كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أسئلة الهايكو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: أسئلة الهايكو   الإثنين ديسمبر 05, 2016 4:42 am

أسئلة الهايكو 1



صديقي العزيز
...ألا تشعر أنك تأخرتَ كثيرا في إجراء حوار مع شاعر هايكو، هايجين؟ أجريتَ حواراتٍ كثيرة مع شعراء الحداثة، وتجولت معهم في كثير من الموضوعات، وتنقلت كثيرا في أرجاء الثقافة اليابانية، وترجمتَ ألف هايكو وهايكو مع صديقك كوتا كاريا، وترجمتَ أعمال شاعر التانكا، إيشيكاوا تاكوبوكو، معبود اليابان واليابانيين، وترجمتَ كتابهم المقدس، الـ كوجيكي وغيره، ولم يخطر ببالك مرة، طوال ربع قرن من علاقتك ببلاد الشمس المشرقة، أن تلتقي بهايجينٍ واحدٍ؟.
معك حق في كل هذا العتاب، وأعترف أنني تأخرتُ كثيرا، لكنني وصلتُ في النهاية. وأن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبدا، كما يقولون في العربية وغيرها من اللغات.
لكن قل لي، ولندخل قليلا في الموضوع، لماذا تستخدم لفظة هايجين، وليس عبارة شاعر هايكو فقط، أو كلمة هايكيست المأخوذة عن الفرنسية أو الانكليزية؟
طالما نعرف اللفظ الياباني في هذا السياق، فلماذا نأخذ باللفظ الفرنسي أو الإنكليزي. أضف إلى أن كلمة "هايجين"، كالكثير من الكلمات اليابانية، تبدو أقرب إلى النطق العربي من هايكيست، وأكثر إيحاء كما أتوقع، إذ يمكن لنصفها الأخير "جِيْنْ" أن يستدعي كلمات كالجن، أوالجنون أو غيرهما، وهذا ليس ببعيد أو غريب عن الشعر كما نعرف جميعا.
والكلمة في الواقع مكونة من مقطعين: الأول "هايي"، وهو نفسه في بداية لفظة "هايكو"، ويعني مزحة، نكتة، طرفة، تسلية؛ والثاني "جِيْنْ"، ويعني إنسان، شخص. هكذا يكون لدينا حرفيا "إنسانُ مزحةٍ، إنسانُ تسليةٍ" وإذا ترجمنا بتصرف قليلا، سيكون لدينا " مُهرِّج"، وإذا تصرفنا أكثر، سيكون لدينا ببساطة "شاعر" بجميع الحمولات المعروفة في اللغة العربية. ولكي لا نصل إلى هذه المباشرة فنقضي على طراوة اللفظ، ونحرم العربية أيضاً من فرصة استقبال، نحافظ على نطق الكلمة كما هو في الأصل فنقول: هايجين للمفرد والجمع. ويكون لدينا: الهايجين العربي بالمفرد، والهايجين العرب بالجمع.
ولمن يريد المضيَّ إلى نحت فعل، يمكن القول: هَوْجَنَ، يُهَوْجِنُ، هَوجَنَةً، أي يكتب هايكو، فهو هايجين، وهي هايجين أو هايجينا/ى بالألف الطويلة أو المقصورة. والباب مفتوح في هذا السياق لاجتهادات أخرى مختلفة، كالهوككة مثلا: هوكك، يوهكك، أي يكتب هايكو، فهو هايجين، ولا أقترح هائك أو مُهوكِك، أو هايكوي، كم قد يفترض السياق هنا.
على أية حال، التداول الأغلب لواحدة من هذه الكلمات، هو الذي سوف يحسم الأمر في المستقبل، على جري ما يحدث لكثير من المفردات الجديدة. وفي الآتي من السياق سأستخدم كلمة "هايجين"، مع أنني أميل إلى تعبير "شاعر هايكو".
بلى، عندما وصلتُ إلى اليابان ذات يوم أضحى بعيداً، لكنه مازال طريا كما لو أنه بالأمس، كان في ذهني كتابٌ كامل من الأسئلة حول الشعر الياباني الحديث ومشكلاته، وحول شعرائه وأعلامه من النقاد وغيرهم. وحرصت على اللقاء بأغلبهم، أو بأكثرهم تمثيلا لهذا الشعر. كما لو كنت أريد مقارنة حداثتهم الشعرية بحداثتنا الشعرية التي نعتز بها، طالما لا نستطيع مقارنة نهضتهم بشيء يوازيها لدينا نحن أبناء الضاد. وهكذا كانت انطولوجيا الشعر الياباني الحديث،"سفينة الموت"، يتقدمها حوارات مع سبعة شعراء معروفين.
ولا أعرف لمَ لمْ يخطر في البال مثلا، وبالطريقة نفسها، أن أقارن بين قديمهم الشعري، الهايكو أو الواكا، وقديمنا الشعري، كما لو أنني كنت أقول في داخلي: اليابان انتقلت إلى الحداثة ومشتقاتها وقطعت مع ماضيها ومشتقاته، ولا أظن أن هناك شعراء كثيرين يكتبون اليوم بهذه الصيغ إلا ما ندر وعلى سبيل الحنين، كما هي حال شعراء العمود في بلادنا. لذلك لم يكن عندي أيّ تساؤل بخصوص هذه الأشكال الفنية، وتحديدا بخصوص الهايكو، الأكثر شهرة وانتشارا في العالم. ولم أجد نفسي مندفعا للقاء أي هايجين، على افتراض أنه غير موجود أو إذا وجد فهو بلا أهمية ولا يمثل الشعر الياباني المعاصر، أو الحساسية اليابانية المعاصرة...(يتبع)
من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي ـ بانيا" (يصدر قريبا)
هابطاً من شلّالٍ
في السَّماءِ
ينطلقُ البابا إلى الطيران.
الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 738
+


صديقي العزيز
...وحتى عندما كنت أعمل على "كتاب الهايكو الياباني" مع الصديق كوتا كاريا، لم يخطر بباليَ أبداً ترتيب لقاء بأحد الهايجين اليابانيين لأجري معه حوارا حول أسئلة الهايكو بشكل عام. مع أن الكتاب يغطي في قسمه الأخير أعلام الهايكو المعاصرين ولو بهايكو واحد، بمن فيهم صاحب " البابا الطائر في السماء"، الهايجين ناتسوإيشي ــ بانيا.
يعني كنت أعلم بوجودهم. مع ذلك، ومع أنني كنت أيضاً وما زلتُ قارئا نهما للهايكو، واستلهمتُ، وما زلتُ أستلهمُ، روحه في إعدادي لمشروع " ديوان الشعر العربي الجديد" بأجزائه الستة حتى الآن، وأعتبره مستقبل الشعر ومستقبل غالبية الفنون الأخرى، لم يخطر في ذهني الإتصالُ بأيّ هايجينٍ يابانيّ.
ربما لأنني لا أكتب الهايكو، لم يحدث ذلك. وأعتبر كتابته أصعب بكثير من كتابة الشعر الحديث الذي أراني منخرطا فيه كمُنشِّطٍ وناشطٍ، أو كمُشاغبٍ فقط.
أو ربما كنت أقول في داخلي، حتى ولو أجريت مليون حوار، مع مليون هايجين ياباني، وهذا عددهم كما سيؤكد الشاعر بانيا في الصفحات القادمة، فماذا عساهم أن يقولوا لإقناع الذائقة العربية، المفطورة على مفاهيم الفحولة والمعلقات الطويلة، بالانفتاح قليلا والتلاقح قليلا مع هذه الصيغ الفنية البسيطة، كالهايكو أوالتانكا، حيث لا شيء يُذكرُ أبعد مما تقوله عدة كلمات ببساطة ووضوح، وتبث شيئا من البهجة.
أو ربما كنت أقول لنفسي، لن يصح الحوار حول هذه الصيغة اليابانية بامتياز، مالم تتمكن من اللغة اليابانية ونظامها النحوي قليلا أو كثيرا ، وتقوم بتفكيك بعض هذه الرسوم الصينية، وتقرأ الهايكو بلغته الأم قليلا أو كثيرا، وتفهم لماذا يحب اليابانيون الهايكو إلى هذا الحد، وكيف يعتبرون أن هذا الهايكو الموزون هايكو حقيقي، وأن ذلك الهايكو الموزون أيضا ليس هايكو إلا من حيث الشكل. إنها مسألة صياغة لغوية أولا وأخيرا.
صديقي العزيز
منذ حوالي ربع قرن تقريبا، وأنا أعيش متنقلا بين بلاد الشام، بلادي، وبلاد الشمس المشرقة، بلاد الهايكو. هكذا شاءتِ الأقدار فشئتُ. تحاصرني العزلة في هذه البلاد، فأعود للتزود من الصداقة والأصدقاء في بلاد الشام. ليس في بلاد الشمس المشرقة جالية عربية يتنفس من خلالها المرء كما يحدث لك في أوروبا و أمريكا. فأنت هناك تعيش بين أهلك وأحبائك، مهما كانوا، ولا معنى لحديثك أو لشعرك في الغربة وقساوتها. أما في اليابان ومشتقاتها، فأنت غريب إلى أقصى حدود الغربة، وأقصى باء غريب، أنت حقاً مقطوع من حجر. وإن حدث ووقعت على من يعرفك أو تعرفه من أبناء جلدتك، تكون كمن وقع على قصيدة هايكو لا نظير لها.
بهذه المشاعر، التقيت بالصديق الشاعر عبد القادر الجموسي في طوكيو ذات يوم من أيام ربيع سنة 2015. فوجئت أنه يعمل في السلك الدبلوماسي. دبلوماسي وشاعر! وفي اليابان بلاد الواق واق أيضاً! لا،لا، غير معقول!. هذه واحدة من النوادر، على الأقل في العالم العربي. لكنها ولحسن الحظ تقع أحيانا، وقد وقعت قبل ذلك للشاعر السوري المعرف عمر أبو ريشة وللعم نزار قباني.
على أية حال، لم نكد نكمل السلام، عبد القادر وأنا، ونجلس على الطاولة حتى بدأنا حديث الشعر. بأقل من ساعتين، كنا قد أتينا بالنميمة الطيبة حينا، وحينا لا، على غالبية الأسماء الشعرية العربية، وعلى التحولات التي بدأت في طريقة الكتابة، ومن بينها ميل الجيل الجديد إلى كتابة الهايكو.
ــ بهذا الصدد، يقول لي عبد القادر، ما رأيك بحضور المهرجان العالمي للهايكو الذي سيعقد هنا عندك في طوكيو بين 4 و 6 من الشهر التاسع القادم، فأنا على معرفة طيبةٍ بالهايجين الياباني المسؤول عن الموضوع ولن يتردد في دعوتك؟...(يتبع)

من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي ـ بانيا" (يصدر قريبا)
ينسى الدِّيارَ
وينسى الصَّلاةَ
البابا الطَّائرُ في السَّماء.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: أسئلة الهايكو   الإثنين ديسمبر 05, 2016 8:31 am

admin كتب:
أسئلة الهايكو 1



صديقي العزيز
...ألا تشعر أنك تأخرتَ كثيرا في إجراء حوار مع شاعر هايكو، هايجين؟ أجريتَ حواراتٍ كثيرة مع شعراء الحداثة، وتجولت معهم في كثير من الموضوعات، وتنقلت كثيرا في أرجاء الثقافة اليابانية، وترجمتَ ألف هايكو وهايكو مع صديقك كوتا كاريا، وترجمتَ أعمال شاعر التانكا، إيشيكاوا تاكوبوكو، معبود اليابان واليابانيين، وترجمتَ كتابهم المقدس، الـ كوجيكي وغيره، ولم يخطر ببالك مرة، طوال ربع قرن من علاقتك ببلاد الشمس المشرقة، أن تلتقي بهايجينٍ واحدٍ؟.
معك حق في كل هذا العتاب، وأعترف أنني تأخرتُ كثيرا، لكنني وصلتُ في النهاية. وأن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبدا، كما يقولون في العربية وغيرها من اللغات.
لكن قل لي، ولندخل قليلا في الموضوع، لماذا تستخدم لفظة هايجين، وليس عبارة شاعر هايكو فقط، أو كلمة هايكيست المأخوذة عن الفرنسية أو الانكليزية؟
طالما نعرف اللفظ الياباني في هذا السياق، فلماذا نأخذ باللفظ الفرنسي أو الإنكليزي. أضف إلى أن كلمة "هايجين"، كالكثير من الكلمات اليابانية، تبدو أقرب إلى النطق العربي من هايكيست، وأكثر إيحاء كما أتوقع، إذ يمكن لنصفها الأخير "جِيْنْ" أن يستدعي كلمات كالجن، أوالجنون أو غيرهما، وهذا ليس ببعيد أو غريب عن الشعر كما نعرف جميعا.
والكلمة في الواقع مكونة من مقطعين: الأول "هايي"، وهو نفسه في بداية لفظة "هايكو"، ويعني مزحة، نكتة، طرفة، تسلية؛ والثاني "جِيْنْ"، ويعني إنسان، شخص. هكذا يكون لدينا حرفيا "إنسانُ مزحةٍ، إنسانُ تسليةٍ" وإذا ترجمنا بتصرف قليلا، سيكون لدينا " مُهرِّج"، وإذا تصرفنا أكثر، سيكون لدينا ببساطة "شاعر" بجميع الحمولات المعروفة في اللغة العربية. ولكي لا نصل إلى هذه المباشرة فنقضي على طراوة اللفظ، ونحرم العربية أيضاً من فرصة استقبال، نحافظ على نطق الكلمة كما هو في الأصل فنقول: هايجين للمفرد والجمع. ويكون لدينا: الهايجين العربي بالمفرد، والهايجين العرب بالجمع.
ولمن يريد المضيَّ إلى نحت فعل، يمكن القول: هَوْجَنَ، يُهَوْجِنُ، هَوجَنَةً، أي يكتب هايكو، فهو هايجين، وهي هايجين أو هايجينا/ى بالألف الطويلة أو المقصورة. والباب مفتوح في هذا السياق لاجتهادات أخرى مختلفة، كالهوككة مثلا: هوكك، يوهكك، أي يكتب هايكو، فهو هايجين، ولا أقترح هائك أو مُهوكِك، أو هايكوي، كم قد يفترض السياق هنا.
على أية حال، التداول الأغلب لواحدة من هذه الكلمات، هو الذي سوف يحسم الأمر في المستقبل، على جري ما يحدث لكثير من المفردات الجديدة. وفي الآتي من السياق سأستخدم كلمة "هايجين"، مع أنني أميل إلى تعبير "شاعر هايكو".
بلى، عندما وصلتُ إلى اليابان ذات يوم أضحى بعيداً، لكنه مازال طريا كما لو أنه بالأمس، كان في ذهني كتابٌ كامل من الأسئلة حول الشعر الياباني الحديث ومشكلاته، وحول شعرائه وأعلامه من النقاد وغيرهم. وحرصت على اللقاء بأغلبهم، أو بأكثرهم تمثيلا لهذا الشعر. كما لو كنت أريد مقارنة حداثتهم الشعرية بحداثتنا الشعرية التي نعتز بها، طالما لا نستطيع مقارنة نهضتهم بشيء يوازيها لدينا نحن أبناء الضاد. وهكذا كانت انطولوجيا الشعر الياباني الحديث،"سفينة الموت"، يتقدمها حوارات مع سبعة شعراء معروفين.
ولا أعرف لمَ لمْ يخطر في البال مثلا، وبالطريقة نفسها، أن أقارن بين قديمهم الشعري، الهايكو أو الواكا، وقديمنا الشعري، كما لو أنني كنت أقول في داخلي: اليابان انتقلت إلى الحداثة ومشتقاتها وقطعت مع ماضيها ومشتقاته، ولا أظن أن هناك شعراء كثيرين يكتبون اليوم بهذه الصيغ إلا ما ندر وعلى سبيل الحنين، كما هي حال شعراء العمود في بلادنا. لذلك لم يكن عندي أيّ تساؤل بخصوص هذه الأشكال الفنية، وتحديدا بخصوص الهايكو، الأكثر شهرة وانتشارا في العالم. ولم أجد نفسي مندفعا للقاء أي هايجين، على افتراض أنه غير موجود أو إذا وجد فهو بلا أهمية ولا يمثل الشعر الياباني المعاصر، أو الحساسية اليابانية المعاصرة...(يتبع)
من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي ـ بانيا" (يصدر قريبا)
هابطاً من شلّالٍ
في السَّماءِ
ينطلقُ البابا إلى الطيران.
الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 738
+
2

صديقي العزيز
...وحتى عندما كنت أعمل على "كتاب الهايكو الياباني" مع الصديق كوتا كاريا، لم يخطر بباليَ أبداً ترتيب لقاء بأحد الهايجين اليابانيين لأجري معه حوارا حول أسئلة الهايكو بشكل عام. مع أن الكتاب يغطي في قسمه الأخير أعلام الهايكو المعاصرين ولو بهايكو واحد، بمن فيهم صاحب " البابا الطائر في السماء"، الهايجين ناتسوإيشي ــ بانيا.
يعني كنت أعلم بوجودهم. مع ذلك، ومع أنني كنت أيضاً وما زلتُ قارئا نهما للهايكو، واستلهمتُ، وما زلتُ أستلهمُ، روحه في إعدادي لمشروع " ديوان الشعر العربي الجديد" بأجزائه الستة حتى الآن، وأعتبره مستقبل الشعر ومستقبل غالبية الفنون الأخرى، لم يخطر في ذهني الإتصالُ بأيّ هايجينٍ يابانيّ.
ربما لأنني لا أكتب الهايكو، لم يحدث ذلك. وأعتبر كتابته أصعب بكثير من كتابة الشعر الحديث الذي أراني منخرطا فيه كمُنشِّطٍ وناشطٍ، أو كمُشاغبٍ فقط.
أو ربما كنت أقول في داخلي، حتى ولو أجريت مليون حوار، مع مليون هايجين ياباني، وهذا عددهم كما سيؤكد الشاعر بانيا في الصفحات القادمة، فماذا عساهم أن يقولوا لإقناع الذائقة العربية، المفطورة على مفاهيم الفحولة والمعلقات الطويلة، بالانفتاح قليلا والتلاقح قليلا مع هذه الصيغ الفنية البسيطة، كالهايكو أوالتانكا، حيث لا شيء يُذكرُ أبعد مما تقوله عدة كلمات ببساطة ووضوح، وتبث شيئا من البهجة.
أو ربما كنت أقول لنفسي، لن يصح الحوار حول هذه الصيغة اليابانية بامتياز، مالم تتمكن من اللغة اليابانية ونظامها النحوي قليلا أو كثيرا ، وتقوم بتفكيك بعض هذه الرسوم الصينية، وتقرأ الهايكو بلغته الأم قليلا أو كثيرا، وتفهم لماذا يحب اليابانيون الهايكو إلى هذا الحد، وكيف يعتبرون أن هذا الهايكو الموزون هايكو حقيقي، وأن ذلك الهايكو الموزون أيضا ليس هايكو إلا من حيث الشكل. إنها مسألة صياغة لغوية أولا وأخيرا.
صديقي العزيز
منذ حوالي ربع قرن تقريبا، وأنا أعيش متنقلا بين بلاد الشام، بلادي، وبلاد الشمس المشرقة، بلاد الهايكو. هكذا شاءتِ الأقدار فشئتُ. تحاصرني العزلة في هذه البلاد، فأعود للتزود من الصداقة والأصدقاء في بلاد الشام. ليس في بلاد الشمس المشرقة جالية عربية يتنفس من خلالها المرء كما يحدث لك في أوروبا و أمريكا. فأنت هناك تعيش بين أهلك وأحبائك، مهما كانوا، ولا معنى لحديثك أو لشعرك في الغربة وقساوتها. أما في اليابان ومشتقاتها، فأنت غريب إلى أقصى حدود الغربة، وأقصى باء غريب، أنت حقاً مقطوع من حجر. وإن حدث ووقعت على من يعرفك أو تعرفه من أبناء جلدتك، تكون كمن وقع على قصيدة هايكو لا نظير لها.
بهذه المشاعر، التقيت بالصديق الشاعر عبد القادر الجموسي في طوكيو ذات يوم من أيام ربيع سنة 2015. فوجئت أنه يعمل في السلك الدبلوماسي. دبلوماسي وشاعر! وفي اليابان بلاد الواق واق أيضاً! لا،لا، غير معقول!. هذه واحدة من النوادر، على الأقل في العالم العربي. لكنها ولحسن الحظ تقع أحيانا، وقد وقعت قبل ذلك للشاعر السوري المعرف عمر أبو ريشة وللعم نزار قباني.
على أية حال، لم نكد نكمل السلام، عبد القادر وأنا، ونجلس على الطاولة حتى بدأنا حديث الشعر. بأقل من ساعتين، كنا قد أتينا بالنميمة الطيبة حينا، وحينا لا، على غالبية الأسماء الشعرية العربية، وعلى التحولات التي بدأت في طريقة الكتابة، ومن بينها ميل الجيل الجديد إلى كتابة الهايكو.
ــ بهذا الصدد، يقول لي عبد القادر، ما رأيك بحضور المهرجان العالمي للهايكو الذي سيعقد هنا عندك في طوكيو بين 4 و 6 من الشهر التاسع القادم، فأنا على معرفة طيبةٍ بالهايجين الياباني المسؤول عن الموضوع ولن يتردد في دعوتك؟...(يتبع)

من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي ـ بانيا" (يصدر قريبا)
ينسى الدِّيارَ
وينسى الصَّلاةَ
البابا الطَّائرُ في السَّماء.

3
صديقي العزيز
لا بأس، أخي عبد القادر، وأنا لن أتردد في قبول الدعوة. وستكون فرصة طيبة للتعرف عن قرب على عالم الهايجين اليابانيين الذين طالما افترضت عدم وجودهم أو عدم أهميتهم في يابان اليوم، يابان الحداثة أو ما بعد الحداثة، أو متوهماً أن الهايكو يتعارض مع الحداثة.
وبالفعل، لم يمضِ أسبوع حتى جاءتني بهذا الخصوص رسالة إلكترونية في غاية التهذيب الياباني المعروف، مُوقَّعةً باسم السيد ناتسوإيشي بانيا. وأجبت: يشرفني قبول الدعوة.
ثم لم يمض أسبوع آخر حتى جاءتني منه رسالة يطلب فيها إرسال 15 هايكو من تأليفي للمشاركة بقراءتها أيام المهرجان. فأجبت بلا تردد:
"الأستاذ العزيز ناتسوإيشي بانيا
للأسف! أنا لا أكتب هايكو. أحب قراءة الهايكو وأنقله إلى العربية إذا أعجبني. أعتقد أن الهايكو فن عصيّ على الكتابة بغير اللغة اليابانية. وكل ما يكتب تحت هذا العنوان في اللغات الأخرى، ليس أكثر من قصائد ومقطوعات قصيرة، ولا يمكن تسميته هايكو بالمعنى السائد للكلمة في اليابان. أنا أكتب ما يسمى بالشعر الحديث، وإليك طياً بعض العينات مترجمة إلى اليابانية. بمودة".
ثم اقترحت عليه في تبادلنا للرسائل الإلكترونية أن أختار 15 هايكو يابانياً مترجمة إلى العربية، من كتابنا المذكور أعلاه، وألقيها عوض ذلك. فوافق، مذيلاً رسالته بتساؤلٍ اعتراضي:
"شكراً جزيلا لك سيد عُضيمة
بانتظار أن ترسل لي قصائد الهايكو اليابانية مترجمة إلى العربية، لكن عندي سؤال: هل الهايكو الياباني الذي ترجمته أو تترجمه إلى العربية لم يعد هايكو؟
سأرسل إليك بالبريد العادي، كتابي المتضمن 100 هايكو مكتوبة بخطي.
أحسنتَ. بانيا"
بصراحة أربكني السؤال، وارتأيت أن أبقى على شيء من موقفي إلى أن أقتنع بشيء آخر، فأجبت:
"سأقول ببساطة، هذه ترجمة للهايكو لا أكثر ولا أقل. ولن أسميها هايكو، أو سأقول هايكو بقناع اللغة العربية أو بلغة أخرى. لكن ينبغي الاعتراف أن السؤال قابل للنقاش. أعتذر منك لقصر المكالمة منذ ساعات، لأنني كنت مع العائلة في نزهة. بمودة".
بلى، عندي توجس مَرضيّ من إطلاق التسميات باللغة العربية بشكل اعتباطي لانظير له في الثقافات الأخرى. فالاسم عندنا، معشر العرب وما شابه، يولد ليس مع تكوّن الشيء أو بعد تكونه، كما ينبغي عادة، بل قبل تكونه أو حتى قبل تباشير تكونه بزمن مفتوح لاحدود له. فنحن نتحدث عن النهضة أو عصر النهضة مثلاً دون أن تكون هناك في الواقع الملموس أية نهضة، أو أية علامة من علامات النهوض. بالعكس، هناك ركود مطبق إلى درجة الاستنقاع. ونتكلم على ثورة هنا وثورة هناك، حتى لم نعد نعرف ما هي الثورة وماذا تعني، ولم نعد نعرف عدد الثورات العربية منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم، بسبب هذه الاعتباطية المفرطة في استخدام المفردات...(يتبع)
من كتاب "البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً).
من حينٍ إلى حينٍ
يغمزُ الملائكةَ
البابا الطَّائرُ في السَّماء.
*****
يأكلُ المركبةَ الفضائيةَ سْتارداست
بأصابِعهِ
البابا الطائرُ في السَّماء.
*****
لايمكنه مثلاً تعديلَ
سماءِ اّلليلِ
البابا الطائرُ في السَّماء.
4
صديقي العزيز
ولكي أستدرك قليلاً مما فاتني طوال هذه السنين من عدم إجراء حوار مع هايجين ياباني، ارتأيت أن تكون مقدمة هذا الكتاب، "البابا الطَّائر في السَّماء"، حواراً مع صاحبه الذي يُعتبر، ويَعتبر نفسه، واحداً من بين أهم صناع الهايكو المعاصرين في يابان اليوم. وارتأيت كذلك إضافة بعض التعقيبات، تارة لتوضيح سبب طرح السؤال، وتارة لإلقاء ضوء على الجواب وخلفياته، في محاولة لتغطية عالم الهايكو والأسئلة التي قد يطرحها قارئ مفترض.
س: بانيا ناتسو إيشي، هل هذا اسمك الحقيقي أم اسمك المستعار كشاعر هايكو؟
ج: إنه اسمي المستعار واخترته للإيحاء برغبتي في تحقيق المستحيل.
س: هل لك أن تشرح معنى هذا الاسم وسبب اختيارك له ولحروفه؟
(تعقيب: يهتم اليابانيون كثيراً باختيار أسمائهم الحقيقية أو المستعارة. وأغلب الأسماء مأخوذة من عناصر الطبيعة، رغبة بالتماهي معها كمرجع روحي وأساسي في التقاليد الثقافية اليابانية القديمة والحديثة. وغالباً ما يحاول الياباني أن يفهم معنى أسماء المحيطين به لقناعته بوجود رابط بين معنى الاسم والشخص. وهذا ما يمكن أن يقابله عندنا بالعربية القولُ: لكل امرئ من اسمه نصيب. لا أخفي أنني فوجئت عندما طُرح عليّ هذا السؤال ذات يوم في اليابان، فتلعثمت ولم أعرف كيف أجيب بشكل قاطع عن معنى الكنية "عُضيمة"، ولم يخطر في ذهني أن يكون لها معنى وعليّ معرفته. وأغلب الظن أنني لست الوحيد بين المثقفين العرب على هذا الصعيد. فما أكثر الذين يجهلون معنى أسمائهم، أو الذين لم يفكروا أبداً بهذا الأمر).
ج: الحرف الأول، أو الرسم الأول، "ناتسُ夏"، ويعني الصيف، أو الشامان الملثَّم والراقص، أو البداية، لأنه اسم لأول سلالة حكمت الصين "شيا". وولدتُ في هذا الفصل.
والرسم الثاني "إيشي石"، ويعني الحجر. وهكذا يكون اسمي الأول: حجرُ الصَّيف، أو الحجر الساخن أو الحار.
والرسم الثالث "بان番"، ويعني الدَّورُ، أو توتير القوس، أي إدخال القوس في فرضة السهم والوقوف بالدور. وهذا الرسم هو الجزء الأول من اسم المنطقة التي ولدت فيها "بان شو播州" أما الرسم الرابع "يا矢" فيعني السهم. وهكذا يكون معنى اسمي المستعار: توتير القوس لشق حجر ساخن، أي لتحقيق المستحيل.
(تعقيب: واسمه الحقيقي، ماسايوكي إيْنوي،乾昌幸، ويعني مما يعنيه "ثروة مزدهرة مجففة"، ولد سنة 1955 بمدينة "آي أُوي" في محافظة "هِيوغو" غرب اليابان. درس في جامعة طوكيو، حيث تخرج ونال درجة الماجستير في الثقافة والأدب المقارن سنة 1981. تجدر الإشارة هنا إلى أن جامعة طوكيو هي أحد معاقل نخبة المجتمع الياباني في جميع فروع الدراسة. وامتحان الدخول إليها من أصعب أنواع الامتحانات في اليابان، ولا يجتازه سوى الأذكياء جداً. يمتاز طلابها بذكاء غير طبيعي. ثم إن غالبية المتخرجين منها يصلون إلى أعلى وأهم المناصب الإدارية العامة الحكومية والخاصة.... وفي سنة 1992 عُيِّن أستاذاً في جامعة ميجي وما زال فيها).
س: الهايكو ياباني منذ الأساس، هل هناك سبب ثقافي، أو غيره، يقف وراء إبداع هذا الشكل الموجز، بعبارة أخرى، كيف تفسر إبداع اليابانيين حصراً، دون غيرهم، للصيغ القصيرة في الشعر كالهايكو والتانكا؟
ج: هناك سببان كما أعتقد: الأول هو طبيعة اللغة اليابانية وقواعدها الحرة والمرنة جداً، لاسيما على صعيد ترتيب مفردات الجملة. فهذا الترتيب قابل للتغيير والتبديل كما نشاء بحيث يمكن الحذف، وحذف الفاعل مثلاً. والسبب الثاني هو طبيعة المجتمع الياباني. فهذا المجتمع مغلقٌ جداً، ضيق جداً ومضغوط، وبهذه الطريقة والصفات نتبادل المعلومات المشتركة من جميع الأنواع والأشكال..... (يتبع)
من كتاب "البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً)
الحَلّوفُ يَسمنُ
في ديارِ
البابا الطائرِ في السَّماء.
وقد مرّ على صيامهِ
أسبوعٌ كاملٌ؟
البابا الطّائرُ في السَّماء.
5
أســئلـة الهايكو «5»
ثلاثاء, 27/09/2016

صديقي العزيز
س: لكن كيف تفسر انتشار الهايكو عالمياً بهذه السرعة وبجميع اللغات الحية؟
ج: لأن نصاً من ثلاثة أسطر فقط لاغير يمكنه خلق عالم كامل، ولأن شاعر هذا النص يستطيع عندها أن يتذوق ويفهم سعادة المبدع.
س: لماذا اخترتَ أن تكون شاعر هايكو، وأن تعود إلى هذه الصيغة القديمة التي عفا عليها الزمن بالنسبة لبعضهم، في حين أنت مثقف كبير ولديك خيارات لا تحصى في يابان المعاصرة والحداثة، على عكس الشعراء القدامى؟
ج: الهايكو مولود جديد، ومولودٌ من هذا الفضاء اللغوي. عندما أكتب الهايكو، فأنا شاهد على هذه الولادة اللغوية، أتذوق سعادة المبدعين وبهجتهم. إنها أقصى أنواع السعادة وأكثرها نقاء وطهارة. أما السعادة التي أشعر بها عندما أكتب عملاً أطول من الهايكو، فهي ملوثة، ثانوية، وغير نقية.
س: في أية سن بدأت كتابة الهايكو؟ ومن هو معلمك بين الهايجين اليابانيين القدامى؟
ج: بدأتُ ذلك في سنة 1969 وكان عمري أربعة عشر عاماً، وللأسف، ضاع أول هايكو حقيقي لي ولا أعرف أين. ومعلمي كان وما زال الأستاذ الكبير ماتسوأو- باشو
(تعقيب: ما تسوأو- باشو، 1644- 1694. واحد من بين أهم الهايجين القدامي في اليابان، والأكثر شهرة على الصعيد العالمي. وهو صاحب الهايكو المشهور:
يا لِلبِرْكَة العَتيقةِ!
يَقْفِزُ ضِفدَعٌ
ويتردَّدُ صَوتُ الماء.
هذا الهايكو الذي أراق من الحبر في أروقة الجامعات ودوائر الشعر والهايكو، شرحاً وتعقيباً على تقنية كتابته، أكثر من أي عمل فني آخر. ويتفق الجميع على أنه يمثل جوهر الروح اليابانية، وحكاية تعلق هذه الروح بالطبيعة. كما يتفقون على أنه لا يعني أكثر مما يقول في الظاهر. وليس هناك ياباني لا يحفظه عن ظهر غيب منذ الطفولة... لا أعرف كم صيغة لهذا الهايكو اليوم باللغة العربية، وكذلك في اللغات الأوروبية، لكن معظمها لا يضع فعل "يتردد" في السطر الأخير، المحذوف تقديراً بسبب طبيعة اللغة اليابانية. قد تسمح بعض اللغات الأوروبية بهذا الحذف، لكن في العربية ارتأيت إشباع الجملة بعناصرها كاملة لإيصال المشهد كاملاً، كما يصل باليابانية إلى حد كبير. والجدير بالقول على هذا الصعيد هو أنه من خصائص اللغة اليابانية وقواعدها، كتابةً وكلاماً، الحذف التقديري، أو الحذف بشكل عام، لوضوح القرائن. وهذا ما يسمح للهايجين الياباني، وغيره من المبدعين اليابانيين الآخرين، أن يستغل هذه الخاصية وأن يركز عليها كتقنية، إلى أقصى ما يمكن في كتابة الهايكو لحد الإبهام والتعجيز أحياناً).
س: في حواراتي مع بعض رواد حركة الشعر الياباني الحديث، تردد كثيراً أن الهايكو صيغة قصيرة وضيقة لا تتسع لقول كل ما يراد، لذلك انتقلوا إلى صيغة الشعر الحديث، فهل الأمر كذلك بالنسبة إليك؟
(تعقيب: طبعاً، ليس هناك شاعر ياباني حديث لم يجرب كتابة الهايكو وبشكل محترف، ولبعضهم إصدارات في هذا المجال، سواء في المجلات أو في كتاب مستقل. وللروائيين والفنانين أيضاً التجربة نفسها. وليست مبالغة القول إن كتابة الهايكو، أو التانكا، تكاد تكون التسلية المفضلة، أو الرياضة الذهنية المفضلة، لأغلب المثقفين اليابانيين، كي لا أقول لعموم اليابانيين. لذلك سيصعب على الهايجين الياباني أن يثبت نفسه حقاً، إن لم يكن بارعاً ومن الدرجة الأولى).
ج: صيغة الهايكو فعلاً قصيرة، لكنها ليست ضيقة أبداً، لأن الهايكو جوهر الشعر.
س: هل تناولت هذا الموضوع مع بعض الشعراء وناقشتهم فيه؟ وهل تكتب قصائد حديثة؟
ج: تناولته، لكنهم لا يفهمون شعرية الهايكو. نعم، كتبت، وما زلت أكتب بعض القصائد الحرة، غير أنها تبدو لي ثانوية مقارنة بالهايكو. كتبت ملاحظات شبه شعرية، تقريباً شعر، راصداً أحلامي، حيث أدون بعيد نهوضي أحلاماً رأيتها في النوم. كتبت هذا على شكل قصائد حرة. ولقد دونت مائتي حلم من تلك الأحلام من أجل كتابي الجديد المعنون: "رصد الأحلام"... (يتبع)
من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي- بانيا" (يصدر قريباً)
فلتُمْطرْ دموعَـك
على بلادِ الشّمسِ المشرقةِ
يالبابا الطائرُ في السَّماء.
****
للأطفال والزرافات فقط
أن يشاهدوا
البابا الطائرَ في السَّماء.
6
صديقي العزيز
س: لكن ما هو الفرق في نظرك بين القصيدة والهايكو؟
ج: الطابع الجوهري والأساسي للهايكو هو التثليث. للوصول إلى خلق عالم أولي، عالم جديد، وتشكيل فضاء خام، على الهايكو، أي هايكو، أن يتكوّن من ثلاث ركائز، أو دعائم لفظية. ثم يأتي الإلهام، والخيال، والتأمل والإحساس والذكاء... الخ، لتعمل عملها في/ بين هذه الدعائم. الهايكو هو سحابة لفظية سديمية رقيقة، هو سديم لفظي، ومولود جديد.
س: ما تقوله هام جداً لكنه غير واضح بما فيه الكفاية، فهل لك أن تعطي مثالاً وتسهب قليلاً. فما هو هذا الثالوث وما هي هذه الدعائم الثلاث؟
ج: لا العدد "واحد" ولا العدد "اثنين"، بل العدد "ثلاثة" هو الذي يستطيع خلق وتعيين هذا العالم الأولي أو ذاك. كان اليابانيون القدامى يؤمنون بآلهة ثلاثة للبحر ومثلهم للنار ومثلهم لغير ذلك. فالأشياء الثلاثة، أو الدعائم اللفظية الثلاث مثلاً توحي بعالمٍ مولودٍ جديد، تستدعيه، تشير إليه. فكلمة "هاشيرا" اليابانية والتي تعني "دعامة، ركيزة" هي من وحدات عدّ الآلهة. فنحن نحصي الآلهة بـ"الدّعامة". فنقول "ثلاث دعامات من الآلهة /三柱の神/ مِي هاشيرا نو كامي" في اليابان. فالدعامة الخشبية المنتصبة والعالية، هي منتصبة هكذا من أجل استدعاء الإله. وهكذا في الهايكو، حيث يمكن للدعامات اللفظية الثلاث أن تستدعي عالماً جديداً.
س: وهذا أيضا هام جداً، لكن كيف يتجلى ذلك في الهايكو، فهل لك أن ترينا الدعامات اللفظية الثلاث في الهايكو التالي مثلاً:
(未来より滝を吹き割る風来たる) (Mirai yori taki o fukiwaru kaze kitaru)
ج: أولاً باللغة اليابانية، ثم بالأحرف اللاتينية:
未来より Mirai yori
滝を吹き割る taki o fukiwaru
風来たる kaze kitaru
(تعقيب: يقصد أن كل سطر هو دعامة لفظية، أو لغوية. وهذا الهايكو نظامي من حيث مراعاته لقاعدة 5/7/5 الصوتية. فلدينا في السطر الأول 5 مقاطع صوتية هي: مي/ را/ ئي/ يو/ ري/؛ ولدينا في الثاني 7 مقاطع أخرى هي: تا/ كِي/ أُو/ فو/ كِي/ وا/ رو؛ وفي الثالث خمسة: كا/ زيه/ كِي/ تا/ رو/. ولمزيد من الفائدة نضع الترجمة الحرفية لكل سطر وفق ترتيب اللسان الياباني: (1 لمَّا بعدُ يأتِ أو المستقبل، من/ 2 شلالٌ، هبَّ وقسمَ/ 3 رياحٌ، تأتي). الفعل في تركيب الجملة اليابانية يأتي في النهاية دوماً.
يبدو أن بعض اللغات الأوروبية، كالفرنسية أو الإنكليزية، قد نجح في تطبيق قاعدة 5/7/5 الصوتية في كتابة الهايكو، ولا أدري كيف يمكن ذلك في اللغة العربية. ربما ننجح ذات يوم.
يُكتب الهايكو باللغة اليابانية، عادةً، على سطر واحد أو يوزع على ثلاثة أسطر كما هي الحال هنا. لكن الغالب في المجلات والصحف وكذلك في الدواوين المستقلة، هو أن يكتب على سطر واحد. أما إذا كان بخط يدوي فني، فيتم توزيعه في غالب الأحيان على ثلاثة أسطر. ويبدو أننا اعتدنا في العربية، وحتى في اللغات الأجنبية الأخرى، على توزيعه في ثلاثة أسطر. وترجمة هذا الهايكو كما أوردناها في هذا الكتاب هي:
من الغيبِ
تهبُّ رياحٌ
وتشقُّ الشلَّال.).... (يتبع)
من كتاب "البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً)
فوقَ البِركَةِ العتيقةِ
يُحلِّقُ
البابا الطائرُ في السَّماء.


+
7
صديقي العزيز
س: ما هو الفرق بين الهايكو التقليدي والهايكو الحديث أو المعاصر؟ وبأي معنى؟
ج: الهايكو التقليدي يأتي، بشكل عام، على الإيقاع المقطعي 5/7/5، إلى جانب كلمة تدل على الفصل أو الموسم، أي كلمة فصلية، موسمية. أما الحديث أو المعاصر فهو حر وغير ملتزم بذلك دوماً. لكن هذا الفرق سطحي جداً في نظري، مبتذل وبلا أهمية. فالمعلم ماتسوأو باشو نفسه كتب قصائد هايكو أطول وخارجة على هذه القاعدة وبلا كلمة فصلية.
س: وأنت هل تكتب الهايكو وفقاً لهذه القواعد؟
ج: كلا. والأمر تابع لمقتضى الحال. أكثر ما أكتب، أكتب الهايكو الحر وبلا كلمة فصلية، لاسيما عندما أكون مسافراً خارج اليابان.
(تعقيب: الهايكو النظامي يتكون من 17 مقطعاً لفظياً، بترتيب 5/7/5 كما رأينا للتو. والشاعر بانيا لا يلتزم بهذه القاعدة في كثير من قصائده. لإيضاح هذه النقطة أكثر، ولمزيد من الفائدة بالنسبة للقارئ العربي، لاسيما الهايجين، ارتأينا، كما فعلنا في"كتاب الهايكو الياباني"، أن نورد نص الهايكو كما يكتب باليابانية عادة على سطر واحد، ثم نضع بعد ذلك مباشرة بين هلالين قراءته الصوتية بالأحرف اليابانية الحديثة، حيث تتجلى عناصر هذه القاعدة بشكل ملموس. وهكذا يستطيع القارئ إحصاء عدد حروف، أو مقاطع، كل هايكو في هذا الكتاب على سبيل الاطلاع، فإن كانت 17 حرفاً، أو ما يسمى مقطعاً صوتياً، فهو نظامي كالهايكو السابق. ولك في المثال التالي، عزيزي القارئ، أن تقوم الآن بعدّ الأحرف، أو المقاطع، الموجودة بين هلالين، والتي تحتها خط، ويفصل بينها خط مائل، وتلاحظ ترتيبها أيضاً من اليسار إلى اليمين 5/7/5:
未来より滝を吹き割る風来たる
(み/ら/い/よ/り/ た/き/を/ふ/き/わ/る/ か/ぜ/き/た/る)
(Mi/ ra/i/yo/ri/ta/ki/ o/fu/ki/wa/ru/ka/ze/ki/ta/ru)
وإن كانت أكثر أو أقل فهو غير ذلك، وغالبية قصائد "البابا الطائر في السماء" غير موزونة، أو غير ملتزمة بهذا العدد ولا بالترتيب. لكن هناك التزام واضح بوجود ثلاث كتل لغوية، منفصلة ومترابطة في آن واحد، أو ثلاث دعامات لفظية أو لغوية حسب تعبير بانيا).
س: في هذه الحالة لماذا تسميه هايكو وليس قصيدة قصيرة، أو كلمة شعرية، أو عبارة شعرية؟ لأن ما يجعل من الهايكو هايكو غير موجود؟
ج: تعابير الهايكو، تأتي دوماً على شكل دفقةٍ، على شكل نقلةٍ مفاجئةٍ، وعلى هيئةِ تعارُضٍ. وهذا ما يسميه اليابانيون بالقطع. والقطع بين دعامات الهايكو اللفظية الثلاث موجود جيداً، وهو الذي يمنح صيغة الهايكو القصيرة جداً فسحة تمتدّ في الزمان والمكان. إنه جوهر شعرية الهايكو القديم والحديث.
س: كلام هام وجميل. فهل لك أن توضح كيف يظهر ذلك، وترينا أماكن القطع بين الدعامات اللفظية الثلاث في الهايكو السابق أو في هايكو آخر، ولنقل الهايكو السابق:
(未来より滝を吹き割る風来たる) ( Mirai yoritaki o fukiwarukazekitaru)
ج: وليكن. العلامة "//" تعني قطعاً كبيراً؛ والعلامة "/" تعني قطعاً، فيكون لدينا ما يلي: أولاً باليابانية ثم بالأحرف اللاتينية:
未来より//
滝を/吹き/割る//
風来たる//
Miraiyori//
taki o/fuki/waru//
kazekitaru//
س: ماذا يعني "قطع كبير//"، و"قطع /" عادي؟ وكيف يمكن الجزم بالقطع هنا أو هنا؟ هل هناك قاعدة واضحة؟
ج: هذا سرّ كبيرٌ من أسرار المهنة، والتي نستطيع اكتسابها بالخبرة والمران وبعد كثير من المحاولات والتمارين الشفهية والكتابية. لكن جميع المحترفين يقطعون بشكل آلي تقريباً بين الـ5 مقاطع الصوتية الأولى وبين الـ7 مقاطع التالية، ثم بين هذه وبين الـ5 المقاطع الأخيرة. ويمكن خلق نوع من القطع بطريقة مميزة، دقيقة وفعالة، بلا قواعد ثابتة... (يتبع)
من كتاب "البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً)
في قِنديلٍ من المِلحِ الصَّخريِّ
يَحبِسُ الشَّمسَ
البابا الطائرُ في السَّماء.
••••
آلافٌ منَ الإبرِ
تَخِزُ
البابا الطائرَ في السَّماء.
+

8

صديقي العزيز
س: ويبدو لي أنك لا تعير أهمية لمعنى لفظة "هايكو" (俳句) الأوَّليِّ أبداً. فأنت تعرف أكثر من غيرك أنها تعني: كلمةٌ مسليةٌ، كلمةٌ مزحةٌ، كلمةُ ممثلٍ، أو طرفةٌ، بكل بساطة.... ولا علاقة لكل هذا بعالم الألغاز والأحجيات، أو عالم المفكرين العميق والخفي. بالعكس هي تعني البساطة والوضوح والجمال، فلماذا تأخذها بعيداً إلى عالم غريب وغامض؟
ج: السابقة "هايي/俳" في لفظة "هايكو/俳句"، تعني كما تقول "مُسلٍ"، "فكاهة"، "مزحة" وأشياء من هذا القبيل، واللاحقة "كو/句"، تعني كلمة. عالم الألغاز يتقاطع تماماً مع عالم الـ"هايي/俳"، أي عالم الفكاهة. وجميع الذين يناقضون الحس العام هم في الظاهر مُلغَزُون، مثيرون للضحك والسخرية، فكاهيون. وهنا جوهر وأساس الهايكو. فالحقيقة الأكثر عمقاً والمتعارضة مع الحس العام، أو الذوق المشترك، تكمن في الـ"هايي/俳"، أي في الفكاهة.
س: وماذا عن الكلمة الموسمية، الـ"كيغو"، الكلمة الدالة على الفصل. ما دورها في عالم الهايكو غير الإشارة إلى الزمن؟ ولمَ يراد أن نشير إلى الزمن في الهايكو؟
ج: هي لاتشير إلى الزمن وحسب، بل إلى الجو، إلى المناخ بشكل عام، وإلى الانطباعات والأحاسيس الناتجة. نتذوق من خلالها طعم التحول البسيط في الزمن، وطعم التغير في مظاهر وأشكال الحياة النباتية والحيوانية المرتبطة بنزعة الأرواحية الفطرية في المناطق المعتدلة.
س: وهل لها دور ما في شعرية الهايكو؟
ج: لا جدوى لها في شعرية ما أكتب أنا شخصياً، لأنها تُقيِّد زمن وحيز الهايكو. لكنها بالنسبة للآخرين تشكل إطاراً عاماً للهايكو عندهم، وبالتالي تُسهِّلُ عليهم كتابته.
س: هل استخدمتها مرة، وهل لك أن تعطينا مثالاً؟
ج: نعم، كما في المثال التالي:
نحنُ في مدرسةِ شوارعِ
مُونْ مارتر بِباريسَ
ليلاً أيامَ الصَّيف.
إنها ليلة من ليالي الصيف بفرنسا، ليلةٌ أكثر صفاء وبهجة من ليالي الصيف الياباني. إنها ليلة مدهشة جداً بالنسبة لي أنا أليف الليالي اليابانية.
س: هل تصحح الهايكو بعد كتابته، هل تعيد النظر فيه، كم مرة تكتبه قبل أن تصل إلى صيغته الأخيرة والنهائية؟ إذا كان الجواب نعم، فهل تقوم بذلك ضمن ورشة مع الأصدقاء أم وحدك؟ وهل تستطيع أن تكتب هايكو عندما تريد، أم هناك حالات وأوقات خاصة تحتاج إليها؟
(تعقيب: هناك عدد كبير من جمعيات الهايكو على امتداد التراب الياباني، ويصعب الوصول إلى الجميع. لكن من المعروف في تقاليد كتابة الهايكو باليابان هو الاجتماعات الدورية بين الهايجين ومناقشة ما كتبه كل واحد بينهم. وهكذا يتم اقتراح تغيير بعض مفردات هذا الهايكو أو ذاك، اقتراح تقديم هنا وتأخير هناك، إلى أن يصلوا في النهاية إلى صيغة مقبولة، مع الحفاظ على فكرة صاحب الهايكو الأولية، لكي يبقى الهايكو باسمه).
ج: تقريباً أكتب كل يوم هايكو واحداً على موقعي الشخصي باليابانية. هذه كتابة يومية. وغالباً أصحح وأعيد الكتابة، لكن ليس غالباً جداً. السفر يدفعني في بعض الأحيان لكتابة الهايكو. أكتب هايكواتي تقريباً دوماً وحدي بلا أصدقاء. وعندما أقع على موضوع خاص، كالبابا الطائر في السماء، مثلاً، أكتب من حين إلى آخر هايكوات حول الموضوع نفسه وعلى مدى سنوات. وهذه كتابة مكرسة حول موضوع معين. هناك نوع ثالث من كتابتي للهايكو وهو ما تطلبه مني بعض الصحف والدوريات، أي هايكوات تحت الطلب. أيام الشباب كنت أصحح غالباً، وأعيد كتابة الهايكو مراراً، لكن اليوم قلما أفعل ذلك... (يتبع)
من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً)
+

9
س: هل لديك قراء كثيرون؟ وكم نسخةً نطبع بشكل عام في اليابان من ديوان هايكو واحد، مثلاً أنت؟ وهل هناك صعوبة في النشر، هل نجد ناشراً بسهولة؟
ج: في عصرنا، كما في عصر ماتسوأو باشو، القراء الحقيقيون قلة دوماً، وليس هناك قراء كثيرون. والهايكو الذي أكتبه هو في نظري مستقبل الهايكو. أما بالنسبة للنشر في اليابان، فمن السهل أن تجد ناشراً، لكن مناهضة الفكر والثقافة تتسع بشكل غير معقول في هذا العصر، واحترام الشعر والشعراء يقل ويتراجع.... يُطبع عادة وبشكل عام ألف نسخة من ديوان الهايكو الواحد.
س: هل تعتقد أن اليابانيين اليوم هم قراء هايكو أم قراء شعر حديث؟
ج: يبدو لي أن قراء الهايكو أكثر عدداً من قراء القصيدة الحديثة.
س: كم شاعر هايكو (لنقل: كم هايجيناً!) يوجد تقريباً في اليابان اليوم؟ وأيهما أكثر عدداً، الذكور أم الإناث؟ وهل أنت كما ترى نفسك الأفضل أم من بين الأفضل؟
ج: ربما مليون؟! مليون فقط؟! لا أعرف، فهذا يتوقف على تعريفنا للهايجين. أما بالنسبة لموقعي أنا بينهم، أعتقد أن الهايكو الذي أكتبه هو مستقبل الهايكو، إنه أقصى حدود الهايكو.
(تعقيب: أن يقول شاعر إن ما يكتبه هو مستقبل الشعر، أو أن يقول هايجين إن الهايكو الذي يكتبه هو مستقبل الهايكو أو أقصى حدود الهايكو، فهذا أمرٌ يدعو للتوقف. لم يحدث أن قرأت هذا أو سمعت به على لسان أحد من الشعراء. لاسيما في اليابان تحديداً، حيث يطغى التواضع في أغلب الأحيان وفي جميع السياقات. لا أخفي أنني ضحكتُ من الأعماق وبفرح لهذا الوضوح. وأعتقد أن كثيراً من الشعراء يرددون ذلك بينهم وبين أنفسهم من دون إفصاح. وقد ضحك بانيا نفسه عندما عبرت له عن هذه المشاعر، وأبديت دهشتي واستغرابي. لم يتراجع عن الأمر أو يقول إنه أخطأ التعبير، لا بل أعاد التأكيد على أنه مستقبل الهايكو في العالم).
س: صيغة الهايكو القصيرة تعطي الانطباع بأن كتابته سهلة، وبالتالي تغري كثيراً من الناس. فهل الأمر سهل إلى هذا الحد برأيك؟
ج: نعم يبدو كذلك. ولكن تأليف ثلاثة أسطر بشكل جيد ليس سهلاً، لأنه ينبغي أن نحسب جيداً وبدقة التوازن بينها كي نصل إلى نتيجة مُرضية.
س: كم هايكو كتبت في حياتك حتى الآن، وما هي موضوعاتك المفضلة؟
ج: كتبت أكثر من ثلاثة آلاف هايكو. موضوعاتي المفضلة هي أسئلة الوجود، الأمكنة وما يمكنها اختزانه من جمال وأجواء، والعلاقة بين الحاضر والماضي والمستقبل.
س: لكن نلاحظ غياب المرأة والساكيه (الخمرة اليابانية)، على الأقل في هذا الكتاب، ألا تحب النساء والساكيه؟
(تعقيب: من غرائب الأمور أن الشعوب التي تتفنن في صناعة الخمور واستهلاكها وتذوقها كاليابانيين مثلاً، لا نجد لدى شعرائها أي احتفاء يذكر بالخمرة وصفاتها وأنواعها، أو بما ينتج عنها من سُكر وثمالة يقودان إلى عالم الخيال أو عالم اللاوعي، أي لا نجد ما نسميه في تقاليدنا الشعرية باب الخمريات. والغريب أن هذا الباب موجود في تراثنا الشعري، قبل الإسلام ومع الإسلام وبعده، مع أننا أقل الشعوب إنتاجاً واستهلاكاً وتذوقاً للخمور. فهل لثقافة التحريم والتحليل علاقة بالأمر؟ حيث كان أبو نواس وأقرانه يريدون التعبير عن رفضهم لهذه الثقافة من خلال توريط اللغة العربية المقدسة بتمجيد المحرمات، والأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الآخرين وثقافتهم!!).
ج: أحبهن ولكن أفضل روائع ما وراء هذا العالم المادي.
س: يقال إن الهايكو مرصود للطبيعة والكتابة عنها، وإنه يتعارض مع المدينة والحياة الحديثة. ما رأيك وكيف تنظر إلى الأمر؟
ج: ما هي الطبيعة؟ يمكننا الكلام بسهولة وبساطة على الطبيعة المؤنسنة. الهايكو الذي أكتبه يناقض الحياة الحديثة ويحبها. أحب الطبيعة المؤنسنة وتلك غير المؤنسنة. والأمر تبعاً لمقتضى الحال. لكن أميل إلى كتابة هايكو يستلهم الطبيعة غير المؤنسنة، تلك التي تفوق الخيال. إنها رائعة الروائع وأبلغ الجمال.
س: عندما أقرأ الهايكو بشكل عام، بما فيه أعمالك، ينتابني دوماً شعور بالفرح، بالسعادة، بنوع من الاسترخاء. فهل هناك علاقة بين فن الهايكو وهذه الحالات من البهجة؟
ج: طبعاً، وعلاقة قوية جداً لأن جوهر الهايكو هو الفرح والبهجة.... (يتبع)
من كتاب "البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي بانيا" (يصدر قريباً)
بُعيد اعترافِهِ بالاعترافِ
أمامَ تلةٍ بيضاءَ
طيرانُ البابا في السَّماء.
••••
عبوةٌ بلاستيكيةٌ
تزحفُ فوقَ الأرضِ
طيرانُ البابا في السَّماء.
+
10

أســئلـة الهايكو «10»
ثلاثاء, 08/11/2016

صديقي العزيزس: لماذا كرست كتابا كاملا من الهايكو حول قداسة البابا وأنت لست مسيحيا؟ فقط لكي تكتب هايكو، أي كنوع من الحجة لكتابة الهايكو؟( تعقيب، الكتاب الحالي مؤلفٌ من قسمين: الأول وهو "البابا الطائر في السماء"، ومكرس حول موضوع واحد هو بابا الفاتيكان، وقد نشر في كتاب مستقل، أما القسم الثاني المعنون بـ"شلال الغيب" فهو مختارات قام بها الشاعر نفسه من أعماله الأخرى.)ج: في بداية القرن الواحد والعشرين، رأيت حلما أقول فيه لنفسي سأكتب هايكوات مكرسة كلها حول البابا الطائر في السماء. وأعتقد أن البابا الممثل الأكبر للمسيحية هو السبب الأساسي للفوضى أو للنظام في عالمنا الحالي. علاوة على ذلك، البابا الطائر في السماء هو الرؤية المتحركة والحاضرة في كل مكان للشهادة على جميع تفاهات عالمنا اليوم وعلى بؤسه.س: هل أنت مؤمن بـ...؟ هل تؤمن بإله معين؟ هل لليابانيين إله يؤمنون به؟ هل هو جلالة الأمبراطور كما كان الأمر في السابق؟ج: لا أؤمن بالديانات السائدة. جميع الآلهة اليابانيين تقريبا، هم في العمق القدامى أو أرواح القدامى الذين جاؤوا من كوريا والصين. وإذا كان هناك إله ما موجود، فهو قطعا ليس من عالمنا، بل في ماوراء هذا العالم. ولذلك نستطيع أن نتخيله. لكن في عالمنا وفي العوالم المجاورة آلهة أكثر قربا ودنوا وكثير من الجن والعفاريت. لا، لا الأمبراطور لم يعد إلهاً.س: هل تعتقد أن الهايكو الياباني سيتأثر يوما ما بما يكتب من هايكو باللغات الأخرى، لأن غالبية الهايجين اليابانيين يستطيعون قراءة معظم تلك الهايكوات كما هي بلغتها الأم ؟ج: اليابان اليوم لا تعرف الهايكو الأجنبي بما فيه الكفاية. وجميع عشاق الهايكو اليابانيين تقريبا لايفهمونه. لكن شعراء الهايكو الحقيقيين، وهم قلة ونادرون دوما ، سوف يكتشفون خصائص الهايكو الأجنبي الجيدة ويعملون على تشربها واستيعابها، وهذا يستغرق بعض الوقت.س: بصفتك مُعلِّماً من معلمي الهايكو المعاصرين، ماذا يمكن أن تقول للهايجين العرب، وبماذا تنصحهم؟ج: أولا، أعتقد بإمكانية الهايكو باللغة العربية مع أنني لا أعرف كلمة منها. غالبية الهايجين الأجانب يقلدون الهايكو الياباني القديم، ولا قيمةَ تُذكرُ لما يكتبون. أقول للجميع: تعلموا شعرية الهايكو المعاصر الجديدة ، لاسيما كما تبدو في ما أكتبه أنا من هايكو!(تعقيب: عندما يقول إن" غالبية الهايجين الأجانب يقلدون الهايكو القديم"، فهذا صحيح جدا، لأن الهايكو المعاصر لم يصل بعدُ، كما يجب، إلى اللغات الأجنبية. لابل أكثر من ذلك، لم يتجذر بعدُ حتى في اليابان نفسها. وغالبية اليابانيين ما زالت تفضل حتى اليوم الهايكو القديم على الجديد. فمن الطبيعي أن يتأثر الهايجين الأجنبي بالهايكو القديم ويحاكيه. لكن لماذا يجب انتظار نموذج الهايكو الياباني كي نكتب على غراره هايكو عربي أو فرنسي أو أمريكي؟ لماذا لا نكتب، نحن غير اليابانيين، الهايكو بشروطنا اللغوية والنفسية والطبيعية، ونعطيه اسما آخر غير "هايكو"؟. لماذا نريد الاحتماء بهذه اللفظة؟ ثم لماذا يجب أن نكتبه بشروط يابانية، لاسيما شروط الطبيعة الجغرافية والمناخية، فنبدو وكأننا نترجم وليس نكتب من الصفر؟ لأن للياباني علاقة روحية خاصة جدا مع الطبيعة وعناصرها، علاقة ثقافية ترتبط بالديانات المحلية، والأمر ليس كذلك بالنسبة لأوروبي أو أمريكي أو عربي. لذلك يأتي الهايكو غير الياباني عن الطبيعة، أو عن بعض مكوناتها، مفبركا، مصطنعا، كسيحا، أو شيئا من هذا القبيل. ولذلك يقول بانيا: " ولا قيمة لما يكتبون"، بصدد الهايجين الأجانب الذين يقلدون الهايكو الياباني القديم، الذي يمتح مادته كلها من الطبيعة. ولكننا بالمقابل، نستطيع قول الشيء نفسه عن الهايكو الياباني المعاصر الذي يعتمد أسلوب الثقافة الغربية ومشتقاتها الميتافيزيقة، ويريد أن يكون هايكو مثقفا على طريقة الشعر الغربي، فيأتي على شكل أحجيات بالنسبة إلى الذهن الياباني المعروف بحسيته المفرطة.س: هل لك أن تشرح لنا، بإيجاز وبساطة، ما هي هذه الشعرية الجديدة، وكيف يمكن تعلمها بشكل واقعي وملموس؟ج: أن يتعلموا القطع الفجائي، غير المتوقع، والنقلة السريعة، على طريقتي كما شرحتها في إجابتي السابقة على مسألة القطع والتوازن داخل الأسطر الثلاثة للهايكو. فالقطع مسألة موجودة في جميع اللغات ويكاد يكون نموذجيا فيها جميعا. وهو قفزة دائمة بين الحاضر والمستقبل. (تعقيب أخير:..................؟ ابتسمْ/ واملأِ الفراغَ// بالسؤالِ/ الَّذي تريد//)
الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 747

+++++++

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
أسئلة الهايكو
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات-
انتقل الى: