كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الهايكو الجاموسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: الهايكو الجاموسي    الإثنين ديسمبر 05, 2016 3:53 am

محاولتان‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬أبعد‬‬‬‬
الجديد  عبد القادر الجموسي [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(63)]
لا‭ ‬أكتب‭ ‬لأحد‬‬

لأني لا أكتب لأحد‭.‬ أمتطي شهوة الهذيان وحدي‭.‬ وأستحضر من المستحضرات ما يلمّع المعدن الجريح في نفسي‭.‬ عسى من عراك الكلام الصقيل ترى النرجسة ظلها في ضوء البرك الكابي‭.‬ وحدها النرجسة تتوق لعناق ظلها في غياب ظل تعانقه‭.‬‬‬‬‬‬

لأني لا أكتب لأحد‭.‬ عتبات الوجد مُشْرَعة‭.‬ وَتَرْعات لغة القبيلة لا تترك للرّشح غير فتات كلام معمّد بضلالات الوجد، يشقّ سبيله خلال الكواكب الحزينة المنكدرة ويصل نجما في الرحم لم تَطْمِثْه عين إنس ولا جان‭.‬ نعم‭.‬ رأيتهم حولي يسترقون السمع بفضول الظلموت الذي يخشى انبساط الضوء قبيل الهزيع الأخير‭.‬‬‬‬‬‬

لأني لا أكتب لأحد‭.‬ أرى الشّجى الرعوي لا يرعوي عن الهمس كنساء ميثولوجيا يبثثن النذر والكمائن ويطرزن من شكال الخيال وسادة للأجيال الحالمة‭.‬ ولأطفال يولدون بلا كريات حمراء ولا خريطة جينات تقيّد سرائرهم على وسائد المجد‭.‬‬‬‬

لأني لا أكتب لأحد‭.‬ تصير الموسيقى بطانة الكلمات والكلمات بطانة الموسيقى‭.‬ لا الراقصون يدركون مغزى الإيقاع‭.‬ ولا الشعراء يَعْبُرُونَ غوامض القصيدة‭.‬ لكن جميعهم، في حَمْأة الرقص، يغزلون ضفائر الأزل بجدية الأطفال العابثين‭.‬ قال الشاعر: سئمت المعنى الواضح كغانية بلا سرّ‭.‬ قال المغنّي: أفتقد الطرب بلا لحن ولا وتر‭.‬ قال المفكر: الظلمة حالكة، والعماء سيّد، والذهن مسخرة بين سلم وحرب‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لأني لا أكتب لأحد‭.‬ لا أقرأ ما أكتب‭.‬ لأنني لا أكتب ما يُقرأ‭.‬ لكن إناء السكينة كان يخط بعصا الكفيف على لوحي المحفوظ طلاسم لا تحتاج إلى معنى كي تحمل دهشة اللغز‭.‬ الحرف وحده يهمنا‭.‬ والنقطة فاتحة الحرف وواسطة العقد ومنتهى الرغبة المشتهاة‭.‬‬‬‬‬‬‬

ولأنني لا أكتب لأحد‭.‬ حبيبتي وحدها تستطيع أن تسبر مقاسات غوري‭.‬ بلا كلمات أو مظنّات أو مجسّ أو مشارط هرمينوطيقا‭.‬ لا مرضى هنا للتشريح‭.‬ ولا مكان للتحليل أو تفكيك النص‭.‬‬‬‬‬‬

هنا مدارج العشق، عطالة الحواس والعقل والخيال‭.‬ هنا التواجد ونار الوجد‭.‬‬‬

عن‭ ‬الكتابة‭ ‬والأمكنة‬‬

ماذا عساني أكتب عن أستراليا، جزيرة بحجم قارة، في زمن باتت فيه المعرفة طوع البنان، إذ يكفي أن يكلك (clic) المرء بأصابعه على زر كمبيوتر، لوهلة، حتى تمثل المعلومات المرتجاة أمام ناظريه قبل أن يرتدّ إليه طرفه… له أيضا أن يخوض تجربة سفر افتراضي يزور فيه شوارع المدن وحدائقها وساحاتها ومآثرها دون حتى أن يبارح مكانه‭.‬ لا شيء طبعا، والحالة هاته، سيكون له طعم أو مغزى إذا لم تصهر التجربة في مصهر الذات وتخرج للناس في لبس جديد تحمل “قيمة مضافة”‭.‬‬‬

المدن الجديدة والأمكنة المغايرة اختبار صريح لكينونتنا في شتى تمظهراتها الذهبية أمام مرآة العالم المنذورة للسحر والتشظّي واللاطمأنينة‭.‬‬

قلت لنفسي، المهم هو تصيّد ذلك الانطباع الهارب الذي تخلّفه حركة الناس والأشياء والضوء والكلمات‭.‬ المهم هو الأثر الذي يترسّب من لقاء العين بحركة الناس والأشياء والضوء والكلمات‭.‬‬‬

العين هنا ليست مجرد عضو حسي فحسب‭.‬ هي نافذة الروح المشرعة‭.‬ مجاز الضوء إلى مدارج العتمات‭.‬ العين تفعل أشياء كثيرة: تقتل، ترى، تنام، تحلم، تحب، تبصر، تستطلع، تحسد، تخون، تتربّص، تتلصّص، تتحسّس، تتوجس، تهوى، تشبع، تطمح، تطمع، تبكي، تضحك، تسحر وتحجّر كما في الأسطورة‭.‬ وفي ألطف وأذكى أحوالها فهي تقرأ‭.‬ تقرأ الكتب والجريدة والإشهار والرموز والخطابات والعلامات‭.‬ تقرأ الأنواء والأحلام والهواجس المتواترة‭.‬ تقرأ الشعر والقصص‭.‬ تقرأ الليل والسرّ والحجارة وحروف الهيروغليفيا‭.‬ تقرأ طبائع الناس والدول وتواريخ الإمبراطوريات ومعادن الموجودات وطرائق النجوم‭.‬ العين تقرأ الكلمات والأشياء، الخرائط والمدائن سواء‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

للأمكنة خطاباتها وأنساق دلالتها المخصوصة‭.‬ خطاب مدينة ما هو بمثابة كلام داخل لغة كونية، على القارئ تفكيك شفراته وقراءة ما بين طيّاته في مسعى للقبض على دلالة، ولو متفردة، من دلالاته المحتملة‭.‬ كل بحث عن مدلول قار لمكان ما يظل عملا منذورا للفشل‭.‬‬‬‬

الأمكنة ليست مجرّد بنايات مرصوصة أو تجمعات بشرية صمّاء‭.‬ وإنما هي مكان للالتقاء والتبادل والتواصل الحي مع الآخر‭.‬ المدن مجالات خصبة لتبادل الأفكار والمشاعر والصبوات الإنسانية، حيث تتجادل رغبات المعرفة والشهوة واللعب والمغايرة‭.‬‬‬‬

في مراكز المدن نلتقي بالآخرين، بلا موعد مسبق، فنصبح بدورنا أشخاصا آخرين تتّشح ملامحنا بنفس علامات الدهشة والغرابة واللغز والسرّ والخوف التي نسبغها على الغير‭.‬ حينئذ تبتدئ اللعبة: لعبة الأنا/الآخر، الأصلي/الوافد، الغموض/التجلّي، صراع موازين القوة اللامرئية، التفوّق، التميّز، التمايز، التفاوض، التواضع، التحسب، اللامبالاة، الكراهية، التودّد، التردّد، الارتياب والمواربة‭.‬‬‬

خلال رحلتي على أرض الكنغر أستراليا، كتبت واستذكرت عسى أن يكون في هذا الارتحال في الزمان والمكان والنصوص، حوار بين الذات والغير واللغة، الذات والذاكرة واللغة‭.‬‬
عبد القادر الجموسي
شاعر وكاتب من المغرب مقيم في طوكيو
+
عبد القادر الجموسي دبلوماسي وكاتب ومترجم من المغرب ولد بالقنيطرة عام 1969. حائز على ماجستير في اللغة الانجليزية وآدابها. عاش بهولندا وبريطانيا وأستراليا واليابان. الف في السرد عودة جلجاميش وكيف نحلم بلندن. وفي الشعر ديوان ضفيرتان وقصيدة واحدة، ثم ارض الكنغر. ألف الشاعر خارج النص وحياة سبينوزا وثلاثة كتب عن الشاعر والروائي محمد زفزاف. ترجم كتاب الامير لماكيافيلي ورباعيات اربع لتوماس إليوت ثم التغريبة العجيبة لكابيثا دي فاكا لهانييل لونغ.
+
د. عبد القادر الجموسي
حياة الكاتب د. عبد القادر الجموسي

تاريخ الميلاد: -

د. عبد القادر الجموسي من مواليد مدينة القنيطرة بالمغرب.
مؤلفاته:
عبد القادر الجموسي كاتب وشاعر ومترجم من المغرب. من مواليد القنيطرة عام 1969.

   صدر له: عودة جلجامش، حكاية ملحمية (2003).[بحاجة لمصدر]
   الشاعر خارج النص، ترجمة الامير لماكيافيلي،
   ترجمة رباعيات اربع لتوماس اليوت،
   سيرة حياة سبينوزا،
   قاموس زفزاف للأدب العالمي.

في الشعر صدر له ضفيرتان وقصيدة واحدة، ثم أرض الكنغر. والتجلي الشعري في جدارية محمود درويش 2015.[بحاجة لمصدر]

كتب عن أعماله عبد الرحيم مودن، علي القاسمي، خالد الحلي، مهدي نصير، علي الدميني ومصطفى كليتي.
1- عودة جلجامش (حكاية ملحمية)، 2003.
2- الأمير، نيكولو ماكيافيلي، ترجمة، 2004.
3- رباعيات أربع، ت. س. إليوت، ترجمة، 2005.
4- ضفيرتان.. وقصيدة واحدة، ديوان شعر، 2007.
5- الشاعر خارج النص، حوار طويل مع الشاعر عبدالكريم كاصد، 2007. قيد الطبع: مسرحية الماهابهاراتا، جان كلود كاريبر، ترجمة.

+
الهايكو.. دعوة إلى الصمت الحضاري
محمد الأسعد
31 أغسطس 2016

   أهم الأخبار
   ولد الشيخ يعقد لقاءات بالكويت...وغضب لمقتل حرّاس "توتال" بصنعاء
   ولد الشيخ يعقد لقاءات بالكويت...وغضب لمقتل حرّاس "توتال" بصنعاء
   مخصصات "الحشد الشعبي" تعرقل تمرير موازنة العراق الجديدة
   مخصصات "الحشد الشعبي" تعرقل تمرير موازنة العراق الجديدة
   فالس يعلن اليوم ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية
   فالس يعلن اليوم ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية

   اختيارات القرّاء
   مشاهدة تعليقاً إرسالاً
   1
   عقل يبحث عن مرآة.. عودة إلى ألبير حوراني
   2
   "اتحاد كتّاب مصر": رئيس بقوة أمنية

ثلاثة أشياء تلفت النظر في أشغال ندوة الهايكو الثانية في المغرب، التي انعقدت وانتهت في مدينة وجدة المغربية خلال الشهر الماضي تحت عنوان "الهايكو العربي وشعريات هايكو العالم".

الأوّل، ما تخلّلها وتلاها من إصدارات تنوّعت بين مجموعات شعرية، وكتب نقدية، وأوراق طُرحت للنقاش ما يزال إرسالها متواصلاً من قبل المنظمين إلى المعنيّين بالفن الشعري، وهذا النمط الياباني النشأة والعالمي الانتشار.

والثاني، دعوة تشكيلة من الشعراء والنقاد من جنسيات متنوّعة عربية وأوروبية ويابانية للمشاركة في الحوار والمراقبة. والثالث، وهو الأبرز، إصدار مختارات من الهايكو العربي من جمع وإعداد الشاعر عبد القادر الجموسي.

هذه ثاني مرة يحدث فيها هذا اللقاء حول شعر الهايكو العربي، بالترافق مع إطلالة على صور الهايكو في لغات أخرى، وفي اللغة اليابانية على وجه الخصوص. كانت المرة الأولى، وفي المغرب أيضاً في التاسع من شهر تمّوز/ يوليو 2015، وجاءت الندوة الثانية ضمن مهرجان يسمى "الموكب الأدبي"، لتلمّس أفق لاستمرارية الندوة الأولى.

ولأن أبرز أحداث هذه المناسبة هي المختارات، وبعض الأوراق المقدّمة الحاملة لإضاءات ناضجة بعد سنوات من الضبابية التي أحيط بها هذا النمط الشعري عربياً.
"
لو كتب شاعر الهايكو قصيدة أصيلة في حياته لكان إنجازاً
"

من الملاحظ أن كل واحد من الشعراء العرب المشاركين فَهِم هذه العبارة على شاكلته، فبعضهم كتب لقطات فوتوغرافية، وبعضهم خلط التصوير بمجازات شعرية مما تحفظ ذاكرته، وبعضهم انتحل قصائد شعراء يابانيين معروفين مثل باشو وبوسون ويوسا بعد أن أدخل عليها تغييراً طفيفاً. والقلّة وجدناها تتأنى وترتبك فتأتي رسومها خطاطات أولية، وشاعت ندرة الهايكو العربية إلى درجة أن القارئ قد يصل إلى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لدى هذا الشاعر أو ذاك.

ومن المؤكّد أن ظاهرة الإكثار عند بعضهم (مئة هايكو، أو ثلاثمئة هايكو) ستصدم حساسية الأستاذ الياباني ماتسو باشو لو انبعث حياً وحضر حلقات الشعراء، هو الذي يعتقد أن شاعر الهايكو لو أنجز واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً من الهايكو أصيلة طيلة حياته لكان في ذلك دليل على عظم إنجازه.

الجيد وسط كل هذا، أن صاحب المختارات حدّد مجال اختياره بين ما أسماه "المدار" و"الحقل"، وكان بذلك واعياً بما بين يديه. فالمدار يمنح هامشاً لاشتغال النصوص ضمن ما يسميه "مدار الهايكو"، وهي صيغة تجنّبه في هذا الطور من التجربة إصدار حكم قيمة على جدارة انتماء النصوص المختارة إلى الهايكو شكلاً وروحاً، ويمنحه مفهوم "الحقل" منهجياً إمكانية حصر مجال الانشغال ضمن نوع أدبي معيّن ذي خصائص مشتركة، ما يساعد على تحديد محتويات متن المختارات وفق معايير حقل هذا النوع الأدبي. وهكذا يتكامل المفهومان ويشكّلان قاعدتين لازمتين في اختيار متن محدّد بما فيه الكفاية.

ولكن نلاحظ أن ثمة لُبساً هنا، وخصوصاً في اعتماد مفهوم "المدار" على أساس التمييز بين الجدارة وانتفاء الجدارة؛ فهل المهم معرفة انتماء هذه القصيدة أو تلك إلى "شكل ومضمون الهايكو" أم إلى "الشعرية"؟
"
بعض الشعراء العرب انتحل قصائد شعراء يابانيين معروفين
"

معيار شعرية القصيدة هو الأهم وليس انتماؤها إلى هذا الشكل أو ذاك، ففي عالم الهايكو، كما طوّره حتى المحدثون اليابانيون، لم تعد معتمدة تلك القواعد والخصائص القديمة المتوارثة منذ أيام أساتذته الكبار في القرن السابع عشر، بدءاً من كونه مطلع ما تسمى "قصيدة الحلقات" التي قد تمتد إلى مائة حلقة، ومروراً بإطلاق اسم "هوكو" عليه، وصولاً إلى منحه اسم "هايكو" في القرن التاسع عشر على يد "ماسا أوكي شيكي".

بالطبع، المعني بالحقل هو هذه الخصائص الثابتة التي لا يمكن أن تكون محدّدة تحديداً صارماً لدى أي شاعر حقيقي. هي خصائص تنبع عادة من لغة الهايكو الأصلية وتراثها، أي اليابانية، فهل هناك مبرّر لإلزام الهايكو العربية بها مع اختلاف اللغة مبنى وتراثاً؟

بعض الملحوظات التي تناثرت في أوراق الندوة يمكن أن تكون هادية في هذا السبيل، لأنها تنصبُّ على ما يمكن أن نسمّيه "الشعرية"، وإن كان منطلقها "الهايكو" الياباني.

يتساءل سامح درويش وهو يكتب قصيدته: "أين أثر الصورة والمشهدية المعتمدة على العين اللاقطة على الخيال الشعري العربي المحتفي بالأذن المتلقية؟"، ويقول الشاعر عبد الكريم كاصد: ".. الهايكو ليست قصيدة فكر أو معنى بالمفهوم الشائع للمعاني، وإنما هي باعثة على الفكر أو الإحساس العميق"، وتكتب بشرى البستاني "الهايكو مشهد يبدو ساكناً لكنه يختزن طاقة حركية شعريتها في اللبس الكامن بين الصمت الظاهر والحركية المضمرة" وتعني بذلك أيضاً التناوب الذي يحيلنا إليه المشهد في الهايكو بين حضور المرئي واللامرئي في آن واحد معاً.

والأكثر لفتاً إلى النظر هو قولها "يأتينا فن الهايكو في هذه المرحلة من حياة الثقافة العربية المربكة رد احتجاج على ذلك الصخب، بهدوئه ودعوته إلى التأمل والحث على الصمت الحضاري".

بالتأكيد مثل هذه الخصائص ليس مطلوباً فقط لرسم قصيدة هايكو، بل لرسم شعر أعمق مما نعرف حتى الآن، وهذه هي فضيلة معرفتنا بالهايكو، أو بأي شكل شعري.
- See more at: https://www.alaraby.co.uk/culture/2016/8/31/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%88-%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%85%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D9%8A-1#sthash.h7lTI9rR.dpuf

+

أخبار الجهات : نابل-الحمامات: سرقة مسدس عون حرس وطني من غرفة نومه ثقافة : تعيين الشاعرة آمال موسى مديرة للدورة 53 لمهرجان قرطاج الدولي أخبار : تدشين المركز الاقليمي للتدريب البريدي الخاص بالمنطقة العربية بالعاصمة أخبار-عالمية : وفاة سيدة سقطت عليها ربة منزل ألقاها زوجها من الطابق الرابع أخبار الجهات : نابل: وفاة آمرأة إثر نشوب حريق هائل في سوق « البلغة «
أخبار الجهات : نابل-الحمامات: سرقة مسدس عون حرس وطني من غرفة نومه ثقافة : تعيين الشاعرة آمال موسى مديرة للدورة 53 لمهرجان قرطاج الدولي أخبار : تدشين المركز الاقليمي للتدريب البريدي الخاص بالمنطقة العربية بالعاصمة أخبار-عالمية : وفاة سيدة سقطت عليها ربة منزل ألقاها زوجها من الطابق الرابع أخبار الجهات : نابل: وفاة آمرأة إثر نشوب حريق هائل في سوق « البلغة «
الاخبار : أخبار
tuniss
المناضل عبد القادر الجموسي يروي لإذاعة صفاقس معايشته ليوم الإعلان عن الجمهورية

بمناسبة الذكرى 59 لإعلان الجمهورية، حاور الزميل بقسم الأخبار لإذاعة صفاقس مراد قطاطة، المناضل عبد القادر الجموسي وهو أصيل جهة صفاقس. الجموسي تحدّث وكأنه يعيش لحظة االتخلي عن النضام الملكي وإعلان النظام الجمهوري.

المناضل عبد القادر الجموسي، روى لإذاعة صفاقس كل تفاصيل ذلك التاريخ 25 جويلية 1957، متى قرر المجلس القومي التأسيسي  إلغاء النظام الملكي إلغاء تاما وإعلان تونس دولة جمهورية وتكليف رئيس الحكومة أنذاك الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة.

كامل الحوار مع عبد القادر الجموسي:
+
'التجلي الشعري في جدارية محمود درويش' الأسطورة والهذيان

   قد يموت الشاعر جسدا لكن نصه لا يموت، فالشعر الحقيقي يبقى في مواجهة الزمن يهزم الموت ويخترق العصور والثقافات، هكذا وصل إلينا شعر الإغريقية سافو وإلياذة هوميروس وقصائد امرؤ القيس والمتنبي، وروائع محمود درويش الذي مرّ على رحيله ما يناهز السبع سنوات، فهو من مصاف الكبار الذين كتبوا شعرا سيظل حيا لعقود وقرون لاحقة، وتعدّ مجموعته “الجدارية” أشهر أعماله وأكثرها نضجا لما تمثله هذه القصيدة/ الديوان من خوض عميق في رحلة الإنسان والموت، الموت الذي “هزمته الفنون جميعها”، وقد صدر مؤخرا عن دار نشر "أسلوبية" في الدار البيضاء للناقد المغربي عبدالقادر الجموسي كتاب جديد تناول فيه جدارية درويش بالنقد والتمحيص تبيانا لمواطن الشاعرية في غمارها، وجاء الكتاب بعنوان “التجلي الشعري في جدارية محمود درويش”.

العرب  [نُشر في 2015/11/14، العدد: 10097، ص(17)]
محمود درويش صاغ نصه ملحمة من ضوء الأساطير ليصمد أمام سطوة الزمن

الرباط - في كتابه “التجلي الشعري في جدارية محمود درويش”، يعتبر الناقد المغربي عبدالقادر الجموسي قصيدة الجدارية لمحمود درويش قصيدة شبكية؛ تحكي بلغة الشعر والتجلي سيرة مواجهة حوارية بين الذات والعالم، بين الذات والموت، فهي مواجهة تستثير غبار الأسئلة الحارقة وتستبطن أقاصي الروح وأقاصي الكلام وتخوم الذاكرة القصية.

ويعتبر الناقد أن القول الشعري عند محمود درويش، وإن كان يأتي مؤطرا بمعرفة وتصوّر هندسي لقوام القصيدة، فهو يخفي مصادره المعرفية ويتقدّم نحونا كأنه على السليقة. من منطلق هذه الجدلية بين شعرية القصيدة وسياقها المعرفي، ينشئ الجموسي ركائز قراءته الرامية إلى اقتفاء دينامية الخطاب وشبكة مسارات المعنى لدى شاعر الجدارية، في مسعاه إلى تأسيس كونه الشعري ومملكة أسطورته الشخصية التي تشيّد بناء القصيدة وشكلها وعالمها، وتحمل اللغة الشعرية من الواقع العيني إلى الواقع اللغوي، فالواقع الجمالي.

يقسّم الناقد كتابه إلى خمسة فصول، هي على التوالي: شعرية الهذيان، على خطى جلجامش، سفر الرؤيا، الشبكة الأسطورية، على سبيل الخاتمة.

الهذيان والخلود

في البداية يتناول عبدالقادر الجموسي شعرية الهذيان في قصيدة الجدارية لمحمود درويش، فالشاعر يستهل قصيدته بحدث عجيب أشبه ما يكون برؤيا تدشنه الجملة الشعرية “هذا هو اسمك/ قالت امرأة/ وغابت في الممرّ اللولبي”، وهذه هي اللمحة الأخيرة المختلسة من عين الشاعر المرهفة، وهو يفقد وعيه تدريجيا تحت تأثير حقنة المخدر في المستشفى إثر عملية شق القلب التي خضع لها جسده الواهن.

يتعزز وقع هذا الأثر المدهش بالفعل اللغوي الذي يصف به الشاعر “اللاهنا” و”اللازمان” في إشارة تحلق بنا خارج مدار الوجود الأرضي إلى مقام الحلم والرؤيا “أرى السماء هناك في متناول الأيدي”.

ويستنتج الجموسي أن صوت المرأة يعمل على استثارة أحاسيس وانفعالات جسد الشاعر الراقد ويقوده عبر مضايق سفره الداخلي. ومن خلال الإنصات لصوت النداء الأنثوي تتراءى لنا أطياف الأفكار والهواجس التي تتوارد على الشاعر، أثناء معراجه الروحي، في نواحي “الأبدية البيضاء”، حيث يمتزج الحلم بالواقع، وتلتهب حرائق الأسئلة الإنسانية الكبرى عن الأصل والكينونة، وعن الهوية والمصير، في مراوحة متوترة بين السماء والأرض، بين المحدود والمطلق، ذلك ما يشكل القاعدة التي يؤسس عليها الشاعر كونه الشعري.

   درويش يصوغ نسيج جداريته من نصوص ذات مرجعيات مختلفة على شكل اقتراضات وشواهد وإلماعات وقرائن

على خطى جلجامش، يستنطق الناقد روافد الشاعر، إذ يقرّ بأن الشرعية الجمالية والفكرية لجدارية درويش تقوم على محاورة شبكة من النصوص والأصوات المتحدّرة من مدارات مختلفة: من شعـر وملحمة ومسرح وغناء وكتب مقدسة وأسطورة. وعلى أساس هذه البنية الجامعة، يمكن إدراجها ضمن ما اصطلح عليه الشاعر عباس بيضون “القصيدة الشبكية” التي “تمزج بين أصوات وأزمنة وحقول عدة، بين سجلات عدة”.

وهذا النوع من القصائد الشبكية هو نفسه الذي وسمه محمود درويش باسم الغناء الملحمي أو الأسطوري.

فمحمود درويش يصوغ نسيج جداريته من نصوص ذات مرجعيات مختلفة على شكل اقتراضات وشواهد وإلماعات وقرائن، بما يعكس ثقافته واختياراته الجمالية. ومن ضمن شبكة النصوص البارزة التي تحتل موقعا مركزيا في بناء الجدارية تحضر “ملحمة جلجامش”، وهي نص مؤسس في المكتبة الكونية باعتباره من أقدم النصوص الإنسانية، التي تناولت سؤال الموت ومسعى الإنسان إلى حل معضلة وجوده وخلوده على الأرض.

يرى الناقد أن “جدارية محمود درويش” تستثمر شعرية النص الصوفي كتجربة قصوى مع اللغة والوجود في بلورة رؤية الشاعر الأسطورية للعالم. وهنا يمكن المجازفة بالقول إن لغة هذه القصيدة المتفردة تظل مستغلقة دون انشراح القارئ على “الأفق الصوفي” كأحد أبعاد القصيدة.

ومن جانب آخر يحقق نص الجدارية تصعيدا متناميا على مختلف مستويات إدراك الشاعر للوجود، فينتقل به في مسعاه لاستكناه المعنى، من مستوى الإدراك الحسي، عبر إصغاء الجسد المسجى لصوت النداء، إلى محاولة الإدراك عبر التجربة، من خلال الوعي الأسطوري، صاعدا إلى مقام الكشف أو التجلي كأحد فنون إدراك العالم وتذوقه. ففي الطور الأول، تبتدئ الرحلة بتصوير انفعالات الجسد أمام دهشة الانقذاف في “سماء المطلق البيضاء”، وهي حالة تنحل فيها العناصر والمشاعر، ليكتمل طقس الاستحالة والتخلص من العلائق والعناصر الأرضية، كإحدى أولى مراتب الارتقاء في سلم المعراج الروحي للسالك. وفي ما يشبه هذا المعنى تقول الجدارية:
خوض عميق في رحلة الإنسان والموت

سأصير يوما طائرا، وأسل من عدمي/ وجودي، كلما احترق الجناحان/ اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من/ الرماد. أنا حوار الحالمين، عزفت/ عن جسدي وعن نفسي لأكمل/ رحلتي الأولى إلى المعنى/.

اسم الشاعر

أماالفصل الرابع، “الشبكة الأسطورية”، فيوضح فيه عبدالقادر الجموسي كيف تتخذ الأسطورة عدة تجليات في المتن الشعري لمحمود درويش عموما، وكيف تحضر في نص الجدارية تحديدا بشكل مكثف وتعمل وفق رؤية شعرية تؤسس للأسطورة الشخصية الجامعة التي يسعى الشاعر إلى كتابتها. فالجدارية كتبت بلغة الأسطورة وسحر الأسطورة وفكر الأسطورة. وعلى عكس النصوص السابقة التي دأب الشاعر على تضمينها رموزا أسطورية مختارة حسب الحالة الشعورية لقصيدته، نجده في الجدارية يتوسل بالمتخيل الأسطوري كعنصر بنائي وكون شعري خالص يحتمي به في مواجهة صوت المحتم المتمثل في الموت.

يعكس هذا الاختيار الجمالي موقفا شعريا من عالم فقد صلته بالوجود الأصيل حيث تم تجريد الإنسان من كل وسائل الدفاع الذاتية، التي تصون كينونته من عبث الزمان وآفة الإقصاء الفادح من مسرح الوجود.

يختتم الجموسي كتابه بفصل معنون بـ”على سبيل الخاتمة”، وفيه يوضح اشتغال درويش على بلاغة الاسم، إذ يتحول النشيد في “جدارية محمود درويش” إلى طقس شعري لازم لاستحضار اسم الشاعر وإعادة تأسيسه كمعرفة. فالجدارية تبتدئ باستحضار الاسم كفعل تدشيني تعمّد به المرأة/ الأم مولودها “هذا هو اسمك/ قالت امرأة”، وتنتهي بلحظة التعرف وتأمل ذات الاسم “واسمي/ وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت- لي”، كأن رحلة روح الشاعر في سلم معراجها السري، عبر أطوار النشيد ومقاماته، ما هي في المحصلة الأخيرة سوى بحث عن الجرح الشخصي للاسم، ومحاولة مصمّمة لتشييده من جديد، وترسيخ جدارة امتلاكه وبقائه، بعدما يكون حامله الطيني قد امتلأ بكل أسباب الرحيل.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب


عدل سابقا من قبل admin في الإثنين ديسمبر 05, 2016 3:59 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: الهايكو الجاموسي    الإثنين ديسمبر 05, 2016 3:57 am

admin كتب:
م كتب واصدارات
عبد القادر الجموسي 10 كتب مهمة خلال 10 سنوات ..

خالد الحلي

khalid-alhiliكتاب عن ملحمة جلجامش ينقل القارئ لفضاءات متخيلة

عبد القادر الجموسي أديب مغربي متألق ومعطاء، صدرت له عشرة كتب خلال السنوات العشر المنصرمة، وهو يعيش الآن بحكم العمل في أستراليا.

كان أول كتاب يصدر للأديب الجموسي، هو كتاب "عودة جلجامش، حكاية ملحمية" الذي سنكرس له الجزء الأكبر من هذا الموضوع. أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان "عبد الكريم كاصد: الشاعر خارج النص، حوار الفكر و الشعر مع الحياة".

وبما ان إصدارات الأستاذ الجموسي شملت التأليف والترجمة، فانه يترجم عن الإنكليزية بحكم تكوينه الأكاديمي بها، وعن الفرنسية بحكم أنها لغة متداولة بالمغرب. وعبر هاتين اللغتين قام بترجمة نصوص شعرية ونثرية لغونثالو روخاص من الشيلي وهرمان هيسه الألماني. كما أنجز ترجمة حديثة لديوان "رباعيات أربع" لاليوت. وكتاب "الأمير" لنيكولو ماكيافيلي. وهو الآن بصدد انجاز ترجمة جديدة لكتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو.

وكان بين إصداراته أيضا ديوان شعر واحد له صدر بعنوان "ضفيرتان وقصيدة واحدة" سنة 2006، وهو يقول انه "أضمومة تحتوي على عشرين قصيدة نثر تراهن على الايقاع الداخلي كمكون شعري لازم. ويشير عنوان الديوان الى شكله وطريقة توزيع نصوصه حيث قسمت القصائد الى مجموعتين أو ضفيرتين، كما يوحي بذلك العنوان. كل ضفيرة تتضمن قصائد ينتظمها مناخ شعري موحد. الأولى تستقي موضوعاتها من المناخ الصوفي، فيما الثانية عبارة عن حوارية شعرية مع الفنون من رسم وفكر ومعرفة على أساس أن الشعر هو أصل الكينونة البشرية ويسري في مختلف مراتب الوجود كما يتواصل مع مختلف أشكال التعبير الجوهرية التي تعكس آمال الانسان وتأملاته في المصير الفردي والجماعي على هذه الأرض".

كما تضمنت إصداراته كتابا بعنوان "ديوان محمد زفزاف" جمع فيه قصائد هذا المبدع المغربي الكبير الراحل الذي غلبت عليه صفة القاص والروائي على نطاق عربي واسع. وردا على سؤال لنا حول كون زفزاف لم يكن معروفا كشاعر، يقول الأستاذ الجموسي: إنني لا أدعي أن أكون أول من اكتشف زفزاف شاعرا أو قارب شعريته. ولكنني قمت بمجهود خاص يتمثل في جمع وتقديم أشعاره لأول مرة منذ بداياته الأولى سنة 1963 في ديوان واحد مرفوقة بمتابعاته النقدية للشعر التي كتبها في ستينيات القرن الماضي عن بواكير الشعر المغربي الحديث، والشعر المشرقي والغربي عند عبد الوهاب البياتي وبول كلوديل وعزرا باوند وبول فرلين. وهذا الديوان الذي اخترت له عنوان "أغنية الرماد" هو عبارة عن رباعيات وسوناتات متفاوتة الحجم تنتمي الى نمط الشعر الغنائي الذي تحتفي بموسيقى الشعر الداخلية التي تستميل الاحساس وتستثير الخيال الانساني نشدانا لتحقيق ما يسميه زفزاف "الأثر المذهل" كمعيار أساسي لشعريتها. ورغم أن زفزاف ارتحل الى مجال السرد والكتابة الروائية، وكان من بين أبرز مجددي فن القصة العربي خلال النصف الثاني من القرن المنصرم، فانه ظل وفيا لروح الشاعر المتأصلة في كيانه. ولا أدل على ذلك من كون نصوصه القصصية والروائية جاءت مشبعة بروح الرومانس التي تضفي عليها مسحة شعرية لافتة للنظر. وهو ما حدا بالناقد ابراهيم خليل الى القول: لعل زفزاف يضيف الى تراثنا من القصة القصيرة ما نعده جديدا على مستوى الشكل، فهو بلا أدنى شك كثير العناية بأسلوبه الاقصوصي. انه كاتب يتقن استخدام التقنيات القصصية المعاصرة مما يضفي على موضوعاته طابع الرؤية الحديثة المعاصرة للأشياء، الرؤية الشعرية بمفهوم تي . اس . اليوت".

بعد هذا التعريف بالأستاذ الجموسي ولإصداراته، ساتحدث عن كتابه الجميل "عودة كلكامش"، وقبل ذلك يمكن أن نتذكر ان الباحث الأثري العراقي الراحل طه باقر كان قد أكد في مقدمته للطبعة الرابعة لملحمة «جلجامش»، أن هذه الملحمة هي أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في جميع الحضارات، وأنهشا أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم، وليس هنالك ما يقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني، وقد ظهرت هاتان الملحمتان بعدها بثمانية قرون. وأبعد من ذلك ذهب إلى أنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها، شيء سوى هذه الملحمة، لكانت جديرة بأن تتبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة.

هذه الملحمة التي دونت قبل أكثر من أربعة آلاف سنة ما زالت مثار اهتمام واسع على صعيد عالمي. ولدى زيارته جناح الآثار العراقية في متحف اللوفر بباريس، ومشاهدته تمثالا لجلجامش وهو يحمل أسدا وأفعى يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، تبلورت في ذهن الأستاذ الجموسي فكرة استيحاء الملحمة عبر عمل لا يكون ترجمة لما جاء في الألواح السومرية الأحد عشر، بل باعتماد صياغة أدبية حديثة لحكاية الملك جلجامش، صياغة تحتفظ للنص الأصلي بعناصره الأساسية ومخزونه الثقافي الحضاري. كما تغامر في اتخاذ خيارات سردية وجمالية تمنحه حيوية راهنة ونكهة ذاتية تخاطب القارئ المعاصر وتستجيب لأفق انتظاره الفني; وتتعمد أحياناً إرباكه بشحنة خيالية مغايرة للمألوف تزج به في فضاءات متخيل قديم متواصل ومتجدد.

وهو إذ يؤكد أن ملحمة «جلجامش» هي وثيقة إنسانية كونية بامتياز، فانه يرى أن نص الملحمة المتعارف عليه Standard Version، وهي الأطول والأكمل من نوعها حتى الآن، قد صيغ بطريقة بديعة حملت لنا عبر العصور والأزمنة المتعاقبة علامات بارزة عن القدرة الابتكارية في التوليف والسرد والبناء الدرامي والإيحاء الرمزي التي كان يتمتع بها الكاتب/الناسخ العراقي القديم; كما عكست لنا بأسلوب فني شيق، وببراعة مدهشة، شواغله الوجودية ورؤيته للحياة والموت والجمال والخير والعدل.

لقد عمد الجيوسي في تدوين حكايته الملحمية إلى بث نفحات ذاتية تأملية من ذائقته الفنية وتجربته الشعورية الخاصة التي تتماشى مع روح الملحمة منطلِقاً من صميم علاقته الخاصة مع الكلمة والفكر والحياة. وهو يقول انه تجرأ «على ملء فضاءات ما تزال مهمشة أو ناقصة ـ حسب رأي أهل الاختصاص في الحفريات ـ لكنها مع ذلك تسبغ جسد الملحمة بمسحة من الغموض والإبهام الجليل الملهم والمستفز للخيال والإبداع. وكأن الملحمة تريد من خلال هذا البياض المؤجل والسكوت المحرض أن تستفيد من لعبة الغياب والمنسوخ لتعيد كتابة نفسها بشكل إبداعي متجدد يجعلها على اتصال وتفاعل حواري حيوي مع حساسيات الأجيال المتعاقبة إلى يومنا الراهن".

وقد حاول المؤلف أن يتخلص من قيود الترجمة التي قد تفرض ثقلها على نص شعري قديم، واستعان بأهم محاورها لتدعم النص الذي كتبه. وبالعودة إلى ترجمة طه باقر نجد أنه عنون الفصل الأول منها بـ«جلجامش وأنكيدو»، واستهله بالمقطع التالي: هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي/ وهو الذي رأى جميع الأشياء وأفاد من عبرها/ وهو الحكيم العارف بكل شيء:/ لقد أبصر الأسرار وكشف عن الخفايا المكتومة/ وجاء بأنباء ما قبل الطوفان/ لقد سلك طرقاً بعيدة متقلباً ما بين التعب والراحة/ فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره.

إلا أن الكاتب وخارج تصرفه الشكلي بالنصوص الشعرية، دوّن الجانب السردي بتصرف أوسع، وكتبه بلغة اليوم، وكأنه شاهد بنفسه أحداث الملحمة تجري الآن وكتب عنها، مع التمسك بالمضامين والسياقات العامة لها. وبالإضافة إلى فصل الاستهلال، واصل سرد حكايته الملحمية عبر أربعة فصول أخرى، وقد حمل الفصل الثاني عنوان «جلجامش وأنكيدو: الميثاق المقدس»، وتضمن ثلاثة أجزاء هي: جلجامش ملك أوروك ـ مجيء أنكيدو ـ مصرع همبابا الرهيب. وجاء الفصل الثالث تحت عنوان «لعنة عشتار»، وتألف من جزأين هما: عشتار والثور السماوي ـ موت أنكيدو. وأطل علينا الفصل الرابع «تغريبة جلجامش: رحلة البحث عن الخلود»، متضمنا الأجزاء الثلاثة التالية: البشر.. العقارب/ سيدوري صاحبة الحانة/ أورشنابي عابر بحر الموت. أما الفصل الخامس والأخير «أوتنابشتم يحكي قصة الطوفان»، فقد تألف من ثلاثة أجزاء كالتالي: لقاء جلجامش وأوتنابشتم ـ قصة الاختبار والعودة.

في الفصل الأخير يلخص الجموسي محنة جلجامش وخيبة مسعاه وعدم يأسه في آن. لقد حصل على نبتة الخلود من أوتنابشتم الذي اختبره بأن ينام ستة أيام كاملة من دون أن يحرك ساكناً، وذلك بعد مخاضات ومغامرات عسيرة ومميتة شهدتها رحلته الجريئة، فقد خلالها صديقه أنكيدو. وقد طلب أوتنابشتم إلى أورشنابي أن يقود سفينة تحمل جلجامش إلى أرضه الأولى. وكان جلجامش، وهو يحمل معه نبتة الخلود، يقول لرفيق عودته وهو ممتلئ بالغبطة والزهو: «إن هذه النبتة تطيل عمر الإنسان وتعيد إليه عنفوان الشباب.. سأحملها يا أورشنابي مفاخراً بها أبناء شعبي فأجدد لهم نضارة أيامهم وأعيد إليهم نكهة الحياة.. وحين أشيخ بدوري سأتناول منها لأستعيد شبابي ومجدي».



خالد الحلي

ملبورن

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: الهايكو الجاموسي    الإثنين ديسمبر 05, 2016 4:17 am

admin كتب:
'هايكـو العالم' قصيدة تمتد من السوريالية إلى الهايكو

يعتبر بانيا ناتسويشي أحد أبرز الشعراء اليابانيين المعاصرين، ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذين يشتغلون على تجديد شعر الهايكو الياباني العريق، وتحريره من العوائق التي تهدّد نضارته وقابليته للتجدد والانفتاح. يمتح الشاعر بانيا من مختلف الروافد التي يمكن أن يستلهم منها أي شاعر حداثي مادة شعره بدءا من اختبارات التجربة الذاتية إلى آداب الثقافات، وأساطير الشعوب، ومدارس الشعر الحديثة، وغيرها من لوازم اشتغاله اللغوي والتخييلي.

العرب عبدالقادر الجموسي [نُشر في 2015/05/26، العدد: 9929، ص(15)]
بانيا ناتسويشي يزاول الكتابة شاعرا ومترجما وناقدا منفتحا على العالم

طوكيو- يصرّ الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي على ترسيخ تجربته الشعرية في سياق دينامية انفتاح القصيدة اليابانية على العالم. وعلى عكس شعراء عصر العزلة الكلاسيكيين، من قبيل باشو وبوسون، وايسا، وريوكان، يحظى بانيا بنعمة الترحال بين عواصم العالم والكتابة بلغات متعددة، والتفاعل مع ثقافاتها وتجارب شعرائها، مما مكّنه من بلورة رؤية كونية لكتابة الشعر وتلقّيه، وتجريب فن الهايكو، إبداعا وترجمة وتنظيرا، بمختلف احتمالاته وارتداداته في لغات العالم.

فتح بانيا ناتسويشي محفل الهايكو على مدارات الشعر المختلفة، حيث قدم من خلال الترجمة من اليابانية وإليها أصواتا شعرية عالمية من ضمنها بعض شعراء اللغة العربية أمثال الشاعر المغربي محمد بنيس، والشاعر السوري جمال محمود هنداوي. وترجمت أعماله الشعرية إلى أكثر من عشرين لغة من لغات العالم.

باشو مؤسس الهايكو

ولد بانيا ناتسويشي عام 1955 في بلدة آيوي Aioi city بمقاطعة هيوغو وسط اليابان. بدأ بانيا نشر قصائده كشاعر على صفحات مجلة “هايكو هيورون” Haiku Hyoron، وتم اختياره “شاعر السنة” من طرف نفس المجلة عام 1980، ثم أحرز على جائزة هايكو كينكيو Haiku Kenkyu عام 1981.

استقبلت باكورة أعماله الشعرية “ريوجوكي” Ryojoki الصادرة عام 1983، بحفاوة من طرف نقاد وشعراء المرحلة، واعتبر شاعرا ينهل من منجزات مدارس الشعر الفرنسية السوريالية والدادائية بشكل خاص، وفي شعره إرهاصات قصيدة يابانية حرة ومغايرة.

تخرج الشاعر بانيا في الأدب المقارن من جامعة طوكيو (1981)، ويعمل أستاذا للغة الفرنسية بجامعة ميجي منذ 1992. أقام بفرنسا في الفترة ما بين 1996-1998 حيث أنجز، كباحث زائر بجامعة باريس، دراسة مقارنة بين شعراء السوريالية الفرنسيين وشعراء الهايكو اليابانيين.

في عام 1998، أسس مجلة الهايكو الدولية جينيو (التروبادور) Ginyu بالاشتراك مع الشاعرة سايومي كاماكورا Sayumi Kamakura، وأصبح منذ ذلك الحين ناشرها ورئيس تحريرها. كما شارك في تأسيس “جمعية الهايكو الدولية” عام 2000 في سلوفينيا.

بقدر ما كان الشعراء اليابانيون ينهلون من آداب وثقافة شعوب العالم الخارجي، بقدر ما أحدث الهايكو نفسه تأثيرا ملحوظا على وعي شعراء العالم الغربي خيالا ونظما

وبحكم تكوينه اللغوي المتعدد ونزوعه الفكري الإنساني، يزاول الشاعر بانيا ناتسويشي فعالياته، شاعرا ومترجما وناقدا، كما يبدو ذلك من تنوّع إصداراته الشعرية ومصنّفاته النظرية التي يشرح فيها أفكاره حول إمكانيات “هايكو العالم”، وخصائص الشعرية اليابانية الجديدة.

يعتبر بانيا ناتسويشي أن الشاعر ماتسوي باشو ( 1644-1694) هو مؤسس شعر الهايكو بامتياز. برز صوت باشو في مرحلة بلغ فيها الشعر الياباني حدا من الجمود والثبات، حيث أصبح معها عبارة عن ترف اجتماعي فقد بريقه وتأثيره في الذوق العام.

ورغم تأثره بكلاسيكيات الآداب والفلسفة الصينية، وخصوصا أعمال لاوتسو وزوانغ تسو، استطاع باشو بلورة بلاغة شعرية جديدة، عمل من خلالها على تطوير شعر “الهايكاي” و”الرنغا” التقليديين ومدّهما بأنساغ جديدة.

يتخذ بانيا من قصيدة “الضفدعة”، وهي الأشهر في تاريخ الهايكو، نموذجا للقصيدة الكلاسيكية، وتعدّ أفضل تجسيد لبلاغة باشو وروحه التجديدية. تقول القصيدة: بركة قديمة/ نطة ضفدع /صوت الماء. في هذه الأشطر الشعرية الثلاثة استطاع باشو أن يحرك بركة الشعر الآسنة ويمدّ شعر الهايكاي بطاقة حيوية خلاقة نقلته إلى أفق جديد.

نطة أحدثت خدشا في جدار صمت قرير، مستثيرة مخيلة الشاعر، محدثة حالة انتباه أخرجته من الاستغراق الذاتي إلى التّماس مجدّدا مع محيطه الطبيعي. وتلك خاصية جوهرية لازمت شعر الهايكو منذ نشأته التأسيسية الأولى: خلق المفارقة بين عالمي الداخل والخارج، السماء والأرض، الفناء والديمومة، الثبات والتحول وغيرها من الثنائيات التي لازمت شعره وشعر مجايليه في مختلف أطوار تجربتهم.

ويعتبر باشو هذه القصيدة فاتحة عهد شعري جديد بالنسبة إليه. أما الشاعر بانيا، فيرى أن قصيدة الضفدعة تعكس روح التجديد الخلاقة لدى المعلم الأول باشو. نفس الروح التي سيتلقفها بانيا بعد ثلاثة قرون ويستلهمها ليدفع بسهم التجديد إلى أقصى مدى ممكن.

تحديث الشعر الياباني
قصائد مختارة للشاعر بانيا ناتسويشي:

1

من جهة المستقبل/ تصل ريح،/ تذرو الشلال.

2

تحت شمس لاذعة/ نسيت/ كيف أحب نفسي.

3

في البلاد الجنوبية،/ الحياة والموت/ ينحدران من شجرة واحدة.

4

هناك ذهني،/ تلك الفجوة/ في السحب القطنية.

5

السماء عالية/ الجسد/ مثل سمفونية.

6

فوق البحر،/ صاعقة/ تنتهك المجرّة.

7

تنين في قعر/ المحيط الأطلسي/ وهج خريفي.

8

زهرات كرز تسّاقط،/ صحف/ مغموسة في بركة دم.

9

تحت دوامة السماء،/ أداعب/ مجرات بلّورية.

10

حصان أسود،/ تدريجيا يصير أبيض/ في الغابة.

11

مهد النهر/ هو ذاته مهد الشعر:/ قالت الريح.

12

البوذا العاري،/ محاطا دائما/ بألوان اللاشيء الزاهية.

13

الحية سرقت/ العشب الذهبي،/ فرحنا الأول.

14

المرأة النائمة/ ليست هنا؛ إنها تنام/ صحبة السمكات الاستوائية.

15

في قلب طوكيو/ غابة عذراء/ ومرآة مقدّسة.

من خلال قراءة مركّزة لتاريخ الهايكو، يرى بانيا أن هذا النمط الشعري تبلور وتطوّر في عصر إيدو (1603-1867) عندما كانت اليابان تعيش حالة عزلة عن العالم الخارجي، لظروف أملتها أوضاع سياسية واختيارات ثقافية. حينئذ كانت رؤية الياباني للعالم مؤطرة بدورة الحياة الخاصة داخل البلاد، وكان من المتعذر على شعراء اليابان، من داخل قوقعتهم تلك، النظر إلى العالم من منظور غير ياباني. لذلك جاء الشعر تعبيرا عن حساسية اليابانيين تجاه طبيعة بلادهم المباشرة. وهكذا شكلت الكلمة الموسمية الدالة على الفصول “kigo” مقوما أساسيا لقصيدة الهايكو الكلاسيكية.

بانتهاء “سياسة العزلة” وانهيار نظام الشوغونة الفيودالي، خاض شعراء عصر تايشو (1912-1926) تجربة جديدة مع العالم الخارجي من جرّاء انخراط بعضهم في الحرب الصينية- اليابانية (1894-1895)، ثم في الحرب العالمية الثانية. تزامن هذا التحول الجذري، برأي بانيا، مع حاجة الشعراء اليابانيين، ما بعد ثورة ميجي (1868) إلى تحديث الشعر وتدشين بلاغة تلائم الحساسيات الجديدة.

فتحت صدمة الحداثة باب التأثير والتأثر على الواجهتين. إذ بقدر ما أقدم الشعراء اليابانيون على العالم الخارجي ينهلون من آداب الشعوب وثقافاتها، بقدر ما أحدث الهايكو نفسه تأثيرا ملحوظا على وعي شعراء العالم الغربي وتصورهم لكتابة الشعر والصورة الشعرية. نجمت عن هذا التثاقف كتابات وترجمات قام بها باحثون ونقاد غربيون من قبيل و.ج. آشتون، ولافكاديو هيوم، وب.هـ. شامبرلن الذين حاولوا فهم ثقافة اليابانيين وفي طليعتها شعر الهايكو، المعبّر الأصيل عن روح اليابان العريقة.

مع شعراء جيل الضياع الأميركي في بداية القرن العشرين، ومرورا بشعراء النزعة الصورية Imagism، ثم السوريالية والدادائية بفرنسا، خلال العشرينات والثلاثينات، أخذ شعر الهايكو يحتل مكانة متميزة في المشهد الشعري الغربي حيث أصبح يعتمد من طرف الشعراء كطريقة جديدة لصوغ “الصورة الشعرية الجوهرية” البسيطة المتحررة من زخرف القول.

في سياق هذا الخط التجديدي الذي عرفته الشعرية اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية، يندرج مشروع بانيا ناتسويشي الرامي إلى فتح محفل الهايكو على مدارات الشعر العالمية والذهاب بتجربة رواد التحديث إلى أبعد وأوسع مدى ممكن، ومن ثمّ تحرير الهايكو من كل العوائق الكلاسيكية التي تجعل منه نمطا عتيقا باليا.

الحلم أساس البلاغة

يقترح بانيا مفهوم “هايكو العالم” كأساس لمشروعه الشعري إبداعا وتنظيرا. من حيث التعريف، يعتبر بانيا الهايكو “شعر الواقع″. لا الواقع المزعوم بما هو سلسلة أحداث موضوعية، وإنما الواقع الشامل الذي يأوي “المتخيل” و”اللاواقعي” في بوتقته، أو ما يسميه “كلية الواقع الإنساني”. هذا التصور غير التقليدي يتيح للشعراء إمكانيات أكثر لاستغوار النفس الإنسانية والتقاط إشارات اللاوعي وولوج عوالم الحلم والهذيان وغيرها من مظاهر الوجود الإنساني الأعمق.

إلى جانب شمولية الوجود الإنساني، يعتمد بانيا مبدأ “الحركية” الذي يروم من ورائه تجاوز كل العناصر التي تشكل مركزا ثابتا في الشعر التقليدي.

لذلك نجده لا يعتبر التركيبة الثلاثية لبيت الهايكو والكلمة الموسمية عنصرين جوهريين لا يكون الشعر شعرا إلا بهما. مع ذلك فهو لا يدعو إلى التخلي عن “الكلمات الموسمية” kigo اليابانية بشكل نهائي باعتبارها غير مجدية، وإنما هو يجعل من التخلص من كل مركز ثابت شرطا لولوج هايكو العالم. لذلك فهو يقترح بدلا عنها مفهوم الكلمة المفتاح Key-word سواء كانت كلمة دالة على الفصول أو عن قضية كونية.

نفس المنظور النقدي يطبقه على تقنية “الانتقال” kireji الكلاسيكية، وذلك بتحويلها من عنصر ثبات داخل القصيدة إلى وسيلة لتفجير سكونية اللحظة الشعرية، والتنبيه إلى أن لحظة الهايكو ليست فردية أو “مونوتونية”، وإنما هي تتكون من لحظتين وزمنين على أقل تقدير.

وإمعانا منه في إبراز دينامية نص الهايكو، يؤكد بانيا على وجود مبدأين متناقضين داخل حيّز الهايكو، يكتسب منهما حيويته اللازمة. يتمثل المبدأ الأول في الإيجاز واللحظية والتركيز. فيما يتمثل الثاني في الديمومة والاستمرارية والتموّج. وتبقى مهمة الشاعر الحاذق أن يدمج هذين المقومين في أصغر حيز شعري ابتكره الإنسان/ الهايكو.

فضلا عن ذلك وعلى عكس من يعتقد بأن شعر الهايكو لا يكون إلا يابانيا ولا يكتب إلا باليابانية، يرى بانيا أن لا حدود بين مختلف أجناس الشعر. لذلك فهو لا يقصي من مخزون مصادره الشعرية أي شكل من أشكال التعبير كان؛ أمثولة من التوراة أو حكمة شرقية أو قطعة سوريالية.

شرطه الوحيد في المحصلة النهائية أن يعبر شعره “بخاصية الشعر الأكثر جوهرية”. وضدّ كل رؤية تختزل الهايكو في نمط واحد مغلق. يشير بانيا إلى أن الهايكو ليس شكلا واحدا من التعبير، بل هو متعدد في أشكاله وموضوعاته وإمكاناته التقنية. لذلك يقول بوجود “هايكو واقعي، وهايكو حر، وهايكو بروليتاري، وهايكو خاص بالحرب، وهايكو نسوي، وهايكو طبيعي، وهايكو مكرس للمدينة”.

خاصية جوهرية لازمت الهايكو منذ نشأته: خلق المفارقة بين عالمي الداخل والخارج، السماء والأرض، الفناء والديمومة، وغير ذلك من الثنائيات

مع كل ذلك، إن “هايكو العالم” الذي يدعو إليه بانيا ناتسويشي، ليس معطى أو مذهبا منجزا سلفا في فن قول الشعر، وإنما هو درب متعرّج طويل لا يزال في مرحلة جنينية، حسب تعبير بانيا نفسه، تعترضه عوائق نظرية وأسلوبية كثيرة.

إنه بمعنى آخر “”مفهوم إشكالي” لا يزال يبحث لنفسه عن أساس صلب يقوم عليه. ويذهب بانيا للبحث عن هذا الأساس في العمق الأنطولوجي للكائن، في محاولة منه للقبض على المشترك الإنساني، أي ما يتجاوز الفروق الثانوية بين المجتمعات البشرية على اختلاف ألوانها وألسنتها.

في ذات المسعى، يرى بانيا في “الحلم” ظاهرة كونية لعبت دائما دورا حيويا في كل الحضارات الإنسانية المتعاقبة، تجد أثرها في أساطير الشعوب وقصص نشوئها وتطورها وحتى في تجليات حياتها اليومية.

لذلك يصرّ بانيا على تنبيه معاصريه إلى شرعية “الحلم” وطاقاته الخلاقة القادرة على مدّ شعراء الإنسانية بأنساغ حيوية متجددة للخيال والإبداع معا. لذلك يجعل من “الحلم” الكلمة المفتاح القادرة على أن تشكل أحد الأسس الواعدة لحمل تصوّره الجذري لشعر جوهري، يمثل الهايكو أبرز أشكاله؛ شعر إنساني كوني مكتوب بمختلف لغات العالم.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1753
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: رد: الهايكو الجاموسي    الإثنين ديسمبر 05, 2016 4:23 am

admin كتب:
admin كتب:


الصفحة الرئيسية » أســئلـة الهايكو «2»
أســئلـة الهايكو «2»
ثلاثاء, 30/08/2016

صديقي العزيز
...وحتى عندما كنت أعمل على "كتاب الهايكو الياباني" مع الصديق كوتا كاريا، لم يخطر بباليَ أبداً ترتيب لقاء بأحد الهايجين اليابانيين لأجري معه حوارا حول أسئلة الهايكو بشكل عام. مع أن الكتاب يغطي في قسمه الأخير أعلام الهايكو المعاصرين ولو بهايكو واحد، بمن فيهم صاحب " البابا الطائر في السماء"، الهايجين ناتسوإيشي ــ بانيا.
يعني كنت أعلم بوجودهم. مع ذلك، ومع أنني كنت أيضاً وما زلتُ قارئا نهما للهايكو، واستلهمتُ، وما زلتُ أستلهمُ، روحه في إعدادي لمشروع " ديوان الشعر العربي الجديد" بأجزائه الستة حتى الآن، وأعتبره مستقبل الشعر ومستقبل غالبية الفنون الأخرى، لم يخطر في ذهني الإتصالُ بأيّ هايجينٍ يابانيّ.
ربما لأنني لا أكتب الهايكو، لم يحدث ذلك. وأعتبر كتابته أصعب بكثير من كتابة الشعر الحديث الذي أراني منخرطا فيه كمُنشِّطٍ وناشطٍ، أو كمُشاغبٍ فقط.
أو ربما كنت أقول في داخلي، حتى ولو أجريت مليون حوار، مع مليون هايجين ياباني، وهذا عددهم كما سيؤكد الشاعر بانيا في الصفحات القادمة، فماذا عساهم أن يقولوا لإقناع الذائقة العربية، المفطورة على مفاهيم الفحولة والمعلقات الطويلة، بالانفتاح قليلا والتلاقح قليلا مع هذه الصيغ الفنية البسيطة، كالهايكو أوالتانكا، حيث لا شيء يُذكرُ أبعد مما تقوله عدة كلمات ببساطة ووضوح، وتبث شيئا من البهجة.
أو ربما كنت أقول لنفسي، لن يصح الحوار حول هذه الصيغة اليابانية بامتياز، مالم تتمكن من اللغة اليابانية ونظامها النحوي قليلا أو كثيرا ، وتقوم بتفكيك بعض هذه الرسوم الصينية، وتقرأ الهايكو بلغته الأم قليلا أو كثيرا، وتفهم لماذا يحب اليابانيون الهايكو إلى هذا الحد، وكيف يعتبرون أن هذا الهايكو الموزون هايكو حقيقي، وأن ذلك الهايكو الموزون أيضا ليس هايكو إلا من حيث الشكل. إنها مسألة صياغة لغوية أولا وأخيرا.
صديقي العزيز
منذ حوالي ربع قرن تقريبا، وأنا أعيش متنقلا بين بلاد الشام، بلادي، وبلاد الشمس المشرقة، بلاد الهايكو. هكذا شاءتِ الأقدار فشئتُ. تحاصرني العزلة في هذه البلاد، فأعود للتزود من الصداقة والأصدقاء في بلاد الشام. ليس في بلاد الشمس المشرقة جالية عربية يتنفس من خلالها المرء كما يحدث لك في أوروبا و أمريكا. فأنت هناك تعيش بين أهلك وأحبائك، مهما كانوا، ولا معنى لحديثك أو لشعرك في الغربة وقساوتها. أما في اليابان ومشتقاتها، فأنت غريب إلى أقصى حدود الغربة، وأقصى باء غريب، أنت حقاً مقطوع من حجر. وإن حدث ووقعت على من يعرفك أو تعرفه من أبناء جلدتك، تكون كمن وقع على قصيدة هايكو لا نظير لها.
بهذه المشاعر، التقيت بالصديق الشاعر عبد القادر الجموسي في طوكيو ذات يوم من أيام ربيع سنة 2015. فوجئت أنه يعمل في السلك الدبلوماسي. دبلوماسي وشاعر! وفي اليابان بلاد الواق واق أيضاً! لا،لا، غير معقول!. هذه واحدة من النوادر، على الأقل في العالم العربي. لكنها ولحسن الحظ تقع أحيانا، وقد وقعت قبل ذلك للشاعر السوري المعرف عمر أبو ريشة وللعم نزار قباني.
على أية حال، لم نكد نكمل السلام، عبد القادر وأنا، ونجلس على الطاولة حتى بدأنا حديث الشعر. بأقل من ساعتين، كنا قد أتينا بالنميمة الطيبة حينا، وحينا لا، على غالبية الأسماء الشعرية العربية، وعلى التحولات التي بدأت في طريقة الكتابة، ومن بينها ميل الجيل الجديد إلى كتابة الهايكو.
ــ بهذا الصدد، يقول لي عبد القادر، ما رأيك بحضور المهرجان العالمي للهايكو الذي سيعقد هنا عندك في طوكيو بين 4 و 6 من الشهر التاسع القادم، فأنا على معرفة طيبةٍ بالهايجين الياباني المسؤول عن الموضوع ولن يتردد في دعوتك؟...(يتبع)

من كتاب"البابا الطائر في السماء"، للهايجين الياباني "ناتسوإيشي ـ بانيا" (يصدر قريبا)
ينسى الدِّيارَ
وينسى الصَّلاةَ
البابا الطَّائرُ في السَّماء.
الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 739


_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
الهايكو الجاموسي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: حوارات-
انتقل الى: