كـلام الـصـمـت

فـضـاء لـصـدى الـصـمـت الـمـؤجــل
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تاريخ القصة ـ النشأة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: تاريخ القصة ـ النشأة   الأحد أبريل 17, 2016 2:00 am

تاريخ القصة ـ النشأة

يعود تاريخ القصة إلى ما قبل معرفة الإنسان
الكتابة، فالحكواتي القديم عند إنشائه الحكاية ومحاولته حفظها، كان يلجأ إلى
عبارات جاهزة وإيقاعات ثابتة وإلى القافية طبعاً، ومن هنا كانت غالبية السرديات dir=LTR>narratives style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
في العالم القديم ذات قالب شعري مثل «ملحمة غلغامش»[ر] و«حرب الآلهة» و«قصة أدپا»
من أرض الرافدين، و«القوس المقدس» و«الملك الذي نسي» من أرض كنعان، وهي قصص كُتبت
على الرقم الطينية في الألف الثانية ق.م. أما القصص المصرية التي تعود إلى المرحلة
نفسها تقريباً فقد كُتبت على أوراق البردي، ولكن نثراً، إذ يبدو أنهم احتفظوا
بالشعر لأناشيدهم الدينية. إن أقدم قصة مصرية معروفة هي «البحّار الذي غرقت
سفينته» نحو 2000ق.م وهدفها الجلي على ما يبدو هو التأكيد لمستمعيها من
الأرستقراطية الفرعونية على صحة مقولة «قد يصيبكم مكروه ينقلكم من ثم إلى حياة
أفضل». وهناك من مرحلة الأسرة الثانية عشرة قصة «الطبيب سنوحي المنفي» الشهيرة،
والقصة التربوية الوعظية «خوفو والسحرة». أما القصة الأكثر إثارة وتفصيلاً،
المعروفة بعنوان «قصة الأخوين» أو «أنپو وباتا» فقد كتبت في عصر المملكة الجديدة
نحو 1250ق.م، فهي أكثر القصص المصرية تعليمية، وفي الوقت نفسه، أغناها من حيث
الموضوع الشعبي الدال folk motif lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>، وأتقنها بناءً.

تعد أقدم القصص الهندية حديثة نسبياً بالمقارنة مع
الرافدية والمصرية، فقصص «البراهمانيات» Brãhmanas نحو 700ق.م ليست أكثر من ملحقات فقهية لشرح كتب الڤيدا[ر]
الأربعة؛ إلا أن بعضها القليل صيغ كقصص أمثولية إرشادية instructional
parables، وقد تكون مجموعة «لاتَكا»
Lãtaka style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
المدونة بلغة پالي Pãli lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> أكثر مدعاة إلى الاهتمام بها كقصص. صحيح أنها صيغت في إطار ديني
يهدف إلى توظيفها كتعاليم أخلاقية بوذية، إلا أن بؤرة اهتمامها تتركز على السلوك
الدنيوي والحكمة العملية. وثمة مجموعة قصص معاصرة للسابقة نوعاً ما، هي «الأسفار
الخمسة» The Pañca-Tantra lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> نحو 500ق.م المكتوبة باللغة السنسكريتية، التي انتشرت عالمياً
بترجماتها المختلفة والمتكررة. وهذه المجموعة المسلية من حكايات الحيوانات ذات
الهدف التعليمي تشابه إلى هذا الحد أو ذاك «حكايات إيسوب» The
Tales of Aesop الإغريقية. وقد
تُرجمت إلى الفارسية الوسطى في القرن السادس الميلادي، وإلى العربية في القرن
الثامن الميلادي، ومن ثم إلى العبرية واليونانية واللاتينية، وفي عام 1570 صدرت
ترجمتها الإنكليزية. والمجموعة التي تسترعي الانتباه من منظور فن القصة في السياق
نفسه هي «محيطُ أنهار من القصص» Katha - saritsãqara، وهي سلسلة حكايات جمعها وأعاد صياغتها شعراً في القرن الحادي عشر
الميلادي الأديب السنسكريتي ساماڤيدا Samaveda. يعود معظم هذه القصص إلى مادة أكثر قدماً في التراث الهندي، أما موضوعاتها
فتتنوع من بجعة مسحورة حتى خادم مخلص أُسيء فهم مقصده.

في القرون الثاني والثالث والرابع ق.م كتب
العبرانيون بعض أكثر سردياتهم صقلاً (أغلبها مقتبس من مصادر محلية أقدم عهداً)
لتشكل جزءاً مهماً من «العهد القديم: وأسفار الأبوكريفا» Apocrypha الملحقة به، ويعد بعضها من القصص الأكثر انتشاراً عالمياً، مثل يوديت
وسوزانا ودانيال وروث وإستر ويونس.

يمكن القول إن معظم القصص الشرقية القديمة، من
كنعان حتى الهند مروراً بوادي النيل وحوض الرافدين وفارس؛ كانت ذات طابع تعليمي
إلى هذا الحد أو ذاك، فبعضها كان وعظياً مباشراً، وبعضها الآخر أمثولياً أخلاقياً،
إلا أن الحكمة المستقاة منها جميعاًَ هي أن الإنسان الخيّر سيسعد ويتمتع بنجاحه
المعنوي والمادي، في حين سيلاقي الشرير الويلات ومرّ الآلام.

وفي العالم الغربي أسهم قدماء الإغريق بقسط وافر
في القصة بمختلف تجلياتها، فكما في الهند كانت قصص الحيوان واسعة الانتشار مثل
«حكايات إيسوب» السابقة الذكر، وإضافة إليها انتشرت قصص أسطورية قصيرة تدور موضوعاتها
حول مغامرات الآلهة في الحب والحرب. وفي القرن الثاني قبل الميلاد وضع أبولودورُس dir=LTR>Apollodoros style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> الأثيني
الرواقي في كتابه «المكتبة» Bibliothek lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> وصفاً لأساطير الآلهة معتمداً على تلك القصص التي فُقد معظمها
لاحقاً، لكنها ظهرت مُقتبسة بأشكال متعددة في سياق الأعمال الشعرية الطويلة لهسيودوس[ر]
Hesiodos style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
وهوميروس[ر] Homeros lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> وكبار كتاب التراجيديا (المأساة)، كما وجدت الحكايات القصيرة
طريقها إلى أعمال نثرية طويلة مثل «پِرْسيكا» Persika (ق 5ق.م) للكاتب هيلانيكوس Hellanikos الذي وصف فيه بالعامية الإيونية dir=LTR>Ion حكايات الآلهة. أما أبو
التاريخ هيرودوتُس[ر] Herodotos lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> فقد عد نفسه قصاصاً يروي الحكايات، وفي تاريخه الفلسفي «تربية كيروس»
Kyru paideia style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
ق4 ق.م يورد الكاتب زينوفون[ر] Xenophon، تلميذ سقراط، قصة الجندي أبراداتِس Abradates الشهيرة وزوجته الجميلة المخلصة بَنْتيا Panthea، ويرى بعض الباحثين أنها أول قصة حب غربية، كما يشتمل الكتاب على
استطرادات سردية أخرى.

يُنسب إلى الأغارقة شكل «الرومنس» dir=LTR>Romance وهو سردية نثرية
طويلة نوعاً ما، موضوعها الحب، ذات أسلوب ثابت ثلاثي المراحل (حب ففراق فاتحاد)،
وكانت تتألف بداياتها من سلسلة من الحكايات القصيرة، وأشهرها رومنسات الكاتب بارثنيوس
Parthenius style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
في عصر القيصر أغسطس[ر] Augustus lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>، وهي مجموعة من 36قصة نثرية عن عشاق تعساء. وفي القرن الثاني ق.م
تميزت قصص أريستيدس Aristides lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> الشبقية بشعبية واسعة وترجمت مباشرة إلى اللغة اللاتينية. ويتبدى
من تنوع ماسبق ذكره من أنواع القصص الإغريقية أن التعليمية لم تكن الطابع المهيمن
عليها، كما في القصص الشرقية.

وفي روما اللاتينية كانت مساهمة كتّابها على
صعيد السرديات القصيرة ضئيلة جداً بالمقارنة مع جيرانهم الأغارقة. إن قصيدة
أوڤيد[ر] Ovid lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> الطويلة «التحولات أو مسخ الكائنات» Metamorphoses هي أساساً إعادة صياغة لما يزيد على مئة حكاية شعبية قصيرة في
منظومة موضوع موحد. أما ما تلا ذلك من كبريات السرديات التخييلية فهي أقرب من حيث
البنية إلى الرواية، مثل «ساتيريكون» Satyricon (ق1م) لبترونيوس Petronius، و «الحمار الذهبي» The Golden Ass لأبوليوس[ر] Apuleius lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> (ق2م)، إلا أنهما استخدما كثيراً من مواد القصص القصيرة ضمن إطار
أوسع وأشمل.

القرون الوسطى ـ عصر النهضة وما بعد

يبدو من خلال استعراض الأعمال الأدبية التي تعود
إلى القرون الوسطى أن العصر قد تميز بتوليد الأشكال الأدبية الفنية وتكاثرها، ولكن
ليس بالضرورة بتطوير وتهذيب أشكال السرد القصيرة. ففيه صارت الحكاية القصيرة وسيلة
مهمة للتسلية والإمتاع. ومابين عصر الظلمات حتى عصر النهضة تبنت حضارات كثيرة شكل السرديات
القصيرة للتعبير عن مقاصدها. فحتى غزو البرابرة الجرمانيين العدواني القاتم الروح،
خضع للتعبير عنه في أشكال السرد القصيرة، كما أن الأساطير والحكايات البطولية
القادمة من اسكندناڤيا وإيسلندا النائية تدل على أنواع الحكايات الكئيبة
والعنيفة التي حملها الغزاة معهم نحو جنوبي أوربا.

وعلى نقيض ذلك فإن الخيال الرومنسي والمعنويات
العالية لدى السلتيين Celts lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> بقيت بادية للعيان في حكاياتهم وقصصهم، وأينما ظهروا سواء في إيرلندا
أم في فرنسا أم في بريطانيا كانت ترافقهم قصصهم المشربة بالسحر والروعة، مثل
الحكايات الأسطورية التي ظهرت في القرن التاسع حول «لونغِس مَك ن ـ ويسْلِن» dir=LTR>Longes mac n- Uislenn style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
التي غرست نبتة الرومنسات الفروسية chivalric romances التي ازدهرت لاحقاً في التربة الأوربية. ومن المساهمين الأبلغ
تأثيراً على صعيد السرديات القصيرة في القرن الثاني عشر كريتيان دي تروا[ر] dir=LTR>Chrétien de Troyes style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
وماري دي فرانس Marie de France lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>.

في تلك المرحلة اشتهر أيضاً نوع من القصص عُرف بـ
«النموذج» Exemplum lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> هدفه تحفيز القارئ أو المستمع على الاقتداء بسلوك نموذجي. ومن
أشهر هذه القصص في القرنين الحادي عشر والثاني عشر تلك التي استوحت نماذج من سلوك
القديسين، وهناك مايقارب المئتين منها كان الكهنة يستخدمونها في مواعظهم الكنسية
أيام الآحاد. أما بين عامة الناس في أواخر القرون الوسطى فقد ظهرت حركة أدبية
معارضة لنوعي الـ «رومَنْس» و«النموذج» مفضلة الفطرة السليمة، والفكاهة الدنيوية
والحسية sensuality lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>، ومالت على نحو كبير إلى الذكاء العملي لدى حيوانات حكايات
الوحوش، وإلى النكات الخشنة المسلية وإلى الحكايات البذيئة Fabliaux، المنظومة شعراً، وهناك منها قرابة مئة وستين حكاية، وكانت هذه
الأخيرة أبرزها أهمية، واستمرت محافظة على شعبيتها قرابة قرنين من الزمن، بدءاً من
القرن الثاني عشر، ولفتت انتباه بوكاتشو[ر] Boccaccio الإيطالي وتشوسر[ر] Chaucer الإنكليزي.

كان حكواتي القرون الوسطى ـ بغض النظر عن
الحكاية التي يفضلها ـ يعتمد غالباً على حكاية إطار format تساعده على رصف القصص بعضها بجانب بعض، مهما كان عددها، مع الحفاظ
على استقلالية كل منها نسبياً. ولما كان تأكيد الوحدة العضوية لهذا النوع من السرديات
أمراً لايؤبه له كثيراً، فقد فضل الحكواتي حينذاك إطاراً مرناً يسمح بإضافة أو
استبعاد حكاية ما من دون تغير ملحوظ في التأثير. وكان النموذج الذي يبحث عنه
متوفراً في «حكماء روما السبعة» The Seven Sages of Rome، وهي مجموعة من القصص ذات الشعبية الواسعة في أنحاء أوربا كافة،
وإطارها قصة أمير محكوم عليه بالموت، فيقوم محاموه وهم الحكماء السبعة، كل على
حِِده، بسرد قصة جديدة كل يوم، فيؤجل تنفيذ الحكم حتى تثبت براءته فينجو من براثن
الموت. وهذه التقانة في السرد كما هو واضح تشابه إلى حد كبير تقنية «ألف ليلة
وليلة»[ر] العربية التي تعود أيضاً إلى القرون الوسطى، وغالبية قصصها تؤطرها حكاية
شهرزاد التي تعود في الأصل إلى مجموعة الحكايات الفارسية «هزار إفسان» dir=LTR>Hazar Efsan style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
أي «ألف حكاية خرافية»، وقد ترجمها العرب، فاحتفظوا بالإطار وابتكروا حكايات جديدة
مختلفة الأنواع تدور أحداث معظمها بين بغداد في العصر العباسي والقاهرة ودمشق في
العهد الفاطمي. وقد وضع الكتاب الجديد في العصر المملوكي (648ـ923هـ/1250ـ1517م).

وبعد كل هذا التعدد والتنوع في السرديات القصيرة
جاءت عملية الصقل الفني في القرن الرابع عشر على أيدي عملاقين هما بوكاتشو وتشوسر.
ولاشك في أن مصادر قصص الـ «ديكاميرون» Decameron لبوكاتشو تحفل بمؤثرات متنوعة، بما في ذلك الحكايات والنماذج والرومنسات
القصيرة. ونتيجة لاتساع شعبيته اظهرت في مختلف أنحاء أوربا وبسرعة لافتة أعمال
تقلِّدها، ففي إيطاليا وحدها ظهر قرابة خمسين كاتباً مارسوا السرديات القصيرة dir=LTR>novella كما كانت تسمى
هناك. لقد تعلم هؤلاء كثيراً من فنية وحرفية بوكاتشو، وإلى حد ما أيضاً من معاصره
فرانكو ساكيتّي Franco Sacchetti lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>، فزودوا العالم الغربي على مدى ثلاثة قرون بالسرديات القصيرة. لم
يكن ساكيتي مجرد مقلد لبوكاتشو، بل واقعياً صريحاً ومباشراً في وصفه الحياة
اليومية في فلورنسا في مئتي قصة قصيرة أقرب إلى أسلوب «النادرة» dir=LTR>anecdote. وثمة كاتبان
آخران مهمان على صعيد القصة في القرن الرابع عشر، هما جوڤاني فيورِنتينو dir=LTR>Giovanni Fiorentino style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
وجوڤاني سِركامبي G.Sercambi lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>. وفي القرن الخامس عشر حظيت مجوعة «القصص القصيرة» (1475) dir=LTR>Il novellino للكاتب ماسوتشو
سالرنيتانو Masuccio Salernitano باهتمام خاص؛ وهي تضم خمسين قصة تحفل بالفكاهة عن العشاق ورجال
الكهنوت،على الرغم من أن الإسهاب فيها يحل محل البلاغة. ومع ماسوتشو بدأ انتشار
القصة القصيرة يأخذ أبعاداً جديدة، ففي القرن السادس عشر كان ماتيو باندِلو dir=LTR>M.Bandello أكثر
الكتاب تأثيراً في مختلف أنواع السرد الأدبي، لكن اهتمامه تركز حول قصص الخداع dir=LTR>deception التي شكلت أحد
أنواع كثيرة برزت وانتشرت في تلك المرحلة، ومنها على سبيل المثال مجموعة «محاججة
الحب» Reasoning of Love lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> للكاتب أغنولو فيرنزولو Agnolo Firenzuolo التي اتصفت ـ على نقيض قصص الجنس المكشوف عادة ـ بأسلوب لغوي أنيق
ومرهف. أما أنطون فرنشِسكو ِAnton Francesco فقد ضمَّن مجموعته المتنوعة «الكريات الزجاجية» dir=LTR>The Marbles style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
عدداً من القصص التي تعتمد المفاجأة أو السخرية، في حين جرَّب جانفرانشِسكو سترابارولا
Gianfrancesco Straparola style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> lang=AR-SY>قلمه في ميدان الحكايات الشعبية بالعامية في مجموعته «الليالي السارة» dir=LTR>The Pleasant Nights style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>.
وفي مطلع القرن السابع عشر حاول جامباتيستا بازيلِه Giambattista
Basile أن يوَشّي المواقف
الجاهزة المألوفة في حكايات الجن fairy-tales بتفاصيل واقعية، فكانت النتيجة غالباً لافتة: حكاية عن جنيات
وعفاريت وأمراء بدوافع ومشاعر واقعية جداً، مما يولِّد الطرافة والتسلية. ولربما
كانت هذه الصفات تحديداً في مجموعته «حكاية الحكايات» (1634) dir=LTR>The Story of Stories هي
ما ذكَّر القراء ببوكاتشو، ولاسيما أن المجموعة قد عُرفت بعنوان شائع دال هو «بينتاميرون»
Pentameron lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> أي «الأيام الخمسة». إن التشابه الكبير بين بوكاتشو وبازيله، على
الرغم من فارق ثلاثة قرون بينهما، يوحي بأن القصة قد احتلت موقعاً معقولاً بين
الأجناس الأدبية الأخرى، كما حققت انتشاراً واسعاً، إلا أن قالبها الأساسي
وتأثيرها بالكاد تغيرا.

تكرر هذا النموذج من التطور في فرنسا أيضاً،
علماً أن إنجاز بوكاتشو لم يُلحظ هناك حتى القرن الخامس عشر، حين ظهر تأثيره عام
1460 مع صدور مجموعة «مئة قصة قصيرة جديدة» Cent nouvelles nouvelles التي تتحدر من سلالة الـ «ديكاميرون». وبعد قرن كامل صدرت مجموعة
«الأيام السبعة» (1559) Heptaméron style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> lang=AR-SY>لمرغريت دي أنغوليم Marguerite d’Angoulême، وضمت اثنتين وسبعين قصة غرامية تدين لبوكاتشو بما لاتغفله الملاحظة
الثاقبة على الرغم من فارق الزمن. وفي مطلع القرن السابع عشر نشر الكاتب بيروالد
دي ڤِرڤيل Béroalde de Verville حكاياته «طريق النجاح» (1610) Le Moyen de parvenir
التي
تنتمي من جهة إلى أجواء رابليه[ر] ومن جهة أخرى إلى تقاليد بوكاتشو، وهي مجموعة
قصص من «الحكاية ـ الإطار» تهدف في المقام الأول إلى التسلية والإمتاع.

أما الأمة الأعظم نفوذاً في القرنين الخامس عشر
والسادس عشر في أوربا، ألا وهي إسبانيا؛ فقد أسهمت إلى حد كبير في صقل السرديات
النثرية القصيرة وتطويرها، وأكثر ما يلفت الانتباه على هذا الصعيد هي مجموعة دون
خوان مانويل Don Juan Manuel lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> بعنوان «كتاب النماذج» (1328ـ1335) The
Book of Examples السابق
على الـ «ديكاميرون» ببضع سنوات. وهناك أيضاً تجارب ثربانتس[ر] التي نشرت عام 1613
بعنوان «قصص نموذجية» Exemplary Novels وهي تختلف عن معاصراتها من حيث الأسلوب والرصانة في المعالجة،
علماً أن هدفها الرئيسي هو استكشاف طبيعة الوجود الدنيوي الذي انغمس فيه البشر,
وقد كان هذا الموضوع جديداً نوعاً ما على السرديات القصيرة، فما قَبْل ذلك كانت
هذه السرديات إما وعظية تربوية وإما بغرض الترفيه والتسلية. وعلى الرغم من توافر
مجموعات قصصية عديدة ذات انتشار شعبي واسع فقد بقيت السرديات القصيرة في إسبانيا
في ظل الرواية التي أخذت بالظهور بقوة في القرن السادس عشر. وكما فعل قدماء
الرومان، ضمَّن الإسبان رواياتهم في عصر النهضة كثيراً من القصص القصيرة باعتبارها
طرائف ونوادر.

تعرضت القصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر
إلى تراجع كبير على صعيد الكتابة وانكماش ملحوظ على صعيد التأثير؛ ويعود ذلك إلى
عوامل كثيرة، منها بزوغ شمس الراوية الفنية، وإخفاق تقاليد بوكاتشو عبر ثلاثة قرون
في إبداع جديدٍ يلبي احتياجات تطورات العصر واقتصارها على التقليد والتنويع
الفقير، ومنها ميل العصر إلى الدراما والشعر، وتفضيل جمهور القراء في الوقت نفسه
الكتابات الصحفية التي تتعاطى مع القضايا الراهنة الملموسة، إضافة إلى ثورة نشر
الكتب المتنوعة ولاسيما منها كتب الرحلات التي لبت النهم للتعرف على البلدان
الأخرى وسكانها وعوالمها، والسِيَر الجنائية والوصف الاجتماعي والمواعظ والمقالات
متنوعة الموضوعات. وإن وجَدت قصةٌ فنية جادة طريقها ـ أحياناً ـ إلى النشر في
الصحافة (صحف، مجلات أسبوعية، شهرية وفصلية) فقد كانت وراءها حتماً قامة أدبية
مرموقة مثل ڤولتير أو أديسون. وقد تبدى هذا التراجع على أشده في إنكلترا.

في القرون الوسطى صارت القصة في المقام الأول
وسيلة ترفيهية. أما عصر النهضة ومن ثم عصر التنوير فقد طرحا متطلبات مختلفة فكرياً
وفنياً. فيقظة الاهتمام بالمسائل الدنيوية أدت إلى اهتمام جديد بالظروف الراهنة،
ومن ثم لم تعد السرديات القصيرة الترفيهية مطلوبة. وفي البداية لم يستجب لهذه
المطالب الجديدة إلا الصحفيون وكتاب الكراريس، في حين لم تلب القصة ذلك فتراجع
دورها. وفي القرن التاسع عشر نفضت القصة عن كاهلها أعباء الترفيه الهروبي بدلاً من
التصدي لقضايا الواقع، وانبعثت من جديد في شكل «القصة القصيرة الحديثة» dir=LTR>modern short story style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>،
فكان ذلك خطوة جديدة على طريق تطور السرديات القصيرة التخييلية، اكتسبت معه القصة
القصيرة رصانة جديدة وحيوية مغايرة ومكانة محترمة في سياق الإبداع الأدبي.

القصة القصيرة الحديثة

ظهرت القصة القصيرة الحديثة في تزامن لافت في
ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وروسيا. في عام 1801 في ألمانيا كان فريدريش
شليغل[ر] أول من نافس نظرياً الدور الجمالي والفكري للقصة القصيرة التي بدأت تحتل
حيزاً ملحوظاً في الصحافة كجزء عضوي من بنيتها وأهدافها, وفي عام 1827 علَّق
غوته[ر] على الفارق الجلي ما بين القصة القصيرة الحديثة والسرديات القصيرة
القديمة، متفقاً مع الناقدَين الأدبيين ڤيلاند[ر] وشلايرمَخَّر dir=LTR>Schleiermacher style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
على أن القصة القصيرة يجب أن تكون واقعية تتعامل مع أحداث محتملة وشخصيات ممكنة
الوجود في الواقع المعيش بين الناس.إلا أن قصص كلايست[ر] وهوفمَن[ر] ولودڤيغ
تيك L.Tieck style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>
تنبو عن حدود التعريف السابق فتخرج من حدود الواقع إلى عالم الميتافيزيقا والفانتازيا[ر]،
في محاولة لاستكشاف عوالم الإنسان الداخلية وخفايا عقله الباطن. وبهذا نأى هؤلاء
الكتاب في إنتاجهم القصصي عن الشروط التي فرضتها الصحافة، ومهدوا للكاتب أفقاً
للإبداع، مادام الهدف جاداً وليس ترفيهياً وحسب، إلا أن هذا لاينفي كون العمل
الأدبي ممتعاً فنياً.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية لم يختلف تطور
القصة القصيرة الحديثة عما كانت عليه الحال في ألمانيا، فثمة كتاب تمسكوا
بالواقعية وبعرض الأحداث من منظور موضوعي، وفي خط موازٍ تطورت القصة القصيرة
الانطباعية impressionist lang=AR-SY style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'> التي تتخذ شكلها ومضمونها من خلال وعي الراوي وسلوكه النفسي.
ولاشك في أن مكانة القصة القصيرة قد توطدت فنياً في أمريكا من خلال الاهتمام
النقدي المكثف الذي لاقته، ليس فقط بأقلام النقاد، وإنما بإسهامات الكتاب أنفسهم
نقدياً، وعلى رأسهم پو[ر].

وفي فرنسا القرن التاسع عشر حظيت قصص بروسبر مِرميه[ر]
باهتمام كبير بوأه كرسياً في الأكاديمية الفرنسية ونشر سمعته حتى ماوراء الأطلسي،
فكانت قصصه القصيرة نماذج رائعة عن دقة المراقبة والملاحظة للسلوك الإنساني موضوعياً
من دون تحيز عاطفي. ومن هنا يمكن فهم عدم تقبل الفرنسيين للقصة الانطباعية في
نموذجها الأمريكي، على الرغم من اقتباسهم أسلوب پو السردي الذي أهمله نقاد وطنه.
ومع ذلك فإن أشهر انطباعيَّين فرنسيين هما شارل نودييه C.Nodier وجيرار دي نِرڤال[ر] Nerval. واللافت هو أن مشاهير الأجناس الأدبية الأخرى في فرنسا كالرواية
والشعر قد جربوا أقلامهم بنجاح في القصة القصيرة، مثل بلزاك[ر] وفلوبير [ر] ودي
ڤيني[ر] وغوتييه[ر]، إلا أن أحد أهم كتاب فرنسا في القرن التاسع عشر أي
ألفونس دوديه[ر] امتاز بفرادة إبداعه القصصي الذي أظهر تقانات الكتابة وتجاربها في
قرن بكامله. أما أكبر قصاص فرنسي تميز بموضوعيته وتنوع موضوعاته وغزارتها، فهو موباسان[ر]
الذي صار نتاجه القصصي مدرسة تحتذى في جميع أنحاء العالم.

إن أول القصص القصيرة الحديثة ذات الأهمية
الفنية الجمالية في روسيا في القرن التاسع عشر تلك التي قدمها الشاعر ألكسندر بوشكين[ر].
فمثله مثل الفرنسي مرميه (الذي كان أول من ترجم أعماله إلى الفرنسية) طوَّر بوشكين
في قصصه أسلوباً يقارب الكلاسيكية في عرض الصراع العاطفي مع التأكيد على عدم
انحياز الكاتب عاطفياً إلى أحد طرفي الصراع. وثمة نموذج مهم آخر من روسيا هو رواية
الشاعر ليرمنتوف[ر] «بطل من زماننا» التي تتشكل أساساً من خمس قصص مختلفة ربطها
الراوي في سياق معين هادف.

إلا أن ذروة القصة القصيرة الحديثة في روسيا
تتمثل بنيكولاي غوغول[ر]، فسيد الرواية الواقعية الروسية دستويڤسكي[ر] يرى
أن القصة الروسية قد خرجت من «معطف» The Overcoat غوغول، وهي أشهر قصصه. وفي المرحلة نفسها نشرت قصص إيڤان تورغينيف[ر]
الذي يبدو للوهلة الأولى مختلفاً في أسلوبه عن غوغول، إلا أن كليهما كانا في
الواقع أكثر اهتماماً بمواصفات الشخصيات والأمكنة منهما في تطوير حبكة متكاملة
العناصر. أما عملاقا الرواية الواقعية دستويفسكي وتولستوي[ر] فقد أسهما بنصيب وافر
في تطور القصة، كل على طريقته. ووصلت القصة الموضوعية objective
story على يدي أنطون تشيخوف[ر]
إلى ذروتها؛ فهو لايبدي كبير اهتمام بالأحداث، ومع ذلك فإنه يكشف كثيراً من طبيعة
حياة شخصياته، وأسلوبه في السرد مفعم بالفكاهة الساخرة والمتعاطفة مع الشخصيات،
حيث أسس لتيار امتد تأثيره إلى العالم أجمع.

القصة في القرن العشرين

يرى وليم فوكنر[ر] أن الكتاب غالباً يجربون
أقلامهم في الشعر، وحينما يدركون صعوبة ذلك ينتقلون إلى القصة القصيرة، وحينما
يخفقون هنا يتوجهون إلى الاستقرار في حضن الرواية.

في النصف الأول من القرن العشرين كُتبت آلاف
القصص القصيرة الرائعة التي وضعها غالباً شعراء ومسرحيون وروائيون، أو كتاب قصة
قصيرة وحسب. لكن الملاحظ أن القصة القصيرة قد تراجعت في بعض البلدان لمصلحة مناطق
أخرى في العالم، فقد أنتجت صقلية مثلاً لويجي بيراندلّو[ر] وتشيكوسلوفاكيا كافكا[ر]
واليابان أكوتاغاوا[ر] وريونوسوكه A.Ryunosuke والأرجنتين بورخِس[ر]، إضافة إلى أن كبريات المجلات الاختصاصية قد
استمرت في التركيز على اكتشاف الأسماء الجديدة الواعدة من جميع أنحاء العالم. ومع
ازدياد أُلفتها صار شكل القصة القصيرة أكثر تنوعاً وتعقيداً، فالأدوات الأساسية
اللازمة لبناء القصة خضعت لتغيير ملحوظ. فالحدث الفريد الذي كان يميز غالباً قصة
القرن التاسع عشر تراجع في القرن العشرين لمصلحة الراوي الذي انصب اهتمامه على
أحداث ثانوية وأمور لاتلفت النظر.

كان الميل نحو التجريب في شكل القصة القصيرة هو
المهيمن في القرن العشرين. ومن أبرز التجريبيين إرنست همنغواي[ر] في قصته الشهيرة
«مكان نظيف حسن الإضاءة» A Clean Well- Lighted Place التي يبدو ظاهرياً أنها لاتقدم أي نوع من الشكل أو الحدث، إلا أن
هذا النوع من القصص في واقع الأمر يتمحور حول حدث نفسي داخلي، كما لدى لورنس[ر] وكاثرين
مانسفيلد وجيمس جويس[ر] وغيرهم كثر.

وفي القرن العشرين كله لم يقدم كتاب القصة ذلك
الشكل الذي يمكن أن يجيب عن التساؤلات والإشكاليات المتعلقة ببنية القصة dir=LTR>structural problems style='font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic"'>،
ولاسيما أن السينما والتلفزيون صارا أقدر على تحقيق متعة الإثارة والدهشة من حيث
مركزية الحدث والفعل. ومنذ أن توقفت المجلات الدورية عن نشر القصص الترفيهية
للجمهور العريض، صارت القصة القصيرة الشكل الأدبي الأكثر تفضيلاً لدى عدد أصغر من
القراء المثقفين.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1771
تاريخ التسجيل : 13/08/2011
العمر : 64

مُساهمةموضوع: ديكاميرون   الأحد أبريل 17, 2016 2:02 am

admin كتب:
تالديكاميرون

كاظم حسوني
08/07/2012
قراءات: 1656

بعد قرون، (الديكاميرون) تصدر بنصها الكامل بالعربية للمرة الاولى ، عن دار المدى بطبعة انيقة ضمن سلسلة (اعمال خالدة) ،2006، من القطع الكبير بواقع (702) صفحات، ترجمة صالح علماني ، الذي تصدرت ترجمته للرواية مقدمة وافية، وصف فيها ملامح الحياة الادبية في القرن الرابع عشر ، الذي شهد بزوغ عصر النهضة ، وبداية احتضار العصور الوسطى في اوربا ، اذ أنجب هذا القرن اعظم عباقرة الادب الايطالي امثال ، دانتي اليجري ، بترارك ، بوكاشيو .. حيث عملت البرجوازية الناشئة على رعاية الثقافة والفنون والعلوم ، لكن القرن الرابع عشر كان عصر الاوبئة ايضاً حيث الطاعون الاسود الذي اودى بحياة ربع سكان القارة . وهو عصر الحروب الذي اندلعت فيه حرب المائة عام (1337-1453) بين فرنسا وانكلترا ، وفي هذا القرن بات يتراجع نفوذ الكنيسة التي كانت لها اليد العليا لقرون طويلة في شؤون اللاهوت والسياسة ، وما رافق ذلك من ظهور للحركات الصوفية ، والتوجهات الجديدة التي تدعو الى تحكيم العقل في مختلف القضايا والامور الحياتية ، ما تسبب في تراجع دور الكنسية ومكانتها بوصفها الوسيط بين الانسان والرب ، حسب ما ورد في مقدمة .



مائة قصة

(ديكاميرون) سبق ان ترجم جزء منها في خمسينات القرن الماضي عام 1956 ، ضمن (سلسلة كتابي) التي يشرف على اصدارها حلمي مراد ، وقد ضم الكتاب 22 قصة مختارة من قصص بوكاشيو للمترجم اسماعيل كامل على ان يتبعها اصدار اجزاء آخر لأستكمال (مائة قصة) هو عدد قصص (الديكاميرون) كونها تحفة فنية ظلت حية على مدى القرون حافلة بالمرح والمباهج والمتعة والجمال ، والحكايات السرية ، والبهجة واللوعة والغواية ، والمكر ، والخديعة ، والاغراء ، والسخرية ، والتهكم على حد وصف المترجم ، كل ذلك وغيره في قصص يومية مبهرة مستوحاة مما يحدث في الغرف او وراء الابواب المغلقة ، يقصها رواتها العشرة ، ثلاثة شبان ، وسبع فتيات ، جمعهم الرعب ، الذي اثاره الطاعون ولاذوا بالعزلة في حدائق قصر ريفي ، وراحوا يسردون القصص لنسيان الموت وأهواله ، وهكذا اخذ كل منهم يروي قصة كل يوم ، فكانت الحصيلة عشر قصص يومياً ، خلال الايام العشرة ، وكانت هذه الحكايات والقصص من النمط الشائع في اوساط العامة في مختلف البلدان والشعوب القديمة ، بوصفها نوعاً من المتعة ، خاصة في اوقات الفراغ او الاستراحة من الاعمال الجادة وغالباً ما يعمد الراوي الى اظهار البراعة والفطنة في سرد قصصه ، وهو يختار نماذجه من بين بسطاء الناس في الغالب كالفلاحين ، والكسبة والفقراء من القرى والارياف ، او من قصور الملوك والسلاطين بما يحدث فيها من مؤامرات ودسائس وخيانات ، مستقياً مادته من واقع الحياة والحوادث اليومية ، وعلى مر الازمان خصصت في بعض المدن اماكن ترفيهية للحكايات والقصص .



مصنع الاكاذيب

ففي القرن الرابع عشر اسس اول ناد للقصة بأيطاليا في مدينة روما ، متخذاً من قاعة كبيرة في مبنى الفاتيكان مقرا له ، اطلق عليه اسم (مصنع الاكاذيب) دأب في الحضور عدد من مساعدي البابا واصدقائهم لازجاء اوقات فراغهم في اللهو والتسلية ، وتبادل القصص والاخبار الشيقة والغريبة ، وفي (مصنع الاكاذيب) هذا كان يخترع او يقص كثير من النوادر والحكايات الطريفة عن رجال ونساء ايطاليا ، وعن البابا نفسه ، ما دعا الكثير من الاهالي الى التردد على هذه الندوات ، حتى لا يهزأ بهم في غيبتهم ، وكان من اكثر رواد (مصنع الاكاذيب) مثابرة واخصبهم خيالاً رجل غريب الاطوار اسمه (بوتشبو) الذي اشتغل نصف حياته سكرتيراً للبابا ، تزوج وهو في السبعين فتاة في الخامسة عشرة ، وبدأ بهذا الزواج حياته الادبية ، فدون النوادر التي قصها وسمعها في مصنع الاكاذيب فقد ظهرت ايضا في القرن الرابع عشر في ايطاليا على يد (جيوفاني بوكاشيو 1313-1375) بأصداره كتاباً ضمنه حكايات مليئة بالاثارة والمتعة ، يدعى (الديكاميرون) او المائة قصة ، التي استمدها من مصادر عديدة ومتباينة منها المصري والمغربي ، والفارسي ، والايطالي والفرنسي ، انما دون ما سمعه في (نابولي) وفي غيرها من المدن الايطالية ، لكنه كساها واضفى عليها اسلوبه وصياغته المشوقة ما جعلها تستأثر بأهتمام ومشاعر القراء ، و(الديكاميرون) معناها باليونانية ، (ريكا) اي الايام العشرة ، ويرى المترجم صالح علماني ان بوكاشيو يتوجه في كتابه هذا الى النساء تحديداً لغرض تسليتهن والترويح عنهن لانهن محرومات من وسائل اللهو والتسلية المتاحة للرجال، ويبدأ الكتاب بوصف تفصيلي ودقيق لوباء الطاعون، حيث الحياة انفلت هاربة ، ولا تنتظر ساعة واحدة ، وقد بدأ بوكاشيو كتابه (الديكاميرون) في سنة 1384 ، تدفعه قبل كل شيء آخر ، ذكرى (ماريا دي اكينو) المستغرقة انذاك في غراميات اخرى ، فعام 1348 هو عام الموت رجالاً ونساءً وهم يخلفون شبابهم وثروتهم ، وينزلون افواجاً الى القبور . فالطاعون الاسود ازهق الارواح اكثر من اي حرب ، فقد دخل بيوت فلورنسا الغنية وعاث بها خراباً ، وكان كثيرون قد ماتوا ، عندما قررت النساء (الديكاميرون) السبع مغادرة المدينة مع الشبان الثلاثة ! والهرب ليبعدوا عن اذهانهم ما عاشوه من اهوال ، وهكذا يرفع بوكاشيو ركائز عمله على حدث واقعي ، عانى منه هو نفسه ، وتألم مثل غيره من معاصريه .. من تجاهل الموت والاستمتاع بالحياة والتسلية .



الرواة العشرة

يروي بوكاشيو قصصه ، وتتجسد موهبته في حكاياته المفعمة بالتشويق والسخرية اللاذعة ذات المغزى والمرح ، حسب وصف المترجم.. واحياناً يغلب عليها طابع البهجة او يتلبسها الحزن ، حسب طبيعة الحكاية التي تروى على لسان الرواة العشرة الذين انتدبهم لسرد قصصه ، التي سعت الى معالجة العلاقات المتباينة في مجتمعه ، وتصوير حياة بلده في القرن الرابع عشر ، اذ تناولت موضوعات مختلفة على مدى الايام العشرة ، وتنوعت بين محاور عدة لمهمة النقد والتعرية والوعظ والحث على الفضيلة ، وكشف نزاعات الانسان ورغباته الدفينة ، مثلما تميزت قصصه في كشف غوايات الرجال ومباذلهم ، ومظاهر السذاجة والفجور ولحظات الحب ، وتصوير حالات النفاق والخداع والكذب ، وتجلت براعته في رصد دقيق للاحداث والمواقف المتناقضة ، وقد استطاع بموهبته ان يفوق معاصريه او السابقين عليه من الكتاب بما اكتنزت به قصصه من كثافة في التركيب والوصف والحوار ، التي تعد الارهاصات الاولى في بناء القصة الحديثة ، ولعله اول كاتب اوربي ادخل هذه التقنيات الفنية ممهداً بذلك الطريق لمن بعده من الكتاب وهذا يفسر سر انتشاره وترجمة اعماله الى كل اللغات فقلده الكثيرون في ايطاليا وبقية كتاب البلدان الاوربية . ما دفع بأيطاليا الى مكان الصدارة في الحياة الثقافية بين دول القارة ، وواصلت قصص بوكاشيو تأثيرها على امتداد القرنين الخامس والسادس عشر ، وهيمنت على الاجواء الادبية، حيث شاعت قصصه ، وكان مقروءاً على نحو واسع تاركاً بصماته الواضحة على عدد من كتاب اوربا ، وبخاصة شكسبير .

كاظم حسوني
- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=160037#sthash.17dOqPFy.dpuf.

_________________

عاشق الغجرية في زمن اللاحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sikal.forummaroc.net
 
تاريخ القصة ـ النشأة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كـلام الـصـمـت :: الباب المفتوح :: النقد-
انتقل الى: