة الحزين. الجو العاصف." (ص 11)
" قبره وجد منسيا في قلعة جحيم مكونة، بعد أن لفظ أنفاسه في غياهب الظلام. كيف بالله عرفوا قبره؟" (ص 11)
"... أحمل بعضا من تربة مدينة الوجع، مدينة الألم و الحب، مدينة عشقها رغم الجراح وأورثني عشقها ..."(ص 12) والإشارة إلى "مدينة طنطان"، مدينة الوجع ـ كما سمتها القاصة في قصة بنفس العنوان ـ وتؤكد القاصة على إشاعة جو الحزن والبرودة في كل نصوصها. فبعد برودة المنافي ووصف برودة المقبرة في قصة "قالت اليمامة" بقولها: " شعرت ببرودة التربة." (ص 10) تستهل قصة" مساء أحد منسي" بالبرودة ذاتها:" في ذلك الركن من أركان غرفتي الباردة..." (ص 13)
وتتآزر مع هذه التيمة تيمة الانتماء ، الانتماء للأرض والوطن والأهل. فلا مجال للفردانية ولا للأنانية، وإنما تشبث قوي بالجذور:
" لم أرغب في الابتعاد أكثر عما هو جنوبي. حططت رحالي بأكادير. كانت الأقرب إلى الصحراء، الأقرب إلى طنطاني الجريحة أيامها."( ص 39) فالانتماء إلى الجنوب بوصلة تضبط سلوك الشخصيات، وتوجه مسارات الحكي. و تعمق نسبةُ المكان إلى الذات والإحساس بجرح المكان هذا التجذر ( طنطاني الجريحة أيامها) والتي تسميها في نص آخر ب" مدينة الوجع". و هذا العشق للمكان والتلبس بلحظاته لا يبقى حكرا على الساردة بل يمتد إلى بقية الأبطال من خلال شكلين بارزين هما:
1 ـ معرفة الآخر بهذا الحب واستسلامه له. " هو أدرى بعنادي وبعشقي لمدينة تؤرقني كلما فرقتنا المسافات."( ص 39)
2 ـ المشاركة في هذا الحب بوصفه لحمة تجمع محبين ويدل على هذه المشاركة قول الساردة: " مدينة عشقناها معا." ( قصة" النوارس الجريحة" ص 46) ، إضافة إلى صفات أخرى تعزز استحقاقه لهذا الحب ،كشبهه بصورة الفقيد ومواقفه. تقول الساردة في قصة " المسافات":
" عاشت على ذكرى كل جنوبي أحبته، يحمل تقاسيم وجه رحل عنها ذات فجر ضبابي وتركها في انتظار غائب لا يعود.(....) تتزاحم الأفكار والهواجس لتعود صورة "علي" بطل الجنوب بوجهه الأكثر حزما، بروحه الأكثر تسامحا وبكرامته الأكثر أنفة. ملامحه الحزينة والطيبة بلسم لروحها المتمردة." (ص 22 ـ 23)
إن عشق المكان الصحراوي يرجع إلى روح الانتماء المغروسة بقوة في أبنائه، بسبب التنشئة الاجتماعية القبلية، ثم بسبب ما يحسه البدوي من زحمة المدن وتعقد الحياة فيها. و هو نفس ما سرى في شعر المدينة العربي من تعبير عن الاغتراب والتذمر مما تعرفه المدن من ازدحام وضجيج و فردا نية. وقد كشفت الكاتبة بفطرتها عن مثل ذلك عندما مررت على لسان الساردة ـ المتماهية مع الكاتبة ـ قولها وهي تصف البطل:
" يتذمر من زحمة الأوتوبيس، من الآفاق المغلقة بكثرة البنايات في المدن الكبرى. وهو البدوي الجميل تربى على آفاق الصحراء الممتدة على هواء نقي." ( ص 40)
كثيرة هي التيمات التي تتآلف داخل نصوص هذه المجموعة القصصية لتنقل الإحساس القوي بالفقد والفجيعة، وتكشف السريرة الحزينة والنفسية المتوترة الشاردة، المنتجة لذات متشظية متأزمة وحادة أحيانا، تحرمها من متعة الحب. فحتى العلاقات العاطفية، العابرة داخل المجموعة على استحياء، مغلفة بغشاء من الحزن والانكسار والشرود والهروب نحو الذكرى الأليمة. و هو ما يعلن عنه البطل بنوع من التذمر واللوم حين يقول: " ستقضين عمرك تبحثين عن سراب. تبحثين عن ملامح ضبابية القسمات رحلت عنك يوم الجمعة الحزين."( قصة الطيور المهاجرة ص 32)
في الختام لا بد أن نسجل أن القاصة نسجت تعالقات عدة من خلال استخدام التكرار؛ تكرار الزمان ( الجمعة الحزين) والمكان ( طنطان ـ الصحراء) والموضوع ( الفقد والغياب) ووحدة الإحساس ( الحزن والاغتراب) ،ومن خلال هذه التعالقات وضعت بصمة حقيقية على صفحة الكتابة النسائية بالمغرب. وقد ساعد ها تمكنها من لغة رصينة وقوية وأسلوب شفاف وجميل في تجنيب هذه المجموعة كل ما قد يصيبها من رتابة تبعث على الملل. كما ساهمت فطرتها البدوية في تمكينها من اجتراح موضوعات جديدة، تبتعد عن الموضوعات المستهلكة في القصة النسائية بالمغرب، و التي تعاني من التمركز حول الجسد في نرجسية مقززة ، أو من خلال تبئير صورة الاستضعاف لدى المرأة.
إن انطلاق الكاتبة من خصوصياتها الثقافية والجغرافية ومن سيرتها الخاصة، يمنحها صوتها الخاص، الذي نرجو أن تنتبه إليه وتقويه، مما سيمنح السرد المغربي مزيدا من بهاء التعدد، ويزيد من درجة خروجه من بوتقة التنميط.
............................

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
هلو الطيب جسد جسد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: الإبداع-
انتقل الى: