كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 " نيرفانا "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: " نيرفانا "   الأربعاء يوليو 20, 2016 9:21 am

Soukaili Said
19 h ·
القراءة الكريمة العميقة التي أكرمني بها صديقي الغالي سيدي عبد الرحيم التدلاوي في مجموعتي كل الشكر والمحبة له :
((( المحاكاة الساخرة وجمالية الإيجاز في المجموعة القصصية " نيرفانا " للكاتب المغربي سعيد السوقايلي )))
+ عبد الرحيم التدلاوي
صدر مؤخرا (2016) للكاتب المغربي سعيد السوقايلي مؤلف سردي في جنس القصة القصيرة جدا عنونه ب " نيرفانا "، عن مطبعة البوغاز- مكناس بالمغرب، بعد مجموعته القصصية " ورقة عصية ". وقد ضم سبعين قصة مرقمة وغير معنونة، في حجم كتاب الجيب استجابة لضرورة التلقي اليومي السريع، وتماشيا مع حجم هذا السرد المكثف. تسعى المجموعة إلى رصد عوالم واقعية واجتماعية ونفسية حقيقية ومتخيلة، تحاول من خلالها الشخوص البحث عن حقيقة وجوديتها في ظل الانطفاء الذي تعيشه، ويتماهى العنوان الموحد للقصص مع حالات هذه الشخوص التي لا تبرح واقعها إلا لتحل فيه وتتحد معه بكثير من السخرية والزيف والتمرد والاشمئزاز والوهم... وهي استراتيجية عمد إليها القاص حين انزاح بدلالة النيرفانا البوذية التي تمكن مريديها من تحقيق لحظة نشوة وصفاء وسعادة، لتصبح نيرفانا ساخرة تكشف عن وهم الحقيقة وزيفها بمختلف تلاوين الواقع الممسوخ والمشوه والذي يرزح تحت وطأته الكائن المعاصر... نيرفانا هي لحظة انطفاء الحواس وحلول قصي بعد تأمل شطون ومجنون نفتح فيه عيوننا على ذات العالم الخرب... نختار من المجموعة ما يلي : " أطرق رب الأسرة في صمت وتأمل عميقين حتى دخل في نيرفانا كلينيكية... بعدها عثر الطبيب في جيبه على ورقة لم تكن سوى فاتورة ديون فادحة، ذيلها بعبارته الأثيرة : لقد سقط العقل، وصارت الروح خلاصة للجنون".
هل ما ورد في النصزص نيرفانا حقيقية، تسمح للشخصيات بالإرتقاء الروحي إلى مصاف الطهارة بالتخلص من شرطها الواقعي المادي العفن؟ لنترك الإجابة عن السؤال إلى حين، ولنلق نظرة عجلى على نص "8" الوارد بالصفحة 11، سنجد أن ما بداخل تلك البويضة الصغيرة جدا، يكمن رجل قصير للغاية، يعتبر نفسه شيطان القصة القصيرة جدا. والغاية من هذا النص الإشارة، من ضمن إشارات أخر، إلى أن القصة القصيرة جدا نوع أدبي يتلبسه الشيطان، هذا الكائن المخيف، والمسخ في آن، حيث ينفث فيه تمرده على الجاهز من القول، فهو كائن مجبول على الرفض، وله القدرة على النفاذ إلى دواخل الشخصيات، وقراءة مخبوءاتها، وبالتالي، فإن تركيزه سيكون على الجانب المادي، الأرضي، بإظهار هشاشة الإنسان، أمام سطوة المادة.
وبناء عليه، ستكون النيرفانا هي عكس مدلولها، إنها تعبير عن انهزام الإنسان أمام إكراهات الحياة، كما في نص "6" الوارد بالصفحة 9، فالرجل بفعل كثرة الديون التي تثقل كاهله، جعلته يدخل في نيرفانا أخرى، نيرفانا الانفصال عن الواقع الكريه، إلى أفق الجنون الحق. الديون المادية كانت القشة التي كسرت ظهر الرجل وحملته على فقدان اتزانه، إن الواقع المادي أقوى من قدرة الرجل على التحمل، فرغم كثرة تفكيره، فإنه لم يجد مخرجا لمشاكله سوى في عالم الجنون. يقول السارد ساخرا من هاته النيرفانا: أطرق رب الأسرة في صمت وتأمل عميقين حتى دخل في نيرفانا كلينيكية... فالتفكير العميق ليس رياضة تروم الخروج من مآزق الحياة، بل هو بحث عن خلاص لما ألم به من ضربات الجانب المادي. هنا نجد أنفسنا أمام محاكاة ساخرة، إذ بالعكس من البحث عن الخلاص الروحي، والسمو بالنفس إلى مدارج الصفاء، وتحقيق الإنتشاء، نجد الرجل قد دخل برحابة فقر إلى إغماءة حقيقية حملته إلى المستشفى؛ إن النيرفانا مرض مادي أصاب الرجل فأفقده توازنه النفسي والروحي.
ويتأكد البعد الساخر في نص "10" الوارد بالصفحة 10، حيث أقام تضادا بين العلوي والسفلي، في تركيز على الثاني لتحقيق البعد النقدي للواقع الخانق، والذي يمنع الأفراد من الإنتشاء الروحي والسعادة النفسية. لننصت إلى النص يسخر من النيرفانا وهو يرسم ملامح جلوس الرجل: القرفصاء، الوجه بين اليدين، الدخول في حالة كمون، إنها علامات دالة على التهيؤ لدخول الانخطاف الروحي، لكنه في النهاية، يضرب بقوة من حيث لا يتوقع القارئ ساخرا من هذه الحالة، لكونها جاءت، وفقط، من أجل التخلص مما بالأحشاء: إنها وضعيته المثالية التي يستنفر فيها كل حواسه العمياء من أجل لحظة الانتشاء المطلق وهو يخلص فيها أحشاءه من قرف الحياة المادية بالمرحاض.
وهكذا نجد أن النيرفانا مادية ، تزكم الأنف برائحتها النتنة وقد امتلأ جوفها بالمادة الكريهة.
والقصة القصيرة جدا تروم بسط القول في الموضوع بكثير من الدقة والتركيز، مبعدة كل التفاصيل غير الضرورية، والوصف الذي يثقل كاهلها، إنها انخطافات قصصية شبيهة بطلقة رصاص، تصيب قلب الهدف، أو بشهاب سريع الظهور والاختفاء. إن هذا النوع الكتابي يقبض على الجوهر، على المنفلت والهارب دوما، يقتنصه في بضع كلمات. إن قوته في تجويع اللفظ وتوسيع كرامة المعنى.
وهذا ما نلاحظه على مجمل نصوص المجموعة، فقد جاءت قصيرة للغاية تخدم هدفها بكثير من الدقة، محققة الدهشة الجمالية.
إنها كتابات تحاكي الواقع؛ تقتنص اللحظات الطافحة بالمفارقات؛ وترصد اللقطات الموحية بالسخرية، وترصد بمحاكاة ساخرة بعض الظواهر الاجتماعية والأمراض السلوكية؛ وتفضح رياء بعض النماذج البشرية وحماقاتهم وتفاهة ما يفكرون فيه. كل ذلك ببلاغة وإيجاز؛ والقاص سعيد السوقايلي يدرك أسرار هذه اللون الكتابي، فقد خبره إبداعا ونقدا، ويدرك بدقة وعمق معنى القولة الشهيرة: خير الكلام ما قل ودل، وقد بلور هذا القولة في نصوصه بكثير من الدقة والمهارة؛ تعبر عن امتلاكه أبعاد اللغة، مما جعله يتحكم فيها ويسيرها حيث أراد بكثير من البراعة؛ للنظر إلى نصه "5" الوارد بالصفحة 8، وهو نص من سطر واحد، يشتمل على ثماني كلمات لا غير، فنراه ، هنا، يطلعنا على قضية مهمة وعميقة، ألا وهي علاقة الطبيعي بالمصنع، والصراع بينهما؛ صراع ينتهي بانتصار الطبيعي على المصنع، فالعمود الكهربائي ينتهي إلى السقوط وهو يتأمل جارته الشجرة، إن سقوطه دليل إدراكه أنه ذو وظيفة وحيدة لا غير، وهي إضاءة جزء من مكان محدد، لا يمتلك سلطته على نفسه، فوظيفته في خارجه، بخلاف الشجرة التي تنمو تلقائيا، وتسير بحسب إيقاع الطبيعة لا الإنسان، إنها تمتلك حريتها وتمتلك زمام مبادراتها: سقط سهوا عمود الكهرباء، وهو يتأمل جارته الشجرة.
وكلمة السهو الواردة في النص تشير إلى أن السقوط كان من غير قصد، وقد يكون الحسد خلف هذا السقوط، إنها بفعل الفضول، والمقارنة التي خلص بها إلى أنه أدنى.
والأمر نفسه بالنسبة لنص "41' الوارد بالصفحة 46، فهو وإن اعتمد في تشكيله على ثلاثة أسطر، إلا أنه تناول قضية عويصة أسالت الكثير من المداد، فعبر عن القضية بكثير من الدقة والإيجاز، مبعدا التطويل والإطناب المؤديان إلى ترهل النص، والقاص مهتم برشاقة نصوصه، لا يريدها إلا أن تكون جميلة في دقة بنائها، مكتملة الجوانب في غير ما حشو أو زيادة مفسدة لتلك الرشاقة.
فالقضية المعالجة هي سطوة الولايات المتحدة على هذا الكون، بحيث إنها تمكنت من إخضاعه، فصار تابعا لها، حتى إن الأرض بدأت تسبح بحمدها ، تدور معبرة عن رضاها بقرارات الإله الجديد. ويأتي السطر الأخير، أي قفلة النص، عبارة عن تساؤل وجودي، دال عن انشغال المثقف الحر الرافض لمثل هذا السلوك الاستعبادي: ماذا لو هز رأسه يوما بالإيجاب !؟
الأكيد أن المعاكسة ستكون خيرا للأرض وشرا سيحيط بالويلات. إن فعل الإيجاب، ليس معناه، في النص، القبول، بل بالعكس من ذلك تماما، إنه السير بالاتجاه المعاكس، معاكس لمصالح الإله الجديد، فهو لن يقبل مثل هذا السلوك، وسيعتبره تمردا على إرادته التي لا تقهر، وعلامة على نهايته، وأفوله.
ويأتي نص "42" الوارد بالصفحة 47، ليظهر مدى مرض الأرض بفعل انتهاك هذه الولايات، فقد أصيبت بدمامل متقيحة، وتعاني الحمى، جراء ما عاشته من تلوث بفعل فظاعات هذه القوى المتجبرة. وحق للأرض، حفاظا على نفسها من التآكل، أن تتمرد ولو لمرة واحدة، لتسقط هذا الوحش الفاتك.
اعتمدت مجمل نصوص المجموعة على تقنية الإيجاز والحذف، نصان اثنان، فقط، تجاوزا الصفحة الواحدة، وإذا علمنا أن الكتاب من حجم الجيب، أدركنا أنهما نصان قصيران جدا، لا يمكنهما تجاوز صفحة الكتاب المتوسط.
وبناء عليه، نقول، بكثير اطمئنان: إن المجموعة كانت مخلصة لقضية الإيجاز والتكثيف، معتمدة الإيحاء والتلميح بدل التصريح، إوهي بهذا الفعل لم تحد عن هذا الطريق بتاتا.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
" نيرفانا "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: