كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 "غُشماء السرد"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1746
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: "غُشماء السرد"   الخميس أغسطس 31, 2017 3:26 pm

د. عبدالله إبراهيم

قصدتُ إلى استخدام عبارة "غُشماء السرد" قصدًا، وأعني بهم أولئك الجاهلين بأمور الكتابة السردية من وظيفة، وطريقة، وغاية، وأسلوب، والذين يأتون الكتابة بلا دراية، ولا ذوق، ولا خبرة، ويعارضون الفطنة، ويسفهّون رفعة القول الأدبي، ويحطّون من قيمته، ويطلقون الأحكام الخاطئة، وشريعتهم في كل ذلك الجهل، والاختيال، والغطرسة. أصف هولاء بأنهم "غشماء"، وهي كلمة قليلة الاستخدام في اللغة العربية، لكنها تصلح نعتا لعدد وافر من مدّعي الكتابة السردية؛ فقلّة تداول هذا اللفظ في العربية لا تعني ندرة من ينطبق عليهم، فالأمر خلاف ذلك. وقد وجدت من معاشرتي الطويلة للسرد عددا وافرا منهم، اصطلح عليهم من غير تردد بـ"غشماء السرد". وحيثما يذكر "الغشيم" يذكر معه السفه، والحمق، والتهتار، والرعونة، والجهل. وظنّي أن نسبتهم في المجتمع الأدبي العربي أكبر بكثير من نسبة العارفين، والمحنّكين، والحاذقين.

أسارع إلى القول بأنني لستُ مدافعا عن المتفاصحين في الكتابة، ولا أحامي عن التفاصح، فهو عندّي ادّعاء الفصاحة وليس الاستجابة الطبيعية لنواميسها، وقد ولّى عهد الادّعاء بمعرفة دقائق اللغة، وحشر غريبها وشاذّها في كلّ جملة، وانحسر عالم بديع الزمان الهمذاني، والحريري، وابن الصيقل الجزري عن عالم الكتابة، وتوارت معايير الكتابة القديمة، وحلّ محل كل ذلك عالم نجيب محفوظ، والطيب صالح، وجبرا إبراهيم جبرا، وما عاد الكاتب بحاجة إلى مهارات التنقيب في بطون المعجمات، ولا في طيات البلاغة المدرسية، والأفضل له اللجوء إلى انتقاء الألفاظ المناسبة للأحوال التي يريد الكتابة عنها، ويتعذّر ذلك عليه بغير الاستعانة، عند الحاجة، بذخيرة معتمدة من ذخائر الألفاظ كلسان العرب، يبحث فيها عمّا يريد من غير لجوء إلى التكرار، والتمحّل، وحرف المعاني، فينهل من صفاء الألفاظ المناسبة لحاجته، وهجر ما يَرى أنه غير مفيد له. إنّ اقتراض الكاتب من معجم الألفاظ ينبغي أن يكون اقتراضا محسوبا بدقة متناهية، فلا إكثار ولا إنكار.

غير أن الجهل بلغة الكتابة السردية، وتسفيه ذوي الأساليب الرفيعة، والسقوط في العامية، لا يتسق مع طبيعة الأدب ووظيفته. ووصم الكتاب المراعين للمعايير السليمة في الكتابة بذوي "البلاغة القاتلة" يخفي جهلا مروّعا بوظيفة اللغة في سياق الخطاب، وهي تحتاج إلى مهارة، وذوق، وخبرة، فقد انساق أغلب كتّاب الرواية العربية إلى التفكير العامي، وامتثلوا لشروطه في بناء أفكارهم، وأفكار شخصياتهم، فصار من النادر أن يكتب أحدهم بلغة خالية من العيوب اللفظية، والنحوية، والإملائية، والأسلوبية لظنّه أن ذلك يتعارض مع وعيه بالعالم، فوقع انهيار شمل كلا من نظام التفكير وطريقة التعبير عنه، فساد الإنشاء الركيك القائم على نزوع عاطفي هزيل، وشاعت الرداءة المبتذلة التي تحطّ من الموضوع، وتداعى الصوغ الأدبي حينما عمّت الألفاظ الغثّة، وبالإجمال، فقد حلّ الابتذال محل الاجلال. وما عاد أحد يهتم بذلك النسيج اللغوي المتين في الكتابة، ومادام الانحدار قد شمل الكاتب وشخصياته فلا مهرب من مواصلة الانحدار، وتلك ذريعة فاسدة تقوم على جهل مركّب ببناء الشخصيات، وطريقة التعبير عن أفكارها، ووظيفة الكتابة السردية التي لا يراد بها محاكاة الواقع، ولا نسخه بكتابة تعكسه، بل تتولّى تمثيل بعض قيمه وأخلاقياته.

يريد "غشماء السرد" كتابة خليط من أشباه الروايات يمنحهم شرعية الاندراج في طابور الكتّاب الكبار، لكنّ ذلك الطابور لا يقبل غشيما، فيلفظه كونه غير مؤهّل ليكون عضوا نافذا فيه. ولأن غشماء السرد لايدركون نواميس الكتابة، فيرمون في كتبهم بالخواطر المجانية، والهموم العاطفية، والفضائح الساذجة، وإلى ذلك يرثون العالم، ويتبرّمون به، ويثأرون من أعدائهم، ويشيعون النميمية والاغتياب، ولا يتركون شيئا إلا ودفعوا به إلى وسط ذلك الركام من الأحداث الهزيلة، والوقائع العِجاف، فتخيّم على صفحات رواياتهم ضروب لا تحصى من المواعظ الإنشائية، والشروح المتعثّرة، والتفسيرات الساذجة، والحوارات المهلهلة، والأوصاف المسهبة. يأتون بكل ذلك عاجزين عن دفع الشخصيات إلى حركة مفيدة، أو إتيان فعل يساعد في نمو السرد، بل يبالغون في العواطف المائعة المسترسلة، فلا يكاد القارئ يخرج بشئ مما يقرأ غير الازدراء والاستياء.

يلوذ "غشماء السرد" بتلك الكتلة الغامضة من الأفكار العامية والتصوّرات المبهمة كأنّ الكتابة السردية لم طفل خديج ناقص النمو لاحظّ له بالحياة، ولم يشهد تجارب عظيمة عبر التاريخ، ولعلّ الأسلوب الركيك، وعدم إجادة الحوار، والعجز عن الوصف المعبّر عن الأحوال النفسية للشخصيات، فضلا عن عدم القدرة على صوغ فكرة تتميز بها هذه الشخصية عن غيرها من الشخصيات، ظاهرة تميز كتابة "غشماء السرد" عن سواهم؛ لأنهم ينطقون الشخصيات بما يفكرون به هم لا ما تقتضيه أحوال العالم الافتراضي، وعلى هذا يحلّ الكاتب محلّ الشخصيات، وينطقها بما يهوى، وعن طريقها يعظ، ويرشد، وينتقد، ويفضح، لكنه لا يكتب حوارا نابعا من تجربة الشخصية بما يفضي إلى نموّها وانفتاحها على الشخصيات الأخرى، فالصحيح هو أن تشقّ الشخصيات طريقها حسب مقتضيات العالم الافتراضي الذي تعيش فيه لا طبقا لشروط العالم الحقيقي الذي يعيش فيه الكاتب، والا انعدمت ضرورة الكتابة السردية.

ينبغي التفريق بين كاتب مبتدئ وكاتب غشيم، فقد يفضي الاندفاع، وقلة الخبرة، ناشئة الكتّاب إلى الوقوع في الأخطاء عن غير قصد، فذلك أمر يلازم التجارب الأولى في الكتابة، وسرعان ما يتخلّص هؤلاء من أخطائهم، لكن مصدر الخطر على الكتابة السردية يأتي من الغشماء الذين ركبهم مزيج من غرور وعجرفة جعلهم يتعامون عن الأخذ بمعايير الكتابة السردية السليمة، فيتنكّبون للتراث السردي، ويعاندون صيرورته التاريخية، ويضربون يمينا وشمالا خارج المنطقة التي تتشكل فيها التجارب الحقيقية في الكتابة، قصدتُ بذلك المصهر الذي تنسبك فيه الكتابة السردية، وتصكّ معاييرها وقواعدها. وحينما لا يعترف المرء بِدَيْن الآخرين فسوف يكون في حلّ عن أية مسؤولية، فيحلّ التسفيه محلّ التقدير، وتُخرق مواثيق السرد عن جهل لا عن دراية، وبمجرّد أن يسنّ الجاهلُ شرعةً خاطئةً فسوف يمضي فيها غير آبه بالأعراف التي تأدّت عن جهود الآخرين.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
"غُشماء السرد"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: